Al-Biqa'iMuhammad · 47:36–38

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:36–38

47:36Page 510

إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦

[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.

ولَمّا أتَمَّ العِلَّةَ الأُولى أقْبَلَ عَلى الثّانِيَةِ الصّادَّةِ عَنِ الطّاعَةِ القائِدَةِ إلى المَعْصِيَةِ المُلائِمَةِ لِلشَّهْوَةِ المُبْطِلَةِ لِلْأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلتَّهاوُنِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ المَغْفِرَةِ، فَقالَ مُرَغِّبًا في طاعَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْفَوْزِ الدّائِمِ بِبَيانِ قِصَرِ أيّامِ المِحْنَةِ (p-٢٦٤)وتَجَرُّعِ مِراراتِ المَشَقَّةِ: ﴿إنَّما الحَياةُ﴾ وأشارَ إلى دَناءَتِها تَنْفِيرًا عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿الدُّنْيا﴾ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ العُلُوِّ مُوجِبًا لِأعْظَمِ اللَّذاذَةِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُوجِبُهُ الدِّينَ الضّامِنَ لِدَوامِ اللَّذَّةِ [مَوْصُولًا] دُنْيَوِيُّها بِأُخْرَوِيِّها، وكانَ اللَّعِبُ ما يَنْشَأُ مِن زِيادَةِ البَسْطِ ويَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الخِفَّةِ كالرَّقْصِ، قَدَّمَهُ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ مَن يَسْعى في زِيادَةِ بَسْطٍ يَحْمِلُ عَلى الرَّزانَةِ ويَدُومُ، وأتْبَعَهُ اللَّهْوَ؛ لِأنَّهُ ما يُسْتَجْلَبُ بِهِ السُّرُورُ كالغِنا إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالدُّنْيا زِيادَةَ بَسْطِها فَهو يَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ، وإنْ كانَ المُرادُ أصْلَ البَسْطِ والسُّرُورِ فَعِنْدَكم مِنهُ بِالعُلُوِّ الحاصِلِ لَكم بِالجِهادِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ والجِدِّ والثَّباتِ فَلا سَفَهَ أعْظَمُ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى ما إنْ سَرَّ [حَمَلَ] عَلى الطَّيْشِ وانْقَضى بِسُرْعَةٍ، فَقالَ: ﴿لَعِبٌ﴾ أيْ: أعْمالٌ ضائِعَةٌ سافِلَةٌ تَزِيدُ في السُّرُورِ ويُسْرِعُ اضْمِحْلالُهُ، فَيَبْطُلُ مِن غَيْرِ ثَمَرَةٍ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ: مَشْغَلَةٌ يُطْلَبُ بِها إثارَةُ اللَّذَّةِ كالغِنا وحَيْرَةٍ وغَفْلَةٍ، فَإنْ (p-٢٦٥)تَتْبَعُوها تَكْفُرُوا وتَبْطُرُوا وتَجْتَرِئُوا عَلى اللَّهِ، [وإنْ تَكْفُرُوا بِهِ وتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِ] تَبْطُلْ أُجُورُكم فَلا يَكُونُ لَكم [أجْرٌ] ولا مالٌ؛ لِأنَّهُ يُبْطِلُ أعْمالَكم وأمْوالَكم بِكَوْنِها تَصِيرُ صُوَرًا لا مَعانِيَ لَها.

ولَمّا صَوَّرَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا بِألَذِّ صُوَرِها عِنْدَ الجاهِلِ وأمَضِّها عِنْدَ العاقِلِ، وحاصِلُهُ أنَّها زِيادَةُ سُرُورٍ لِمَن كانَ مَسْرُورًا، واسْتِجْلابٌ [لَهُ] لِمَن كانَ مَضْرُورًا، لَكِنَّهُ سَرِيعُ الِانْصِرامِ بِخِلافِ ثَمَرَةِ الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ مِن سُرُورِ العُلُوِّ بِالإسْلامِ، فَإنَّهُ باقٍ عَلى الدَّوامِ، عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بِناءً عَلى ما تَبِعَ وصْفَ الدُّنْيا، والآخِرَةُ جِدٌّ وعَمَلٌ وحُضُورٌ؛ فَإنْ تُقْبِلُوا عَلَيْها تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلا تَخْدَعَنَّكُمُ الدُّنْيا عَلى دَناءَتِها عَنْ نَيْلِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ عَلى شَرَفِها وشَرَفِهِ، [قالَ بانِيًا عَلى ما أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ]: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَخافُوا فَتَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ وِقايَةً مِن جِهادِ أعْدائِهِ ومُقاساةِ لَفْحِ إيقادِ الحُرُوبِ وحَرِّ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في ذَلِكَ، فَتَكُونُوا جادِّينَ فَتَتْرُكُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ القائِدَيْنِ إلى الكُفْرِ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: (p-٢٦٦)ثَوابَ كُلِّ أعْمالِكم لِبِنائِها عَلى الأساسِ؛ ولِأنَّهُ غَنِيٌّ لا يَنْقُصُهُ إلّا عَطاءٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهْوِ واللَّعِبِ أوَّلًا دالٌّ عَلى ذِكْرِ الآخِرَةِ والجَدِّ ثانِيًا، وذِكْرُ الإيمانِ والتَّقْوى ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِما الكُفْرانِ والجُرْأةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ تَصْوِيرَ الشَّيْءِ بِحالِ الصَّبِيِّ والسَّفِيهِ أشَدُّ في الزَّجْرِ عَنْهُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ، وذِكْرُ الأجْرِ المُرَتَّبِ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو فِعْلُ الحَزَمَةِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِهِ.

ولَمّا كانَ المَلْعُوبُ بِهِ المَلْهُوُّ مِنهُ يَسْألُ اللّاعِبَ اللّاهِيَ مِن مالِهِ، ولا يَقْنَعُ عِنْدَ سُؤالِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَياعِ أعْمالِهِ وأمْوالِهِ، [بَيَّنَ] أنَّ المَعْبُودَ بِخِلافِ ذَلِكَ في الأمْرَيْنِ، وأنَّهُ يُعْطِي ولا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وإنَّما أخْذُهُ أمْرُهُ بِمُواصَلَةِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألْكُمْ﴾ أيِ [اللَّهُ] في الدُّنْيا ﴿أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لِنَفْسِهِ ولا كُلَّها، وهَذا مُفْهِمٌ لِأنَّهم إنْ لَمْ يَتَّقُوا بِما ذُكِرَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَن يَأْخُذُ أمْوالَهم بِما يُخْرِجُ أضْغانَهُمْ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ومَتى سُئِلُوا أمْوالَهم بَخِلُوا، فَإنْ أُكْرِهُوا عَلى ذَلِكَ أُشْحِنُوا ضَغائِنَ وحَقائِدَ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الإمامِ لَهم نَصِيحَةٌ ولا مِنهم لِلْإمامِ ولا لِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، وكانَ الخِلافُ، [و] في ذَلِكَ (p-٢٦٧)الحالِقَةُ، وهو إنْذارٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ بَعْدُ، وما أنْذَرَ شَيْئًا إلّا كانَ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ.

47:37Page 510

إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧

If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your hatred [i.e., unwillingness].

ولَمّا كانَ الإنْسانُ، لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، قَدْ يُهْلِكُ جَمِيعَ أمْوالِهِ لَهْوًا ولَعِبًا بِالمُقامَرَةِ ونَحْوِها، ولا يَنْهاهُ ذَلِكَ بَلْ لا يَزِيدُهُ إلّا إقْبالًا رَجاءَ أنْ يَظْفَرَ، ولَوْ سُئِلَ جَمِيعَ مالِهِ في الطّاعَةِ لَبَخِلَ، قالَ تَعالى ذاكِرًا لَهم ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ وإيماءً إلى حِلْمِهِ تَعالى عَنْهم وتَحَبُّبِهِ إلَيْهِ مُعَلِّلًا ما قَبْلَهُ: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيِ: الأمْوالَ كُلَّها، ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُعْظَمِها، حَقَّقَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أيْ: يُبالِغْ في سُؤالِكم ويَبْلُغْ فِيهِ الغايَةَ حَتّى يَسْتَأْصِلَها فَيُجْهِدَكم بِذَلِكَ ﴿تَبْخَلُوا﴾ فَلا تُعْطُوا شَيْئًا ﴿ويُخْرِجْ﴾ أيِ: اللَّهُ أوِ المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن ”تَبْخَلُوا“ بِذَلِكَ السُّؤالِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾ أيْ: مَيْلَكم عَنْهُ حَتّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ عَداوَةً وحِقْدًا، وقَدْ دَلَّ إضافَةُ الأضْغانِ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَنْطَوِي بِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ، عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْغانِ، إلّا مَن عَصَمَ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ، قالَ الرّازِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا مُنِعَ في مَواسِمِ الخَيْراتِ سِوى الزَّكاةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ البُخْلِ، فَحَدُّ البُخْلِ مَنعُ ما يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ فَلا بُدَّ مِن مُراعاةِ المُرُوءَةِ ورَفْعِ قُبْحِ الأُحْدُوثَةِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، وقَدَّمَ المادَّةَ مَهْما ظَهَرَ لَهُ أنَّ فائِدَةَ البَذْلِ (p-٢٦٨)أعْظَمُ مِن فائِدَةِ الإمْساكِ ثُمَّ يَشُقُّ عَلَيْهِ البَذْلُ فَهو بَخِيلٌ مُحِبٌّ لِلْمالِ، والمالُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحَبَّ لِذاتِهِ بَلْ لِفائِدَتِهِ، وحِفْظُ المُرُوءَةِ أعْظَمُ وأفْضَلُ وأقْوى مِنَ التَّنَعُّمِ بِالأكْلِ الكَثِيرِ مَثَلًا.

47:38Page 510

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ٣٨

Here you are - those invited to spend in the cause of Allāh - but among you are those who withhold [out of greed]. And whoever withholds only withholds [benefit] from himself; and Allāh is the Free of need, while you are the needy. And if you turn away [i.e., refuse], He will replace you with another people; then they will not be the likes of you.

ولَمّا أخْبَرَ بِبُخْلِهِمْ لَوْ سُئِلُوا جَمِيعَ أمْوالِهِمْ أوْ أكْثَرِها، دَلَّ عَلَيْهِ بِمَن يَبْخَلُ مِنهم عَمّا سَألَهُ [مِنهُمْ] وهو جُزْءٌ يَسِيرٌ [جِدًّا] مِن أمْوالِهِمْ، فَقالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى حُسْنِ تَدْبِيرِهِ لَهم وعَفْوِهِ عَنْهم عِنْدَ مَن جَعَلَ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ، ومَن جَعَلَ الهاءَ بَدَلًا مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ جَعَلَها لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، لِأنَّ مِن حَقِّ مَن دَعاهُ مَوْلاهُ أنْ يُبادِرَ لِلْإجابَةِ مَسْرُورًا فَضْلًا أنْ يَبْخَلَ، وفي هاءِ التَّنْبِيهِ ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَرى تَكَرُّرَها تَأْكِيدٌ لِأجْلِ اسْتِبْعادِهِمْ أنَّ أحَدًا يَبْخَلُ عَمّا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ها أنْتُمْ﴾ وحَقَّرَ أمْرَهم أوْ أحْضَرَهُ في الذِّهْنِ وصَوَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ﴾ أيْ: إلى رَبِّكُمُ الَّذِي لا يُرِيدُ بِدُعائِكم إلّا نَفْعَكم وأمّا هو فَلا يَلْحَقُهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ﴿لِتُنْفِقُوا﴾ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الزَّكاةِ وهي رُبْعُ العُشْرِ ونَحْوَهُ، ومِن نَفَقَةِ الغَزْوِ وقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الغَنِيمَةِ أضْعافُها وقَدْ يَحْصُلُ مِنَ المَتْجَرِ أوْ أكْثَرَ، وقَدْ عَمَّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ (p-٢٦٩)قَوْلُهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي يُرْجى خَيْرُهُ ويُخْشى ضَيْرُهُ، بِخِلافِ مَن يَكُونُ وما يَكُونُ بِهِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ.

ولَمّا أخْبَرَ بِدُعائِهِمْ، فَصَّلَهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَمِنكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُدَّعُونَ ﴿مَن يَبْخَلُ﴾ وهو مِنكم لا شَكَّ فِيهِ، وحَذَفَ القَسَمَ [الآخَرَ] وهو ”ومِنكم مَن يَجُودُ“ لِأنَّ المُرادَ الِاسْتِدْلالُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ البُخْلِ. ولَمّا كانَ بُخْلُهُ عَمَّنْ أعْطاهُ المالَ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ مِنهُ إنَّما طَلَبَهُ لِيَقَعَ المَطْلُوبُ مِنهُ فَقَطْ زادَ العَجَبُ بِقَوْلِهِ:﴿ومَن﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يَبْخَلُ﴾ بِذَلِكَ ﴿فَإنَّما يَبْخَلُ﴾ أيْ: بِمالِهِ بُخْلًا صادِرًا ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ الَّتِي هي مَنبَعُ الدَّنايا، فَلا تَنَفُّسَ و[لا] تَنافُسَ إلّا في الشَّيْءِ الخَسِيسِ؛ فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ فَبَخِلَ بِهِ إنَّما هو لَهُ، وأكَّدَهُ لِأنَّهُ لا يَكادُ أحَدٌ يُصَدِّقُ أنَّ عاقِلًا يَتَجاوَزُ بِمالِهِ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، ولِذا حَذَفَ: ”ومَن يَجُدْ فَإنَّما يَجُدْ عَلى نَفْسِهِ“ لِفَهْمِهِ عَنِ السِّياقِ واسْتِغْناءِ الدَّلِيلِ عَنْهُ، هَذا والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ”يَبْخَلْ“ مُتَضَمِّنًا ”يُمْسِكْ“ ثُمَّ حَذَفَ ”يُمْسِكْ“ ودَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها التَّعْدِيَةُ بِعَنْ.

ولَمّا كانَ سُؤالُ المالِ قَدْ يُوهِمُ شَيْئًا، قالَ مُزِيلًا لَهُ مُقَرِّرًا لِأنَّ بُخْلَ الإنْسانِ إنَّما هو عَنْ نَفْسِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لِأنَّ ضَرَرَ بُخْلِهِ إنَّما (p-٢٧٠)يَعُودُ عَلَيْهِ وهو سُبْحانُهُ لَمْ يَسْألْكم ذَلِكَ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ ولا إلى شَيْءٍ مِنكُمْ، بَلْ لِحاجَتِكم إلى الثَّوابِ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ بَنى أُمُورَ هَذِهِ الدّارِ كَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ عَلى الأسْبابِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿وأنْتُمُ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ خاصَّةً ﴿الفُقَراءُ﴾ لِأنَّ العَطاءَ يَنْفَعُكم والمَنعَ يَضُرُّكم. فَمَنِ افْتَقَرَ مِنكم إلى فَقِيرٍ مِثْلِهِ وقَعَ في الذُّلِّ والهَوانِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُكم أنْ يُداخِلَكم مِنَ السُّرُورِ ما لا يَجِدُ إذا طَلَبَ مِن أحَدٍ مِنكم أحَدٌ مِنَ الأجْوادِ الأغْنِياءِ شَيْئًا طَمَعًا في جَزائِهِ، فَكُونُوا كَذَلِكَ وأعْظَمَ إذا طَلَبَ مِنكُمُ الغِنى المُطْلَقَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تَقْبَلُوا بِنَوْلِكم تُفْلِحُوا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُرَهِّبًا؛ لِأنَّ التَّرْهِيبَ أرْدَعُ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَوَقَّعُوا التَّوَلِّيَ عَنْهُ تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ السَّماحِ بِذَلِكَ الجَزاءِ اليَسِيرِ جِدًّا المُوجِبِ لِلثَّوابِ الخَطِيرِ والفَوْزِ الدّائِمِ، ومِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ، والقِيامِ بِطاعَتِهِ، لِكَوْنِهِ المُحْسِنَ الَّذِي لا مُحْسِنَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾ أيْ: يُوجِدْ ﴿قَوْمًا﴾ فِيهِمْ قُوَّةٌ وكِفايَةٌ لِما يُطْلَبُ مِنهم مُحاوَلَتُهُ.

(p-٢٧١)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّهم غَيْرُهُمْ، لَكِنَّهُ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا - مَعَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ أعْيانِهِمْ - مِن قَوْمِهِمْ أوْ أنْ يَشَأْ دُونَهم في الصِّفاتِ وإنْ كانُوا مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ، نَبَّهَ عَلى أنَّهم يَكُونُونَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ وعَلى غَيْرِ صِفاتِهِمْ، بَلْ هم أعْلى مِنهم دَرَجَةً وأكْرَمُ خَلِيقَةً وأحْسَنُ فِعْلًا فَقالَ تَعالى: ﴿غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: بَدَلًا مِنكم وهو عَلى غَيْرِ صِفَةِ التَّوَلِّي.

ولَمّا كانَ النّاسُ مُتَقارِبِينَ في الجِبِلّاتِ، وكانَ المالُ مَحْبُوبًا، كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَكُونَ هَذا البَذْلُ عَلى غَيْرِ ما هم عَلَيْهِ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي تَأْكِيدًا لِما أفْهَمَهُ ما قُلْتُهُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِ ”غَيْرَ“ وتَثْبِيتًا [لَهُ]: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِبْعادِ مَن يُسْتَبْعَدُ وعُلُوِّ الهِمَّةِ في مُجاوَزَةِ جَمِيعِ عَقَباتِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ: ﴿لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنْهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَرَ بِهِ أوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا نَهى [عَنْهُ]، ومَن قَدَرَ عَلى الإيجادِ قَدَرَ عَلى الإعْدامِ.

بَلْ هو أهْوَنُ في مَجارِي العاداتِ، فَقَدْ ثَبَتَ [أنَّهُ] سُبْحانَهُ لَوْ شاءَ لانْتَصَرَ مِنَ الكُفّارِ، إمّا بِإهْلاكِهِمْ أوْ إمّا بِناسٍ غَيْرِكم بِضَرْبِ رِقابِهِمْ وأسْرِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ، وثَبَتَ بِمُواصَلَةِ ذَمِّ الكُفّارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ (p-٢٧٢)أنَّهُ أبْطَلَ أعْمالَهُمْ، فَرَجَعَ بِذَلِكَ أوَّلُ السُّورَةِ إلى آخِرِها، وعانَقَ مُوصِلُهُ ما تَرى مِن مُفَصَّلِها، وعُلِمَ أنَّ مَعْنى هَذا الآخَرِ وذَلِكَ الأوَّلِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لا بُدَّ مِن إذْلالِهِ لِلْكافِرِينَ وإعْزازِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم إنْ أقْبَلُوا عَلى ما يُرْضِيهِ فَجاهَدُوا نَصَرَهم نَصْرًا عَزِيزًا بِما ضَمِنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وإنْ تَتَوَلَّوْا أتى بِقَوْمٍ غَيْرِكم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ فَيَصْدُقُهم وعْدَهُ، فَصارَ خِذْلانُهم أمْرًا مُتَحَتِّمًا، وهو مَعْنى أوَّلِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ. واللَّهُ المُوَفِّقُ لِما يُرِيدُ مِنَ الصَّوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском