Al-Biqa'iAl‑Hujurat · 49:1–6

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الحجرات

Al-Hujurat

The Rooms · Medinan · 18 ayahs

49:1Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١

O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

(p-٣٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحُجُراتِ

مَقْصُودُها الإرْشادُ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بِتَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالأدَبِ مَعَهُ في نَفْسِهِ وفي أُمَّتِهِ، وحِفْظِ ذَلِكَ مِن إجْلالِهِ بِالظّاهِرِ [لِيَكُونَ] دَلِيلًا عَلى الباطِنِ فَيُسَمّى إيمانًا، كَما أنَّ الإيمانَ [بِاللَّهِ] يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والإذْعانُ لِفِعْلِها بِشَرائِطِها وأرْكانِها وحُدُودِها لِتَكُونَ بَيِّنَةً عَلى الباطِنِ وحُجَّةً شاهِدَةً لَهُ ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] فَحاصِلُ مَقْصُودِها مُراقَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ في الأدَبِ مَعَهُ لِأنَّها أوَّلُ المُفَصَّلِ الَّذِي هو مُلَخَّصُ (p-٣٥٠)القُرْآنِ كَما كانَ مَقْصُودُ الفاتِحَةِ الَّتِي هي أوَّلُ القُرْآنِ مُراقَبَةَ اللَّهِ، وابْتُدِئَ ثانِي المُفَصَّلِ بِحَرْفٍ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كَما ابْتُدِئَ ثانِي ما عَداهُ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، واسْمُها الحُجُراتُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ [آيَتُهُ] ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ الَّذِي مَن أخَلَّ بِتَعْظِيمِ رَسُولِهِ ﷺ لَمْ يَرْضَ عَنْهُ عَمَلًا ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ إقامَةُ الآدابِ لِلتَّوَصُّلِ إلى حُسْنِ المَآبِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالإقْبالِ عَلى ما يُوجِبُ [لَهُمْ] جَمِيلَ الثَّوابِ.

* *

ولَمّا نَوَّهَ سُبْحانَهُ في القِتالِ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ في ابْتِدائِها بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ وسَمّى السُّورَةَ بِهِ، ومَلَأ سُورَةَ مُحَمَّدٍ بِتَعْظِيمِهِ، وخَتَمَها بِاسْمِهِ، ومَدَحَ أتْباعَهُ لِأجْلِهِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِاشْتِراطِ الأدَبِ مَعَهُ في القَوْلِ والفِعْلِ لِلْعَدِّ مِن حِزْبِهِ والفَوْزِ بِقُرْبِهِ، ومَدارُ ذَلِكَ مَعالِي الأخْلاقِ، وهي إمّا مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِما وإنْ كانَ كُلُّ قِسْمٍ لا يَخْلُو عَنْ لَحْظَةِ الآخَرِ، وغَيْرُهُما إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَ المُؤْمِنِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ أوْ خارِجًا عَنْها، وهو الفاسِقُ، والدّاخِلُ في طاعَةِ المُؤْمِنِينَ السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهُمْ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ، فَصَلَ النِّداءُ بِسَبَبِها خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ مَرَّةٍ لِقِسْمٍ مِنها، وافْتَتَحَ بِاللَّهِ لِأنَّ الأدَبَ مَعَهُ هو (p-٣٥١)الأصْلُ الجامِعُ لِلْكُلِّ والأُسُّ الَّذِي لا يُبْنى إلّا عَلَيْهِ، فَقالَ مُنادِيًا لِلْمُتَّسِمِينَ بِأوَّلِ أسْنانِ القُلُوبِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِها مِن أفْعالِهِمْ [لا] مِن أفْعالِ أهْلِ الكَمالِ، فَهو هَفْوَةٌ تُقالُ، وما [كانَ] يَنْبَغِي أنْ يُقالَ، ولِيَشْمَلَ الخِطابُ المَعْهُودُ لِلْأدْنى - ولَوْ مَعَ النِّفاقِ - مَن فَوْقَهُ مِن بابِ الأوْلى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ فَيَذْهَبَ [الوَهْمُ] كُلَّ مَذْهَبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَذْفُهُ مِن قَصْدٍ إلَيْهِ أصْلًا، بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِ التَّقْدِمَةِ؛ أيْ: لا تَتَلَبَّسُوا بِهَذا الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَدَّمَ، بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى أقْدَمَ وتَقَدَّمَ؛ أيْ: شَجَّعَ نَفْسَهُ عَلى التَّقَدُّمِ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وهم مُتَقَدِّمُوهُ، وأشارَ إلى تَهْجِينِ ما نُهُوا عَنْهُ وتَصْوِيرِ شَناعَتِهِ، وإلى أنَّهم في القَبْضَةِ تَرْهِيبًا لَهم فَقالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ والتَّقَدُّمِ، وكانَ مُقْتَضى الرِّسالَةِ إنْفاذَ الأوامِرِ والنَّواهِي عَنِ المَلِكِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرْسَلِ (p-٣٥٢)إلَيْهِمُ اعْتِراضٌ أصْلًا، وبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أنْ لا يُتَكَلَّمَ بِحَضْرَتِهِ في مُهِمٍّ ولا يُفْعَلُ مُهِمٌّ إلّا بِإذْنِهِ؛ لِأنَّ العَبِيدَ لِما لَهم مِنَ النَّقْصِ لا اسْتِقْلالَ لَهم بِشَيْءٍ أصْلًا، عَبَّرَ بِالرَّسُولِ دُونَ النَّبِيِّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ اسْمَهُ تَعالى الأعْظَمَ زِيادَةً في تَصْوِيرِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ ظاهِرَةٌ جِدًّا، ولِذَلِكَ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ وذِكْرَهِ بِذِكْرِهِ، فَهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن تَعْظِيمِهِ، فالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا خُلِّيَتْ وفِطْرَتَها الأُولى، امْتَلَأتْ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ هَيْبَةً مِنهُ، وإجْلالًا لَهُ، فَلا يَفْعَلُ أحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِتَشْجِيعٍ مِنهُ لِنَفْسِهِ وتَكْلِيفِها ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى القَوِيمَةُ، فالمَعْنى: لا تَكُونُوا مُتَقَدِّمِينَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ واللَّهِ يَقُولُ الحَقَّ ويَهْدِي السَّبِيلَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَلِّغُ عَنْهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، فَعَلى الغَيْرِ الِاقْتِداءُ والِاتِّباعُ، لا الِابْتِداءُ والِابْتِداعُ، سَواءٌ كانَ النَّبِيُّ ﷺ غائِبًا أوْ حاضِرًا بِمَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ.

فَإنَّ آثارَهُ كَعَيْنِهِ، فَمَن بَذَلَ الجُهْدَ فِيها هُدِيَ لِلْأصْلَحِ،

﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]

ولَمّا اسْتَعارَ لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ التَّعْبِيرَ بِاليَدَيْنِ وصَوَّرَ البَيِّنَةَ تَرْهِيبًا مِنَ انْتِقامِ القادِرِ إذا خُولِفَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ [غَضَبِ] المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً، فَإنَّ التَّقْوى (p-٣٥٣)مانِعَةٌ مِن أنْ تُضَيِّعُوا حَقَّهُ وتُخالِفُوا أمْرَهُ وتُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ لَمْ تَعْلَمُوا رِضاهُ فِيهِ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مَعَ كُلٍّ بِعِلْمِهِ، وأقْرَبَ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، فَكانَ مَعَ ذَلِكَ غَيْبًا مَحْضًا لِكَوْنِهِ مُحْتَجِبًا بِرِداءِ الكِبْرِ وإزارِ العَظَمَةِ والقَهْرِ، وكانَ الإنْسانُ لِما غابَ عَنْهُ نَسّاءً، ذَكَرَهُ مُرَهِّبًا بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي يَحِقُّ لِلْإنْسانِ مُجاهَدَةُ نَفْسِهِ لِأجْلِها في الإيمانِ بِهِ والمُواظَبَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى اسْتِحْضارِهِ؛ لِأنَّ أفْعالَ العاصِي أفْعالُ مَن يُنْكِرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا [كانَ] ما يَتَقَدَّمُ فِيهِ إمّا قَوْلًا أوْ فِعْلًا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِأقْوالِكم أنْ تَقُولُوها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأعْمالِكم قَبْلَ أنْ تَعْمَلُوها.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المُصْطَفَيْنَ صَحابَةَ نَبِيِّهِ والمَخْصُوصِينَ بِفَضِيلَةِ مُشاهَدَتِهِ وكَرِيمِ عِشْرَتِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ”إلى آخِرِهِ“، فَأثْنى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وذَكَرَ وصْفَهُ تَعالى بِذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذِهِ (p-٣٥٤)خَصِيصَةُ انْفَرَدُوا بِمَزِيَّةِ تَكْرِيمِها وجَرَتْ عَلى واضِحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] إلى آخِرِهِ. وشَهِدَتْ لَهم بِعَظِيمِ المَنزِلَةِ لَدَيْهِ، ناسَبَ هَذا طَلَبَهم بِتَوْفِيَةِ الشُّعَبِ الإيمانِيَّةِ قَوْلًا وعَمَلًا، ظاهِرًا وباطِنًا عَلى أوْضَحِ عَمَلٍ وأخْلَصِ نِيَّةٍ، وتَنْزِيهِهِمْ عَمّا وقَعَ مِن قِبَلِهِمْ في مُخاطَباتِ أنْبِيائِهِمْ كَقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] [إلى] ما شَهِدَ مِن هَذا الضَّرْبِ بِسُوءِ حالِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. [و] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] فَطَلَبُوا بِآدابٍ تُناسِبُ عَلِيَّ إيمانِهِمْ وإنِ اغْتُفِرَ بَعْضُهُ لِغَيْرِهِمْ مَن لَيْسَ في دَرَجَتِهِمْ وقَدْ قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. فَكَأنْ قَدْ [قِيلَ] لَهُمْ: لا تَغْفُلُوا ما مُنِحَ لَكم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ فَإنَّها دَرَجَةٌ لَمْ يَنَلْها غَيْرُكم مِنَ الأُمَمِ فَقابِلُوها بِتَنْزِيهِ أعْمالِكم عَنْ أنْ يُتَوَهَّمَ في ظَواهِرِها أنَّها صَدَرَتْ عَنْ عَدَمِ اكْتِراثٍ في الخِطابِ، أوْ سُوءِ قَصْدٍ في الجَوابِ، وطابِقُوا بَيْنَ ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم (p-٣٥٥)ولْيَكُنْ عَلَنُكم مُنْبِئًا بِسَلِيمِ سَرائِرِكم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ثُمَّ عَرَفُوا بِسُوءِ حالِ مَن عَدَلَ بِهِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ثُمَّ أُمِرُوا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ نَزْغَةِ الشَّيْطانِ، أوْ تَقَوُّلٍ ذِي بُهْتانٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآيَةَ. ثُمَّ أمَرَهم بِصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ والتَّعاوُنِ في ذَلِكَ بِقِتالِ الباغِينَ العُتاةِ وتَحْسِينِ العِشْرَةِ والتِزامِ ما يُثْمِرُ الحُبَّ والتَّوَدُّدَ الإيمانِيَّ والتَّواضُعَ، وأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ في التَّقْوى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وكُلُّ ذَلِكَ مَحْذُرٌ لِعَلِيِّ صِفاتِهِمُ الَّتِي وُصِفُوا بِها في خاتِمَةِ سُورَةِ الفَتْحِ.

49:2Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢

O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.

ولَمّا ثَبَتَ إعْظامُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ لا يُفْتاتَ عَلَيْهِ بِأنْ يَتَأهَّبَ ما هو وظِيفَتُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الأُمُورِ وقَطْعِ المُهِمّاتِ، فَلا يُكَلَّمُ إلّا جَوابًا أوْ سُؤالًا في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ لا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ، وكانَ مَن يُكَلِّمُهُ لِذَلِكَ رُبَّما رَفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا الأوْلى بِهِ غَيْرُهُ مِمّا هو دُونَهُ، وكانَ مِن جُمْلَةِ أحْوالِهِ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ، وكانَ رَفْعُ الصَّوْتِ إذْ ذاكَ مِنَ المُشَوِّشاتِ في حُسْنِ التَّلَقِّي لِلْوَحْيِ مَعَ ما فِيهِ مِن قِلَّةِ الِاحْتِرامِ والإخْلاءِ بِالإجْلالِ والإعْظامِ، قالَ ذاكِرًا لِثانِي الأقْسامِ، وهو ما كانَ النَّظَرُ فِيهِ إلى مَقامِهِ ﷺ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، (p-٣٥٦)مُسْتَنْتِجًا مِمّا مَضّى مِن وصْفِهِ بِالرِّسالَةِ الدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ، آمِرًا بِحِفْظِ حُرْمَتِهِ ومُراعاةِ الأدَبِ في خِدْمَتِهِ وصُحْبَتِهِ بِتَبْجِيلِهِ وتَفْخِيمِهِ، وإعْزازِهِ وتَعْظِيمِهِ، مُكَرِّرًا لِنِدائِهِمْ بِما ألْزَمُوا أنْفُسَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ بِتَصْدِيقِهِ واسْتِدْعاءٍ لِتَجْدِيدِ الِاسْتِنْصارِ وتَطْرِيَةِ النَّدْبِ إلى الإنْصاتِ وإشارَةٍ إلى أنَّ المُنادى لَهُ أمْرٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَدَ بِالنِّداءِ ويَسْتَقِلَّ بِالتَّوْصِيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُكَرِّرًا لِلتَّعْبِيرِ بِالأدْنى مِن أسْنانِ القُلُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ فاعِلَ مِثْلِ هَذِهِ المَنهِيّاتِ والمُحْتاجَ فِيها إلى التَّنْبِيهِ بِالنَّهْيِ قَدْ فَعَلَ مَن هَذا حالُهُ ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَلَقّى عَنِ اللَّهِ، وتَلَقِّيهِ عَنْهُ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ وقْتٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أذى العُلَماءِ الَّذِينَ هَيَّأهُمُ اللَّهُ لِتَلَقِّي فَهْمِ دِينِهِ عَنْهُ شَدِيدٌ جِدًّا؛ فَإنَّ تَكْدِيرَ أوْقاتِهِمْ يَمْنَعُهم عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا بَيَّنَ ما في ذَلِكَ لِأجْلِ النُّبُوَّةِ، بَيَّنَ ما يَنْبَغِي في نَفْسِهِ مِنَ المَزِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُمُوهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِمِثْلِ صَوْتِهِ أوْ أخْفِضَ مِن صَوْتِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ لِما يَهابُ بِهِ العُظَماءُ، ويُوَقَّرُ (p-٣٥٧)الكُبَراءُ. ولَمّا شَمِلَ هَذا كُلَّ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ، وهو ما يَكُونُ مُسْقِطًا لِلْمَزِيَّةِ، قالَ: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: فَإنَّكم إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ غَيْرِهِ. ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ، بَيَّنَ ضَرَرَهُ فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ مِنَ الأعْمالِ ما يُحْبِطُ ولا يُدْرى أنَّهُ مُحْبِطٌ، لِيَكُونَ العامِلُ كالماشِي في طَرِيقٍ خَطِرٍ لا [يَزالُ] يَتَوَقّى خَطَرَهُ ويُدِيمُ حَذَرَهُ: ﴿أنْ﴾ أيِ: النَّهْيَ لِأجْلِ [خَشْيَةِ] أنْ ﴿تَحْبَطَ﴾ أيْ: تَفْسُدَ فَتَسْقُطَ ﴿أعْمالُكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي [هِيَ] الأعْمالُ بِالحَقِيقَةِ وهي الحَسَناتُ كُلُّها ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِأنَّها حَبِطَتْ، فَإنَّ ذَلِكَ إذا اجْتَرَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ اسْتَخَفَّ بِهِ وإذا اسْتَخَفَّ بِهِ واظَبَ عَلَيْهِ، وإذا واظَبَ عَلَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَسْتَخِفَّ بِالمُخاطَبِ فَيَكْفُرَ وهو لا يَشْعُرُ.

49:3Page 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣

Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.

ولَمّا تَقَدَّمَ سُبْحانَهُ في الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِن حُرْمَتِهِ ﷺ ونَهى عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والجَهْرِ المَوْصُوفِ، أنْتَجَ المَخافَةَ عِنْدَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْلالِ، فَبَيَّنَ ما لِمَن حافَظَ عَلى ذَلِكَ الأدَبِ العَظِيمِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ [فِي] المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مَن يُكَذِّبُ بِذَلِكَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ ورِضاهُ بِهِ أهْلٌ لِأنْ يُؤَكَّدَ أمْرُهُ ويُواظَبَ عَلى فِعْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾ أيْ: يُخْفِضُونَ ويُلِينُونَ لِما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّكِينَةِ مِن هَيْبَةِ حَضَرْتِهِ، قالَ الطَّبَرِيُّ: وأصْلُ الغَضِّ الكَفُّ في لِينٍ ﴿أصْواتَهُمْ﴾ تَخَشُّعًا وتَخَضُّعًا (p-٣٥٨)ورِعايَةً لِلْأدَبِ وتَوْقِيرًا.

ولَمّا كانَ المُبَلِّغُ رُبَّما أنْساهُ اللَّغَطُ ورَفْعُ الأصْواتِ ما [كانَ] يُرِيدُ أنْ يُبَلِّغَهُ ««إنَّهُ بُيِّنَتْ لِي لَيْلَةُ القَدْرِ فَخَرَجْتُ لِأُخْبِرَكم بِها فَتَلاحى رَجُلانِ فَأُنْسِيتُها، وعَسى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ»». قالَ: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَعْلُوَ كَلامُهُ عَلى كُلِّ كَلامٍ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغٌ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ، وعَبَّرَ بِعِنْدَ الَّتِي لِلظّاهِرِ إشارَةً إلى أنَّ أهْلَ حَضْرَةِ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقَعُ مِنهم إلّا أكْمَلُ الأدَبِ.

ولَمّا ابْتَدَأ ذِكْرَهم مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ ما نُدِبُوا إلَيْهِ، زادَهُ إعْظامًا بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتَبِ لِما لَهم مِن عُلُوِّ الهِمَمِ بِالخُضُوعِ لِمَن أرْسَلَهُ مَوْلاهُمُ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدِهِمْ إلّا مِنهُ ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ﴾ أيْ: فِعْلَ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ بِالمُخالَطَةِ البَلِيغَةِ بِالشَّدائِدِ عَلى وجْهٍ يُؤَدِّي إلى المِنحَةِ بِاللِّينِ والخُلُوصِ مِن كُلِّ دَرَنٍ، والِانْشِراحِ والِاتِّساعِ ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ فَأخْلَصَها ﴿لِلتَّقْوى﴾ أيِ: الخَوْفِ المُؤَدِّي إلى اسْتِعْدادِ صاحِبِهِ بِإقامَةِ ما يَقِيهِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، والِامْتِحانُ: اخْتِبارٌ بَلِيغٌ يُؤَدِّي إلى خَبَرٍ، فالمَعْنى أنَّهُ طَهَّرَ قُلُوبَهم ونَقّاها (p-٣٥٩)كَما يَمْتَحِنُ الصّائِغُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ بِالإذابَةِ لِلتَّنْقِيَةِ والتَّخْلِيصِ مِن كُلِّ غِشٍّ لِأجْلِ إظْهارِ ما بَطَنَ فِيها مِنَ التَّقْوى لِيَصِيرَ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ في عالَمِ الشَّهادَةِ كَما كانَ مَعْلُومًا [لَهُ سُبْحانَهُ] في عالَمِ الغَيْبِ، وهو خُرُوجُهم عَنِ العاداتِ البَشَرِيَّةِ ومُفارَقَتِهِمْ لِما تُوجِبُهُ الطَّبِيعَةُ، وهو حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ؛ فَإنَّ التَّقْوى لا تَظْهَرُ إلّا عِنْدَ المِحَنِ والشَّدائِدِ بِالتَّكْلِيفِ وغَيْرِها، ولا تَثْبُتُ إلّا بِمُلازَمَةِ الطّاعَةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ والخُرُوجِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ في الإحْسانِ مَحَلًّا لِلنُّقْصانِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَزائِهِمْ بِقَوْلِهِ: مُعَرِّيًا لَهُ مِن فاءِ السَّبَبِ، إشارَةً [إلى] أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ إحْسانِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِهَفَواتِهِمْ وزَلّاتِهِمْ ﴿وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: جَزاءٌ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ عَلى مَحاسِنِ ما فَعَلُوهُ.

49:4Page 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤

Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ الإخْلالِ بِالأدَبِ، وأمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى التَّعْظِيمِ، وذَكَرَ وصْفَ المُطِيعِ، أتْبَعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ وصْفَ مَن أخَلَّ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ أنَّ حالَهم كانَ حالَ مَن يَدَعُ عَقْلًا تامًّا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ نِداءَكَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، والحالُ أنَّ نِداءَهم إيّاكَ كائِنٌ ﴿مِن وراءِ﴾ إثْباتُ هَذا الجارِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ داخِلَها، ولَوْ سَقَطَ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، بَلْ كانَ (p-٣٦٠)يُفِيدُ أنَّ نِسْبَةَ الأماكِنِ الَّتِي وراءَها الحُجُراتُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الكُلُّ خارِجَها، والوَراءُ: الجِهَةُ الَّتِي تُوارِيكَ وتُوارِيها مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ.

ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ العَظَمَةِ في نَفْسِهِ وفي تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ في هَيْئَتِها بِمَكانٍ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَفْتاتَ فِيها عَلَيْهِ ولا أنْ يُعْجِلَهُ عَنْ شَيْءٍ، وكانَ نِداؤُهُ لِذَلِكَ مِن وراءِ حُجْرَةٍ واحِدَةٍ كَنِدائِهِ مِن وراءِ كُلِّ حُجْرَةٍ، جَمَعَ فَقالَ: ﴿الحُجُراتِ﴾ ولَمْ يُضِفْها إلَيْهِ إجْلالًا لَهُ، ولِيَشْمَلَ كَوْنِي في غَيْرِها أيْضًا، والمَعْنى: مُبْتَدِئِينَ النِّداءَ مِن جِهَةٍ تَكُونُ الحُجُراتُ فِيها بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَتَكُونُ مُوازِيَةً لَكَ مِنهم ولَهم مِنكَ، وهي جَمْعُ حُجْرَةٍ، وهي ما حُوِّطَ مِن قِطَعِ الأرْضِ بِحائِطٍ يَمْنَعُ مِمَّنْ يَكُونُ خارِجَهُ مِن أذى [مَن] يَكُونُ داخِلَهُ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَإنَّهُ يَكُونُ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الِاجْتِماعِ بِنِسائِهِ أوْ إصْلاحِ شَيْءٍ مِن حالِهِ، لا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِحُضُورِ النّاسِ فِيما يَتَقاضاهُ المُرُوءَةُ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجَمْعِ وإنْ كانَ المُنادِي بَعْضَهم لِلرِّضى بِهِ أوِ السُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ.

ولَمّا كانَ السّاكِتُ [قَدْ لا يَكُونُ راضِيًا قالَ: ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: (p-٣٦١)المُنادِي والرّاضِي] دُونَ [السّاكِتِ] لِعُذْرٍ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَعَلُوا مَعَهُ ﷺ كَما يَفْعَلُ بَعْضُهم مَعَ مَن يُماثِلُهُ، والعَقْلُ يَمْنَعُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِالرِّئاسَةِ فَكَيْفَ إذا كانَتْ رِئاسَةُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَنِ المَلِكِ الجَبّارِ الواحِدِ القَهّارِ.

49:5Page 516

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا ذَمَّهم بِسُوءِ عَمَلِهِمْ، أرْشَدَهم إلى ما يُمْدَحُونَ بِهِ مِن حُسْنِهِ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنادِي والرّاضِي ﴿صَبَرُوا﴾ أيْ: حَبَسُوا أنْفُسَهم ومَنَعُوها عَنْ مُناداتِهِمْ، والصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ أنْ تُنازِعَ إلى هَواها وهو حَبْسٌ فِيهِ شِدَّةٌ، وصَبْرٌ عَنْ كَذا، مَحْذُوفُ الفِعْلِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ، أيْ نَفْسَهُ ﴿حَتّى تَخْرُجَ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ عِنْدَ فَراغِ ما أنْتَ فِيهِ مِمّا يَهُمُّكَ مِن وارِداتِ الحَقِّ ومَصالِحِ الخَلْقِ. ولَمّا كانَ الخُرُوجُ قَدْ يَكُونُ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَصالِحِ، فَلا يَسُوغُ في الأدَبِ أنْ يَقْطَعَ ذاكَ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم أنْ يُكَلِّمُوكَ حَتّى تَفْرَغَ لَهم فَتَقْصِدَهم فَإنَّكَ لا تَفْعَلُ [شَيْئًا] في غَيْرِ حِينِهِ بِمُقْتَضى أمْرِ الرِّسالَةِ ﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصَّبْرُ.

ولَمّا كانَ العَرَبُ أهْلَ مَعالٍ فَهم بِحَيْثُ لا يَرْضَوْنَ إلّا الأحْسَنَ فَقالَ: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ في إيقاظِكَ وقْتَ الهاجِرَةِ وما لَوْ قَرَعُوا البابَ بِالأظافِيرِ كَما كانَ يَفْعَلُ غَيْرُهم مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، (p-٣٦٢)وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ما ظَنُّوا مِن أنَّ فِيهِ خَيْرًا فَكانُوا يَعْقِلُونَ، فَفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَعَ الإنْصافِ بَلِ الإغْضاءِ والإحْسانِ هَزٌّ لَهم [إلى] المَعالِي، وإرْشادٌ إلى ما يَتَفاخَرُونَ بِهِ مِنَ المَحاسِنِ، قالَ الرّازِيُّ: قالَ أبُو عُثْمانَ: الأدَبُ عِنْدَ الأكابِرِ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ إلى الدَّرَجاتِ العُلى والخَيْرِ في الأُولى والعُقْبى. انْتَهى. وأخْيَرِيَّةِ صَبْرٍ في الدِّينِ مَعْرُوفَةٍ، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهم لَوْ تَأدَّبُوا لِرَبِّهِمْ زادَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في الفَضْلِ فَأعْتَقَ جَمِيعَ سَبْيِهِمْ وزادَهُمْ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ التَّعْلِيلَ بِعَدَمِ الصَّبْرِ أوَّلًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ ثانِيًا، والعَقْلَ ثانِيًا، لِما دَلَّ عَلَيْهِ [مِن] ذِكْرِهِ أوَّلًا.

ولَمّا ذَكَرَ التَّقْدِيرَ تَأْدِيبًا لَنا وتَدْرِيبًا عَلى الصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ وعُذْرِهِ وتَعْلِيمِهِ: ولَكِنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا وأساؤُوا الأدَبَ فَكانَ ذَلِكَ شَرًّا لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِما فَعَلُوا حَلِيمٌ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، عَطَفَ عَلَيْهِ اسْتِعْطافًا لَهم مَعَ إفْهامِهِ التَّرْهِيبَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: سَتُورٌ لِذَنْبِ مَن تابَ مِن جَهْلِهِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ الرّاحِمِ فَيُسْبِغُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ. ولَمّا تابُوا، أعْتَبَهُمُ اللَّهُ في غِلْظَتِهِمْ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ أنْ جَعَلَهم أغْلَظَ النّاسِ عَلى شَرِّ النّاسِ: الدَّجّالِ؛ «فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّهم (p-٣٦٣)أشَدُّ النّاسِ عَلَيْهِ»».

49:6Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦

O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.

ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أذى الرَّسُولِ ﷺ في نَفْسِهِ، وكانَ مِن ذَلِكَ أذاهُ في أُمَّتِهِ، فَإنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُوا وكانَ مَن آذاهُ فِيهِمْ فاسِقًا، وكانَ أعْظَمُ الأذى فِيهِمْ ما أوْرَثَ كَرْبًا فَأثارَ حَرْبًا، وكانَ رُبَّما اتَّخَذَ أهْلُ الأغْراضِ هَذِهِ الآدابَ ذَرِيعَةً إلى [أذى] بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَقَذَفُوهم بِالإخْلالِ بِشَيْءٍ مِنها فَوَقَعُوا هم فِيها فِيما قَذَفُوا بِهِ غَيْرَهم مِنَ الإخْلالِ بِحَقِّهِ والتَّقَيُّدِ بِوَلائِهِ ورِقِّهِ، وكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ الطّاهِرَةِ والمَعالِي الظّاهِرَةِ ما يُؤْمَنُ مَعَهُ أنْ يُوقِعَ شَيْئًا في غَيْرِ مَحَلِّهِ، أنْ يَأْمُرَ بِأمْرٍ مِن غَيْرِ حِلِّهِ - هَذا مَعَ ما لَهُ مِنَ العِصْمَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ما في القِسْمِ الثّالِثِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن تَرْكِ العَجْزِ بِالِاعْتِمادِ عَلى أخْبارِ الفَسَقَةِ، تَخاطُبًا لِكُلِّ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى، نادِبًا إلى الِاسْتِرْشادِ بِالعَقْلِ الَّذِي نَفاهُ عَنْ أهْلِ الآيَةِ السّالِفَةِ، والعَفْوِ عَنِ المُذْنِبِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِ اللَّهِ، مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى التَّصْرِيحِ بِمِثْلِ هَذا التَّنْبِيهِ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِما أفادَهُ مِن قَواعِدِ الشَّرْعِ وضَعَ نَفْسَهُ في مَحَلٍّ بَعِيدٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما في حَيِّزِها كَلامٌ لَهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ ووَقْعٌ جَسِيمٌ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ الماضِي الَّذِي هو (p-٣٦٤)لِأدْنى أسْنانِ القُلُوبِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إيذانًا بِقِلَّةِ الفاسِقِ فِيهِمْ وقِلَّةِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ بِخَبَرٍ لَهُ وقْعٌ، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فاسِقٌ﴾ أيْ: خارِجٌ مِن رِبْقَةِ الدِّيانَةِ، أيَّ فاسِقٍ كانَ ﴿بِنَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ يَعْظُمُ خَطْبُهُ فَيُؤَثِّرُ شَرًّا، أيَّ خَيْرٍ كانَ مِمّا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: عالِجُوا البَيانَ وهو فَصْلُ الخَطَأِ مِنَ الصَّوابِ، اسْتِعْمالًا لِغَرِيزَةِ العَقْلِ المَنفِيِّ عَنِ المُنادَيْنَ واتِّصافًا بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِيَرْحَمَكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرَ لَكُمْ، وهَذِهِ القِراءَةُ غايَةٌ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالمُثَلَّثَةِ ثُمَّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، والسِّياقُ مُرْشِدٌ إلى أنَّ [خَبَرَ] الفاسِقِ كالنَّمّامِ والسّاعِي بِالفَسادِ كَما أنَّهُ لا يُقْبَلُ فَلِذَلِكَ لا يُرَدُّ حَتّى يُمْتَحَنَ، وإلى أنَّ خَبَرَ العَدْلِ لا وقْفَةَ فِيهِ، وإلّا لاسْتَوى مَعَ الفاسِقِ، فالتَّثَبُّتُ مُعَلَّلٌ بِالفِسْقِ، فَإذا انْتَفى ولَمْ تُوجَدْ عِلَّةٌ أُخْرى تُوجِبُ التَّثَبُّتَ وجَبَ القَبُولُ، والمُعَلَّقُ عَلى شَيْءٍ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ [عِنْدَ] عَدَمِهِ، والتَّبَيُّنُ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: بِمُراجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ كانَ حاضِرًا، وبِمُراجَعَةِ آثارِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ إلى أنْ تَبَيَّنَ الأمْرُ مِنهُما [إنْ كانَ غائِبًا، فَإنَّهُ لا تَكُونُ أبَدًا كائِنَةً إلّا وفي الكِتابِ والسُّنَّةِ المَخْرَجُ مِنها].

ولَمّا أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ [أيْ] لِأجْلِ كَراهَةِ أنْ ﴿تُصِيبُوا﴾ أيْ: بِأذًى ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: هم مَعَ قُوَّتِهِمُ النّافِعَةِ (p-٣٦٥)لِأهْلِ الإسْلامِ بَراءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِمْ ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: مَعَ الجَهْلِ بِحالِ اسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا وضَعَ شَيْئًا في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَدِيرًا بِالنَّدَمِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ أيْ: فَتَصِيرُوا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أشْنَعَ النَّدَمِ ما اسْتَقْبَلَ الإنْسانَ صَباحًا وقْتَ انْتِباهِهِ وفَراغِهِ وإقْبالِهِ عَلى لَذّاتِهِ ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ﴾ [أيْ] مِن إصابَتِهِمْ ﴿نادِمِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الأسَفِ عَلى ما فاتَ مِمّا يُوقِعُ اللَّهُ في نُفُوسِكم مِن أُمُورٍ تَرْجُفُ القُلُوبُ وتَخُورُ الطِّباعُ، وتِلْكَ سُنَّتُهُ في كُلِّ باطِلٍ؛ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ مُزَلْزَلًا في نَفْسِهِ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الزِّلْزالُ والنَّدَمُ عَلى ما وقَعَ مِن تَمَنِّي أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وهو غَمٌّ يَصْحَبُ الإنْسانَ صُحْبَةً لَها دَوامٌ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلَيْهِ مِمّا يُرْشِدُ [إلَيْهِ] مَدَنَ ودَمِنَ، وهو يَنْشَأُ مِن تَضْيِيعِ أثْقالِ الأسْبابِ الَّتِي أُمِرَ الإنْسانُ بِالسَّعْيِ فِيها كَما أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ: ««احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ ولا تَعْجِزْ، فَإنْ غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، ولا تَقُلْ: [لَوْ أنِّي] فَعَلْتُ كَذا، فَإنَّ ”لَوْ“ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»». والفاسِقُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولّاهُ الكُوفَةَ فَصَلّى بِالنّاسِ وهو سَكْرانُ صَلاةَ الفَجْرِ أرْبَعًا ثُمَّ قالَ: [هَلْ أزِيدُكم (p-٣٦٦)فَعَزَلَهُ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском