Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:26–35
47:26Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦
That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.
ولَمّا بَيَّنَ تَسْلِيطَهُ الشَّيْطانَ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الخَيْرِ وما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العَقْلِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَوَلِّينَ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما﴾ أيْ: جَمِيعَ ما ﴿نَـزَّلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ عَلى التَّدْرِيجِ بِحَسْبِ الوَقائِعِ تَنْزِيلًا فِيهِ إعْجازُ الخَلْقِ في بَلاغَةِ التَّرْكِيبِ مَعَ فَصاحَةِ المُفْرَداتِ وجَزالَتِها مَعَ السُّهُولَةِ في النُّطْقِ والعُذُوبَةِ في السَّمْعِ والمُلاءَمَةِ لِلطَّبْعِ كَما يَشْهَدُ بِهِ كُلُّ ذَوْقٍ مِنَ الأغْبِياءِ والأذْكِياءِ عَلى تَبايُنِهِمْ في مَراتِبِ الغَباوَةِ والذَّكاءِ، وإعْجازٍ آخَرَ لَهم في رَصانَةِ المَعْنى وحِكْمَتِهِ، وثالِثٌ في مُطابَقَتِهِ لِلْحالِ الَّذِي اقْتَضى نُزُولُهُ مُطابَقَةً يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها، ورابِعٌ بِنَظْمِهِ مَعَ ما نَزَلَ قَبْلَهُ مِنَ الآياتِ، لا عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ، بَلْ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الَّتِي تَتَضاءَلُ دُونَها الأفْكارُ، وتُوَلِّي خاسِئَةً مِن جَلالَتِها عَلى الأدْبارِ، بَصائِرُ أُولِي الأبْصارِ، وهَؤُلاءِ المَقُولُ لَهم هَذا الكَلامُ هم -واللَّهُ أعْلَمُ- المُصارِحُونَ بِالكُفْرِ، قالُوا لَهم بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ مِنَ الإعْجازاتِ، وما تَقَدَّمَها مِن (p-٢٤٨)الآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ: ﴿سَنُطِيعُكُمْ﴾ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي بَعْضِ الأمْرِ﴾ وهو القِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ سُورَةٍ يُذْكَرُ بِها يَصِيرُونَ كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، [فَأنْتُمْ في أمانٍ] مِن أنْ نُقاتِلَكم أبَدًا؛ فَإنّا إنَّما أسْلَمْنا لِلْأمانِ عَلى دِمائِنا وأمْوالِنا، والَّذِي نُحِبُّهُ مِمّا يَنْزِلُ هو التَّأْمِينُ لِمَن أقَرَّ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والقَناعَةِ مِنهُ بِالظّاهِرِ والوَعْدِ العامِّ بِالتَّبَسُّطِ في البِلادِ والتَّوْسِعَةِ في الأرْزاقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكانُوا بِذَلِكَ كَفَرَةً؛ فَإنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ، فَمَن أضاعَ مِن أُصُولِهِ شَيْئًا فَقَدْ أضاعَهُ كُلَّهُ، والتَّقْيِيدُ بِالبَعْضِ يُفْهِمُ أنَّهم لا يُطِيعُونَهم في البَعْضِ الآخَرِ، وهو إظْهارُ الإسْلامِ والتَّصَوُّرِ بِصُورَةِ المُسالَمَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَبَلَهم جِبِلَّةً هَيَّأهم فِيها لِمِثْلِ هَذا، فَلَمّا قالُوهُ مُضَيِّعِينَ لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ مِن غَرِيزَةِ العَقْلِ اسْتَحَقُّوا في مَجارِي عاداتِنا لِاخْتِيارِهِمْ طاعَةَ العَدُوِّ - مَعَ تَغْيِيبِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْهم - أنْ يُخْذَلُوا ويُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ أخْذُهم في الظّاهِرِ مِمَّنْ أطاعُوهُ في الباطِنِ، ولَوْ أنَّهُمُ اسْتَمْسَكُوا بِدِينِهِمْ وكانُوا مَعَ أهْلِهِ يَدًا عَلى مَن سِواهم لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ، ولا طَرَقَتْهم طارِقَةٌ يَكْرَهُونَها بِسُوءٍ.
(p-٢٤٩)ولَمّا كانَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ لا يَخُونُ إلّا [إذا] ظَنَّ أنَّ خِيانَتَهُ تَخْفى لِيَأْمَنَ عاقِبَتَها، صَوَّرَ قَباحَةَ ما ارْتَكَبُوهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ عَلى مَرِّ الأوْقاتِ ﴿إسْرارَهُمْ﴾ أيْ: كُلَّها هَذا الَّذِي أفْشاهُ عَلَيْهِمْ وغَيْرُهُ مِمّا في ضَمائِرِهِمْ مِمّا لَمْ يَبْرُزْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ولَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ هم فَضْلًا عَنْ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِها ألْسِنَتُهم فَبانَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا أدْيانَ لَهم ولا عُقُولَ ولا مُرُوءاتٍ.
47:27Page 509
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧
Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إحاطَةَ عِلْمِهِ بِهِمْ، أتْبَعَهُ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ فَقالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْ خِيانَتِهِمْ وهم في القَبْضَةِ بِما لا يَخْفى مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ صِيانَةَ أنْفُسِهِمْ عَنِ القَتْلِ مُعَبِّرًا بِالِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم مِمّا يُجازَوْنَ بِهِ عَلى هَذا الِاسْتِحْقاقِ لَهُ مِنَ البَشاعَةِ والقَباحَةِ والفَظاعَةِ ما يَحِقُّ السُّؤالُ عَنْهُ لِأجْلِهِ [فَقالَ]: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ: حالُهم ﴿إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: قَبَضَتْ رُسُلُنا وهم مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ أرْواحَهم كامِلَةً، فَجازَتْها إلى دارِ الجَزاءِ مَقْطُوعَةً عَنْ جَمِيعِ أسْبابِهِمْ [وأنْسابِهِمْ] فَلَمْ يَنْفَعْهم تَقاعُدُهم عَنِ الجِهادِ في تَأْخِيرِ آجالِهِمْ، وصَوَّرَ حالَهم وقْتَ تَوَفِّيهِمْ (p-٢٥٠)فَقالَ: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ أيْ: يُتابِعُونَ في حالِ التَّوْفِيَةِ ضَرْبَهم ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ الَّتِي هي أشْرَفُ جَوارِحِهِمُ الَّتِي جَبُنُوا عَنِ الحَرْبِ صِيانَةً [لَها] عَنْ ضَرْبِ الكُفّارِ. ولَمّا كانَ حالُهم في جُبْنِهِ مُقْتَضِيًا لِضَرْبِ الأقْفاءِ، صَوَّرَهُ بِأشْنَعِ صُوَرِهِ فَقالَ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ الَّتِي ضَرْبُها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى هَوانِ المَضْرُوبِ وسَفالَتِهِ ثُمَّ تَتَّصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ [آلامُهم وعَذابُهم وهَوانُهم إلى ما لا آخِرَ لَهُ.
47:28Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨
That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.
ولَمّا كانَ كُفْرانُ النَّعِيمِ يُوجِبُ] مَعَ إحْلالِ النِّعَمِ إبْطالَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَدَمِ قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الإهانَةِ مِن [فِعْلِ] رُسُلِنا [بِهِمْ] ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا﴾ أيْ: عالَجُوا فِطَرَهُمُ الأُولى في أنْ تَبِعُوا عِنادًا مِنهم ﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ وهو العَمَلُ بِمَعاصِيهِ مِن مُوالاةِ أعْدائِهِ ومُناواةِ أوْلِيائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ فِعْلُ ما يُسْخِطُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ أنَّهُ يُسْخِطُ، بَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿وكَرِهُوا﴾ أيْ: بِالإشْراكِ ﴿رِضْوانَهُ﴾ بِكَراهَتِهِمْ [أعْظَمَ] أسْبابِ رِضاهُ وهو الإيمانُ، فَهم لِما دُونَهُ بِالقُعُودِ عَنْ سائِرِ الطّاعاتِ أكْرَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ غايَةَ (p-٢٥١)الظُّهُورِ في أنَّهُ مُسْخِطٌ فَفاعِلُهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ في تَرْكِ النَّظَرِ فِيهِ ﴿فَأحْبَطَ﴾ أيْ: فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ أفْسَدَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الصّالِحَةَ فَأسْقَطَها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَها وزْنٌ أصْلًا لِتَضْيِيعِ الأساسِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن قِرى الضَّيْفِ والأخْذِ بِيَدِ الضَّعِيفِ والصَّدَقَةِ والإعْتاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الإرْفاقِ.
47:29Page 509
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?
ولَمّا صَوَّرَ سُبْحانَهُ ما أثَّرَتْهُ خِيانَتُهم بِأقْبَحِ صُوَرِهِ، فَبانَ [بِهِ] أنَّهُ ما حَمَلَهم عَلى ما فَعَلُوهُ إلّا جَهْلُهم وسَفاهَتُهُمْ، فَأنْتَجَ إهانَتَهم بِالتَّبْكِيتِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أعَلِمُوا حِينَ قالُوا ما يُسْخِطُنا أنّا نَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ، وإنَّ قُدْرَتَنا مُحِيطَةٌ بِهِمْ لِيَكُونُوا قَدْ وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى أنّا نُظْهِرُ لِلنّاسِ ما يَكْتُمُونَهُ ونَأْخُذُهم أخْذًا وبِيلًا فَيَكُونُوا أجْهَلَ الجَهَلَةِ: ﴿أمْ﴾ حَسِبُوا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ - بِما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالحُسْبانِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى الآفَةِ الَّتِي أدَّتْهم إلى ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ﴾ الَّتِي إذا فَسَدَتْ فَسَدَ جَمِيعُ أجْسادِهِمْ ﴿مَرَضٌ﴾ أيْ: آفَةٌ لا طِبَّ لَها حُسْبانًا هو في غايَةِ الثَّباتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْرِزَ مَن هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (p-٢٥٢)عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿أضْغانَهُمْ﴾ أيْ: مَيْلَهم وما يُبْطِنُونَهُ [فِي] دَواخِلِ أكْشاحِهِمْ مِنَ اعْوِجاجِهِمُ الدّالِّ عَلى أحْقادِهِمْ، وهي أنَّهم كاتِمُونَ عَداوَةً في قُلُوبِهِمْ مُصِرُّونَ عَلَيْها يَتَرَقَّبُونَ الدَّوائِرَ لِانْتِهازِ فُرْصَتِها، لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوا بَلِ اللَّهُ يَفْضَحُهم ويَكْشِفُ تَلْبِيسَهم.
47:30Page 510
وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠
And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.
ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ إحاطَةُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وشُمُولُ قُدْرَتِهِ عِلْمَ ما لَهُ سُبْحانَهُ مِن باهِرِ العَظَمَةِ وقاهِرِ العِزَّةِ، فَنَقَلَ الكَلامَ إلى أُسْلُوبِها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: خابَتْ ظُنُونُهم وفالَتْ آراؤُهم فَلَنُخْرِجَنَّ ما يُبالِغُونَ في سَتْرِهِ حَتّى لا نَدَعَ مِنهُ شَيْئًا يُرِيدُونَ إخْفاءَهُ إلّا كَشَفْناهُ وأبْدَيْناهُ لِلنّاسِ وأوْضَحْناهُ، فَإنّا نَعْلَمُهم ونَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم مِن قَبْلَ أنْ نَخْلُقَهُمْ، فَلَوْ نَشاءُ لَفَضَحْناهم حَتّى يَعْرِفَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ، فَلا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ [مِنهُمْ] فَقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوُهُ لِلْحالِ؛ أيْ: أمْ حَسِبُوا ذَلِكَ والحالُ أنّا لَوْ ﴿نَشاءُ﴾ أيْ: وقَعَتْ مِنّا مَشِيئَةٌ الآنَ أوْ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ. ولَمّا كانُوا لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ لا يَتَصَوَّرُونَ أنَّ سَرائِرَهم كُلَّها مَعْلُومَةٌ مَقْدُورٌ عَلى أنْ يَعْلَمَها بَشَرٌ مِثْلَهُمْ، أكَّدَ قَوْلَهُ: (p-٢٥٣)﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: رُؤْيَةً تامَّةً كاشِفَةً لَكَ الغِطاءَ عَنْهم ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ أيْ: فَتَعَقَّبَتْ رُؤْيَتَكَ إيّاهم مَعْرِفَتُكَ لَهم أنْتَ بِخُصُوصِكَ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ عَلاماتِهِمُ الَّتِي نَجْعَلُها عالِيَةً عَلَيْهِمْ [غالِبَةً لَهُمْ] في إظْهارِ ضَمائِرِهِمْ عَلَيْها لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَتِها بِوَجْهٍ، ولَمْ يَذْكُرْهم سُبْحانَهُ بِأسْمائِهِمْ إبْقاءً عَلى قَراباتِهِمُ المُخَلَّصِينَ مِنَ الفِتَنِ.
ولَمّا انْقَضى ما عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ مِمّا كانَ مُمْكِنًا لَهُ في الماضِي وغَيْرِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَجُزُّهُ لَهُ مِمّا كُشِفَ مِن أمْرِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ مَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِنهم أوْ مِمَّنْ شارَكَهم في مَرَضِ القَلْبِ مِن غَيْرِهِمْ فَقالَ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِاللّامِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الوَقْتِ مَعْرِفَةً تَتَجَدَّدُ بِحَسْبِ تَجَدُّدِ أقْوالِهِمْ مُسْتَمِرَّةً بِاسْتِمْرارِ ضَمائِرِهِمُ الخَبِيثَةِ وإسْرارِهِمْ ﴿فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيِ: الصّادِرِ مِنهُمْ، ولَحْنُهُ فَحَواهُ؛ أيْ مَعْناهُ. ومَذْهَبُهُ [و] ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويَلُوحُ بِهِ مِن مِثْلِهِ عَنْ حَقائِقِهِ إلى عَواقِبِهِ وما ”يَؤُلْ إلَيْهِ“ أمْرُهُ مِمّا يَخْفى عَلى غَيْرِكَ، (p-٢٥٤)وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: هو ما تَنْحُو إلَيْهِ بِلِسانِكَ؛ أيْ: تَمِيلُ إلَيْهِ لِيَفْطَنَ لَكَ صاحِبُكَ وتُخْفِيهِ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ بِمُرادِكَ، وعَلى القَوْلِ بِالتَّحْقِيقِ فَلَحْنُ القَوْلِ ما يَبْدُو مِن غَرَضِ الكَلامِ وخَفِيّاتِ الخِطابِ وسِياقِ اللَّفْظِ وهَيْئَةِ السَّحْنَةِ حالَ القَوْلِ وإنْ لَمْ يُرِدِ المُتَكَلِّمُ أنْ يُظْهِرَهُ ولَكِنَّهُ عَلى الأغْلَبِ يُغَلِّبُهُ حالًا، فَلا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ كَتْمِهِ وإنْ كانَ في تَكْلِيمِهِ مُعْتَمِدًا عَلى ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ حالٌ يَلُوحُ عَنِ السِّرِّ وإظْهارِ كَلامِ الباطِنِ يَكادُ يُناقِضُ كَلامَ اللِّسانِ بِحالٍ خَفِيَّةٍ ومَعانٍ يَقِفُ عَلَيْها باطِنُ التَّخاطُبِ [و] قالَ:
؎ولَقَدْ لَحَنْتُ لَكم لِكَيْما تَفْقَهُوا واللَّحْنُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
وقالَ [آخَرُ]:
؎عَيْناكَ قَدْ دَلَّتا عَيْنايَ مِنكَ عَلى ∗∗∗ أشْياءَ لَوْلاهُما ما كُنْتُ أدْرِيها
وقالَ أبُو حَيّانَ: كانُوا اصْطَلَحُوا عَلى ألْفاظٍ يُخاطِبُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ مِمّا ظاهِرُهُ حَسَنٌ ويَعْنُونَ بِهِ القَبِيحَ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: وقِيلَ لِلْمُخْطِئِ: لاحِنٌ؛ لِأنَّهُ يَعْدِلُ بِالكَلامِ عَنِ الصَّوابِ: وقالَ البَغَوِيُّ: لِلَّحْنِ وجْهانِ: صَوابٌ [وخَطَأٌ]، فالفِعْلُ مِنَ الصَّوابِ لَحَنَ يَلْحَنُ (p-٢٥٥)لَحْنًا فَهو لَحِنٌ، إذا فَطِنَ لِلشَّيْءِ، والفِعْلُ مِنَ الخَطَأِ لَحَنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فَهو لاحِنٌ، والأصْلُ فِيهِ إزالَةُ الكَلامِ عَنْ جِهَتِهِ، [قالَ]: فَكانَ بَعْدَ هَذا لا يَتَكَلَّمُ مُنافِقٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا عَرَفَهُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: «وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، [كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ، ولَقَدْ كُنّا في غَزْوَةٍ وفِيها سَبْعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ] يَشْكُرُهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا عَلى جَبْهَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ ”هَذا مُنافِقٌ“» ومَثَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”ما لَنا إنْ أطَعْنا مِنَ الثَّوابِ“ قالَ: ولا يَقُولُونَ: [ما لَنا] إنْ عَصَيْنا مِنَ العِقابِ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهُمْ، وأنَّهُ يُجَلِّيهِمْ لِنَبِيِّهِ ﷺ في صُوَرِ ما يُخْفُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِشَكِّهِمْ فِيهِ، واجَهَهم بِالتَّبْكِيتِ زِيادَةً في إهانَتِهِمْ عامًّا لِغَيْرِهِمْ إعْلامًا بِأنَّهُ مُحِيطٌ بِالكُلِّ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ يَعْلَمُ أقَوْلَكُمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: مِمّا لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ كُلَّها الفِعْلِيَّةَ والقَوْلِيَّةَ جَلِيَّها وخَفِيَّها، عِلْمًا ثابِتًا غَيْبِيًّا وعِلْمًا راسِخًا شُهُودِيًّا يَتَجَدَّدُ (p-٢٥٦)بِحَسَبٍ تُجَدِّدُها مُسْتَمِرًّا بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ.
47:31Page 510
وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١
And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُعَرِّفُهم لِنَبِيِّهِ ﷺ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُعَرِّفُهم لِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ظَنِّهِمْ أنَّ عِنْدَهم مِنَ المَلِكَةِ الشَّدِيدَةِ والعَقْلِ الرَّصِينِ ما يُخْفُونَ بِهِ أُمُورَهُمْ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى بِأنْ نُخالِطَكم بِما لَنا مِن صِفاتِ العَظَمَةِ بِالأوامِرِ الشَّدِيدَةِ عَلى النُّفُوسِ والنَّواهِي الكَرِيهَةِ إلَيْها والمَصائِبِ، خَلْطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً، وهَكَذا التَّقْدِيرُ في الفِعْلَيْنِ الآتِيَيْنِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ، وفي قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ العَظَمَةِ الرّاجِعَةِ إلى القَهْرِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الإكْرامِ الآئِلَةِ إلى الإنْعامِ، فَهو في غايَةِ المُوافَقَةِ لِقِراءَةِ النُّونِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ بِالِابْتِلاءِ عِلْمًا شُهُودِيًّا يَشْهَدُهُ غَيْرُنا مُطابِقًا لِما كُنّا نَعْلَمُهُ عِلْمًا غَيْبِيًّا فَنَسْتَخْرِجُ مِن سَرائِرِكم ما كَوَّنّاهُ فِيكم [وجَبَلْناكم عَلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنكُمْ] بَلْ ولا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ حَقَّ عِلْمِهِ ﴿المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ في القِتالِ و[فِي] سائِرِ الأعْمالِ والشَّدائِدِ والأهْوالِ امْتِثالًا لِلْأمْرِ بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ عِمادُ الجِهادِ الصَّبْرَ عَلى المَكارِهِ قالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ: (p-٢٥٧)﴿والصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى شَدائِدِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْكادِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَبِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ تَتَبَيَّنُ جَواهِرُ الرِّجالِ، فَيَظْهَرُ المُخْلِصُ ويَتَّضِحُ المُماذِقُ ويَنْكَشِفُ المُنافِقُ. ولَمّا نَصَبَ مِعْيارًا لِلْعِلْمِ بِالذَّواتِ، أتْبَعَهُ مِسْبارًا لِلْمَعْرِفَةِ لِلْأخْيارِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”نَعْلَمُ“ في رِوايَةِ الجَماعَةِ وعَلى ”نَبْلُو“ في الرِّوايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ بِإسْكانِ الواوِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُخالِطُها بِأنْ نُسَلِّطَ عَلَيْها مَن يُحَرِّفُها فَيَجْعَلُ حُسْنَها قَبِيحًا وقَبِيحًا مَلِيحًا لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ العامِلُ لِلَّهِ والعامِلُ لِلشَّيْطانِ، فَإنَّ العامِلَ لِلَّهِ إذا سَمّى قَبِيحَهُ بِاسْمِ الحَسَنِ عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ إحْسانٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ فَيَسْتَحْيِي مِنهُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ، وإذا سَمّى حَسَنَهُ بِاسْمِ القَبِيحِ واشْتُهِرَ بِهِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ كَيْلا يُدْرِكَهُ العَجَبُ أوْ يُهاجِمَهُ الرِّياءُ فَيَزِيدُ في إحْسانِهِ، والعامِلُ لِلشَّيْطانِ يَزْدادُ في القَبائِحِ؛ لِأنَّ شُهْرَتَهُ عِنْدَ النّاسِ مَحَطُّ نَظَرِهِ، ويَرْجِعُ عَنِ الحَسَنِ لِأنَّهُ لَمْ يُوصِلْهُ إلى ما أرادَ بِهِ مِن ثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ ولَمْ يُؤَكِّدْ بِنا، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ إشارَةً إلى أنَّ إحالَةَ حالِ المُخْبَرِ بَعْدَ ظُهُورِ خَبَرِهِ أسْهَلُ مِن إحالَتِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَبْلُنا؛ فَإنَّكَ إنْ بَلَوْتَنا هَتَكْتَ أسْتارَنا وفَضَحْتَنا.
47:32Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.
(p-٢٥٨)ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ الإنْسانَ لا يُعَذِّبُ ولا يُهَدِّدُ إلى مَن ضَرَّهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِنَكالِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ مُهَيِّئًا لِلسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِظَنِّهِمْ أنَّهم هُمُ الغالِبُونَ لِحِزْبِ اللَّهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا مَن دَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن ظاهِرِ آياتِ اللَّهِ لا سِيَّما بَعْدَ إرْسالِ الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِواضِحِ المُعْجِزاتِ ﷺ ﴿وصَدُّوا﴾ أيِ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم زِيادَةً في كُفْرِهِمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ الَّذِي نَهَجَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ السِّياقِ لِلْمُساتِرِينَ بِكُفْرِهِمْ، أدْغَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أيِ: الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ غايَةَ المَعْرِفَةِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ عَفا عَنْ إهْمالِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ قَبْلَ الإرْسالِ، قالَ مُثْبِتًا الجارَّ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَغْفِرُ لِمُضَيِّعِهِ بَعْدَ الإرْسالِ ولَوْ في أدْنى وقْتٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: غايَةَ التَّبَيُّنِ بِالمُعْجِزِ ﴿لَهُمُ الهُدى﴾ بِحَيْثُ صارَ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُحْتاجٍ بِما أظْهَرَهُ الرَّسُولُ مِنَ الخَوارِقِ إلى مُبِينٍ، ومِنهُ ما أخْبَرَتْ بِهِ الكُتُبُ القَدِيمَةُ الإلَهِيَّةُ.
ولَمّا كانَ المُناصِبُ لِلرَّسُولِ إنَّما ناصَبَ مَن أرْسَلَهُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعَرِّيًا لَهُ مِنَ الفاءِ دَلالَةً عَلى عَدَمِ التَّسْبِيبِ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ هَذا الضُّرِّ (p-٢٥٩)مَوْجُودٌ عَمِلُوا أوْ لَمْ يَعْمَلُوا وجَدُوا أوْ لَمْ يُوجِدُوا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أيْ: مَلِكَ المُلُوكِ، ولَمْ يَقُلِ: الرَّسُولَ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: كَثِيرًا ولا قَلِيلًا مِن ضَرَرٍ بِما تَجَمَّعُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنَّما ضَرُّوا أنْفُسَهم ناجِزًا بِأنَّهم أتْعَبُوها مِمّا لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وسَيُحْبِطُ﴾ أيْ: يُفْسِدُ فَيُبْطِلُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ مِنَ المَحاسِنِ لِبِنائِها مِنَ المُنافِقِ [عَلى غَيْرِ أساسٍ ثابِتٍ، فَهو إنَّما يُرائِي بِها، ومِنَ المُجاهِرِ عَلى غَيْرِ] أساسٍ أصْلًا، فَلا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنها، ومِنَ المَكائِدِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها تَوْهِينَ الإسْلامِ ونَجْعَلُ تَدْمِيرَهم بِها في تَدْبِيرِهِمْ وإنْ تَناهَوْا في إحْكامِها، فَلا تُثْمِرُ لَهم إلّا عَكْسَ مُرادِهِمْ سَواءٌ.
47:33Page 510
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.
ولَمًّا حَدّا ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِن تَرْغِيبِ المُخْلِصِ وتَرْهِيبِ المُتَرَدِّدِ والمُبْطِلِ إلى الإخْلاصِ ودَعا إلى ذَلِكَ مَعَ بَيانِ أنَّهُ لا غَرَضَ أصْلًا، وإنَّما هو رَحْمَةٌ ولُطْفٌ وإحْسانٌ [و] مِن، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُنادِيًا مَنِ احْتاجَ إلى النِّداءِ مِن نَوْعِ بُعْدٍ لِاحْتِياجِهِ إلى ذَلِكَ وعَدَمِ مُبادَرَتِهِ قَبْلَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ (p-٢٦٠)الأعْظَمِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم طاعَتَهُ بِشِدَّةِ الِاجْتِهادِ فِيها أنَّها خالِصَةٌ، وعَظَّمَ الرَّسُولَ ﷺ بِإفْرادِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لِأنَّ طاعَتَهُ مِن طاعَةِ الَّذِي أرْسَلَهُ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَقَّقْتُمْ أنْفُسَكم وأعْمالَكم كَما مَضى أوَّلَ السُّورَةِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً بِبِنائِها عَلى الطّاعَةِ بِتَصْحِيحِ النِّيّاتِ وتَصْفِيَتِها مَعَ الإحْسانِ لِلصُّورَةِ في الظّاهِرِ لِيَكْمُلَ العَمَلُ صُورَةً ورُوحًا.
ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ قَدْ تُحْمَلُ عَلى إقامَةِ الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى الإخْلاصِ لِتَكْمُلَ حِسًّا ومَعْنًى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَتِهِما؛ فَإنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ إذا نَوى لَها ما لا يُرْضِيهِما بِطَلَبٍ وإنْ كانَتْ في الذُّرْوَةِ مِن حُسْنِ الصُّورَةِ، فَكانَتْ صُورَةً بِلا مَعْنًى، فَهي مِمّا يَكُونُ هَباءً مَنثُورًا مِثْلَ ما فَعَلَ أُولَئِكَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ لِلْمُشاقَقَةِ بِالنِّفاقِ والرِّياءِ والعُجْبِ والمَلْءِ والأذى ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي، ولَكِنَّ السِّياقَ بِسِياقِهِ ولَحاقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ هو المُرادُ الأعْظَمُ بِذَلِكَ، والآيَةُ [مِنَ الِاحْتِباكِ]: ذَكَرَ الطّاعَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المَعْصِيَةِ ثانِيًا، والإبْطالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الصِّحَّةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ أمَرَ بِمَبْدَأِ (p-٢٦١)السَّعادَةِ ونَهى عَنْ نِهايَةِ الفَسادِ ثانِيًا؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ لِما فِيهِ مِن تَقْبِيحِ صُورَتِهِ وهَتْكِ سَرِيرَتِهِ.
47:34Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.
ولَمّا دَلَّ ما أخْبَرَ بِهِ أوَّلًا عَنِ المُشاقِقِينَ عَلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ في الدُّنْيا خاسِرُونَ في الآخِرَةِ، وكانَتِ الخَسارَةُ في الآخِرَةِ مَشْرُوطَةً بِشَرْطٍ، عَلَّلَ ما أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هُنا مِنَ الطّاعَةِ ونُهُوا عَنْهُ مِن إبْطالِ الأعْمالِ بِالمَعْصِيَةِ، [زِيادَةً] في حَثِّهِمْ عَلى ما أمَرَ بِهِ بِعِلَّتَيْنِ كُلٌّ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ: إحْداهُما عَدَمُ المَغْفِرَةِ، والثّانِيَةُ بُطْلانُ الأعْمالِ والأمْوالِ بِكَوْنِ الدُّنْيا لا حَقِيقَةَ لَها، وقَدَّمَ الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ - وهي أنَّ الدُّنْيا لَعِبٌ - كالعِلَّةِ الحاصِلَةِ عَلى ما أوْجَبَها، ومِن حُسْنِ التَّعْلِيمِ بَيانُ الحُكْمِ ثُمَّ تَعْلِيلُهُ بِأقْرَبِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ أوْ يَصُدُّ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبْطِلُوها بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الحامِلِ عَلَيْهِ الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي عَيْنُ الباطِلِ؛ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فاتَتْكُمُ المَغْفِرَةُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الكُفْرَ بِفِعْلِهِمْ فِعْلَ السّاتِرِ لِما دَلَّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ مِن آياتِ اللَّهِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ المَسْمُوعَةِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الأعْلى الواضِحِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى كُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ كُلُّ مَن أرادَهُ بِتَمادِيهِمْ عَلى باطِلِهِمْ وأذاهم لِمَن خالَفَهم.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا قَبِيحًا مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ (p-٢٦٢)المَلِكِ الأعْظَمِ المَرْهُوبِ بَطْشُهُ المَحْذُورَةُ سَطْوَتُهُ، ومَن تَرَكَ الواسِعَ إلى الضَّيِّقِ والمُسْتَقِيمَ إلى المُعْوَجِّ والمُوصِلَ إلى الفَوْزِ [إلى] المُوصِلِ إلى الخَيْبَةِ، فَكانَ التَّمادِي فِيهِ في غايَةِ البُعْدِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ ماتُوا﴾ أيْ: بَعْدَ المَدِّ لَهم في مِضْمارِهِمْ بِالتَّطْوِيلِ في أعْمارِهِمْ ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿كُفّارٌ﴾ ولَمّا كانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الإحْباطِ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ وتَسَبُّبِهِ عَنْهُ فَقالَ مُؤَكِّدًا [لَهُ] لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَمْنَعُ مِن تَسْوِيَةِ المُسِيءِ بِالمُحْسِنِ ﴿لَهُمْ﴾ فَلا يَمْحُو ذُنُوبَهم ولا يَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ، بَلْ يَفْضَحُ سَرائِرَهم ويُوهِنُ كَيْدَهم ويَرُدُّهم عَلى أعْقابِهِمْ في كُلِّ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أبْطَلُوا أعْمالَهم بِالخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الطّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم ما يُغْفَرُ لَهم بِسَبَبِهِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ مِن أنَّ إحْباطَ العَمَلِ في المُرْتَدِّ مَشْرُوطٌ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ.
47:35Page 510
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذَمَّ الكَفَرَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِمْ وأنَّهُ يُبْطِلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا في الحَرْبِ وغَيْرِها، وخَتَمَ بِأنَّ عَداوَتَهُ لَهم مُتَحَتِّمَةٌ لا انْفِكاكَ (p-٢٦٣)لَها، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلِاجْتِراءِ عَلَيْهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُرَغِّبًا لَهم في لُزُومِ الجِهادِ مُحَذِّرًا مِن تَرْكِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: تَضْعُفُوا ضَعْفًا يُؤَدِّي بِكم إلى الهَوانِ والذُّلِّ ﴿وتَدْعُوا﴾ أيْ: أعْداءَكم ﴿إلى السَّلْمِ﴾ أيِ: المُسالَمَةِ وهي الصُّلْحُ ﴿وأنْتُمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿الأعْلَوْنَ﴾ عَلى كُلِّ مَن ناواكم لِأنَّ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الحالِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا كُفُوءَ لَهُ ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِنْصِرِهِ ومَعُونَتِهِ وجَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ الكَرِيمُ إذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّ سَيِّدَهُ مَعَهُ وعَلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ لَمْ يُبالِ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [أيْ] فَيَسْلُبُكُمُوها فَيَجْعَلُكم وتْرًا مِنها بِمَعْنى أنَّهُ يُبْطِلُها كَما يَفْعَلُ مَعَ أعْدائِكم في إحْباطِ أعْمالِهِمْ فَيَصِيرُونَ مُفْرَدِينَ عَنْها؛ لِأنَّكم لَمْ تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِجَعْلِ الدُّنْيا مَحَطَّ أمْرِكُمْ، فَلا يَجُوزُ لِإمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يُجِيبَ إلى مُسالَمَةِ الكُفّارِ وبِهِ قُوَّةٌ عَلى مُدافَعَتِهِمْ، ولا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُ الجِهادِ إلّا لِمَعْنًى يَظْهَرُ فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَتى لَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ انْصَرَفَ بِأْسُهُ إلى المُسْلِمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences