Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:25–33
46:25Page 505
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥
Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.
﴿تُدَمِّرُ﴾ أيْ: تُهْلِكُ إهْلاكًا عَظِيمًا شَدِيدًا سَرِيعًا تَأْتِي بَغْتَةً عَلى طَرِيقِ الهُجُومِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: [أتَتْ عَلَيْهِ]، هَذا شَأْنُها فَمَن سَلِمَ مِنها كَهُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَسَلامَتُهُ أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ كَما أنَّ أمْرَها في إهْلاكِ كُلِّ ما مَرَّتْ عَلَيْهِ أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، والجُمْلَتانِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونا وصْفًا لِرِيحٍ ويُحْتَمَلُ وهو أعْذَبُ وأهَزُّ لِلنَّفْسِ وأعْجَبُ أنْ تَكُونا اسْتِئْنافًا، ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها قالَ: (p-١٧٠)﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ أيِ: المُبْدِعِ لَها والمُرَبِّي والمُحْسِنِ بِالِانْتِقامِ بِها مِن أعْدائِهِ.
ولَمّا ذَكَرَها بِهَذا الذِّكْرِ الهائِلِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: جاءَتْهم فَدَمَّرَتْهم لَمْ تَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ زِيادَةً في التَّهْوِيلِ قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ ولَمّا اشْتَدَّ إصْغاءُ السّامِعِ إلى كَيْفِيَّةِ إصْباحِهِمْ، قالَ مُتَرْجِمًا لِهَلاكِهِمْ: ”لا تَرى“ أيْ: أيُّها الرّائِي، فَلَمّا عَظُمَتْ رَوْعَةُ القَلْبِ وهَوْلُ النَّفْسِ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءً عَلى إجْرامِهِمْ، فانْطَبَقَتِ العِبارَةُ عَلى المَعْنى، وعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِالإصْباحِ مُطْلَقُ الكَوْنِ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ المُصِيبَةَ فِيهِ أعْظَمُ، وعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ دَيّارٌ ولا نافِخُ نارٍ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عُمُومِ الهَلاكِ لَهم سَواءٌ كانَ الرَّمْلُ دَفَنَهم أوْ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُرَتَّبِينَ كَما في الآيَةِ الأُخْرى.
﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ورُوِيَ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ اعْتَزَلَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ في حَظِيرَةٍ فَأمالَتِ الرِّيحُ عَلى الكَفَرَةِ الأحْقافَ الَّتِي كانَتْ مُجْتَمَعَهم إذا تَحَدَّثُوا ومَحَلَّ بَسْطِهِمْ إذا لَعِبُوا، فَكانُوا تَحْتَها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْهم فاحْتَمَلَتْهم فَقَذَفَتْهم في البَحْرِ وكَذا أهَلَكَتْ مَواشِيَهم وكُلَّ شَيْءٍ لَهم فِيهِ رُوحٌ ولَمْ يُصِبْ هُودًا (p-١٧١)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم [مِنها] إلّا ما لَيَّنَ أبْشارَهم ونَعَشَ أرْواحَهُمْ، والآيَةُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها في أنَّهُ لَمْ يُصْبِحِ الصَّباحُ ومِنهم أحَدٌ يُرى.
ولَمّا طارَتْ لِهَذا الهَوْلِ الأفْئِدَةُ وانْدَهَشَتِ الألْبابُ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى زُبْدَةِ المُرادِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ الهائِلِ في أصْلِهِ أوْ جِنْسِهِ أوْ نَوْعِهِ أوْ شَخْصِهِ مِنَ الإهْلاكِ ﴿نَجْزِي﴾ بِعَظَمَتِنا دائِمًا إذا شِئْنا ﴿القَوْمَ﴾ وإنْ كانُوا أقْوى ما يَكُونُ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في الإجْرامِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ ما حَقُّهُ الوَصْلُ فَيَصِلُونَ ما حَقُّهُ القَطْعُ، وذَلِكَ الجَزاءُ هو الإهْلاكُ عَلى هَذا الوَجْهِ الشَّنِيعِ، فاحْذَرُوا أيُّها العَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَرْجِعُوا.
46:26Page 505
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦
And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.
ولَمّا كانَ [هَذا] مَحَلًّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الإخْبارُ عَنْ حالِ مُكْنَتِهِمْ لِيُعْلَمَ هَلْ تَرَكُوا الدَّفْعَ لِمانِعٍ فِيهِمْ أوْ لِأنَّ ما أتاهم بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ دِفاعُهُ، قالَ ذاكِرًا حَرْفَ التَّوَقُّعِ مُخَوِّفًا لِلْعَرَبِ مُقْسِمًا لِأنَّ قُرَيْشًا قَدْ قالَ قائِلُهُمْ: إنَّهم يَدْفَعُونَ العَذابَ بِدَفْعِ الزَّبانِيَةِ، ونَحْوِها: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ والحالُ أنّا وعِزَّتِنا قَدْ ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ تَمْكِينًا تَظْهَرُ بِهِ عَظَمَتُنا (p-١٧٢)﴿فِيما إنْ﴾ أيِ: الَّذِي ما ﴿مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ وغَيْرِها، وجَعَلَ النّافِيَ ”إنْ“ لِأنَّها أبْلَغُ مِن ”ما“ لِأنَّ ”ما“ تَنْفِي تَمامَ الفَوْتِ لِتَرَكُّبِها مِنَ المِيمِ والألِفِ الَّتِي حَقِيقَةُ إدْراكِها فَوْتُ تَمامِ الإدْراكِ و”إنْ“ تَنْفِي أدْنى مَظاهِرِ مَدْخُولِها فَكَيْفَ بِما وراءَهُ مِن تَمامِهِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ أوَّلُ مَظْهَرٍ لِفَوْتِ الألِفِ والنُّونِ لِمُطْلَقِ الإظْهارِ - هَذا إلى ما في ذَلِكَ مِن عُذُوبَةِ اللَّفْظِ وصَوْنِهِ عَنْ ثِقَلِ التَّكْرارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بَدائِعِ الأسْرارِ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْتَخِرُ بِعُقُولِها فَرُبَّما ظَنَّتْ أنَّها في العَقْلِ ومُقَدَّماتِهِ مِنَ الحَواسِّ أمْكَنُ مِنهُمْ، وأنَّهم ما أتى عَلَيْهِمْ إلّا مِن عَدَمِ فَهْمِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: جَعْلًا يَلِيقُ بِما ”زِدْناهم عَلَيْكُمْ“ مِنَ المُكْنَةِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ عَظَمَتُنا ﴿لَهم سَمْعًا﴾ بَدَأ بِهِ لِأنَّ المَقامَ لِلْإنْذارِ المُنَبِّهِ بِحاسَّةِ السَّمْعِ عَلى ما في الآياتِ المَرْئِيّاتِ مِنَ المَواعِظِ، فَهو أنْفَعُ لِأنَّهُ أوْضَحُ، ووَحَّدَهُ لِقِلَّةِ التَّفاوُتِ فِيهِ ﴿وأبْصارًا﴾ أيْ: مُنَبِّهَةً عَلى ما في الآياتِ المَرْئِيّاتِ مِن مُطابَقَةِ واقِعِها لِأخْبارِ السَّمْعِ، (p-١٧٣)وجَمَعَ لِكَثْرَةِ التَّفاوُتِ في أنْوارِ الأبْصارِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَةً﴾ أيْ: قُلُوبًا لِيَعْرِفُوا بِها الحَقَّ فَيَتَّبِعُوهُ والباطِلَ فَيَجْتَنِبُوهُ ويَشْكُرُوا مَن وهَبَها لَهُمْ، وخَتَمَ بِها لِأنَّها الغايَةُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَ الإدْراكِ مُنْتَهًى ولا وراءَها مَرْمًى، وعَبَّرَ بِما هو مِنَ التَّفَوُّدِ وهو التَّجَرُّدُ إشارَةً إلى أنَّها في غايَةِ الذَّكاءِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ في حالِ إرْسالِنا إلَيْهِمُ الرَّحْمَةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ النِّقْمَةَ بِيَدِ الرِّيحِ ﴿سَمْعُهُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ النّافِي فَقالَ: ﴿ولا أبْصارُهُمْ﴾ وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أفْئِدَتُهُمْ﴾ أيْ: لَمّا أرَدْنا إهْلاكَهُمْ، وأكَّدَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [أيْ] مِنَ الإغْناءِ، وإنْ قَلَّ [لا] في دَفْعِ العَذابِ، ولا في مَعْرِفَةِ الصَّوابِ، بَلْ صَرَفُوا ما وهَبْنا لَهم مِنَ القُوى فِيما لا يَنْبَغِي تَعْلِيقُ الهِمَمِ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا حَتّى فاقُوا في ذَلِكَ الأُمَمَ وعَمِلُوا أعْمالَ مَن تَخَلَّدَ كَما قِيلَ:
؎والخُلْدَ قَدْ حاوَلَتْ عادٌ فَما خَلَدُوا
ولَمّا ذَكَرَ نَفْيَ الإغْناءِ، ذَكَرَ ظَرَفَهُ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ التَّعْلِيلَ، فَإنَّهُ إذا ذُكِرَ الِانْتِقامُ في وقْتِ فِعْلِ الشَّيْءِ عُلِمَ أنَّ عِلَّتَهُ فِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَقالَ: (p-١٧٤)﴿إذْ كانُوا﴾ أيْ: طَبْعًا لَهم وخُلُقًا ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُكَرِّرُونَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ الجَحْدَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: الإنْكارِ لِما يُعْرَفُ مِن دَلائِلِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿وحاقَ﴾ أيْ: أحاطَ عَلى جِهَةِ الإحْراقِ والعِظَمِ بِأُمُورٍ لا يَدْرِي وجْهَ المَخْلَصِ مِنها ﴿بِهِمْ ما﴾ أيْ: عِقابُ الَّذِي ﴿كانُوا﴾ عَلى جِهَةِ الدَّوامِ لِكَوْنِهِ خُلُقًا لَهم ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَهُ عاشِقٌ فِيهِ.
46:27Page 505
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧
And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].
ولَمّا تَمَّ المُرادُ مِنَ الإخْبارِ بِهَلاكِهِمْ عَلى ما لَهم مِنَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ لِيَتَّعِظَ بِهِمْ مَن سَمِعَ أمْرَهُمْ، أتْبَعَهم مَن كانَ مُشارِكًا لَهم في التَّكْذِيبِ فَشارَكَهم في الهَلاكِ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِتَخْوِيفِهِمْ دالًّا عَلى إحاطَةِ قُدْرَتِهِ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ المُحِيطَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ بِكُلِّ ما نُرِيدُ ﴿ما حَوْلَكُمْ﴾ أيْ: يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ القُرى﴾ كَأهْلِ الحِجْرِ وسَبَأٍ ومَدْيَنَ والأيْكَةِ وقَوْمِ لُوطٍ وفِرْعَوْنَ وأصْحابِ الرَّسِّ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ. ولَمّا كانَ المَوْعُوظُ بِهِ الإهْلاكَ ذُكِرَ مُقَدَّمًا، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى السُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ في الآياتِ، فَقالَ (p-١٧٥)عاطِفًا بِالواوِ [الَّتِي] لا يَمْنَعُ مَعْطُوفُها التَّقَدُّمَ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾ أيْ: حَوَّلْنا الحُجَجَ البَيِّناتِ وكَرَّرْناها مُوَصِّلَةً مُفَصَّلَةً مُزَيَّنَةً مُحْسِنَةً عَلى وُجُوهٍ شَتّى مِنَ الدَّلالاتِ، خالِصَةً عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ.
ولَمّا كانَ تَصْرِيفُ الآياتِ لا يَخُصُّ أحَدًا بِعَيْنِهِ، بَلْ هو لِكُلِّ مَن رَآهُ أوْ سَمِعَ بِهِ لَمْ يُقَيِّدْها بِهِمْ وذَكَرَ العِلَّةَ الشّامِلَةَ لِغَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيِ: الكُفّارَ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونُوا عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حالَهم في رُؤْيَةِ الآياتِ حالَ مِن يَرْجِعُ عَنِ الغَيِّ الَّذِي كانَ يَرْكَبُهُ لِتَقْلِيدٍ أوْ شُبْهَةٍ كَشَفَتْهُ الآياتُ وفَضَحَتْهُ الدَّلالاتُ فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَكانَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ سَبَبَ إهْلاكِنا لَهم.
46:28Page 505
فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨
Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.
ولَمّا كانُوا قَدْ جَعَلُوا مَحَطَّ حالِهِمْ في الشُّرَكاءِ أنَّهم سَبَبُ التَّواصُلِ بَيْنَهم والتَّفاوُتِ، وادَّعَوْا أنَّهم يَشْفَعُونَ فِيهِمْ فَيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ زُلْفى ويَمْنَعُونَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، وكانَ أدْنى الأُمُورِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ (p-١٧٦)وبَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، سَبَّبَ عَنْ أخْبارِهِ عَنْ إهْلاكِ الأُمَمِ الماضِيَةِ قَوْلَهُ مُقَدِّمًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي جَعَلَها مَحَطَّ نَظَرِهِمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ: فَهَلْ لا ولِمَ لا ﴿نَصَرَهُمُ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيِ اجْتَهَدُوا في صَرْفِ أنْفُسِهِمْ عَنْ دَواعِي العَقْلِ والفِطَرِ الأُولى حَتّى أخَذُوا، وأشارَ إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ بِبَيانِ سُفُولِهِمْ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ ﴿قُرْبانًا﴾ أيْ: لِأجْلِ القُرْبَةِ والتَّقْرِيبِ العَظِيمِ يَتَقَرَّبُونَ إلَيْها ويَزْعُمُونَ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ ﴿آلِهَةً﴾ أشْرَكُوهم مَعَ المَلِكِ الأعْظَمِ لِأجْلِ ذَلِكَ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ وأخْزاهم.
ولَمّا كانَ التَّخْصِيصُ يُفْهِمُ أنَّهم ما نَصَرُوهُمْ، أضْرَبَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ أيْ: غابُوا وعَمُوا عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وبَعُدُوا ﴿عَنْهُمْ﴾ وقْتَ بُرُوكِ النِّقْمَةِ وقُرُوعِ المُثْلَةِ حِسًّا ومَعْنًى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَذَلِكَ الِاتِّخاذُ الَّذِي أدَّتْهم إلَيْهِ عُقُولُهُمُ السّافِلُ جِدًّا البَعِيدُ مِنَ الصَّوابِ كانَ المُوصِلَ إلى مَآلِهِمْ هَذا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ: الضَّلالُ البَعِيدُ مِنَ السَّدادِ الَّذِي تَحَصَّلَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِن إخْلافِ ما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ أوْثانَهم آلِهَةٌ، وإنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ وتُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ ﴿إفْكُهُمْ﴾ أيْ: صَرْفُهُمُ الأُمُورَ عَنْ وجْهِها إلى أقْفائِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى العَذابِ، أيْ: وهَذا العَذابُ (p-١٧٧)جَزاؤُهم في مُقابَلَةِ إفْكِهِمْ ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الدَّوامِ لِكَوْنِهِ في طِباعِهِمْ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلَيْهِ بَعْدَ مَجِيءِ الآياتِ لا يَكُونُ إلّا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ فِيها مُجَرِّدًا نَفْسَهُ عَنِ الهَوى اهْتَدى.
46:29Page 506
وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩
And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِنَ البُعْدِ مِنَ الإيمانِ مَعَ تَصْرِيفِ العِظاتِ والعِبَرِ والآياتِ يَكادُ أنْ يُؤْنِسَ السّامِعَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ، قَرَّبَهُ دَلالَةً عَلى عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ بِالتَّذْكِيرِ بِالإيمانِ مَن هم أعْلى مِنهم عُتُوًّا وأشَدُّ نَفْرَةً وأبْعَدُ إجابَةً وأخْفى شَخْصًا، فَقالَ جَوابًا عَمّا وقَعَ لَهُ ﷺ في عَرْضِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ [عَلى] القَبائِلِ وإبْعادِهِمْ عَنْهُ لا سِيَّما أهْلُ الطّائِفِ، دالًّا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِشارَةً لِلْمُنْزَلِ [عَلَيْهِ] ﷺ وتَوْبِيخًا لِما تَأخَّرَ عَنْ إجابَتِهِ مِن قَوْمِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ هَذِهِ الأخْبارَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: واذْكُرْ حِينَ ﴿صَرَفْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: وجَّهْنا تَوْجِيهًا خالِصًا حَسَنًا مُتْقَنًا فِيهِ مَيْلٌ إلَيْكَ وإقْبالٌ عَلَيْكَ، وإعْراضٌ عَنْ غَيْرِكَ، بِوادِي نَخْلَةَ عِنْدَ انْصِرافِكَ مِنَ الطّائِفِ حِينَ عَرَضْتَ نَفْسَكَ الشَّرِيفَةَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِ النَّصِيرَيْنِ فَرَدُّوكَ (p-١٧٨)رَدًّا تَكادُ تَنْشَقُّ مِنهُ المَرائِرُ، وتُسَلُّ مِن تِذْكارِهِ النَّواظِرُ.
ولَمّا كانَ اسْتِعْطافُ مَن جُبِلَ عَلى النَّفْرَةِ وإظْهارِ مَن بُنِيَ عَلى الِاجْتِنانِ أعْظَمَ في النِّعْمَةِ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿نَفَرًا﴾ وهو اسْمٌ يُطْلَقُ عَلى ما دُونَ العَشْرَةِ، وهو المُرادُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وحُسْنُ التَّعْبِيرِ بِهِ أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا خُصُّوا بِشَرَفِ السَّبْقِ وحُسْنِ المُتابَعَةِ كانُوا كَأنَّهم هُمُ النَّفَرُ لا غَيْرُهم ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ مِن أهْلِ نُصَيْبِينَ مِنَ النّاحِيَةِ الَّتِي مِنها عَدّاسٌ الَّذِي جَبَرْناكَ بِهِ في الطّائِفِ بِما شَهِدَ بِهِ لِسَيِّدَيْهِ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ أنَّكَ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِهَؤُلاءِ النَّفَرِ مِن جِبِلّاتِهِمْ إلّا النُّفْرَةُ والِاجْتِنانُ وهو الِاخْتِفاءُ والسَّتْرُ فَجَعَلْناهم آلِفِينَ لَكَ ظاهِرِينَ عِنْدَكَ لِتُبَلِّغَهم ما أرْسَلْناكَ بِهِ؛ فَإنّا أرْسَلْناكَ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وهَذا جَبْرٌ لَكَ وبِشارَةٌ بِإيمانِ النّافِرِينَ مِنَ الإنْسِ كَما أيَّدْناكَ مِنهم بَعْدَ نُفْرَةِ أهْلِ الطّائِفِ بِعَدّاسٍ، ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ سَماعَ الذِّكْرِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ، الفارِقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ وأنْتَ في صَلاةِ الفَجْرِ في نَخْلَةَ تُصَلِّي بِأصْحابِكَ، ودَلَّ (p-١٧٩)عَلى قُرْبِ زَمَنِ الصَّرْفِ مِن زَمَنِ الحُضُورِ بِتَعْبِيرِهِ سُبْحانَهُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى مُفَصِّلًا لِحالِهِمْ: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ: صارُوا بِحَيْثُ يَسْمَعُونَهُ ﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم ورَضِيَ الآخَرُونَ: ﴿أنْصِتُوا﴾ أيِ اسْكُتُوا ومِيلُوا بِكُلِّيّاتِكم واسْتَمِعُوا حِفْظًا لِلْأدَبِ عَلى بِساطِ الخِدْمَةِ، وفِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ في تَعَلُّمِهِ وأيْضًا مَعَ مُعَلِّمِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَأهْلُ الحُضُورِ صِفَتُهُمُ الذُّبُولُ والسُّكُونُ والهَيْبَةُ والوَقارُ، والثَّوَرانُ والِانْزِعاجُ يَدُلُّ عَلى غَيْبَةٍ أوْ قِلَّةِ تَيَقُّظٍ ونُقْصانٍ مِنَ الِاطِّلاعِ، ودَلَّ عَلى أنَّ ما اسْتَمَعُوهُ كانَ يَسِيرًا وزَمَنُهُ قَصِيرًا، وعَلى تَفْصِيلِ حالِهِمْ بَعْدَ انْقِضائِهِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا﴾ أيْ: فَأنْصَتُوا فَحِينَ ﴿قُضِيَ﴾ أيْ: حَصَلَ الفَراغُ مِن قِراءَتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ مِن أيِّ قارِئٍ كانَ ﴿ولَّوْا﴾ أيْ: أوْقَعُوا (p-١٨٠)التَّوْلِيَةَ - أيِ القُرْبَ - بِتَوْجِيهِ الوُجُوهِ والهِمَمِ والعَزائِمِ ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ، ودَلَّ عَلى حُسْنِ تَقَبُّلِهِمْ لِما سَمِعُوهُ ورُسُوخِهِمْ في اعْتِقادِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: مُخَوِّفِينَ لَهم ومُحَذِّرِينَ عَواقِبَ الضَّلالِ بِأمْرٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ.
46:30Page 506
قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠
They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا لَهم في إنْذارِهِمْ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: لِقَوْمِهِمْ حِينَ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ: ﴿يا قَوْمَنا﴾ مُتَرَقِّقِينَ لَهم ومُشْفِقِينَ بِهِمْ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِنهم يُهِمُّهم ما يُهِمُّهم ويَكْرُبُهم ما يَكْرُبُهم كَما قِيلَ:
؎وإنَّ أخاكَ الحَقَّ مَن كانَ مَعَكْ ومَن يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكْ
ولَمّا كانُوا - بِنُزُولِ ما في أسْفارِ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ خالِيَةً مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ إلّا يَسِيرًا مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ - قاطِعِينَ أوْ كالقاطِعِينَ بِأنَّهُ لا يَنْزِلُ كِتابٌ يُناظِرُ التَّوْراةَ في الأحْكامِ والحُدُودِ (p-١٨١)وغَيْرِها، فَكانَ قَوْمُهم رُبَّما تَوَقَّفُوا في الإخْبارِ بِإنْزالِ ما هو أشْرَفُ مِن ذَلِكَ، أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ أيْ: بَيْنَنا وبَيْنَ القارِئِ واسِطَةٌ، وأشارُوا إلى أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ التَّوْراةِ شَيْءٌ جامِعٌ لِجَمِيعِ ما يُرادُ مِنهُ، مُغْنٍ عَنْ جَمِيعِ الكُتُبِ غَيْرُ هَذا، وبِذَلِكَ عَرَفُوا أنَّهُ ناسِخٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ فَقالُوا عَلى سَبِيلِ التَّبْيِينِ لِما سَمِعُوا: ﴿كِتابًا﴾ أيْ: ذِكْرًا جامِعًا، لا كَما نَزَلَ بَعْدَ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا مُنْزِلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وهو مالِكُ المُلْكِ ومَلِكُ المُلُوكِ لِأنَّ عَلَيْهِ مِن رَوْنَقِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ما يُوجِبُ القَطْعَ لِسامِعِهِ بِأنَّهُ مِنها فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ الإعْجازُ، وعَلِمُوا قَطْعًا بِعَرَبِيَّتِهِ أنَّهُ عَرَبِيٌّ وبِأنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ويَسْمَعُونَ قِراءَةَ النّاسِ لِما يُحْدِثُونَهُ مِنَ الحِكَمِ والخُطَبِ والكِهانَةِ والرَّسائِلِ والأشْعارِ، وبِأنَّهُ مُبايِنٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أنَّهُ قَرِيبُ العَهْدِ بِالنُّزُولِ مِن مَحَلِّ العَظَمَةِ، فَقالُوا مُثْبِتِينَ لِلْجارِّ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِما أُنْزِلَ بَيْنَ هَذا الكِتابِ وبَيْنَ التَّوْراةِ مِنَ الإنْجِيلِ وما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لا يُساوِي التَّوْراةَ في الجَمْعِ، ولا يَعْشُرُ هَذا الكِتابَ في الأحْكامِ والحُكْمِ واللَّطائِفِ والمَواعِظِ [مَعَ] ما زادَ (p-١٨٢)بِهِ مِنَ الإعْجازِ وغَيْرِهِ.
ولَمّا أخْبَرُوا بِأنَّهُ مُنْزَلٌ، أتْبَعُوهُ ما يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ فَقالُوا: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ الإنْجِيلِ وما قَبْلَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا تَصْدِيقَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَةِ شَيْءٍ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ، الكامِلِ في جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿وإلى طَرِيقٍ﴾ مُوصِلٍ إلى المَقْصُودِ الأعْظَمِ وهو الإيمانُ بِمُنْزِلِهِ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ فَهو يُوصِلُ بِغايَةِ ما يُمْكِنُ مِنَ السُّرْعَةِ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ، فَيَقْدِرُ السّالِكُ فِيهِ عَلى أنْ يَخْتَصِرَ طَرِيقًا يَكُونُ وتَرًا لِما تَقَوَّسَ مِنهُ.
46:31Page 506
يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١
O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.
ولَمّا أخْبَرُوهم بِالكِتابِ وبَيَّنُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ أقْرَبُ مُوصِلٍ إلَيْهِ، فَكانَ قَوْمُهم جَدِيرِينَ بِأنْ يَقُولُوا: فَما الَّذِي يَنْبَغِي أنْ نَفْعَلَ؟ أجابُوهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمَنا﴾ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ العِلْمِ والعَمَلِ ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ والكَمالِ، فَإنَّ دَعْوَةَ هَذا الدّاعِي عامَّةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فالإجابَةُ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مَن بَلَغَهُ أمْرُهُ.
ولَمّا كانَ المُجِيبُ قَدْ يُجِيبُ في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ كَما كانَ أبُو طالِبٍ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ، عَطَفُوا في خِطابِهِمْ لَهم في الدَّعْوَةِ أنْ قالُوا: ﴿وآمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: أوْقِعُوا التَّصْدِيقَ بِسَبَبِ الدّاعِي لا بِسَبَبٍ آخَرَ، فَإنَّ (p-١٨٣)المَفْعُولَ مَعَهُ مَفْعُولٌ مَعَ مَن أرْسَلَهُ وهو اللَّهُ الَّذِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وآمِنُوهُ مِن كُلِّ تَكْذِيبٍ، أوِ الضَّمِيرُ لِلْمُضافِ إلَيْهِ [وهُوَ اللَّهُ] بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَسْتُرُ ويُسامِحُ ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيِ: الشِّرْكِ وما شابَهَهُ مِمّا هو حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى أيْ وذَلِكَ السَّتْرُ لا يَكُونُ إلّا إذا حَصَلَ مِنكُمُ الإجابَةُ التّامَّةُ والتَّصْدِيقُ التّامُّ وأدْخَلُوا [”مِن“] إعْلامًا بِأنَّ مَظالِمَ العِبادِ لا تُغْفَرُ إلّا بِإرْضاءِ أهْلِها وكَذا ما يُجازى بِهِ صاحِبُهُ في الدُّنْيا بِالعُقُوباتِ والنَّكَباتِ والهُمُومِ ونَحْوِها مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]
﴿ويُجِرْكُمْ﴾ أيْ: يَمْنَعُكم ”إذا أجَبْتُمْ“ مَنعَ الجارِ لِجارِهِ لِكَوْنِكم بِالتَّحَيُّزِ إلى داعِيهِ صِرْتُمْ مِن حِزْبِهِ ﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ واقْتِصارِهِمْ عَلى المَغْفِرَةِ تَذْكِيرٌ بِذُنُوبِهِمْ لِأنَّ مَقْصُودَهُمُ الإنْذارُ لا يُنافِي صَرِيحَ قَوْلِهِ في هَذِهِ [السُّورَةِ] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩] في إثْباتِ الثَّوابِ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها.
46:32Page 506
وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢
But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."
ولَمّا فَرَغُوا مِنَ التَّعْرِيفِ بِالحَقِّ والدَّلالَةِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ إلَيْهِ والإنْذارِ (p-١٨٤)بِالرِّفْقِ بِما أفْهَمُ كَلامُهم مِن أنَّهم إنْ لَمْ يُجِيبُوا انْتَقَمَ مِنهم بِالعَذابِ [الألِيمِ]، أتْبَعُوهُ ما هو أغْلَظُ إنْذارًا مِنهُ فَقالُوا: ﴿ومَن لا يُجِبْ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهُ أنْ يُجِيبَ ﴿داعِيَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ولا طاقَةَ [لِأحَدٍ] بِسُخْطِهِ فَعَمَّ بِدَعْوَةِ هَذا الرَّسُولِ ﷺ جَمِيعَ الخَلْقِ.
ولَمّا دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ كَما قَدَّمْتُهُ في سُورَتَيِ الأنْعامِ والفُرْقانِ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ، وكانَ التّارِكُ لِإجابَةِ مَن عَمَّتْ رِسالَتُهُ عاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، عَبَّرَ عَنْ عَذابِهِ، بِما دَلَّ عَلى تَحَتُّمِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ﴾ أيْ: لِما يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ فَإنَّهُ آيَةٌ سُلِكَ فِيها فَهو في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ وقُدْرَتُهُ مُحِيطَةٌ بِهِ ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ﴾ أيِ: اللَّهِ الَّذِي لا يُجِيرُ إلّا هو ﴿أوْلِياءُ﴾ يَفْعَلُونَ لِأجْلِهِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُ والِاسْتِشْفاعِ لَهُ والِافْتِداءِ والمُناصَبَةِ لِأجْلِهِ.
ولَمّا انْتَفى عَنْهُ الخَلاصُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وكانَ ذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ سَواءٌ كانَ العاصِي واحِدًا أوْ أكْثَرَ، أنَتَجَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُعَبِّرًا بِالجَمْعِ (p-١٨٥)لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ ودَلالَةً عَلى أنَّ العُصاةَ كَثِيرَةٌ لِمُلاءَمَةِ المَعاصِي لِأكْثَرِ الطَّبائِعِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البَعِيدُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ في نَفْسِهِ أنَّهُ ضَلالٌ، مُظْهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُبْحَ إحاطَتِهِمْ بِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ويُقالُ: الإجابَةُ عَلى ضَرْبَيْنِ: إجابَةُ اللَّهِ، وإجابَةُ الدّاعِي، فَإجابَةُ الدّاعِي بِشُهُودِ الواسِطَةِ وهو الرَّسُولُ ﷺ، وإجابَةُ اللَّهِ بِالجَهْرِ إذا بَلَغَتِ المَدْعُوَّ رِسالَتُهُ ﷺ عَلى لِسانِ السَّفِيرِ، وبِالسِّرِّ إذا حَصَلَتِ التَّعْرِيفاتُ مِنَ الوارِداتِ عَلى القَلْبِ، فَمُسْتَجِيبٌ بِنَفْسِهِ، ومُسْتَجِيبٌ بِقَلْبِهِ، ومُسْتَجِيبٌ بِرُوحِهِ، ومُسْتَجِيبٌ بِسِرِّهِ، ومَن تَوَقَّفَ عَنْ دُعاءِ الدّاعِي إيّاهُ هُجِرَ فَما كانَ يُخاطَبُ بِهِ.
46:33Page 506
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth and did not fail in their creation, is able to give life to the dead? Yes. Indeed, He is over all things competent.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى ما اقْتَضاهُ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ والتَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ بِذِكْرِ بَعْضِ مَثُلاتِهِ، وخَتَمَ بِضَلالِ مَن لَمْ يُجِبِ الدّاعِيَ، نَبَّهَ عَلى أنَّ أوْضَحَ الأدِلَّةِ عَلى إحاطَتِهِ بِالجَلالِ والجَمالِ وقُدْرَتِهِ عَلى الأجَلِ المُسَمّى الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لِأجْلِهِ ما جَلّى بِهِ مَطْلَعَ السُّورَةِ مِن إبْداعِ الخافِقَيْنِ وما فِيهِما مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ لِلْأُذُنِ والعَيْنِ، فَقالَ مُبَكِّتًا لَهم عَلى ضَلالِهِمْ عَنْ إجابَةِ الدّاعِي ومُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم مُرْشِدًا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ألَمْ يَرَ (p-١٨٦)هَؤُلاءِ الضُّلّالُ ما نَصَبْنا في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أعْلامِ الدَّلائِلِ وواضِحِ الرَّسائِلِ في المَقاصِدِ والوَسائِلِ، عاطِفًا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى رَدًّا لِمَقْطَعِ السُّورَةِ بِتَقْرِيرِ المَعادِ عَلى مَطْلَعِها المُقَرِّرِ لِلْبَدْءِ بِخَلْقِ الكَوْنَيْنِ [بِالحَقِّ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: يَعْلَمُوا عِلْمًا هو في الوُضُوحِ كالرُّؤْيَةِ] ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ ودَلَّ عَلى هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَلى ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَعْجِزُ [الوَصْفُ] مِنَ العِبَرِ ﴿والأرْضَ﴾ عَلى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ المُدْرَكَةِ بِالعِيانِ والخَبَرِ ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾ أيْ: يَعْجِزْ، يُقالُ: عَيِيَ بِالأمْرِ - إذْ لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ مُرادِهِ أوْ عَجَزَ عَنْهُ ولَمْ يُطِقْ إحْكامَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ - إذْ لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، وأعْيَيْتُ: تَعِبْتُ، وفي القامُوسِ: وأعْيى بِالأمْرِ: كَلَّ ﴿بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَأدّى إلى نُقْصانٍ فِيهِما أوْ في (p-١٨٧)إحْداهُما، وأكَّدَ الإنْكارَ المُتَضَمِّنَ لِلنَّفْيِ بِزِيادَةِ الجارِّ في حَيِّزِ ”أنَّ“ فَقالَ تَعالى: ﴿بِقادِرٍ﴾ أيْ: قُدْرَةً عَظِيمَةً تامَّةً بَلِيغَةً ﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مُسْتَمِرًّا ﴿المَوْتى﴾ والأمْرُ فِيهِمْ لِكَوْنِهِ إعادَةً ولِكَوْنِهِمْ جَزاءً يَسِيرًا مِنها ذَكَرَ اخْتِراعَهُ أصْغَرَ شَأْنًا وأسْهَلَ صُنْعًا.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى﴾ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ عِلْمًا هو في إتْقانِهِ كالرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ المُخْتَرِعُ لِذَلِكَ، وأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ في مَجارِي عاداتِهِمْ، ولَكِنَّهم عَنْ ذَلِكَ غافِلُونَ لِأنَّهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ولَمّا كانُوا مَعَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ المُشاهَدَةِ بِالبَصَرِ يُنْكِرُونَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الصَّنْعَةُ مِن إحاطَةِ القُدْرَةِ، عَلَّلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لَهُ بِقَوْلِهِ مُقَرِّرًا لِلْقُدْرَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَدْخُلُ فِيهِ البَعْثُ الَّذِي ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ إلّا لِأجْلِهِ لِيَخْتِمَ بِما بَدَأ بِهِ ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: هو أهْلٌ لِأنْ تَتَعَلَّقَ القُدْرَةُ بِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences