Al-Biqa'iMuhammad · 47:19–25

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:19–25

47:19Page 508

فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩

So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.

ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الذِّكْرى غَيْرُ نافِعَةٍ إذا انْقَضَّتْ هَذِهِ الدّارُ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْعَمَلِ أوْ جاءَتِ الأشْراطُ المُحَقَّقَةُ الكاشِفَةُ لَها، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَ أعْظَمِ الخَلْقِ وأشْرَفِهِمْ وأرْقاهم وأجْمَلِهِمْ ﷺ تَكْوِينًا لِيَكُونَ لِغَيْرِهِ تَكْلِيفًا فَقالَ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنَ الأعْظَمَ الَّذِي ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أيِ انْتَفى انْتِفاءً عَظِيمًا أنْ يَكُونَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ غَيْرَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ فَإنَّ هَذا العِلْمَ هو أعْظَمُ الذِّكْرى المُنْجِيَةِ مِن أهْوالِ السّاعَةِ، وإنَّما تَكُونُ عالِمًا إذا كانَ نافِعًا [وإنَّما يَكُونُ نافِعًا ] إذا كانَ مَعَ الإذْعانِ والعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ وإلّا فَهو جَهْلٌ صِرْفٌ، [و] هَذا العِلْمُ يُفِيدُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن قِيامِ السّاعَةِ لِأنَّ الإلَهَ وعَدَ بِذَلِكَ وهو مُتَّصِفٌ (p-٢٣١)بِالكَمالِ ولا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن إنْجازِ وعْدِهِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والعَبْدُ يَعْلَمُ أوَّلًا رَبَّهُ بِدَلِيلٍ وبِحُجَّةٍ فَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ ضَرُورِيٌّ وهَذا هو أصْلُ الأُصُولِ، وعَلَيْهِ بُنِيَ كُلُّ عِلْمٍ اسْتِدْلالِيٍّ، ثُمَّ تَزْدادُ قُوَّةُ عِلْمِهِ بِزِيادَةِ البَيانِ وكَثْرَةِ الحُجَجِ، وتَناقُصُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ بِغَلَباتِ ذِكْرِهِ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، فَإذا انْتَهى إلى حالِ المُشاهَدَةِ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ صارَ عِلْمُهُ في تِلْكَ الحالَةِ ضَرُورِيًّا ويَقِلُّ إحْساسُهُ بِنَفْسِهِ حَتّى يَصِيرَ عِلْمُهُ بِنَفْسِهِ كالِاسْتِدْلالِ وكَأنَّهُ غافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ أوْ ناسٍ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: الَّذِي رَأى البَحْرَ غَلَبَ عَلَيْهِ ما يَأْخُذُهُ في الرُّؤْيَةِ لِلْبَحْرِ عَنْ ذِكْرِ نَفْسِهِ فَإذا رَكِبَ البَحْرَ قَوِيَ هَذا الحالُ، فَإذا غَرِقَ في البَحْرِ فَلا إحْساسَ لَهُ بِشَيْءٍ سِوى ما هو مُسْتَغْرِقٌ فِيهِ ومُسْتَهْلَكٌ، ولِهَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الأسْرارِ ما يَمْلَأُ الأقْطارَ مِنها أنَّها بِكَلِماتِها الأرْبَعِ مُرَكَّبَةٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ إشارَةً إلى الوِتْرِ الَّذِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والشَّفْعِ الَّذِي هو الخَلْقُ أنْشَأهُ تَعالى أزْواجًا، [و] مِنها حَرْفٌ لِسانِيٌّ وحَرْفانِ حَلْقِيّانِ: الهاءُ والألِفُ، غَيْرَ أنَّ الألِفَ عَبَّرَ عَنْها بِمَظْهَرِها وهو الهَمْزَةُ ظاهِرًا مَرَّتَيْنِ وخَفِيًّا في أداةِ التَّعْرِيفِ في الِابْتِداءِ مَرَّةً، وذُكِرَتْ (p-٢٣٢)بِلَفْظِها أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَتِلْكَ سَبْعٌ هي أتَمُّ العَدَدِ لِذَلِكَ وبَنى الخَلْقُ عَلَيْهِ، فالسَّماواتُ سُبْعٌ، والأراضِي كَذَلِكَ سَبْعٌ؛ إشارَةً إلى [أنَّ] الإلَهَ الحَقَّ الَّذِي هو غَيْبٌ مَحْضٌ إنَّما عُلِمَ بِالتَّنْزِيلِ بِأفْعالِهِ، فَهي وصْلَةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ كَما أنَّ الألِفَ الَّتِي هي كالغَيْبِ لِأنَّها لا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِها ابْتِداءً نَزَلَتْ في مَظْهَرِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكَرَّرَتْ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَرَّتَيْنِ في مُقابَلَةِ الكَوْنَيْنِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وبَيْنَهُما ما لا نَعْلَمُهُ مِمّا خَفِيَ عَنّا كَما خَفِيَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ.

وعَبَّرَ في الأمْرِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِالعِلْمِ إعْلامًا بِأنَّ عَمَلَ القَلْبِ بِها هو العُمْدَةُ العُظْمى لَكِنْ لَمّا كانَتْ حُرُوفُها حَلْقِيًّا ولِسانِيًّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي في أمْرِها إلّا إذْعانُ الباطِنِ ومُطابَقَةُ الظّاهِرِ الَّذِي هو اللِّسانُ، فَهو تُرْجُمانُ القَلْبِ، ومَتى لَمْ يُطابِقِ اللِّسانُ القَلْبَ حَيْثُ لا مانِعَ كانَ صاحِبُهُ مِن أهْلِ آيَةِ الصّافّاتِ وأحْرُفُها اللَّفْظِيَّةُ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلى عَدَدِ السَّماواتِ والأرْضِ الدّالَّةِ عَلى الذّاتِ الأقْدَسِ الَّذِي هو غَيْبٌ مَحْضٌ والمَقْصُودُ مِنها مُسَمّى الجَلالَةِ الَّذِي هو الإلَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والجَلالَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أحْرُفٍ عَلى عِدَّةِ دَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ: ووَتْرِيَّتُهُ دَلالَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَمْ يَجْعَلْ فِيها شَيْئًا شَفَهِيًّا لِتَمَكُّنِ مُلازَمَتِها لِكَوْنِها أعْظَمَ مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ وأقْرَبَ مُوصِلٍ (p-٢٣٣)إلَيْهِ مَعَ الإخْلاصِ، فَإنَّ الذّاكِرَ بِها يَقْدِرُ عَلى المُواظَبَةِ عَلَيْها ولا يَعْلَمُ جَلِيسُهُ بِذَلِكَ أصْلًا، لِأنَّ غَيْرَكَ لا يَعْلَمُ ما [فِي] وراءَ شَفَتَيْكَ إلّا بِإعْلامِكَ، وكَما دَلَّ الكَلامُ عَلى التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ صَرِيحًا دَلَّ عَلى كَلِمَةِ الرِّسالَةِ الَّتِي لا يَنْفَعُ التَّوْحِيدُ إلّا بِها تَلْوِيحًا بِتَسْمِيَةِ السُّورَةِ ”سُورَةَ مُحَمَّدٍ“، فَهي القِتالُ لِأنَّهُ أُمِرَ ﷺ أنْ يُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يُصَرِّحُوا بِما صَرَّحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وهي سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ لا يَنْفَعُ بِدُونِ الشَّهادَةِ لَهُ بِالرِّسالَةِ، وبَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ مَزِيدُ اتِّفاقٍ يَدُلُّ عَلى تَمامِ الِاتِّحادِ والِاعْتِناقِ؛ وذَلِكَ أنَّ أحْرُفَ كُلٍّ مِنهُما إنْ نَظَرْنا إلَيْها خَطًّا كانَتِ اثْنَيْ عَشْرَةَ حَرْفًا عَلى عَدَدِ أجْزاءِ السَّنَةِ يَكْفُرُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها شَهْرًا، وإنْ نَظَرْنا إلَيْها نُطْقًا كانَتْ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا لَمَلَأ الخافِقَيْنِ نُورًا وعَظَمَةً ومَهابَةً وجَلالَةً واحْتِشامًا، وإنْ نَظَرْنا إلَيْها بِالنَّظَرَيْنِ مَعًا كانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ لا يُوقِفُها عَنْ ذِي العَرْشِ خالِقِ الكَوْنَيْنِ مُوقِفٌ، وهو سِرٌّ غَرِيبٌ دالٌّ عَلى الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هو عَدَمُ انْفِكاكِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى، فَمَن لَمْ يَجْمَعْهُما اعْتِقادُهُ لَمْ يُقْبَلْ (p-٢٣٤)إيمانُهُ، وقُدِّمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ [فِي هَذا] سابِقَةً لِأنَّ لَها السَّبْقَ، وذُكِرَتِ الأُخْرى في الفَتْحِ تالِيَةً، وسُمِّيَتْ سُورَةُ هَذِهِ بِالقِتالِ وسُورَةُ الكَلِمَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالفَتْحِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما قاتَلَ أحَدٌ عَلَيْهِما مَعَ الإخْلاصِ إلّا فُتِحَ عَلَيْهِ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ مَعَ مُناصَبَتِهِ إلّا نِفاقًا عَلى وجْهِ الذُّلِّ والِاضْطِرابِ.

ولَمّا كانَ حُصُولُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو كَمالُ النَّفْسِ مُوجِبًا لِلْإجابَةِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وأبِي يَعْلى: ««ما مِن مُؤْمِنٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا أوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ»» الحَدِيثَ. قالَ مُعَلِّمًا أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ بَعْدَ تَكْمِيلِ نَفْسِهِ السَّعْيَ في تَكْمِيلِ غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ التَّعاوُنُ عَلى ما خُلِقَ العِبادُ لَهُ،

﴿واسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبِ الغُفْرانَ مِنَ اللَّهِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ وبِالِاجْتِهادِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿لِذَنْبِكَ﴾ وهو كُلُّ مَقامٍ [عالٍ] ارْتَفَعْتَ عَنْهُ إلى أعْلى مِنهُ، وأوْجِدْهُ أنْتَ مِن نَفْسِكَ مَن أساءَ إلَيْكَ لِتُكْثِرَ أتْباعَكَ، فَإنَّ الِاسْتِقامَةَ مُهَيِّئَةٌ لِلْإمامَةِ.

(p-٢٣٥)ولَمّا كانَ تَكْمِيلُ النَّفْسِ مُرَقِّيًا إلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ لِيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ والمِنَّةِ الجَسِيمَةِ مُعِيدًا لِلْجارِّ مُعَبِّرًا بِالإيمانِ والوَصْفِ إيذانًا بِأنَّ أعْلى الأُمَّةِ مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وهَذا مُشَرِّفًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَيْثُ أمَرَ الشَّفِيعَ المُجابَ الدَّعْوَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم [وهُوَ] بِالدُّعاءِ والحَثِّ عَلى الِاجْتِهادِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ، حاذِفًا المُضافَ إشارَةً إلى الِاحْتِياجِ إلى المَغْفِرَةِ في كُلِّ حالٍ لِما لِلْإنْسانِ مِنَ النُّقْصانِ بِالخَطَأِ والنِّسْيانِ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ؛ لِأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ مِنكَ؛ لِأنَّ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ كانَ لَكَ مِثْلُ أجْرِهِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِن تَقْصِيرٍ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها أوْ هَفْوَةٍ.

ولَمّا كانَ مَعْرِفَةُ مَن يُذْنِبُ ومَن لا يُذْنِبُ مُتَوَقِّفَةً عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ يَعْلَمُ حَرَكاتِكم وسَكَناتِكم سِرًّا وجَهْرًا ويَعْلَمُ أنَّكم لا بُدَّ أنْ تَعْمَلُوا ما جَبَلَكم عَلَيْهِ مِن ذَنْبٍ وهو يَغْفِرُ لِمَن أرادَ مِمَّنْ يَسْعى في كَمالِ نَفْسِهِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِغَسْلِ الذُّنُوبِ، بِالرُّجُوعِ إلى طاعَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ ﴿واللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ أيْ: تَقَلُّبَكم ومَكانَهُ وزَمانَهُ ﴿ومَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَوْضِعَ (p-٢٣٦)سُكُونِكم وقَرارَهُ لِلرّاحَةِ وكُلَّ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الثَّواءِ في وقْتِهِ - في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن حِينِ كَوْنِكم نُطَفًا إلى ما لا آخِرَ لَهُ.

47:20Page 509

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠

Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]

ولَمّا كانَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، عِلْمَ ما أبْطَنَهُ الإنْسانُ ولا سِيَّما إنْ كانَ مُخالِفًا لِما أظْهَرَهُ، قالَ دالًّا عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] ﴿ويَقُولُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ وفِيهِمُ الصّادِقُ والمُنافِقُ دالِّينَ عَلى صِدْقِهِمْ في إيمانِهِمْ بِالتَّحْرِيضِ عَلى طَلَبِ الخَيْرِ بِتَجَدُّدِ الوَحْيِ الَّذِي هو الرُّوحُ الحَقِيقِيُّ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَتْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى إظْهارِ أنَّهم صارُوا في صِدْقِهِمْ في الإيمانِ اعْتِقادُهم أنَّ التَّنْزِيلَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ ﴿سُورَةٌ﴾ أيَّ سُورَةٍ كانَتْ لِنُسَرَّ بِسَماعِها ونَتَعَبَّدَ بِتِلاوَتِها ونَعْمَلَ بِما فِيها كائِنًا ما كانَ، ويَسْتَمِرُّ الوَحْيُ فِينا مُتَجَدِّدًا مَعَ تَجَدُّدِ الزَّمانِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أنْشَطَ لَنا وأدْخَلَ في تَحْرِيكِ عَزائِمِنا ﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ تَكامَلَ نُزُولُها [كُلِّها] تَدْرِيجًا أوْ جُمْلَةً، وزادَتْ عَلى مَطْلُوبِهِمْ بِالحِسِّ بِأنَّها ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ أيْ: (p-٢٣٧)مُبَيَّنَةٌ [لا] يُلْبَسُ شَيْءٌ مِنها بِنَوْعِ إجْمالٍ ولا يُنْسَخُ لِكَوْنِهِ جامِعًا لِلْمَحاسِنِ في [كُلِّ] زَمانٍ ومَكانٍ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ بِأيِّ ذِكْرٍ كانَ، والواقِعُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ذِكْرًا مُبَيَّنًا [أنَّهُ] لا يَزْدادُ إلّا وُجُوبًا وتَأكُّدًا حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، قالَ البَغَوِيُّ: وكُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الجِهادُ فَهي مُحْكَمَةٌ وهي أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ ﴿رَأيْتَ﴾ [أيْ] بِالعَيْنِ والقَلْبِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفٌ في الدِّينِ أوْ نِفاقٌ مِنَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ وطَلَبُوا تَنْزِيلَ القُرْآنِ وكانُوا قَدْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ: لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ كَراهَةً لِما نَزَلَ عَلَيْكَ بَعْدَ أنْ حَرَّضُوا عَلى طَلَبِهِ ﴿نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ لِلْغَشْيِ أسْبابٌ، بَيَّنَ أنَّ هَذا أشُدُّها فَقالَ تَعالى: ﴿مِنَ المَوْتِ﴾ الَّذِي هو نِهايَةُ الغَشْيِ فَهو لا يَطْرِفُ بِعَيْنِهِ بَلْ هو شاخِصٌ لا يَطْرِفُ كَراهَةً لِلْقِتالِ مِنَ الجُبْنِ والخَوَرِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُنابِذًا لِلْإنْسانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُباعِدٌ لِلدِّينِ والمُرُوءَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ أعْلى التَّهْدِيدِ فَقالَ مُتَوَعِّدًا لَهم بِصُورَةِ الدُّعاءِ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ: (p-٢٣٨)﴿فَأوْلى﴾ أيْ: أشَدُّ مَيْلٍ ووَيْلٍ وانْتِكاسٍ وعِثارِ مَوْضِعٍ لَهم في الهَلَكَةِ كائِنٌ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: خاصٌّ بِهِمْ، وفَسَّرْتُهُ بِذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ في آخِرِ الأنْفالِ مِن أنَّ مادَّةَ ”ولِيَ“ تَدُورُ عَلى المَيْلِ، فَإذا كانَتْ عَلى صِيغَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِ - جاءَتِ الشِّدَّةُ، قالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ؛ أيْ قارَبَهم ما يُهْلِكُهُمْ، وأوْلاهُمُ اللَّهُ الهَلاكَ، وقالَ الرَّضِيُّ في بابِ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ: إنَّهُ عَلَمٌ لِلْوَعِيدِ وفِيهِ وزْنُ الفِعْلِ؛ فَلِذا مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ، ولَيْسَ بِأفْعَلِ تَفْضِيلٍ ولا أفْعَلُ فِعْلًا ولا اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أبا زَيْدٍ حَكى لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لَهُ فَقالُوا: أوُلاةٌ الآنَ - كَأرْمَلَةٍ وهو مِن ولَهِ الشَّرِّ أيْ قَرَنَهُ حالٌ، وقَبُولُهُ لِلتّاءِ لا يَضُرُّ الوَزْنَ، لِأنَّ ذَلِكَ في عِلْمٍ آخَرَ.

47:21Page 509

طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.

ولَمّا عِلْمُ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّسَبُّبِ أنَّ هَذا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن سُوءِ أدَبِهِمْ في مَقالِهِمْ، وقُبْحِ ما ظَهَرَ مِن فِعالِهِمْ، حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى ما يَنْبَغِي لَهُمْ، فَقالَ تَعالى عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ: ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ: (p-٢٣٩)مِنهم ﴿وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ: بِالتَّسْلِيمِ والإذْعانِ وحُسْنِ الِانْقِيادِ خَيْرٌ لَهم مِمّا أظْهَرُوا مِنَ المَحَبَّةِ في الطّاعَةِ وما كَشَفَ حالُهم عَنْهُ مِنَ الكَراهَةِ، [و] نَكَّرَ الِاسْمَيْنِ لِيَكُونا صالِحَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ وما دُونَهُ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُما قَوْلَهُ مُسْنَدًا إلى الأمْرِ ما [هُوَ] لِأهْلِهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الكَلامِ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ: فَإذا أُمِرَ بِالقِتالِ الَّذِي ذُكِرَ [فِي] أوَّلِ السُّورَةِ وغَيْرِهِ مِنَ الأوامِرِ أمْرًا مَجْزُومًا بِهِ مَعْزُومًا عَلَيْهِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا في قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ في طَلَبِ التَّنْزِيلِ ﴿لَكانَ﴾ صِدْقُهم لَهُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِن تَعَلُّلِهِمْ وتَسَلُّلِهِمْ عَنْهُ لِواذًا عَلى تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ في تَسْلِيمِ أنَّ في جِماحِهِمْ عَنِ الأمْرِ وتَقاعُدِهِمْ عَنْهُ نَوْعُ خَيْرٍ، ويَجُوزُ [أنْ يَكُونَ] ”خَيْرٌ“ اسْمًا لا لِلتَّفْضِيلِ لِيُفْهَمَ أنَّ كَذِبَهم شَرٌّ لَهم.

47:22Page 509

فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢

So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

ولَمّا كانَ هَذا تَبْكِيتًا لَهم مِن أجْلِ فُتُورِهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، سَبَّبَ [عَنْ] ذَلِكَ الفُتُورِ بَيانَ ما يَحْصُلُ مِنهُ مِن عَظِيمِ الفَسادِ ويَتَأثَّرُ بِهِ (p-٢٤٠)[مِن] خَرابِ البِلادِ وشَتاتِ العِبادِ في مَعْرِضِ سُؤالٍ في أُسْلُوبِ الخِطابِ بَعْدَ التَّبْكِيتِ والتَّهْدِيدِ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَناهِي الغَضَبِ وبُلُوغِهِ الغايَةَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَسَرُّعِكم إلى السُّؤالِ في أنْ يَأْمُرَكُمُ المَلِكُ بِما يُرْضِيهِ، فَإذا أجابَكم فَرَحِمَكم بِما يَعْلَمُ أنَّهُ أصْلَحُ الأشْياءِ لَكم وهو الجِهادُ كَرِهْتُمُوهُ ووَجَّهْتُمْ مِنهُ وقَعَدْتُمْ عَنْهُ أنْ يُقالَ لَكم لِما يُرى مِنكم مِنَ المَخايِلِ الدّالَّةِ عَلى ضَعْفِ الإيمانِ: هَلْ يُمْكِنُ عِنْدَكم نَوْعُ إمْكانٍ وتَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا مِن تَوَقُّعِ أنْ يَكُونَ حالُكم جَدِيرًا وخَلِيقًا لِتَغْطِيَةِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْكم فَتَخافُونَ مِن أنْفُسِكم.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِذَمِّ الإعْراضِ عَنِ الأمْرِ، فَصَلَ بَيْنَ ”عَسى“ وخَبَرِها بِشَرْطِيَّةٍ مُعَبَّرٍ فِيها بِالتَّوَلِّي بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إشارَةً مَعَ نِهايَةِ الذَّمِّ إلى أنَّ المُعْرِضَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ مُعْرِضٌ عَمّا تَدْعُوهُ الفِطْرَةُ الأُولى القَوِيمَةُ والعَقْلُ السَّدِيدُ إلى حُسْنِهِ، فَهو لا يُعْرِضُ عَنْهُ إلّا بِمُجاهَدَةٍ مِنهُ لِنَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: بِأنْفُسِكم عَنِ الجِهادِ الَّذِي أمَرَكم بِهِ رَبُّكُمُ الَّذِي عَرَّفَكم مِن فَوائِدِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَتْرُكُهُ مَعَهُ عاقِلٌ ولا يُتَخَيَّلُ تَرْكُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ الشَّرْطِ - أوْ حَصَلَتْ (p-٢٤١)تَوْلِيَتُكم بِتَحْصِيلِ مُحَصَّلٍ أوْجَبَها لَكم وزَيَّنَها في أعْيُنِكم حَتّى فَعَلْتُمُوها، وهَذا المَعْنى الثّانِي هو المُرادُ بِبِنائِهِ لِلْمَجْهُولِ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ.

﴿أنْ تُفْسِدُوا﴾ أيْ: تُوقِعُوا الإفْسادَ العَظِيمَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ تَجْدِيدُهُ مِنكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِقِتالٍ يَكْرَهُهُ اللَّهُ ويَسْخَطُهُ ويَغْضَبُ أشَدَّ غَضَبٍ عَلى فاعِلِهِ وتَكُونُوا في غايَةِ الجُرْأةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الَّذِي رَحِمَكم بِإنْزالِ ما أُنْزِلَ حَكَمَ بِأنَّ مَن جَبُنَ عَمّا يُرْضِيهِ رَغْبَةً في الآخِرَةِ اجْتَرَأ عَلى [ما] يُسْخِطُهُ حُبًّا في الدُّنْيا، وقَدْ كُنْتُمْ في الجاهِلِيَّةِ عَلى ذَلِكَ في الغارَةِ مِن بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وتُقَطِّعُوا﴾ تَقْطِيعًا عَظِيمًا شَدِيدًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا كَبِيرًا ﴿أرْحامَكُمْ﴾ فَتَكُونُوا بِذَلِكَ أعِزَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ كَما كُنْتُمْ أذِلَّةً عَلى الكافِرِينَ، وأقَلُّ ما في إعْراضِكم خِذْلانُكم لِلْمُؤْمِنِينَ المُجاهِدِينَ بِما قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِظُهُورِ الكافِرِينَ عَلَيْهِمْ فَتَكُونُوا بِذَلِكَ قَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ قَطِيعَةِ أرْحامِهِمْ وفَقْدِكم لِما كانَ يَصِلُ إلَيْكم مِن مَنافِعِهِمْ، فَإنْ كَفَفْتُمْ بَعْدَهم عَنْ قَتْلِهِمْ كُنْتُمْ مَعَ ما فاتَكم مِن خَيْرِهِمْ [أجْبَنَ] النّاسِ وأرْضاهم بِالعارِ، وإنْ تَعاطَيْتُمُ الأخْذَ بِثَأْرِهِمْ كُنْتُمْ كَمَن أخَذَ في (p-٢٤٢)فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ بَعْدَ فَواتِهِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ عَلِمَ مِن هَذا أنَّ مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ وجاهَدَ أهْلَ المُنْكَرِ أمِنَ الإفْسادَ في الأرْضِ وقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، ومَن تَرَكَهُ وقَعَ فِيهِما، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ”تَوَلَّيْتُمْ“ مِن وِلايَةِ الأمْرِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى وِلايَةِ الفَجَرَةِ ومُنْذِرَةً بِذَلِكَ أنِ اصْنَعِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ وشُوهِدَ ما ابْتَنى عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ والقَطِيعَةِ، وعَزائِمِ الأنْكادِ وسُوءِ الصَّنِيعَةِ.

47:23Page 509

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣

Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ مِمَّنْ تَثاقَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ لا يَطْرُقُ احْتِمالًا في شَيْءٍ إلّا وهو واقِعٌ فَرْقًا بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، بَيَّنَ حالَهُمُ الَّذِي أنْتَجَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ مُلْتَفِتًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ مُخاطِبًا لِمَن جُبِلَ عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ والرَّحْمَةِ لَهم إعْلامًا لَهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تَحَتَّمَ شَقاؤُهم فَلَيْسُوا بِأهْلٍ لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ ولا لِلْأسى عَلَيْهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم أشَدَّ الطَّرْدِ المَلِكُ الأعْظَمُ لِما ذُكِرَ مِن إفْسادِهِمْ وتَقْطِيعِهِمْ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ لَعِبِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ عَنِ الِارْتِفاقِ بِما يُبْصِرُونَ، (p-٢٤٣)فَلَيْسَ سَماعُهم سَماعَ ادِّكارٍ، ولا إبْصارُهم إبْصارَ اعْتِبارٍ، فَلا سَماعَ لَهم ولا إبْصارَ.

47:24Page 509

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤

Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ فَكانَ رُبَّما سَألَ مَن لا يَعِي الكَلامَ حَقَّ وعْيِهِ عَنِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِلَّعْنِ المُسَبِّبِ لِلصَّمِّ والعَمى، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُظْهِرًا لِتاءِ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ صَرْفُ جَمِيعِ الهِمَّةِ إلى التَّأمُّلِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ التَّدَبُّرِ بِقُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ مُنْشَرِحَةٍ لِيَهْتَدُوا إلى [كُلِّ] خَيْرٍ ﴿القُرْآنَ﴾ بِأنْ يُجْهِدُوا أنْفُسَهم في أنْ يَتَفَكَّرُوا في الكِتابِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ الفارِقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ تَفَكُّرَ مَن يَنْظُرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وماذا يَلْزَمُ مِن عَواقِبِها لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا عَوْنَ عَلى الإصْلاحِ في الأرْضِ وصِلَةِ الأرْحامِ والإخْلاصِ لِلَّهِ في لُزُومِ كُلِّ طاعَةِ والبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ مِثْلَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مِنَ الجِهادِ بِالسَّيْفِ وما دُونَهُ، ورُبَّما دَلَّ إظْهارُ التّاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن أظْهَرِ ما في القُرْآنِ مِنَ المَعانِي، فَلا يُحْتاجُ في العُثُورِ عَلَيْهِ إلى كَبِيرِ تَدَبُّرٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا فَكانَ مَعْناهُ نَفْيًا، فَهو لِكَوْنِهِ داخِلًا عَلى النَّفْيِ نُفِيَ لَهُ فَصارَ إثْباتًا، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُجَدِّدُونَ التَّدَبُّرَ تَجْدِيدًا مُسْتَمِرًّا لِتَرِقَّ قُلُوبُهم بِهِ وتُنِيرَ بَصائِرُهم لَهُ، فَيَكُفُّوا عَنْ (p-٢٤٤)الإفْسادِ والتَّقْطِيعِ، عادَلَهُ بِقَوْلِهِ مُشَبِّهًا لِلْقُلُوبِ بِالصَّنادِيقِ دالًّا عَلى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ بِذِكْرِ ما هو مُخْتَصٌّ بِالصَّنادِيقِ مِنَ الأقْفالِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ﴾ مِن قُلُوبِ الغافِلِينَ لِذَلِكَ، ونَكَّرَها لِتَبْعِيضِها وتَحْقِيرِها بِتَعْظِيمِ قَسْوَتِها ﴿أقْفالُها﴾ أيِ: الحَقِيقَةُ بِها الجَدِيرَةُ بِأنْ تُضافَ إلَيْها، فَهي لِذَلِكَ لا تَعِي شَيْئًا ولا تَفْهَمُ أمْرًا ولا تَزْدادُ إلّا غَباوَةً وعِنادًا، لِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى التَّدَبُّرِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَلا تَدْخُلُها زَواجِرُ التَّنْبِيهِ ولا يَنْبَسِطُ عَلَيْها شُعاعُ العِلْمِ، فَلا يَحْصُلُ لَهم فَهْمُ الخِطابِ، والبابُ إذا كانَ مُقْفَلًا فَكَما لا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ فَلا يَخْرُجُ ما فِيهِ، فَلا كُفْرُهم يَخْرُجُ ولا الإيمانُ الَّذِي يُدْعَوْنَ إلَيْهِ يَدْخُلُ. انْتَهى.

والإضافَةُ تُشْعِرُ بِأنَّ [بَعْضَ] المُتَوَلِّينَ عَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ مُتَمَكِّنَةً فِيها، فَهو سُبْحانُهُ يَفْتَحُها بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ إذا أرادَ، وأمّا الأوَّلُونَ فَلا صَلاحِيَةَ لَهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ حاثٍّ عَلى قَبُولِ أوامِرِ اللَّهِ لا سِيَّما الجِهادُ في سَبِيلِهِ وأشَدُّ زاجِرٍ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ لِأنَّ حاصِلَها أنَّهُ لَعَنَ مَن أعْرَضَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لا يَتَدَبَّرُ القُرْآنَ مَعَ وُضُوحِهِ ويُسْرِهِ لِيَعْلَمَ فَوائِدَ الجِهادِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ المُحَبِّبَةِ فِيهِ، فَكانَ [كَأنَّ] قَلْبَهُ مُقْفَلٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٢٤٥)ذَكَرَ التَّدَبُّرَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والأقْفالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ نَتِيجَةَ الخَيْرِ الكافِلَةَ بِالسَّعادَةِ أوَّلًا وسَبَبَ الشَّرِّ الجامِعِ لِلشَّقاوَةِ ثانِيًا.

47:25Page 509

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأقْفالِ قُلُوبِهِمْ، بَيَّنَ مَنشَأ ذَلِكَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنَبُّهًا [لِمَن لا يَهْتَمُّ بِهِ] عَلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالنَّظَرِ فِيهِ لِيُخَلِّصَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنهُ، وتَكْذِيبًا لِمَن يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ أيْ: عالَجُوا نُفُوسَهم في مُنازَعَةِ الفِطْرَةِ الأُولى في الرُّجُوعِ عَنِ الإسْلامِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، فَقَلَّبُوا وُجُوهَ الأُمُورِ إلى ظُهُورِها، فَوَقَعُوا في الضَّلالِ فَكَفَرُوا.

ولَمّا كانَ الَّذِي يُلامُونَ عَلَيْهِ تَرْكَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، لا ما في غَرائِزِهِمْ مِنَ المِلَّةِ الَّتِي يَكْفِي في الهِدايَةِ إلَيْها نُورُ العَقْلِ، وكانَ الذَّمُّ لاحِقًا بِهِمْ ولَوْ كانَ ارْتِدادُهم في أدْنى وقْتٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ غايَةَ البَيانِ الَّذِي لا خَفاءَ مَعَهُ بِوَجْهٍ، وظَهَرَ غايَةَ الظُّهُورِ ﴿لَهُمُ﴾ بِالدَّلائِلِ الَّتِي هي مِن شِدَّةِ ظُهُورِها غَنِيَّةٌ عَنْ بَيانٍ مُبِينٍ ﴿الهُدى﴾ أيِ: الَّذِي أتاهم بِهِ رَسُولُنا ﷺ.

(p-٢٤٦)ولَمّا كانُوا قَدْ أحْرَقُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم وأبْعَدُوها بِهِ غايَةَ البُعْدِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، عَبَّرَ عَنِ المَغْوِيِّ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ: المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿سَوَّلَ﴾ أيْ: حَسَّنَ ﴿لَهُمُ﴾ بِتَزْيِينِهِ وإغْوائِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهم مِنهُ اسْتِرْخاءٌ في عَزائِمِهِمْ وفُتُورٌ في هِمَمِهِمْ فَجَرَوْا مَعَهُ في مُرادِهِ في طُولِ الأمَلِ، والإكْثارِ مِن مَواقَعَةِ الزَّلَلِ والأمانِيِّ مِن جَمِيعِ الشَّهَواتِ والعِلَلِ، بَعْدَ أنْ زَيَّنَ لَهم سُوءَ العَمَلِ، بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِنهُمْ، وهَذا لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ مِنهم حالَ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ: أطالَ في ذَلِكَ ووَسَّعَ بِتَكْرارِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلى تَعاقُبِ المَلَوَيْنِ ومَرِّ الجَدِيدَيْنِ حَتّى نَسُوا المَواعِظَ وأعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُمْلِي - أيِ المُمْهِلُ - لَهم بِإطالَةِ العُمْرِ وإسْباغِ النِّعَمِ، وتَسْهِيلِ الأمانِيِّ والحِلْمِ عَنِ المُعاجَلَةِ بِالنِّقَمِ، حَتّى اغْتَرُّوا، وهي أيْضًا مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥] وأمّا في قِراءَةِ (p-٢٤٧)أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ فَهو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المُمْلِيَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قِراءَةُ يَعْقُوبَ بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ هَمْزَتُهُ لِلْمُتَكَلِّمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском