Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:11–18
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
ولَمّا بَيَّنَ أنْ يُعْلِيَ أوْلِياءَهُ ويُذِلَّ أعْداءَهُ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي فَعَلَهُ بِالفَرِيقَيْنِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: القَرِيبُ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِهِ المُرْضِينَ لَهُ، فَهو يَفْعَلُ مَعَهم بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ بِقَرِيبِهِ الحَبِيبِ لَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلِ: الزُّهّادُ والعُبّادُ وأصْحابُ الأوْرادِ والِاجْتِهادِ. يَعْنِي بَلْ ذَكَرَ أدْنى أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ.
﴿وأنَّ الكافِرِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّهم بَعِيدُونَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي لا يُعْبَدُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا هُوَ، فَلا يَنْفَعُهم قُرْبُ قَرِيبٍ [أصْلًا] وإنَّ [كانَ] اللَّهُ مَوْلاهم بِغَيْرِ هَذا المَعْنى بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ سَيِّدُهم ومالِكُهُمْ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ مَن لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في الكُفْرِ فَيُخْرِجُهُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
47:12Page 508
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢
Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى تَعَرُّفِ تَمامِ آثارِ الوِلايَةِ، قالَ شافِيًا (p-٢١٤)لِعِيِّ سُؤالِهِمْ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ كَثْرَةِ المُكَذِّبِينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّصْدِيقَ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَوْا أنَّهم أوْقَعُوهُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ فَتَمَتَّعُوا بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَلاذِّ لا عَلى وجْهِ أنَّها مَلاذُّ بَلْ عَلى وجْهِ أنَّها مَأْذُونٌ فِيها، وهي بَلاغٌ إلى الآخِرَةِ وأكَلُوا لا لِلتَّرَفُّهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ البَدَنِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ تَقَوُّتًا لا تَمَتُّعًا ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ مَوْصُوفَةً بِأنَّها ﴿تَجْرِي﴾ وبَيَّنَ قُرْبَ الماءِ مَن وجْهِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَهي دائِمَةُ النُّمُوِّ والبَهْجَةِ والنَّضارَةِ والثَّمَرَةِ؛ لِأنَّ أُصُولَ أشْجارِها رُبًى وهي بِحَيْثُ مَتى أثَّرَتْ بُقْعَةٌ مِنها أدْنى إثارَةٍ جَرى مِنها نَهْرٌ، فَأنْساهم دُخُولُهم غُصَصَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِن نَكَدِ العَيْشِ ومُعاناةِ الشَّدائِدِ، وضَمُّوا نَعِيمَها إلى ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِن نَعِيمِ الوَصْلَةِ بِاللَّهِ ثُمَّ لا يَحْصُلُ لَهم كَدَرٌ ما أصْلًا، وهي مَأْواهم لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، وهَذا في نَظِيرِ ما زُوِيَ عَنْهم مِنَ [الدُّنْيا] وضُيِّقَ فِيها عَيْشُهم نَفاسَةً مِنهم عَنْها حَتّى فَرَّغَهم لِخِدْمَتِهِ وألْزَمَهم حَضْرَتَهُ حُبًّا لَهم وتَشْرِيفًا لِمَقادِيرِهِمْ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ فَعَمِلُوا لِأجْلِ كُفْرِهِمُ الأعْمالَ الفاسِدَةَ المُبْعِدَةَ عَنْ جَنابِ اللَّهِ ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِالمَلاذِّ (p-٢١٥)لِكَوْنِها مَلاذَّ كَما تَتَمَتَّعُ الأنْعامُ، ناسِينَ ما أمَرَ اللَّهُ مُعْرِضِينَ عَنْ لِقائِهِ بَلْ عَنِ المَوْتِ أصْلًا بَلْ يَكُونُ ذِكْرُ المَوْتِ حاثًّا لَهم عَلى الِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ مُسابَقَةً لَهُ جَهْلًا مِنهم بِاللَّهِ ﴿ويَأْكُلُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أكْلَ التِذاذٍ ومَرَحٍ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كانَ وكَيْفَ كانَ الأكْلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، أيْ في جَمِيعِ بُطُونِهِمْ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِلْحَرامِ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُمُ الدُّنْيا ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيها وفَرَّغَهم لَها حَتّى شَغَلَهم عَنْهُ هَوانًا بِهِمْ وبُغْضًا لَهُمْ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ حالَهم قَبْلَ أنْ يُوجِدَهم فَيُدْخِلُهم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴿والنّارُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ذاتَ الحَرارَةِ العُظْمى والإحْراقِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ ﴿مَثْوًى﴾ أيْ: مَنزِلٌ ومَقامٌ ﴿لَهُمْ﴾ تُنْسِيهِمْ أوَّلَ انْغِماسِهِمْ فِيها كُلَّ نَعِيمٍ كانُوا فِيهِ ثُمَّ لا يَصِيرُ لَهم نَعِيمٌ ما أصْلًا، بَلْ لا يَنْفَكُّ عَنْهُمُ العَذابُ وقْتًا ما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ ودُخُولَ الجَنّاتِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الفاسِدَةِ ودُخُولِ النّارِ ثانِيًا، والتَّمَتُّعِ والمَثْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّعَلُّلِ والمَأْوى أوَّلًا، فَهو احْتِباكٌ [فِي احْتِباكٍ] (p-٢١٦)واشْتِباكٌ مُقارِنٌ لِاشْتِباكٍ.
47:13Page 508
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣
And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.
ولَمّا وعَدَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَنْصُرُ مَن يَنْصُرُهُ لِأنَّهُ مَوْلاهُ ويُدْخِلُهُ دارَ نِعْمَتِهِ، ويَخْذُلُ مَن يُعانِدُهُ لِأنَّهُ عاداهُ إلى أنْ يُدْخِلَهُ دارَ شِقْوَتِهِ، كانَ التَّقْدِيرُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ: فَكَأيِّنْ مِن قَوْمٍ هم أضْعَفُ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ نَصَرْناهم عَلى مَن كَذَّبَهُمْ، فَلا خاذِلَ لَهُمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ قُرَيْشٍ في الحَقِيقَةِ بِبَلَدِهِمْ، وكانَ الإسْنادُ إلَيْها أدَلَّ عَلى تَمالُؤِ أهْلِها وشَدَّةِ اتِّفاقِهِمْ حَتّى كَأنَّهم كالشَّيْءِ الواحِدِ [قالَ]: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً﴾ وأكْثَرُ عُدَّةً ﴿مِن قَرْيَتِكَ﴾ ولَمّا كانَ إنْزالُ هَذِهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، عَيَّنَ فَقالَ: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها مُتَّفِقِينَ في أسْبابِ الإخْراجِ مِن أنْواعِ الأذى عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ حَتّى كَأنَّ قُلُوبَهم قَلْبٌ واحِدٌ فَكَأنَّها هي المُخْرِجَةُ - وهي مَكَّةُ - كَذَّبُوكَ وآذَوْكَ حَتّى أخْرَجْناكَ مِن عِنْدِهِمْ لِنَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ بِمَن أيَّدْناكَ بِهِمْ مِن قَرْيَتِكَ هَذِهِ الَّتِي آوَتْكَ مِنَ الأنْصارِ نَصْرًا جارِيًا عَلى ما تَأْلَفُونَهُ وتَعْتادُونَهُ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَما اقْتَضَتْ عَظَمَتُنا، وحَكى حالَهُمُ الماضِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾
47:14Page 508
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤
So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا شُهُودِيًّا بَعْدَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ الوَعْدُ (p-٢١٧)بِهِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أحْوالِهِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: حالَةٍ ظاهِرَةِ البَيانِ في أنَّها حَقٌّ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ المُرَبِّي المُدَبِّرِ لَهُ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِما يُقِيمُ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي تُعْجِزُ الخَلائِقَ أجْمَعَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِواحِدٍ مِنها فَبَصُرَ سُوءَ عَمَلِهِ وأُرِيهِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَرَآهُ سَيِّئًا فاجْتَنَبَهُ مُخالِفًا لِهَواهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: العُلَماءُ في ضِياءِ بُرْهانِهِمْ والعارِفُونَ في ضِياءِ بَيانِهِمْ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ﴾ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِتَسْلِيطِنا لَهُ عَلَيْهِ وخَلْقِنا لِلْآثارِ بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ مِن شِرْكٍ أوْ مَعْصِيَةٍ دُونَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَآهُ حَسَنًا فَعَمِلَهُ مُلازِمًا لَهُ، فَكانَ عَلى عَمًى وضَلالٍ، وكانَ قَدْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ لِقَبُولِ ”مَن“ لَهُ مِن جِهَةِ لَفْظِها، جَمَعَ رَدًّا عَلى مَعْناها بِتَعْمِيمِ القُبْحِ مَثْنى وفُرادى، وإشارَةً إلى [أنَّ] القَبِيحَ يَكُونُ أوَّلًا قَلِيلًا جِدًّا، فَمَتى غُفِلَ عَنْهُ فَلَمْ تُحْسَمْ مادَّتُهُ دَبَّ وانْتَشَرَ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ لَهم في شَيْءٍ مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ فَضْلًا عَنْ دَلِيلِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ (p-٢١٨)ذَكَرَ البَيِّنَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، والتَّزْيِينَ واتِّباعَ الهَوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ الأصْلَ الجامِعَ لِلْخَيْرِ تَرْغِيبًا والأصْلَ الجامِعَ لِلشَّرِّ تَرْهِيبًا.
47:15Page 508
مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥
Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?
ولَمّا تَكَرَّرَ ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى أنْ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي قَسَّمَ النّاسَ فِيها إلى أوْلِياءَ مُهْتَدِينَ وأعْداءٍ ضالِّينَ مُعْتَدِينَ، فَهَدى سِياقُها إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أحْياهُ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الدّارَيْنِ، ومَن تَبِعَ هَواهُ أرْداهُ فِيها، أتْبَعَهُ وصْفَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُ أوْلِيائِهِ قادَهم إلَيْها الهُدى، والنّارِ الَّتِي هي دارُ أعْدائِهِ ساقَهم إلَيْها الضَّلالُ المُحَتِّمُ لِلرَّدى، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيِ: البَساتِينِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَسْتُرُ داخِلَها مِن كَثْرَةِ أشْجارِها.
ولَمّا تَكَرَّرَ وعْدُهُ سُبْحانَهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالجَنَّةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ وبَعْضُها بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ، صارَ الوَعْدُ بِها في غايَةِ التَّحَقُّقِ فَعَبَّرَ عَنْهُ هُنا بِالماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ بِأسْهَلِ أمْرٍ، وفُرِغَ مِنهُ إلى أنْ صارَ حاضِرًا لا مانِعَ مِنهُ إلّا الوَصْفُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الوَعْدُ ووَصَفَها بِصِفاتٍ تُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ فَصارَ مُجَرَّدُ (p-٢١٩)ذِكْرِها والإخْبارُ بِهِ عَنْها بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أعْلى لِأمْرِهِ فَقالَ: ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ حَمَلَتْهم تَقْواهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنِ اسْتَمَعُوا مِنكَ فانْتَفَعُوا بِما دَلَلْتَهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَتّى انْقَسَمَ النّاسُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُقْبِلٍ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ فَهو مُتَّبِعٌ، ومُعْرِضٍ عَنْهُ جُمْلَةً، ومُسْتَمِعٍ غَيْرِ مُنْتَفِعٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مِثْلَ بُسْتانٍ عَظِيمٍ لا يَسْقُطُ ورَقُهُ ولا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهُ ولا يُتَفَطَّنُ نَعِيمُهُ لِما فِيهِ مِنَ الأنْهارِ المُتَنَوِّعَةِ، وكانَ ما هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ إنَّما هو مَوْهُومٌ لَنا لا مَعْلُومٌ، طَواهُ وذَكَرَهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِن صِفَةِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ المَعْلُومَةِ بِوَعْدِ الصّادِقِ الَّذِي ثَبَتَ صِدْقُهُ بِالمُعْجِزاتِ فَقالَ اسْتِئْنافًا: ﴿فِيها﴾ أيِ: الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ. ولَمّا كانَ ما يَعْهَدُونَهُ مِنَ الجِنانِ لا يَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أنْهارٍ، عَبَّرَ بِالجَمْعِ الَّذِي يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ، وهي هُنا المَدْحُ والِامْتِنانُ، فَقالَ: ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ﴾ ولَمّا كانَ ماءُ الدُّنْيا مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ عَلى ثَلاثَةٍ: حُلْوٍ وعَذْبٍ ومِلْحٍ، مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ بِبَساطَتِها وشِدَّةِ اتِّصالِها لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] فاعِلَ ذَلِكَ [قادِرٌ] مُخْتارٌ، وقَدْ يَكُونُ آسِنًا أيْ مُتَغَيِّرًا عَنِ الماءِ الَّذِي يُشْرَبُ بِرِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن أصْلِ خَلْقِهِ أوْ مِن عارِضٍ عَرَضَ لَهُ مِن مَنبَعِهِ أوْ مَجْراهُ قالَ: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ: ثابِتٍ لَهُ في وقْتٍ ما شَيْءٌ مِنَ الطَّعْمِ أوِ الرِّيحِ (p-٢٢٠)أوِ اللَّوْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ طالَتْ إقامَتُهُ وإنْ أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ شَرابِهِمْ بَعْدَ الماءِ اللَّبَنَ، ثَنّى بِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ﴾ ولَمّا كانَ التَّغَيُّرُ غَيْرَ مَحْمُودٍ، وكانُوا يَعْهَدُونَ في الدُّنْيا أنَّ اللَّبَنَ كُلَّهُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِهِ طَيِّبٌ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الضَّرْعِ مَعَ اخْتِلافِ ذَواتِ الدَّرِّ في الأشْكالِ والأنْواعِ والمَقادِيرِ والأمْزِجَةِ، ومَعَ انْفِصالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِنَ الأُخْرى، وأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ بَعْدَ حَلْبِهِ، عَبَّرَ بِما يَنْفِي التَّغَيُّرَ في الماضِي فَقالَ: ﴿لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أيْ: بِنَفْسِهِ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِهِ وإنْ أقامَ مَدى الدَّهْرِ، وهَذا يُفْهِمُ أنَّهم لَوْ أرادُوا تَغْيِيرَهُ لِشَهْوَةٍ اشْتَهَوْها تَغَيَّرَ، وأنَّهُ مَعَ طِيبِهِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مُتَنَوِّعًا.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما بَعْدَ اللَّبَنِ الخَمْرَ قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْرُ يَكْثُرُ طَعْمُها، وإنَّما يَشْرَبُها شارِبُوها لِأثَرِها، وأنَّهُ مَتى تَغَيَّرَ طَعْمُها زالَ اسْمُها، عُرِفَ أنَّ كُلَّ ما في خَمْرِ الجَنَّةِ في غايَةِ الحُسْنِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِطَعْمٍ فَقالَ: ﴿لَذَّةٍ﴾ أيْ: ثابِتَةٍ لَها اللَّذَّةُ ودائِمَةٍ حالَ شُرْبِها وبَعْدَهُ ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ في طِيبِ الطَّعْمِ وحُسْنِ العاقِبَةِ.
(p-٢٢١)ولَمّا كانَ العَسَلُ أعَزَّها وأقَلَّها، أخَّرَهُ وإنْ كانَ أجَلَّها فَقالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ﴾ ولَمّا كانَ عَسَلُ الدُّنْيا لا يُوجَدُ إلّا مَخْلُوطًا بِالشَّمْعِ وغَيْرِهِ مِنَ القَذى قالَ: ﴿مُصَفًّى﴾ أيْ: [هُوَ] صافٍ صَفاءَ ما اجْتُهِدَ في تَصْفِيَتِهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الوَصْفِ ثابِتٌ لَهُ دائِمًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ في وقْتٍ ما، فَقَدْ حَصَلَ بِهَذا غايَةُ التَّشْوِيقِ إلى الجَنَّةِ بِالتَّمْثِيلِ بِما يَسْتَلِذُّ بِهِ مِن أشْرِبَةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما نَعْلَمُ مِن ذَلِكَ مُجَرَّدًا عَمّا يَنْقُصُهُ أوْ يُنَغِّصُهُ مَعَ الوَصْفِ بِالغَزارَةِ والِاسْتِمْرارِ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: نَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ ماءِ أهْلِ الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ لَبَنِهِمْ، ونَهْرُ مِصْرَ نَهْرُ خَمْرِهِمْ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ عَسَلِهِمْ. وهَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ تَخْرُجُ مِن نَهْرِ الكَوْثَرِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ صالِحٍ [ثَنا] ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ [أبِي] حَبِيبٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سَألَ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ تَجِدُ لِهَذا النِّيلِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى خَبَرًا؟ قالَ: إي والَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، إنِّي لَأجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُوحِي إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، يُوحِي إلَيْهِ عَنْ جَرْيِهِ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُجْرِيَ، فَيَجْرِي ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ يُوحِي إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: يا نَيْلُ غُرْ حَمِيدًا. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ (p-٢٢٢)عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أرْبَعَةٌ أنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ وضَعَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا. فالنِّيلُ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، والفُراتُ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ. وسَيْحانُ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وجَيْحانُ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ. حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قالا حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ أبِي جُنادَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يَقُولُ: النَّيْلُ في الآخِرَةِ عَسَلًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ودِجْلَةُ في الآخِرَةِ لَبَنًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، [والفُراتُ خَمْرًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ]، وجَيْحانُ ماءً أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ وأصْلُ هَذا كُلِّهِ ما في الصَّحِيحِ في صِفَةِ الجَنَّةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««سَيْحانُ وجَيْحانُ والنَّيْلُ والفُراتُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»». وقالَ أبُو حَيّانَ في حِكْمَةِ تَرْتِيبِها غَيْرَ ما تَقَدَّمَ: إنَّهُ بُدِئَ بِالماءِ الَّذِي لا يُسْتَغْنى عَنْهُ في المَشْرُوباتِ، ثُمَّ بِاللَّبَنِ؛ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعُوماتِ في كَثِيرٍ مِن أقْواتِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرَّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، ثُمَّ بِالعَسَلِ؛ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يَعْرِضُ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ. انْتَهى. وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّعَجُّبِ في ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّهُ قَوْلٌ (p-٢٢٣)لا يَنْفَكُّ عَنْ غَرابَةٍ بَدَأ بِأنْهارِ الماءِ لِغَرابَتِها في بِلادِهِمْ وشَدَّةِ حاجَتِهِمْ إلَيْها، ولَمّا كانَ خُلُوُّها عَنْ تَغَيُّرٍ أغْرَبَ نَفاهُ، ولَمّا كانَ اللَّبَنُ أقَلَّ فَكانَ جَرْيُهُ أنْهارًا [أغْرَبَ، ثَنّى] بِهِ، ولَمّا كانَ الخَمْرُ أعَزَّ ثَلَّثَ بِهِ، ولَمّا كانَ العَسَلُ أشْرَفَها وأقَلَّها خَتَمَ بِهِ، ونَبَّهَ - مَعَ هَذا التَّذْكِيرِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى - عَلى ما يُرِيدُ بِسَبَبٍ وبِغَيْرِ سَبَبٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ المَشْرُوباتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي وبَعْضُها مُتَمَحِّضٌ لِلشَّرابِيَّةِ كالخَمْرِ وبَعْضُها في غِذائِيَّةٍ وهي فِيهِ أغْلَبُ، وهو العَسَلُ، وبَعْضُها يَنْزِعُ إلى كُلٍّ مِنهُما وهو اللَّبَنُ كُلُّها مِنَ الماءِ مَعَ تَمايُزِها مَذاقًا وأثَرًا في الغِذاءِ والدَّواءِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ الماءَ أصْلُ النَّباتِ، ومِنَ النَّباتِ يَكُونُ اللَّبَنُ والخَمْرُ والعَسَلُ بِما لا يَخْفى مِنَ الأسْبابِ، وأمّا الآخِرَةُ فَغَنِيَّةٌ عَنِ الأسْبابِ لِظُهُورِ اسْمِهِ الظّاهِرِ سُبْحانَهُ هُناكَ؛ لِأنَّهُ لا ابْتِلاءَ فِيها، وبِهَذا فُهِمَ لِلتَّرْتِيبِ سِرٌّ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الماءَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ لَها، وتَلاهُ بِأقْرَبِ الأشْياءِ إلَيْهِ في الشَّرابِيَّةِ والطَّبْعِ: اللَّبَنُ، [ثُمَّ] بِما هو أقْرَبُ إلى اللَّبَنِ مِن جِهَةِ أنَّهُ شَرابٌ فَقَطْ، ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّهُ أبْعَدُها مِنهُ.
ولَمّا كانَتِ الثِّمارُ ألَذَّ مُسْتَطابٍ بَعْدَ سائِغِ الشَّرابِ قالَ تَعالى: (p-٢٢٤)﴿ولَهم فِيها﴾ ولَمّا كانَ أهْلُها مُتَفاوِتِينَ في الدَّرَجاتِ فَلا تَجْمَعُ جِنانُ أغْلَبِهِمْ جَمِيعَ ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ بَعَّضَ فَقالَ: ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: جَمِيعِ أصْنافِها عَلى وجْهٍ لا حاجَةَ مَعَهُ مِن قِلَّةٍ ولا انْقِطاعٍ.
ولَمّا كانَ العَيْشُ لا يَطِيبُ مَعَ الإنْصافِ بِما يُوجِبُ العَتَبَ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، لِأنَّ الرُّتَبَ مُتَضائِلَةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِمُ السّالِفَةِ أعْيانُها وآثارُها بِحَيْثُ لا يَخْشَوْنَ لَها عاقِبَةً بِعِقابٍ ولا عِتابٍ، وعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إلى ما يَحِقُّ لَهُ مِنَ الشُّكْرِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا أرْشَدَ هَذا السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن هو في هَذا النَّعِيمِ الأكْبَرِ المُقِيمِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ إقامَةً لا انْقِطاعَ مَعَها، ووَحَّدَهُ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَعُمُّ مَن فِيها عَلى حَدٍّ سَواءٍ ﴿فِي النّارِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُطْفَأُ لَهِيبُها، لا يُفَكُّ أسِيرُها ولا يُؤْنَسُ عَرِيبُها. ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن داخِلِيها لَهُ سَقْيٌ يَخُصُّهُ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. كانَ المُؤَثِّرُ لِضُرِّهِمُ السَّقْيَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ لا كَوْنَهُ مِن ساقٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ مُسْنِدًا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ قَوْلَهُ تَعالى: (p-٢٢٥)﴿وسُقُوا﴾ أيْ: عِوَضِ ما ذُكِرَ مِن شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ماءً حَمِيمًا﴾ أيْ: في غايَةِ الحَرارَةِ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ في جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وأنَّ الكافِرِينَ مَأْواهُمُ النّارُ، وكانَ التَّقْدِيرُ إنْكارَهُ عَلى مَن لَمْ يَرْتَدِعْ لِلزَّواجِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَمَلَهُ عَمَلُ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّ كَوْنَ النّارِ جَزاءً لِمِثْلِهِ والجَنَّةِ جَزاءَ المُؤْمِنِ صارَ في حَدٍّ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ: أمِثْلَ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ كَمِثْلِ النّارِ، ومَن هو خالِدٌ في الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
47:16Page 508
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦
And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ هَذا التَّمْثِيلِ والوَصْفِ والتَّشْوِيقِ الَّذِي يُبْهِرُ العُقُولَ: [فَمِنَ النّاسِ مَن] يَسْمَعُ مِنكَ بِغايَةِ المَحَبَّةِ والإنْصافِ فَيُعْلِيهِ اللَّهُ بِفَهْمِ ما يَتْلُوهُ واعْتِقادِهِ والعَمَلِ بِهِ واعْتِمادِهِ وهُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ وُعِدُوا الجَنَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِ لَعَلَّهُ يَجِدُ في المَتْلُوِّ مَطْعَنًا يَشُكُّ بِهِ عَلى الضُّعَفاءِ، وبَيَّنَ تَعالى بُعْدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْكَ﴾ ولَمّا أفْرَدَ المُسْتَمِعَ نَظَرًا إلى لَفْظِ ”مَن“ إشارَةً إلى قِلَّةِ المُسْتَمِعِ جَمَعَ نَظَرًا إلى مَعْناهُ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُعْرِضِينَ الجامِدِينَ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُسْتَمِعِينَ مِنهم والسّامِعِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ أيْ: واسْتَمَرَّ (p-٢٢٦)إجْهادُهم لِأنْفُسِهِمْ بِالإصْغاءِ حَتّى ﴿إذا خَرَجُوا﴾ أيِ المُسْتَمِعُونَ والسّامِعُونَ جَمِيعًا ﴿مِن عِنْدِكَ قالُوا﴾ أيِ الفَرِيقانِ عَمًى وتَعامِيًا واسْتِهْزاءً. ولَمّا كانَ مُجَرَّدُ حُصُولِ العِلْمِ النّافِعِ مُسْعِدًا، أشارَ إلى تَعْظِيمِهِ بِبِنائِهِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَهْيِئَةِ اللَّهِ لَهم بِما آتاهم مِن صَفاءِ الأفْهامِ لِتَجَرُّدِهِمْ عَنِ النُّفُوسِ والحُظُوظِ وانْقِيادِهِمْ لَمّا تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى: ﴿ماذا قالَ﴾ أيِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿آنِفًا﴾ أيْ: قَبْلَ افْتِراقِنا وخُرُوجِنا عَنْهُ مِن ساعَةٍ - أيْ أوَّلَ وقْتٍ - تَقَرَّبَ مِنهُ، مِن أنَفَةِ الصَّلاةِ- بِالتَّحْرِيكِ، وهو ابْتِداؤُها وأوَّلُها، قالَ أبُو حَيّانَ: حالَ، أيْ مُبْتَدِئًا، أيْ ما القَوْلُ [الَّذِي] ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ. ورَدَّ كَوْنَهُ ظَرْفًا بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ. [و] قالَ [ البَغَوِيُّ ]: ائْتَنَفْتُ الأمْرَ: ابْتَدَأْتُهُ، وأنَفُ الشَّيْءِ أوَّلُهُ، قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ ويَعِيبُ المُنافِقِينَ، فَإذا خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ سَألُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتِهْزاءً: ماذا قالَ مُحَمَّدٌ ﷺ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وقَدْ سُئِلْتُ فِيمَن سُئِلَ.
ولَمّا دَلَّ هَذا مِنَ المُصْغِي ومِنَ المُعْرِضِ عَلى غايَةِ الجُمُودِ الدّالِّ (p-٢٢٧)عَلى غايَةِ الشَّقاءِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: خاصَّةً هَؤُلاءِ البُعَداءُ مِنَ الفَهْمِ ومِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا تَناهِيَ لِعِظَمِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْهَمُوا فَهْمَ الِانْتِفاعِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُمُودِ لا يَكُونُ إلّا بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهم ضَلُّوا حَتّى صارُوا كالبَهائِمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو مِن أفْعالِ البَهائِمِ فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: مُجانَبِينَ لِوازِعِ العَقْلِ وناهِي المُرُوءَةِ، فَلِذَلِكَ هم يَتَهاوَنُونَ بِأعْظَمِ الكَلامِ ويُقْبِلُونَ عَلى جَمْعِ الحُطامِ، فَهم أهْلُ النّارِ المُشارُ إلَيْهِمْ قَبْلَ آيَةِ ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ بِأنَّهم زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ.
47:17Page 508
وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧
And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1
ولَمّا ذَكَرَ ما هم عَلَيْهِ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ أقْبَحَ الذِّكْرِ، ذَكَرَ الَّذِينَ آتاهُمُ العِلْمَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أيِ اجْتَهَدُوا بِاسْتِماعِهِمْ مِنكَ في مُطاوَعَةِ داعِي الفِطْرَةِ الأُولى إلى الوُقُوعِ عَلى الهُدى بِالصِّدْقِ في الإيمانِ والتَّسْلِيمِ والإذْعانِ بِأنْواعِ المُجاهَداتِ ﴿زادَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي طَبَعَ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ ﴿هُدًى﴾ بِأنْ شَرَحَ صُدُورَهم ونَوَّرَها بِأنْوارِ المُشاهَداتِ فَصارَتْ أوْعِيَةً لِلْحِكْمَةِ ”إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ“ ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ لَهم ما هو أهْلٌ لِأنْ يُحْذَرَ ووَفَّقَهم لِاجْتِنابِهِ (p-٢٢٨)مُخالَفَةً لِلْهَوى، فَهُمُ القِسْمُ الأوَّلُ مِن آيَةِ تَوْطِئَةِ المَثَلِ: ”الَّذِينَ هم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ“ ومَعْنى الإضافَةِ أنَّهُ آتى كُلًّا مِنهم مِنها بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُهُ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: التَّقْوى عَمَلُ الإيمانِ كَما أنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ عَمَلُ الإسْلامِ. انْتَهى.
47:18Page 508
فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨
Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?
ولَمّا كانَ أشَدُّ ما يُتَّقى القِيامَةُ الَّتِي هم بِها مُكَذِّبُونَ، سَبَّبَ عَنِ اتِّباعِهِمُ الهَوى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، ولَكِنَّهُ جَرَّدَهُ إشارَةً إلى شِدَّةِ قُرْبِها ﴿إلا السّاعَةَ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: [ما] يَنْتَظِرُونَ مِن أمْرِها؟ أبْدَلَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: تَقُومَ عَلَيْهِمْ، وعَبَّرَ بِالإتْيانِ زِيادَةً في التَّخْوِيفِ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فُجاءَةً مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِها ولا اسْتِعْدادٍ لَها.
ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ القُرْبِ، وكانَ مَجِيءُ عَلاماتِ الشَّيْءِ أدَلَّ عَلى قُرْبِهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِلْبَغْتَةِ: ﴿فَقَدْ﴾ ودَلَّ عَلى القُوَّةِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ فَقالَ: ﴿جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ: عَلاماتُها المُنْذِراتُ بِها (p-٢٢٩)مِن مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ»». انْشِقاقِ القَمَرِ المُؤْذِنِ بِآيَةِ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِن مَغْرِبِها وغَيْرِ ذَلِكَ، وما بَعْدَ مُقَدِّماتِ الشَّيْءِ إلّا حُضُورُهُ.
ولَمّا كانَ المَجِيءُ مِن أهْوالِها تَذَكَّرَها قَبْلَ حُلُولِها لِلْعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ التَّذَكُّرُ، وكانَتْ إذا جاءَتْ شاغِلَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، سَبَّبَ عَنْ مَجِيئِها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿لَهم إذا جاءَتْهُمْ﴾ أيِ: السّاعَةُ وأشْراطُها المُعَيِّنَةُ لَها مِثْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ﴿ذِكْراهُمْ﴾ لِأنَّهم في أشْغَلِ الشَّغْلِ ولَوْ فَرَغُوا لَما تَذَكَّرُوا فَعَمِلُوا ما أفادَ لِفَواتِ وقْتِ الأعْمالِ وشَرْطِها، وهو العَمَلُ عَلى الإيمانِ بِالغَيْبِ، وهَكَذا ساعَةُ الإنْسانِ الَّتِي (p-٢٣٠)تَخُصُّهُ وهي مَوْتُهُ وأشْراطُها الجاثَّةُ عَلى الذِّكْرى وهو المَرَضُ والشَّيْبُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن أشْراطِها المُعَيَّنَةِ لَها الَّتِي [لا] يَنْفَعُ مَعَها العَمَلُ الوُصُولُ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences