Al-Biqa'iAl‑Fath · 48:14–22

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:14–22

48:14Page 512

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

ولَمّا انْقَضى حَدِيثُ الجُنُودِ عامَّةً ثُمَّ خاصَّةً مِنَ المُنْتَدَبِينَ والمُخْلِصِينَ وخَتَمَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، وكانَ المُتَصَرِّفُ في الجُنُودِ رُبَّما كانَ بَعْضَ خَواصِّ المَلِكِ، فَلا يَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِيهِمْ تامًّا، وكانَ المَلِكُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى عَذابِ مَن أرادَ مِن جُنُودِهِ، وكانَ إذا قَدَرَ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى العَذابِ بِكُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ السَّعِيرِ المَوْصُوفِ وغَيْرِهِ لِعَدَمِ عُمُومِ مِلْكِهُ قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى آيَةِ الجُنُودِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الجُنُودِ وغَيْرِها، يُدَبِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْفَ يَشاءُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ ولا مُعَقِّبَ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ في هَؤُلاءِ مَن عُذِّبَ بِما عُذِّبَ الأُمَمَ الماضِيَةَ مِنَ الرِّيحِ وغَيْرِها، لَمْ يَذْكُرْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، وذَكَرَ نَتِيجَةَ التَّفَرُّدِ بِالمُلْكِ (p-٣٠٦)بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ما ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يُكافِيهِ شَيْءٌ، ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الأكْفاءِ المُعارِضِينَ لَهم في الجُمْلَةِ، وعُلِمَ مِن هَذا التَّقْسِيمِ المُبْهَمِ [أيْضًا] أنَّ مِنهم مَن يَرْتَدُّ فَيُعَذِّبُهُ، ومِنهم مَن يَثْبُتُ عَلى الإسْلامِ فَيَغْفِرُ لَهُ لِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ومِلْكُهُ تامٌّ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهِ عَدْلٌ كَيْفَما كانَ، ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ الشَّيْءَ في وقْتٍ قَدْ لا يَسْتَمِرُّ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ أزَلًا وأبَدًا، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ. ولَمّا ابْتَدَأ الآيَةَ بِالمَغْفِرَةِ تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ، خَتَمَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقامَ لَهُ، وزادَ الرَّحْمَةَ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّ المَرْحَمَةِ بِالتَّرْغِيبِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ فَقالَ: ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: لِذُنُوبِ المُسِيئِينَ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُكْرِمًا بَعْدَ السَّتْرِ بِما لا تَسَعُهُ العُقُولُ، وقُدْرَتُهُ عَلى الإنْعامِ كَقُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ.

48:15Page 512

سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2

ولَمّا ذَمَّ المُخَلَّفِينَ بِما مِنهُ -أيْ مِنَ الذَّمِّ- أنَّهم هالِكُونَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّهُ لَعَنَهُمْ، وكانَ قَدْ وعَدَ (p-٣٠٧)سُبْحانَهُ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ فَتْحَ خَيْبَرَ جَبْرًا لَهم بِما مَنَعَهم مِنَ الِاسْتِيلاءِ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الدَّقِيقَةِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ نافِذُ الأمْرِ، و[كانَ] ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإحاطَةِ العِلْمِ، دَلَّ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا، جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ يَغْفِرُ لِلْمُخَلَّفِينَ حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم ما تَخَلَّفُوا؟ ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ.

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَيْثُ لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في أنْ يَظْفَرَ مِنهُ بِشَيْءٍ مِن خِلافٍ لِأمْرِ اللَّهِ، أسْقَطَ ما عَبَّرَ بِهِ في ذِكْرِهِمْ أوَّلًا مِن خِطابِهِ وقالَ: ﴿المُخَلَّفُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنْ يَسْعى في تَمْكِينِهِمْ مِنَ المَسِيرِ في جَيْشِهِ ﷺ لِخَفاءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَمْ يُقَيِّدْهم بِالأعْرابِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن كانَ يَتَخَلَّفُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَكم ﴿إلى مَغانِمَ﴾

ولَمّا أفْهَمَ اللَّفْظُ الأخْذَ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ كَثْرَتَها، صَرَّحَ بِالأوَّلِ رَفْعًا لِلْمَجازِ فَقالَ: ﴿لِتَأْخُذُوها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ ﴿ذَرُونا﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالَةٍ شِئْتُمْ مِنَ الأحْوالِ الدَّنِيَّةِ ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِن تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ إخْلافُ وعْدِ اللَّهِ بِأنَّها تَخُصُّ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّهُ طَرَدَ المُنافِقِينَ وخَيَّبَ قَصْدَهُمْ، عَلَّلَ تَعالى قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ: بِذَهابِكم مَعَكم ﴿أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً (p-٣٠٨)وعِلْمًا في الإخْبارِ بِلَعْنِهِمْ وإبارَتِهِمْ، وأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، لا يَشْرُكُهم فِيهِ إلّا مَن وافَقَهم في النِّيَّةِ والهِجْرَةِ، لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَشْكِيكِ أهْلِ الإسْلامِ فِيهِ، والمُرادُ أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا صِنْفَيْنِ: مِنهم مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ومِنهم مَن لَمْ يُرِدْهُ ولَكِنْ فَعَلَ فِعْلَ مَن يُرِيدُهُ.

ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَمّا يُقالُ لَهُمْ، قالَ مُخاطِبًا لِأصْدَقِ الخَلْقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا حَبِيبُ لَهم إذا بَلَغَكَ كَلامُهم أنْتَ بِنَفْسِكَ، فَإنَّ غَيْرَكَ لا يَقُومُ مَقامَكَ في هَذا الأمْرِ المُهِمِّ، قَوْلًا مُؤَكَّدًا: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في ذَلِكَ، وساقَهُ مَساقَ النَّفْيِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ؛ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ آكَدَ يَكُونُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وهو أزْجَرُ وأدُلُّ عَلى الِاسْتِهانَةِ.

ولَمّا أذِنَ هَذا التَّأْكِيدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ مَن [لا] يُخالَفُ أصْلًا في مُرادِهِ، بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا القَوْلِ البَدِيعِ الشَّأْنِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الغُفْرانِ لِمَن شاؤُوا والعِقابِ لِمَن شاؤُوا ﴿مِن قَبْلُ﴾ هَذا الوَقْتِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ الخُلْفُ في قَوْلِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنْ لا يَحْضُرَ ”خَيْبَرَ“ المُرادَةَ بِهَذِهِ الغَنائِمِ إلّا مَن حَضَرَ الحُدَيْبِيَةَ، (p-٣٠٩)وأمَرَ بِذَلِكَ فَكانَ ما قالَ بَعْدَ اجْتِهادِ بَعْضِ المُخَلَّفِينَ في إخْلافِهِ فَإنَّهم غَيَّرَهُمُ الطَّمَعُ بَعْدَ سَماعِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ هَذا، فَطَلَبُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ ﷺ فَمُنِعُوا فَلَمْ يَحْضُرْها غَيْرَهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَأقامَ إلى أثْناءِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وخَرَجَ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ إلى خَيْبَرَ فَفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وأخَذَ جَمِيعَ أمْوالِها مِنَ المَنقُولاتِ والعَقاراتِ، وأتى إلَيْهِ ﷺ وهو بِها بَعْدَ فَتْحِها ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبَعْضُ مَن مَعَهم مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ، فَأشْرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُخَلَّفِينَ بَلْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ لِعُذْرِ عَدَمِ الإدْراكِ.

ولَمّا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، بَلْ يَظُنُّونَ أنَّها حِيَلٌ عَلى التَّوَصُّلِ إلى المُراداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى جَلافَتِهِمْ وفَسادِ ظُنُونِهِمْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِمّا ادَّعى أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ ﴿بَلْ﴾ إنَّما ذَلِكم لِأنَّكم ﴿تَحْسُدُونَنا﴾ فَلا تُرِيدُونَ أنْ يَصِلَ إلَيْنا مِن مالِ الغَنائِمِ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَ فَهْمَ الحاذِقِ الماهِرِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ في أمْرِ دُنْياهُمْ، ومِن ذَلِكَ إقْرارُهم بِالإيمانِ لِأجْلِها، وأمّا أُمُورُ الآخِرَةِ فَلا يَفْهَمُونَ مِنها شَيْئًا.

48:16Page 513

قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦

Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."

(p-٣١٠)ولَمّا كانَ ذَلِكَ يُوقِعُ في نَفْسِ السّامِعِ السُّؤالَ عَنْ هَذا الطَّرْدِ: هَلْ يَسْتَمِرُّ؟ أُجِيبَ بِأنَّهم سَيُمْتَحَنُونَ بِأمْرٍ شاقٍّ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ إعْلامًا بِأنَّهم في الحَقِيقَةِ ما تَخَلَّفُوا، بَلْ مُنِعُوا طَرْدًا لَهم وإبْعادًا مُعَذِّبًا لَهم بِما خَلَّفَهم عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ العُمْرَةِ مِنَ الخَوْفِ مِن قِتالِ قُرَيْشٍ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ كَما أثابَ المُحِبِّينَ لَهُ ﷺ بِضِدِّ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ القِتالِ إلى النَّصْرِ أوِ المَوْتِ مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْهم بِما جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِلْفَتْحِ الأعْظَمِ والتَّفَرُّغِ لِفَتْحِ خَيْبَرَ وأخْذِ غَنائِمِها الكَثِيرَةِ مِن غَيْرِ كَبِيرِ كُلْفَةٍ ﴿قُلْ﴾ يا أعْظَمَ الخَلْقِ ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ وزادَ في ذَمِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الجَلافَةِ فَقالَ: ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: أهْلِ غِلَظِ الأكْبادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا القَيْدُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ المُخَلَّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ [فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ الأعْرابَ يَنْقَسِمُونَ عِنْدَ هَذا الدُّعاءِ إلى مُطِيعٍ وعاصٍ - كَما أشارَ إلَيْهِ تَقْسِيمُهُ سُبْحانَهُ لَهُمْ- وأنَّ المُخَلَّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ] لِمِثْلِ ما اعْتَلَّ بِهِ الأعْرابُ لا مَطْمَعَ في صَلاحِهِمْ: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بِإخْبارِ مُحِيطِ العِلْمِ والقُدْرَةِ دَعْوَةً مُحِيطَةً ونَفِيرًا عامًّا لِما أفْهَمَهُ الإسْنادُ إلى جَمِيعِهِمْ مِن داعٍ صَحَّتْ إمامَتُهُ (p-٣١١)فَوَجَبَتْ طاعَتُهُ، ودَلَّ عَلى بُعْدِهِمْ مِن أرْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى قَوْمٍ﴾

ولَمّا أفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ أنَّ لَهم قُوَّةً وشِدَّةً عَلى ما يُحاوِلُونَهُ، أوْضَحَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾ أيْ: شِدَّةٍ في الحَرْبِ وشَجاعَةٍ مَعَ مَكْرٍ ودَهاءٍ ﴿شَدِيدٍ﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا؟ قالَ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ أيْ: بِأمْرِ إمامِكم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلَيْهِمْ لِيَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ المُظْهَرَيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هي العُلْيا: المُقاتَلَةُ مِنكم أوِ الإسْلامُ مِنهُمْ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا كانَ القِتالُ لا غَيْرَ، وإنْ أسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ لِأنَّ الإمامَ لا غَرَضَ لَهُ إلّا إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن إبْقاءٍ بِجِزْيَةٍ أوْ مُصالَحَةٍ أوْ مُتارَكَةٍ إلى مُدَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا الدّاعِي هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والقَوْمُ بَنُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم مِن أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ كانَ الدُّعاءُ لَهم أوَّلَ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم ثَقِيفٌ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِمْ إنَّما كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ فَتْحَ مَكَّةَ، وكانَ أمْرُ هَوازِنَ وثَقِيفٍ وغَيْرِهِما تَبَعًا لَهُ في غَزْوَتِهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم شَيْءٌ، وأيْضًا فَإنَّ ثَقِيفَ لَمّا عَسُرَ أمْرُهم تَرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وتَرَكَ أيْضًا فِلالَ هَوازِنَ فَلَمْ يَتْبَعْهم ولَمْ يُؤْمَرْ بِاتِّباعِهِمْ، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا انْتَشَبَ القِتالُ لَمْ يَتْرُكْ إلّا أنْ حَصَلَ الإسْلامُ، والقَوْلُ بِأنَّهم فارِسُ والرُّومُ ضَعِيفٌ أيْضًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهم (p-٣١٢)تُقْبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وتَأْوِيلُهُ بِأنَّهُ إسْلامٌ لُغَوِيٌّ لا داعِيَ لَهُ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ كانَ ما أشارَ إلَيْهِ التَّقْسِيمُ فَإنَّهم لَمّا دُعُوا [إلَيْهِمُ انْقَسَمُوا] إلى مُجِيبٍ وهُمُ الأكْثَرُ، وقَدْ آتاهُمُ اللَّهُ الأجْرَ الحَسَنَ في الدُّنْيا بِالغَنِيمَةِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ وهو المَرْجُوُّ في الآخِرَةِ، ومُرْتَدٍّ وهم قَلِيلٌ وقَدْ أذاقَهُمُ اللَّهُ العَذابَ الألِيمَ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ عَلى أقْبَحِ حالٍ، وهو يُذِيقُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ النَّكالِ، وأمّا قِتالُ غَيْرِ العَرَبِ فَأطاعَ فِيهِ الكُلُّ ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْسِيمِ، فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّهم أهْلُ الرِّدَّةِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ قَوْلَهُ مُرَدِّدًا القَوْلَ في حالِهِمْ مُبْهِمًا لَهُ إشارَةً إلى أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَنْقَسِمُونَ إلى مُقْبِلٍ ومُتَوَلٍّ: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ أيْ: تُوقِعُوا الطّاعَةَ لِلدّاعِي إلى ذَلِكَ، وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ والقُدْرَةُ عَلى الإعْطاءِ والمَنعِ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ دُنْيا وأُخْرى، جَعَلَ اللَّهُ طاعَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذا الأمْرِ بِالخُصُوصِ كَطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي طاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، جَزاءً لَهُ عَلى خُصُوصِهِ في مَزِيدِ تَسْلِيمِهِ لِما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصُّلْحِ وثَباتِهِ بِما أجابَ بِهِ عَمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِمِثْلِ جَوابِ النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ حاضِرًا لَهُ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ السِّيرَةِ.

(p-٣١٣)ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ ﷺ ومَن يَقُومُ مَقامَهُ لا تَكُونُ إلّا مِن مُنازَعَةٍ في الفِطْرَةِ الأُولى ومُعالَجَةٍ لَها، عَبَّرَ بِالتَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِهِ عِصْيانًا ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عالَجْتُمْ أنْفُسَكم وكَلَّفْتُمُوها التَّوَلِّيَ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بَعْضَ الأزْمانِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلى هَذا الدُّعاءِ، وذَلِكَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أيْ: يُخالِطُكم بِعُقُوبَةٍ تُزِيلُ العُذُوبَةَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لِأجْلِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنكم.

48:17Page 513

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧

There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.

ولَمّا تَوَعَّدَ المُتَخَلِّفِينَ بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَوَعَّدَهم في التَّقاعُدِ عَنْ هَذا الإمامِ القائِمِ بَعْدَهُ بِالحَقِّ، وكانَ أهْلُ الأعْذارِ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ما أُرِيدَ بِهَذا الدُّعاءِ، وكانَ الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلى الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى مُسَكِّنًا لِما اسْتَثارَهُ الوَعِيدُ مِن رَوْعِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى﴾ أيْ: في تَخَلُّفِهِ عَنِ الدُّعاءِ إلى الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِ مِن أئِمَّةِ الدُّعاءِ ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ: مَيْلٌ بِثِقْلِ الإثْمِ لِأجْلِ أنَّ عَماهُ مُوهِنٌ لِسَعْيِهِ وجَمِيعِ بَطْشِهِ، ولِأجْلِ تَأْكِيدِ المَعْنى تَسْكِينًا لِما ثارَ مِن رَوْعِ المُؤْمِنِ كَرَّرَ النّافِيَ والحَرَجَ في كُلِّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَأْكِيدًا لِهَذا الأمْرِ فَقالَ: ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ﴾ وإنْ كانَ (p-٣١٤)نَقْصُهُ أدْنى مِن نَقْصِ العَمى ﴿حَرَجٌ﴾ وجَعَلَ كُلَّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً تَأْكِيدًا لِهَذا الحُكْمِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ الخاصَّيْنِ لِمَزِيدِ ضَرَرِهِما في العاقِبَةِ عَنْ كَمالِ الجِهادِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى المَرِيضِ﴾ أيْ: بِأيِّ مَرَضٍ ﴿حَرَجٌ﴾ فَلَمْ يَخْرُجْ أهْلُ هَذِهِ الأعْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَمْنَعُهم إلّا إعْذارُهم عَنْ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، وأطْلَقَ الحَرَجَ المَنفِيَّ لِيَقْبَلَ التَّقْدِيرَ بِالتَّخَلُّفِ ولا حاجَةَ لِأنَّ حُضُورَهم لا يَخْلُو عَنْ نَفْعٍ في الجِهادِ، وذُكِرَ هَكَذا دُونَ أُسْلُوبِ الِاسْتِثْناءِ إيذانًا بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا في الوَعِيدِ أصْلًا حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.

ولَمّا بَشَّرَ المُطِيعِينَ لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ وتَوَعَّدَ القاعِدِينَ عَنْها وعَذَرَ المَعْذُورِينَ، وكانَتْ إجابَةُ المَعْذُورِينَ جائِزَةً، بَلْ أرْفَعَ مِن قُعُودِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفِ إجابَتَهم إنَّما نَفى الحَرَجَ، قالَ مُعَمِّمًا عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَخَلَّفَ مِنهم فَتَخَلُّفُهُ مُباحٌ لَهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُفِيضِ مِن آثارِ صِفاتِهِ عَلى مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ ضَعِيفًا، المانِعِ مِنها مَن يَشاءُ وإنْ كانَ قَوِيًّا ﴿ورَسُولَهُ﴾ مِنَ المَعْذُورِينَ وغَيْرِهِمْ فِيما نُدِبا إلَيْهِ مِن أيِّ طاعَةٍ كانَتْ إجابَتُهُ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ أيِ: اللَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ جَزاءً لَهُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ونَبَّهَ عَلى قُرْبِ مَنالِ الماءِ بِإثْباتِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَفي أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ أجْرَيْتَ نَهْرًا ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ: كائِنًا مَن كانَ مِنَ المُخاطَبِينَ الآنَ وغَيْرِهِمْ، عَنْ (p-٣١٥)طاعَةٍ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي أمَرا بِها مِن أيِّ طاعَةٍ كانَتْ ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ أيْ: عَلى تَوَلِّيهِ في الدّارَيْنِ أوْ إحْداهُما ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ: ”نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ“ بِالنُّونِ أظْهَرُ في إرادَةِ العَظَمَةِ لِأجْلِ تَعْظِيمِ النِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ.

48:18Page 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1

ولَمّا وعَدَ المُطِيعَ وأوْعَدَ العاصِيَ، وكانَتِ النُّفُوسُ إلى الوَعْدِ أشَدَّ التِفاتًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِثَوابٍ عَظِيمٍ مِنهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ يَعْظُمُ جَذْبُهُ لِلنُّفُوسِ القاصِرَةِ عَنِ النُّفُوذِ في عالَمِ الغَيْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أعْظَمَ المُرادِ بِهِ المُذَبْذَبُونَ، مُفْتَتِحًا بِقَدْ؛ لِأنَّ السِّياقَ مُوجِبٌ لِلتَّوَقُّعِ لِما جَرى مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ أنَّها إذا شَوَّقَتْ إلى شَيْءٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَشْهُودٍ يُقَرِّبُ الغائِبَ المَوْعُودَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، أيْ: فَعَلَ مَعَهم فِعْلَ الرّاضِي بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الفَتْحِ وما قَدَّرَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَرْضَ عَنِ الكافِرِينَ فَخَذَلَهم في الدُّنْيا مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فالآياتُ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ بِأُمُورٍ مُشاهَدَةٍ.

ولَمّا ذَكَرَ الرِّضى، ذَكَرَ وقْتَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ، وصَوَّرَ حالَهم إعْلامًا بِأنَّها سارَّةٌ مُعْجِبَةٌ شَدِيدَةُ الرُّسُوخِ في الرِّضى فَقالَ: ﴿يُبايِعُونَكَ﴾ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ لَمّا صَدَّ المُشْرِكُونَ عَنِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ، فَبَعَثْتَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَيْهِمْ لِيُخْبِرَهم بِأنَّكَ لَمْ تَجِئْ (p-٣١٦)لِقِتالٍ وإنَّما جِئْتَ لِلْعُمْرَةِ، فَبَلَغَكَ أنَّهم قَتَلُوهُ فَنَدَبْتَ إلى البَيْعَةِ لِمُناجَزَتِهِمْ فَبايَعَكَ كُلُّ مَن كانَ مَعَكَ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا لِتُناجِزَ بِهِمُ القَوْمَ؛ وزادَ الأمْرَ بَيانًا وقَيَّدَهُ تَفْضِيلًا لِأهْلِ البَيْعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ واللّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وكانَتْ شَجَرَةً في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ النَّبِيُّ ﷺ نازِلًا بِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِأجْلِ هَذا الرِّضى سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، ورَوى البَغَوِيُّ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»».

ولَمّا دَلَّ عَلى إخْلاصِهِمْ بِما وصَفَهُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَعَلِمَ﴾ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ ﴿ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِن مُطابَقَتِهِ لِما قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ في البَيْعَةِ، وأنَّ ما حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الِاضْطِرابِ في قَبُولِ الصُّلْحِ والكَآبَةِ مِنهُ إنَّما هو لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وإيثارِ ما يُرِيدُ مِن إعْلاءِ دِينِهِ وإظْهارِهِ لا عَنْ شَكٍّ في الدِّينِ، وسَبَّبَ عَنْ هَذا العِلْمِ تَرْغِيبًا [فِي] مِثْلِ هَذا المُحْدَثِ عَنْهم قَوْلَهُ: ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ: بِثَباتِ القُلُوبِ وطُمَأْنِينَتِها في كُلِّ حالَةٍ تُرْضِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ودَلَّ عَلى عِظَمِها بِحَيْثُ إنَّها تَغْلِبُ الخَوْفَ وإنْ عَظُمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَأثَّرَ ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَخافُوا عاقِبَةَ القِتالِ لَمّا نُدِبُوا إلَيْهِ وإنْ كانُوا في كَثْرَةِ الكُفّارِ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، لا أثَرَ الصُّلْحِ بِما يَتَراءى فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وغَيْرِهِ مِن مَخايِلِ النَّقْصِ في قُلُوبِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ (p-٣١٧)والمَواطِنِ الضَّنْكِ إلّا رَيْثَما رَأوْا صِدْقَ عَزِيمَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومَضى أمْرُهُ في ذَلِكَ بِما يَفْعَلُ ويَقُولُ.

ولَمّا ذَكَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِما هو الأصْلُ الَّذِي لا يُبْنى إلّا عَلَيْهِ، أتْبَعَهُ آثارَهُ فَقالَ: ﴿وأثابَهُمْ﴾ أيْ: أعْطاهم جَزاءً لَهم عَلى ما وهَبَهم مِنَ الطّاعَةِ والسَّكِينَةِ فِيها جَزاءً، مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، يَمْلَأُ مَواضِعَ احْتِياجِهِمْ، هو أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهُ الإنْسانُ ويَتَرَدَّدَ في طَلَبِهِ لِما لَهُ مِنَ الإقْبالِ والمُكْنَةِ والشُّمُولِ ﴿فَتْحًا﴾ بِما أوْقَعَ سُبْحانَهُ مِنَ الصُّلْحِ المُتَرَتِّبِ عَلى تَعْجِيزِ قُرَيْشٍ عَنِ القِتالِ ﴿قَرِيبًا﴾ بِتَرْكِ القِتالِ المُوجِبِ بَعْدَ راحَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وجُمُومِهِمْ لِاخْتِلاطِ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ فَيَدْخُلُ في الدِّينِ مَن كانَ مُباعِدًا لَهُ لِما يَرى مِن مَحاسِنِهِ، فَسَيَكُونُ الفَتْحُ الأعْظَمُ فَتْحَ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِفَتْحِ جَمِيعِ البِلادِ.

48:19Page 513

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩

And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

ولَمّا ذَكَرَ الفَتْحَ ذَكَرَ بَعْضَ ثَمَرَتِهِ فَقالَ: ﴿ومَغانِمَ﴾ فَنَبَّهَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ إلى أنَّها عَظِيمَةٌ، ثُمَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرَةً﴾ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ رُبَّما أُطْلِقَ عَلى ما هو بِالقُوَّةِ دُونَ الفِعْلِ، أزالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَها﴾ وهي خَيْبَرُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا لِكَثْرَةِ الكُفّارِ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ سَبَبَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: بِعَزَّةَ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ﴿عَزِيزًا﴾ أيْ: يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿حَكِيمًا﴾ يُتْقِنُ ما يُرِيدُ فَلا يُنْقَضُ.

48:20Page 513

وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.

(p-٣١٨)ولَمّا قَرَّبَ ذَلِكَ وتَأكَّدَ وتَحَرَّرَ وتَقَرَّرَ، أقْبَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَأْكِيدًا لِمَسامِعِهِمْ فَقالَ مُزِيلًا لِكُلِّ احْتِمالٍ يَتَرَدَّدُ في خَواطِرِ المُخَلَّفِينَ: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿مَغانِمَ﴾ وحَقَّقَ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ أيْ: فِيما يَأْتِي مِن بُلْدانٍ شَتّى لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الوَعْدِ قَوْلَهُ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنها ﴿هَذِهِ﴾ أيِ: القَضِيَّةَ الَّتِي أوْقَعَها بَيْنَكم وبَيْنَ قُرَيْشٍ مِن وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، ومِن أنَّكم تَأْتُونَ في العامِ المُقْبِلِ في مِثْلِ هَذا الشَّهْرِ مُعْتَمِرِينَ فَإنَّها سَبَبُ ذَلِكَ كُلِّهِ، عَزاهُ أبُو حَيّانَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وهو في غايَةِ الظُّهُورِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: الَّتِي فَتَحَها عَلَيْكم مِن خَيْبَرَ مِن سَبْيِها وأمْوالِها المَنقُولاتِ وغَيْرِها ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ أسَدٍ وغَطَفانَ أنْ يُعِينُوا أهْلَ خَيْبَرَ أوْ يُغِيرُوا عَلى عِيالاتِكم بَعْدَ ما هَمُّوا بِذَلِكَ بَعْدَ ما كَفَّ أيْدِيَ قُرَيْشٍ ومَن دَخَلَ في عَهْدِهِمْ بِالصُّلْحِ ﴿عَنْكُمْ﴾ عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والضَّعْفِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: رَحْمَةً لَكم عَلى طاعَتِكم لِلَّهِ ورَسُولِهِ وجَزاءً لِتَقْوى أيْدِيكُمْ، وتَرَوْا أسْبابَ الفَتْحِ القَرِيبَةَ بِما يَدْخُلُ مِنَ النّاسِ في دِينِكم عِنْدَ المُخاطَبَةِ بِسَبَبِ الإيمانِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَكُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ (p-٣١٩)الأسْبابُ مِنَ الفَتْحِ والإسْلامِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً هي في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِنكم عَلى دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ آمِنِينَ في العُمْرَةِ ثُمَّ في الفَتْحِ ومِنكم ومِن غَيْرِكم مِنَ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ عَلى ما وقَعَ التَّدْرِيبُ عَلَيْهِ في هَذا التَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَكم مِن أنَّهُ لَطِيفٌ يُوصِلُ إلى الأشْياءِ العَظِيمَةِ بِأضْدادِ أسْبابِها فِيما يَرى النّاسُ فَلا يَرْتاعُ مُؤْمِنٌ لِكَثْرَةِ المُخالِفِينَ وقُوَّةِ المُنابِذِينَ أبَدًا؛ فَإنَّ سَبَبَ كَوْنِ اللَّهِ مَعَ العَبْدِ هو الِاتِّباعُ بِالإحْسانِ الَّذِي عِمادُهُ الرُّسُوخُ في الإيمانِ الَّذِي عَلَّقَ الحُكْمَ بِهِ، فَحَيْثُ ما وُجِدَ عَلَيْهِ وُجِدَ المُعَلَّقُ وهو النَّصْرُ بِأسْبابٍ جَلِيَّةٍ أوْ خَفِيَّةٍ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ في نَحْوِ هَذا الأمْرِ الَّذِي دَهَمَكم فَأزْعَجَكم بِالثَّباتِ عِنْدَ سَماعِ المَوْعِدِ والوَعِيدِ والثِّقَةِ بِمَضْمُونِهِ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ حَكِيمٌ، فَهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ بِأنْ يَهْدِيَكم ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: طَرِيقًا واسِعًا واضِحًا مُوَصِّلًا إلى الكَرامَةِ مِن غَيْرِ شَكٍّ، وهَذا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزُغْ أحَدٌ مِنَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ وكَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَهْدِيهِمْ - بِالغَيْبِ عَلى ما اقْتَضاهُ السِّياقُ لِئَلّا يَعُمَّ غَيْرَهم مِمَّنْ يَظْهَرُ صِدْقُهُ في الإيمانِ ثُمَّ يَزِيغُ، ولِذا أكْثَرُ تَفاصِيلِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ وقَعَ الإخْبارُ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

48:21Page 513

وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١

And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

ولَمّا سَرَّهم سُبْحانَهُ بِما بَشَّرَهم بِهِ مِن كَوْنِ القَضِيَّةِ فَتْحًا (p-٣٢٠)ومِن غَنائِمِ خَيْبَرَ، أتْبَعَ ذَلِكَ البِشارَةَ دالًّا عَلى أنَّها لا مَطْمَعَ لَهم في حَوْزِهِ ولا عِلاجِهِ لَوْلا مَعُونَتُهُ فَقالَ: ﴿وأُخْرى﴾ أيْ: ووَعَدَكم مَغانِمَ كَثِيرَةً غَيْرَ هَذِهِ وهي -واللَّهُ أعْلَمُ- مَغانِمُ هَوازِنَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَها ما يُقارِبُها. ولَمّا كانَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُقِرُّونَ فِيها إلّا مَن لا يُمْكِنُهُ في العادَةِ أنْ يَهْزِمَهم لِيَحْوِيَ الغَنائِمَ، فَكانَ ما في عِلْمِهِ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ كالَّذِي وقَعَ وانْقَضى، قالَ تَعالى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ أيْ: بِما عَلِمْتُمْ مِن قَرارِكم ﴿عَلَيْها﴾ ولَمّا تَوَقَّعَ السّامِعُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَجْزِهِمْ عَنْها الإخْبارَ عَنِ السَّبَبِ المُوصِلِ إلى أخْذِها بِما تَقَرَّرَ عِنْدَ مَن صَدَّقَ الوَعْدَ بِها، قالَ مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِها﴾ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ ما أُدِيرَ عَلَيْهِ سُورَةُ مانِعٍ مِن أنْ يَغْلِبَ مِنها شَيْءٌ عَنْ حَوْزَتِكم أوْ يَقْدِرَ غَيْرُكم أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا، ولِذَلِكَ [و] لِلتَّعْمِيمِ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنها ومِن غَيْرِها ﴿قَدِيرًا﴾ بالِغَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

48:22Page 513

وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢

And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم أجْمَعِينَ، ذَكَرَ حُكْمَهم لَوْ وقَعَ قِتالٌ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِقُدْرَتِهِ عاطِفًا عَلى نَحْوِ: فَلَوْ أرادَ لَمَكَّنَكم مِنَ الِاعْتِمارِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اسْتِبْعادِ مَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ: (p-٣٢١)﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ﴾ أيْ: في هَذا الوَجْهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا هَذا الوَصْفَ مِنَ النّاسِ عُمُومًا الرّاسِخَ فِيهِ ومَن دُونَهُ، وهم أهْلُ مَكَّةَ ومِن لافَّهُمْ، وكانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا وجَمَعُوا الأحابِيشَ ومَن أطاعَهم وقَدَّمُوا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ طَلِيعَةً لَهم إلى كُراعِ الغَمِيمِ، ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ بَعْدُ ﴿لَوَلَّوُا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿الأدْبارَ﴾ مُنْهَزِمِينَ.

ولَمّا كانَ عَدَمُ نَصْرِهِمْ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ مُسْتَبْعَدًا أيْضًا لِما لَهم مِن كَثْرَةِ الإمْدادِ وقُوَّةِ الحَمِيَّةِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الزَّمانِ وكَثْرَةِ الأعْوانِ ﴿لا يَجِدُونَ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ولِيًّا﴾ أيْ: يَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ القَرِيبِ مِنَ الحِياطَةِ والشَّفَقَةِ والحِراسَةِ مِن عَظِيمِ ما يَحْصُلُ مِن رُعْبِ تِلْكَ التَّوْلِيَةِ ﴿ولا نَصِيرًا﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском