Al-Biqa'iAl‑Hujurat · 49:13–18

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:13–18

49:13Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ تَذْكِيرًا بِالعاطِفِ المُوجِبِ لِلْإكْرامِ، المانِعِ مِنَ الِانْتِقامِ، ونَهى عَنْ أُمُورٍ يَجُرُّ إلَيْها الإعْجابُ بِالنَّفْسِ مِن جِهَةِ التَّعْظِيمِ بِالآباءِ والعَراقَةِ في النَّسَبِ العالِي، أسْقَطَ [ذَلِكَ] مُبَيِّنًا أنْ لا نَسَبَ إلّا ما يُثْمِرُهُ الإيمانُ الَّذِي بَدَأ بِهِ مِنَ التَّقْوى، وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى الذَّبْذَبَةِ والِاضْطِرابِ إشارَةً إلى سُفُولِ رُتْبَةِ مَنِ افْتَخَرَ بِالنَّسَبِ، وإلى [أنَّ] مَن [لَمْ] يَتَّعِظْ بِما مَضى فَيَعْلُو عَنْ رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا فَقَدْ سَفَلَ سُفُولًا عَظِيمًا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً المُؤْمِنُ وغَيْرُهُ ﴿إنّا﴾ عَلى عَظَمَتِنا وقُدْرَتِنا ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: أوَجَدْناكم عَنِ العَدَمِ (p-٣٨٢)عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَقادِيرِ في صُوَرِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّشَعُّبِ الَّذِي يَفُوتُ الحَصْرَ، وأخْرَجْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم ﴿مِن ذَكَرٍ﴾ هو المَقْصُودُ بِالعَزْمِ والقُوَّةِ ﴿وأُنْثى﴾ هي مَوْضِعُ الضَّعْفِ والرّاحَةِ، لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم في ذَلِكَ عَلى آخَرَ، ولا فَخْرَ في نَسَبٍ.

ولَمّا كانَ تَفْضِيلُهم إلى فِرَقٍ لِكُلٍّ مِنهُما تُعْرَفُ [بِهِ] أمْرًا باهِرًا، عَبَّرَ فِيهِ بِنُونِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناكُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿شُعُوبًا﴾ تَتَشَعَّبُ مِن أصْلٍ واحِدٍ، جَمْعُ شَعْبٍ بِالفَتْحِ و[هُوَ] الطَّبَقَةُ الأُولى مِنَ الطَّبَقاتِ السِّتِّ مِن طَبَقاتِ النَّسَبِ الَّتِي عَلَيْهاالعَرَبُ ﴿وقَبائِلَ﴾ تَحْتَ الشُّعُوبِ، وعَمائِرَ تَحْتَ القَبائِلِ، وبُطُونًا تَحْتَ العَمائِرِ، [و] أفْخاذًا تَحْتَ البُطُونِ، وفَصائِلَ تَحْتَ الأفْخاذِ، والعَشائِرُ تَحْتَ الفَصائِلِ، خُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وعَبْدُ مُنافٍ فَخِذٌ، وهاشِمٌ فَصِيلَةٌ، والعَبّاسُ عَشِيرَةٌ، قالَ البَغَوِيُّ: ولَيْسَ بَعْدَ العَشِيرَةِ حَيٌّ يُوصَفُ بِهِ. انْتَهى. واقْتَصَرَ عَلى الأوَّلَيْنِ لِأنَّهُما أقْصى ما يَسْهُلُ عَلى الآدَمِيِّ مَعْرِفَتُهُ فَما دُونَهُ أوْلى، ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ التَّشَعُّبِ لِيُوقَفَ عِنْدَها فَقالَ: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ أيْ: لِيَعْرِفَ الإنْسانُ مَن يُقارِبُهُ في النَّسَبِ لِيَصِلَ مِن رَحِمِهِ ما يَحِقُّ لَهُ، لا لِتَواصَفُوا وتَفاخَرُوا.

ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ التَّفاخُرِ بِالتَّواصُفِ عِنْدَهُمُ الإكْرامَ لِمَن كانَ (p-٣٨٣)أفْخَرَ، فَكانَتِ الآيَةُ السّالِفَةُ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها هَذِهِ آمِرَةً بِالتَّقْوى كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَتَّقُوا اللَّهَ في أقارِبِكم وذَوِي أرْحامِكُمْ، فَقالَ مُبْطِلًا لِلتَّفاخُرِ بِالأنْسابِ مُعَلِّلًا لِما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما عِنْدَهم مِن أنَّ الكَرَمَ إنَّما هو بِالنَّسَبِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ أيُّها المُتَفاخِرُونَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا كَرِيمَ إلّا مَن أكْرَمَكم بِكَرَمِهِ ولا كَمالَ لِأحَدٍ سِواهُ ﴿أتْقاكُمْ﴾ فَذَلِكَ هو الذَّكَرُ الَّذِي يَصِحُّ أصْلُهُ بِاقْتِدائِهِ بِأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَمِلْ إلى الأُنُوثَةِ وإنْ كانَ أدْناكم نَسَبًا ولِذَلِكَ أكَّدَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: ««خِيارُكم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُكم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا»». أيْ: عَلِمُوا بِأنْ كانَتْ لَهم مَلَكَةُ الفِقْهِ فَعَمِلُوا بِما عَلِمُوا كَما قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما الفَقِيهُ العامِلُ بِعِلْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذا [هُوَ] المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لِما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُها وسِباقُها، والأتْقى لا يَفْتَخِرُ عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ أنَّهُ أتْقى، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أكْرَمُ الكَرَمِ التَّقْوى، وهو مَجْمَعُ الفَضائِلِ الإنْسانِيَّةِ، وألْأمُ اللُّؤْمِ الفُجُورُ، وذَلِكَ أنَّ الكَرَمَ اسْمٌ لِلْأفْعالِ المَحْمُودَةِ، وهَذِهِ الأفْعالُ إنَّما تَكُونُ مَحْمُودَةً إذا كانَتْ عَنْ عِلْمٍ، وقُصِدَ بِها اللَّهُ، وهَذا هو التَّقْوى، فَلَيْسَ التَّقْوى إلّا العِلْمُ وتَحَرِّي الأفْعالِ المَحْمُودَةِ. انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى تُثْبِتُ الكَمالاتِ وتَنْفِي النَّقائِصَ فَيَصِيرُ (p-٣٨٤)صاحِبُها بَشَرِيًّا مَلَكِيًّا.

ولَمّا كانَ هَذا مَرْكُوزًا في طَبائِعِهِمْ مَغْرُوزًا في جِبِلّاتِهِمْ مُتَوارَثًا عِنْدَهم أنَّ الفَخْرَ إنَّما هو بِالأنْسابِ، وأنَّ الكَرِيمَ إنَّما هو مَن طابَ أصْلُهُ، وكانَ قَلْعُ ذَلِكَ مِن نُفُوسِهِمْ فِيما أجْرى بِهِ سُبْحانَهُ العادَةَ في دارِ الأسْبابِ يَتَوَقَّفُ عَلى تَأْكِيدٍ، أكَّدَ سُبْحانَهُ مُعَلِّلًا قَوْلَهُ لِإخْبارِهِ بِالأكْرَمِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ بِالظَّواهِرِ ﴿خَبِيرٌ﴾ مُحِيطُ العِلْمِ بِالبَواطِنِ والسَّرائِرِ أيْضًا، رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طافَ يَوْمَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ لِيَسْتَلِمَ الأرْكانَ بِمِحْجَنِهِ، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ مُناخًا فَنَزَلَ عَلى أيْدِي الرِّجالِ، ثُمَّ قامَ فَخَطَبَهم ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: ««الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها بِآبائِها، [إنَّما] النّاسُ رَجُلانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ - ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُمْ»». وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ [وحَسَّنَهُ] والبَيْهَقِيُّ. قالَ المُنْذِرِيُّ، بِإسْنادٍ [حَسَنٍ، و] اللَّفْظُ لَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قالَ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وفَخْرَها بِالآباءِ، النّاسُ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وفاجِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يَفْتَخِرُونَ (p-٣٨٥)بِرِجالٍ إنَّما هم فَحْمٌ مِن فَحْمِ جَهَنَّمَ أوْ لَيَكُونُنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ مِنَ الجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتِنَ بِأنْفِها»».

49:14Page 517

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإجْلالِ رَسُولِهِ ﷺ وإعْظامِهِ، ونَهى عَنْ أذاهُ في نَفْسِهِ أوْ في أُمَّتِهِ، ونَهى عَنِ التَّفاخُرِ الَّذِي هو سَبَبُ التَّقاطُعِ والتَّداحُرِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ الخَبَرِ، دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ [مُشِيرًا] إلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمّا أمَرَ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ إلّا مَعَ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيْ: أهْلُ البادِيَةِ مِن بَنِي أسَدٍ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ هم مَعْدِنُ الغِلْظَةِ [والجَفاءِ] الَّذِينَ تَقَدَّمَ تَأْدِيبُهم في سُورَةِ الفَتْحِ، وألْحَقَ التّاءَ في فِعْلِهِمْ إشارَةً إلى ضَعْفِهِمْ في العَزائِمِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: هم قَوْمٌ شَهِدُوا شَهادَةَ الحَقِّ وهم لا يَعْلَمُونَ ما شَهِدُوا بِهِ غَيْرَ أنَّ أنْفُسَهم [لَيْسَتْ] تُنازِعُهم إلى التَّكْذِيبِ: ﴿آمَنّا﴾ [أيْ] بِجَمِيعِ ما جِئْتَ بِهِ فامْتَثَلْنا ما أُمِرْنا بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ولَنا النَّسَبُ الخالِصُ، فَنَحْنُ أشْرَفُ مِن غَيْرِنا مِن أهْلِ المَدَرِ.

ولَمّا كانَ الإيمانُ التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِآدَمِيٍّ إلّا بِإطْلاعِهِ سُبْحانَهُ فَكانُوا كاذِبِينَ في دَعْواهُ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا لَهم مَعَ مُراعاةِ الأدَبِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقْ قُلُوبُكُمْ؛ لِأنَّكم لَوْ آمَنتُمْ لَمْ تَمُنُّوا بِإيمانِكُمْ؛ لَأنَّ الإيمانَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ (p-٣٨٦)ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالِ الَّذِي مِنهُ أنَّهُ لَوْلا مَنُّهُ بِالهِدايَةِ لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ، فَلَهُ ولِرَسُولِهِ - الَّذِي كانَ ذَلِكَ عَلى يَدَيْهِ - المَنُّ والفَضْلُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما كانَ الأصْلُ في أنْ يَكُونَ الرَّدُّ بِهِ وهُوَ: فَلا تَقُولُوا: آمَنّا، فَإنَّهُ كَذِبٌ، وعَدَلَ عَنْهُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ لِأنَّكم أسْلَمْتُمْ لِلدُّنْيا لا لِلدِّينِ، وعَدَلَ عَنْهُ لِئَلّا تَكُونَ شَهادَةً لَهم بِالإسْلامِ في الجُمْلَةِ: ﴿أسْلَمْنا﴾ أيْ: أظْهَرْنا الِانْقِيادَ في الظّاهِرِ لِلْأحْكامِ الظّاهِرَةِ فَأمِنّا مِن أنْ نَكُونَ حِزْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَوْنًا لِلْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: أسْلَمَ الرَّجُلُ: إذا دَخَلَ في السِّلْمِ، كَما يُقالُ: أشْتى، إذا دَخَلَ في الشِّتاءِ، ولَمْ يَقُلْ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ لَهم بِالإسْلامِ المُلازِمِ لِلْإيمانِ المَنفِيِّ عَنْهُ، فَكانَ يَكُونُ تَناقُضًا، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفْيُ الإيمانِ الشَّرْعِيِّ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الإسْلامِ اللُّغَوِيِّ ثانِيًا، [والأمْرُ بِالقَوْلِ بِالإسْلامِ] ثانِيًا يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ [أوَّلًا].

ولَمّا كانَتْ ”لَمْ“ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ، عَطَفَ عَلَيْها ما يَسْتَغْرِقُ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ كُلِّهِ لِيَكُونَ الحُكْمُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُكْتَنِفًا بِأمْرِهِمْ بِالِاقْتِصادِ عَلى الإخْبارِ بِإسْلامِهِمْ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ ما يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ مُنْكَشِفٌ لَدَيْهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ﴿ولَمّا يَدْخُلِ﴾ [أيْ] إلى هَذا الوَقْتَ (p-٣٨٧)﴿الإيمانُ﴾ [أيِ] المَعْرِفَةُ التّامَّةُ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فَلا يُعَدُّ إقْرارُ اللِّسانِ إيمانًا إلّا بِمُواطَأةِ القَلْبِ، فَعَصَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ وأحْبَطْتُمْ أعْمالَكُمْ، والتَّعْبِيرُ بِ ”لَمّا“ يُفْهِمُ أنَّهم آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا النَّفْيِ نَفْيَ التَّمَكُّنِ في القَلْبِ، لا نَفْيَ مُطْلَقِ الدُّخُولِ بِدَلِيلِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] دُونَ ”إنَّما الَّذِينَ آمَنُوا“.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تُؤْمِنُوا يَعْلَمِ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِكم غَنِيًّا عَنْ قَوْلِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْبَةِ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الَّذِي مَن خالَفَهُ لَمْ يَأْمَن عُقُوبَتَهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي طاعَتُهُ مِن طاعَتِهِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِيِّ فَتُؤْمِنُ قُلُوبُكم ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ: يُنْقِصْكم ويَبْخَسْكم مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ: ”يَأْلِتْكُمْ“ مِنَ الألْتِ وهو النَّقْصُ أيْضًا، وهي لُغَةُ أسَدٍ وغَطَفانَ، وهُما المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُعاتَبُونَ بِها، قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في [بَنِي] أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. انْتَهى. فَلِذَلِكَ اخْتارَ أبُو عَمْرٍو القِراءَةَ بِها، وعَدَلَ عَنْ لُغَةِ الحِجازِ.

﴿مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ فَلا حاجَةَ إلى إخْبارِكم عَنْ إيمانِكم بِغَيْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَعُمُومُ النّاسِ وأكْثَرُ أهْلِ الغَفْلَةِ مُسْلِمُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، فَإنْ يَعْلَمُوا عِلْمَ ما شَهِدُوا وعَقَدُوا عَلَيْهِ عَقْدًا عِلْمًا ويَقِينًا فَهُمُ المُؤْمِنُونَ. وفي الآيَةِ احْتِباكٌ مِن (p-٣٨٨)وجْهٍ آخَرَ: ذَكَرَ عَدَمَ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إثْباتِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ تَوْفِيرَ الأعْمالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى بَخْسِها أوْ إحْباطِها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ نَفى أساسَ الخَيْرِ أوَّلًا ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِحِفْظِ ما تَعِبُوا [عَلَيْهِ] مِنَ الأعْمالِ ثانِيًا.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَبْنِيًّا عَلى النُّقْصانِ، فَلَوْ وُكِلَ إلى عَمَلِهِ هَلَكَ، ولَذَهَبَ عَمَلُهُ فِيما يَعْتَرِيهِ مِنَ النَّقْصِ، قالَ مُسْتَعْطِفًا [لَهُمْ] إلى التَّوْبَةِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ تَأْكِيدُهُ [لِأنَّ الخَلائِقَ] لا يَفْعَلُونَ مِثْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: سَتُورٌ لِلْهَفَواتِ والزَّلّاتِ لِمَن تابَ وصَحَّتْ نِيَّتُهُ، ولِغَيْرِهِ إذا أرادَ، فَلا عِتابَ ولا عِقابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَزِيدُ عَلى السَّتْرِ عَظِيمَ الإكْرامِ.

49:15Page 517

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ، وكانَ رُبَّما غَلِطَ شَخْصٌ في نَفْسِهِ [فَظَنَّ] أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أخْبَرَ بِالمُؤْمِنِ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ ذاكِرًا أمارَتَهُ الظّاهِرَةَ الباطِنَةَ، وهي أُمَّهاتُ الفَضائِلِ: العِلْمُ والعِفَّةُ والشَّجاعَةُ، فَقالَ جَوابًا لِمَن قالَ: فَمَنِ الَّذِي آمَنَ؟ عادِلًا عَنْ جَوابِهِ إلى وصْفِ الرّاسِخِ تَرْغِيبًا في الِاتِّصافِ بِوَصْفِهِ وإيذانًا بِأنَّ المُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِآيَةِ إيمانِهِ لا يُرِيدُ إلّا أنَّهُ راسِخٌ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو حَياةُ القُلُوبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والقُلُوبُ لا تَحْيا إلّا بَعْدَ ذَبْحِ النُّفُوسِ، (p-٣٨٩)والنُّفُوسُ لا تَمُوتُ ولَكِنَّها تَعِيشُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقُوا مُعْتَرِفِينَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُعْتَقِدِينَ جَمِيعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ شاهِدِينَ بِرِسالَتِهِ، وهَذا هو المَعْرِفَةُ الَّتِي هي العِلْمُ، وغايَتُها الحِكْمَةُ، وهَذا الإثْباتُ هُنا يَدُلُّ عَلى [أنَّ] المَنفِيَّ فِيما قِيلَ الكَمالُ لا المُطْلَقُ، وإلّا لَقالَ: ”إنَّما الَّذِينَ آمَنُوا“.

ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا والثَّباتُ عَلَيْهِ أعْظَمَ، وهو عَيْنُ الحِكْمَةِ، أشارَ إلى عَظِيمِ مَزِيَّةِ الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ امْتِطاءِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَظِيمَةِ [ ﴿لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: يُنازِعُوا] الفِطْرَةَ الأُولى في تَعَمُّدِ التَّسَبُّبِ إلى الشَّكِّ ولَمْ يُوقِعُوا الشَّكَّ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الكائِنَةِ بَعْدَ الإيمانِ، فَلا يَزالُ عَلى تَطاوُلِ الأزْمِنَةِ وحُصُولِ الفِتَنِ وصْفُهم بَعْدَ الرَّيْبِ غَضًّا جَدِيدًا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الإنْسانُ دَفْعَ أصْلِهِ ويَكْرَهُهُ غايَةَ الكَراهَةِ ويَجْتَهِدُ في دَفْعِهِ، فَإذا أنْفَسُ المَذْمُومِ المَشْيُ مَعَهُ والمُطاوَلَةُ مِنهُ حَتّى يَسْتَحْكِمَ.

ولَمّا ذَكَرَ الأمارَةَ الباطِنَةَ عَلى وجْهٍ جامِعٍ لِجَمِيعِ العِباداتِ المالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ قالَ: ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ تُجْهَدَ النَّفْسُ فِيهِ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَوْهُ بِألْسِنَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ وذَلِكَ هو العِفَّةُ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ أعَمُّ مِنَ النِّيَّةِ وغَيْرِها، وذَلِكَ هو (p-٣٩٠)الشَّجاعَةُ، وقَدَّمَ الأمْوالَ لِقِلَّتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِقِتالِ الكُفّارِ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ العِباداتِ المُحْتاجَةِ إلى المالِ والنَّفْسِ لا الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ ويَقُولُونَ: شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا، قالَ القُشَيْرِيُّ: جَعَلَ [اللَّهُ] الإيمانَ مَشْرُوطًا بِخِصالٍ ذَكَرَها، وذَكَرَ بِلَفْظِ ”إنَّما“ وهي لِلتَّحْقِيقِ، تَقْتَضِي الطَّرْدَ والعَكْسَ، فَمَن أفْرَدَ الإيمانَ عَنْ شَرائِطِهِ الَّتِي جَعَلَها لَهُ فَمَرْدُودٌ [عَلَيْهِ] قَوْلُهُ، والإيمانُ لِلْعَبْدِ الأمانُ، فَإيمانٌ لا يُوجِبُ الأمانَ لِصاحِبِهِ فَخِلافُهُ أوْلى بِهِ.

ولَمّا عَرَّفَ بِهِمْ بِذِكْرِ أمارَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، أنْتَجَ ذَلِكَ حَصْرًا آخَرَ قَطْعًا لِأطْماعِ المُدَّعِينَ عَلى وجْهٍ أثْنى عَلَيْهِمْ فِيهِ بِما تَعْظُمُ المِدْحَةُ بِهِ عِنْدَهم تَرْغِيبًا في مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ اسْتِواءُ الأخْلاقِ والعَدْلُ في الدِّينِ بِجَمِيعِ أُمَّهاتِ الأخْلاقِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الصّادِقُونَ﴾ قالا وحالًا وفِعالًا، وأمّا غَيْرُهم فَكاذِبٌ.

49:16Page 517

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

ولَمّا كانُوا كَأنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ كَذَلِكَ، أمَرَهُ ﷺ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ [لَهُمْ] دَلالَةً عَلى ما أشارَ إلَيْهِ خِتامُ الآيَةِ إحاطَةِ عِلْمِهِ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ الصّادِقُ مِن غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ فَقالَ: (p-٣٩١)﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ مُجْهِلًا [لَهُمْ] مُبَكِّتًا: ﴿أتُعَلِّمُونَ﴾ [أيْ] أتُخْبِرُونَ إخْبارًا [عَظِيمًا] بَلِيغًا، كَأنَّهم لَمّا آمَنُوا كانَ [ذَلِكَ] إعْلامًا مِنهُمْ، فَلَمّا قالُوا آمَنّا كانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، فَكانَ في صُورَةِ التَّعْلِيمِ، فَبَكَّتَهم بِذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِدِينِكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ تَقُولُونَ: آمَنّا، فَفي ذَلِكَ نَوْعُ بُشْرى لَهُمْ؛ لِأنَّهُ أوْجَدَ لَهم دِينًا وأضافَهُ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ بُرْجانَ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وبَكَّتَهم وصَلَ بِهِ ما يَشْهَدُ لَهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ كُلِّها عَلى عِظَمِها وكَثْرَةِ ما فِيها ومَن فِيها. ولَمّا كانَ في سِياقِ الرَّدِّ [عَلَيْهِمْ] والتَّبْكِيتِ لَهم كانَ مَوْضِعَ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْمِيمِ، أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُوهِمَ الِاخْتِصاصَ بِما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ ﴿عَلِيمٌ﴾

49:17Page 517

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا صُورَتُهُ صُورَةُ المِنَّةِ، قالَ مُتَرْجِمًا لَهُ مُبَكِّتًا لَهم عَلَيْهِ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِ في شَناعَتِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: يَذْكُرُونَ ذِكْرَ مَنِ اصْطَنَعَ [عِنْدَكَ] صَنِيعَةً وأسْدى إلَيْكَ نِعْمَةً، إنَّما فَعَلَها لِحاجَتِكَ إلَيْها لا لِقَصْدِ الثَّوابِ عَلَيْها؛ لِأنَّ المَنَّ هو القَطْعُ - قالَ في الكَشّافِ: لِأنَّهُ إنَّما يُسْدِيها إلَيْهِ لِيَقْطَعَ بِها حاجَتَهُ [لا غَيْرَ]، مِن (p-٣٩٢)غَيْرِ أنْ يَعْمِدَ لِطَلَبِ مَثُوبَةٍ، ثُمَّ يُقالُ: مَن عَلَيْهِ ضَيْعَةٌ - إذا اعْتَدَّهُ عَلَيْهِ مِنَّةً وإنْعامًا. ولَمّا كانَ الإسْلامُ ظاهِرًا في الدِّينِ الَّذِي هو الِانْقِيادُ بِالظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ [الباطِنِ] لَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وقالَ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ [آل عمران: ٢٠] أيْ: أوْقَعُوا الِانْقِيادَ لِلْأحْكامِ في الظّاهِرِ.

ولَمّا كانَ المَنُّ هو القَطْعَ مِنَ العَطاءِ الَّذِي لا يُرادُ عَلَيْهِ جَزاءٌ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا: ﴿لا تَمُنُّوا﴾ مُعَبِّرًا بِما مِنَ المَنِّ إشارَةً إلى أنَّ الإسْلامَ لا يُطْلَبُ جَزاؤُهُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَلا يَنْبَغِي عَدُّهُ صَنِيعَةً عَلى أحَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ ﴿عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ لَوْ فُرِضَ أنَّكم كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أيْ مُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو انْقِيادُ الظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ الباطِنِ، [أيْ] لا تَذْكُرُوهُ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ أصْلًا، فالفِعْلُ وهو ﴿تَمُنُّوا﴾ مُضَمَّنٌ: ”تَذْكُرُوا“ نَفْسِهِ لا مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ [فِي] ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ المِنَّةُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ ولا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَذْكُرُ أنَّهُ أسْدى إلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً مِنها ما هو ﴿أنْ﴾ أيْ: بِأنْ ﴿هَداكم لِلإيمانِ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ لَكم أوْ وفَّقَكم لِلِاهْتِداءِ وهو تَصْدِيقُ الباطِنِ مَعَ الِانْقِيادِ بِالظّاهِرِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا بِالمَنِّ أحَقُّ مَواضِعِهِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى عَمَلٍ؛ فَإنَّهُ لا نَفْعَ يَلْحَقُهُ ولا ضُرَّ، وإنَّما طَلَبَ الأعْمالَ لِنَفْعِ العامِلِينَ أنْفُسِهِمْ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ أرْسَلَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ (p-٣٩٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيَّنَ لَهم فَكَذَّبُوهُ بِأجْمَعِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَوِّيهِ حَتّى أظْهَرَ فِيهِ [آيَةَ] مَجْدِهِ وأظْهَرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ودَخَلَ فِيهِ النّاسُ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى وُجُوهٍ مِنَ المَجْدِ يَعْرِفُها مَنِ اسْتَحْضَرَ السِّيرَةَ ولا سِيَّما مَن عَرَفَ أمْرَ بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآياتُ، وكَيْفَ كانَ حالُهم في غَزْوَةِ خَيْبَرَ وغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ [المُرادُ] بِهَذا تَجْهِيلَهم وتَعْلِيمَهم حَقائِقَ الأُمُورِ، لا الشَّهادَةَ لَهم بِالهِدايَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ في ادِّعائِكم ذَلِكَ، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الصِّدْقِ إنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وهو الَّذِي خَلَقَ لَكم قُدْرَةَ الطّاعَةِ، فَهو الفاعِلُ في الحَقِيقَةِ فَلَهُ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: مَن لاحَظَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ وأحْوالِهِ فَإنْ رَآها دُونَ نَفْسِهِ كانَ شِرْكًا، وإنْ رَآها لِنَفْسِهِ كانَ مَكْرًا، فَكَيْفَ يَمُنُّ العَبْدُ بِما هو شِرْكٌ أوْ مَكْرٌ، والَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ المِنَّةِ كَيْفَ يَرى لِنَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَّةٌ، هَذا لَعَمْرِي فَضِيحَةٌ، والمِنَّةُ تُكَدِّرُ الصَّنِيعَةَ، إذا كانَتْ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وبِالمِنَّةِ تَطِيبُ النِّعْمَةُ إذا كانَتْ مِن قِبَلِ اللَّهِ.

49:18Page 517

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

ولَمّا نَفى عَنْهم ما هو باطِنٌ، وخَتَمَ جِدالَهم سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، فَكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ قاصِرُ النَّظَرِ جامِدُ الفِكْرِ عَدَمَ العِلْمِ بِما هو عَلَيْهِ، أزالَ (p-٣٩٤)ذَلِكَ عَلى وجْهٍ عامٍّ، وأكَّدَهُ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ ثُبُوتِ الصِّفَةِ وتَجْرِيدِ التَّعَلُّقِ واسْتِمْرارِهِ كُلَّما تَجَدَّدَ مُحْدَثٌ أوْ كانَ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ ﴿غَيْبَ السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلِّها ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ.

ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالخافِقَيْنِ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ مِمّا لا تَعْلَمُونَ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ أتَمَّ العِلْمَ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن ظاهِرِ إسْلامِكم وباطِنِ إيمانِكم في الماضِي والحاضِرِ والآتِي سَواءٌ كانَ ظاهِرًا أوْ باطِنًا سَواءٌ كانَ قَدْ حَدَثَ فَصارَ بِحَيْثُ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ أوْ كانَ مَغْرُوزًا في جِبِلّاتِكم وهو خَفِيٌّ عَنْكُمْ، هَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ التِفاتٌ إلَيْهِمْ لِاسْتِنْقاذِ مَن تَوَهَّمَ مِنهم هَذا التَّوَهُّمَ، وهي أبْلَغُ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالغَيْبِ يَكُونُ عَلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ مِمّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإبْلاغِهِ لَهُمْ، فَهو سُبْحانُهُ عالِمٌ بِمَنِ انْطَوى ضَمِيرُهُ عَلى الإيمانِ، ومَن هو مُتَكَيِّفٌ بِالكُفْرانِ، ومَن يَمُوتُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ومَن يَتَحَوَّلُ حالُهُ بِإبْعادٍ عَنْهُ أوْ جَذْبٍ إلَيْهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ومَن وقَفَ هَهُنا تَكَدَّرَ عَلَيْهِ العَيْشُ؛ إذْ لَيْسَ يَدْرِي ما غَيْبُهُ فِيهِ، وفي المَعْنى قالَ:(p-٣٩٥)

؎أبْكِي وهَلْ تَدْرِينَ ما يُبْكِينِي أبْكِي حِذارًا أنْ تُفارِقِينِي

وتَقْطَعِي حَبْلِي وتَهْجُرِينِي

انْتَهى.

وفِي ذَلِكَ أعْظَمُ زَجْرٍ وتَرْهِيبٍ لِمَن قَدَّمَ بَيْنَ [يَدِيِ] اللَّهِ ورَسُولِهِ ولَوْ أنَّ تَقَدُّمَهُ في سِرِّهِ؛ فَإنَّهُ لا تَهْدِيدَ أبْلَغُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ مُحِيطُ العِلْمِ فَهو يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ، فَقَدْ رَجَعَ هَذا الآخِرُ إلى الأوَّلِ، والتَفَّ بِهِ التِفافَ الأصْلِ بِالمُوصِلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском