Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:115–120
5:115Page 127
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥
Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
ولَمّا كانَ ظاهِرُ سُؤالِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاضْطِرابِ؛ وإنْ كانَ لِلْإلْهابِ؛ أكَّدَ الجَوابَ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ بِقُدْرَتِي الخاصَّةِ بِي؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ وهَذا السِّياقُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهم كُفْرٌ؛ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ حَتّى في الحَوارِيِّينَ؛ عَلى ما يُقالُ في يَهُودا الإسْخَرْيُوطِيِّ؛ أحَدِهِمُ؛ الَّذِي دَلَّ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا خَصَّهُ بِهَذا العَذابِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ البَتِّ؛ والقَطْعِ؛ ﴿عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: مِثْلَهُ أبَدًا؛ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ؛ وفي ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِإحْلالِ المَآكِلِ؛ واخْتُتِمَتْ بِها؛ أعْظَمُ تَناسُبٍ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ إشارَةٌ إلى تَذْكِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما أنْعَمَ عَلَيْها بِما أعْطى نَبِيَّها مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ومَنَّ عَلَيْها بِهِ مِن حُسْنِ الِاتِّباعِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ (p-٣٥٩)المُعَدَّدَةِ عَلَيْهِمْ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في حَقِيقَةِ هَذِهِ المائِدَةِ؛ وفي أحْوالِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا؛ وأُمِرُوا ألّا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ؛ ولا يَخُونُوا؛ فَخانُوا؛ وادَّخَرُوا؛ ورَفَعُوا لِغَدٍ؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛» انْتَهى؛ قُلْتُ: ثُمَّ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ وقْفَهُ عَلى عَمّارٍ؛ وقالَ: لا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا؛ غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ؛ لِكَوْنِهِ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ؛ ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ عَمّارًا فِيمَن أخَذَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ وهَذا الخَبَرُ يُؤَكِّدُ أنَّ الخَبَرَ في الآيَةِ عَلى بابِهِ؛ فَيَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا بِها؛ لِأنَّ خَبَرَهُ (تَعالى) لا يُخْلَفُ؛ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ وهَذا الرِّزْقُ الَّذِي مِنَ السَّماءِ قَدْ وقَعَ مِثْلُهُ لِآحادِ الأُمَّةِ؛ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ مِن دَوْسٍ؛ يُقالُ لَها أُمُّ شَرِيكٍ؛ أسْلَمَتْ في رَمَضانَ؛ فَأقْبَلَتْ تَطْلُبُ مَن يَصْحَبُها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ؛ فَقالَ: ما لَكِ يا أُمَّ شَرِيكٍ؟ قالَتْ: أطْلُبُ رَجُلًا يَصْحَبُنِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ قالَ: (p-٣٦٠)فَتَعالَيْ فَأنا أصْحَبُكِ؛ قالَتْ: فانْتَظِرْنِي حَتّى أمْلَأ سِقائِي ماءً؛ قالَ: مَعِي ماءٌ؛ ما لا تُرِيدِينَ ماءً؛ فانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ؛ فَسارُوا يَوْمَهم حَتّى أمْسَوْا؛ فَنَزَلَ اليَهُودِيُّ؛ ووَضَعَ سُفْرَتَهُ فَتَعَشّى؛ وقالَ: يا أُمَّ شَرِيكٍ؛ تَعالَيْ إلى العَشاءِ؛ فَقالَتْ: اسْقِنِي مِنَ الماءِ؛ فَإنِّي عَطْشى؛ ولا أسْتَطِيعُ أنْ آكُلَ حَتّى أشْرَبَ؛ فَقالَ لَها: لا أسْقِيكِ حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا؛ غَرَّبْتَنِي؛ ومَنَعْتَنِي أنْ أحْمِلَ ماءً؛ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أسْقِيكِ مِنهُ قَطْرَةً حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا واللَّهِ لا أتَهَوَّدُ أبَدًا بَعْدَ إذْ هَدانِي اللَّهُ لِلْإسْلامِ؛ فَأقْبَلَتْ إلى بَعِيرِها فَعَقَلَتْهُ؛ ووَضَعَتْ رَأْسَها عَلى رُكْبَتِهِ فَنامَتْ؛ قالَتْ: فَما أيْقَظَنِي إلّا بَرَدُ دَلْوٍ قَدْ وقَعَ عَلى جَبِينِي؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَنَظَرْتُ إلى ماءٍ أشَدَّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ؛ وأحْلى مِنَ العَسَلِ؛ فَشَرِبْتُ حَتّى رُوِيتُ؛ ثُمَّ نَضَحْتُ عَلى سِقائِي حَتّى ابْتَلَّ؛ ثُمَّ مَلَأْتُهُ؛ ثُمَّ رُفِعَ بَيْنَ يَدَيَّ وأنا أنْظُرُ؛ حَتّى تَوارى عَنِّي في السَّماءِ؛ فَلَمّا أصْبَحْتُ جاءَ اليَهُودِيُّ فَقالَ: يا أُمَّ شَرِيكٍ؛ قُلْتُ: واللَّهِ قَدْ سَقانِي اللَّهُ؛ قالَ: مِن أيْنَ أنْزَلَ عَلَيْكِ؟ مِنَ السَّماءِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ السَّماءِ؛ ثُمَّ رُفِعَ (p-٣٦١)بَيْنَ يَدَيَّ حَتّى تَوارى عَنِّي في السَّماءِ؛ ثُمَّ أقْبَلَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّتْ عَلَيْهِ القِصَّةَ؛ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْها نَفْسَها؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَسْتُ أرْضى نَفْسِي لَكَ؛ ولَكِنْ بِضْعِي لَكَ؛ فَزَوِّجْنِي مَن شِئْتَ؛ فَزَوَّجَها زَيْدًا؛ وأمَرَ لَها بِثَلاثِينَ صاعًا؛ وقالَ: كُلُوا ولا تَكِيلُوا؛ وكانَ مَعَها عَكَّةُ سَمْنٍ هَدِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ لِجارِيَةٍ لَها: بَلِّغِي هَذِهِ العَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ قُولِي: أُمُّ شَرِيكٍ تُقْرِئُكَ السَّلامَ؛ وقُولِي: هَذِهِ عَكَّةُ سَمْنٍ أهْدَيْناها لَكَ؛ فانْطَلَقَتْ بِها الجارِيَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذُوها؛ فَفَرَّغُوها؛ وقالَ لَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:“عَلِّقُوها؛ ولا تُوكُوها؛ فَعَلَّقُوها في مَكانِها؛ فَدَخَلَتْ أُمُّ شَرِيكٍ فَنَظَرَتْ إلَيْها مَمْلُوءَةً سَمْنًا؛ فَقالَتْ: يا فُلانَةُ؛ ألَيْسَ أمَرْتُكِ أنْ تَنْطَلِقِي بِهَذِهِ العَكَّةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: قَدْ واللَّهِ انْطَلَقْتُ بِها كَما قُلْتِ؛ ثُمَّ أقْبَلْتُ بِها أضْرِبُها ما يَقْطُرُ مِنها شَيْءٌ؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ”عَلِّقُوها ولا تُوكُوها“؛ فَعَلَّقْتُها في مَكانِها؛ وقَدْ أوْكَتْها أُمُّ شَرِيكٍ حِينَ رَأتْها مَمْلُوءَةً فَأكَلُوا مِنها حَتّى فَنِيَتْ؛ ثُمَّ كالُوا الشَّعِيرَ فَوَجَدُوهُ ثَلاثِينَ صاعًا لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ؛» قالَ: ورُوِيَ (p-٣٦٢)ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ ولِحَدِيثِهِ شاهِدٌ صَحِيحٌ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورُوِيَ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنَيِّ أنَّ أُمَّ أيْمَنَ هاجَرَتْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ؛ ولَيْسَ مَعَها زادٌ؛ فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الرَّوْحاءِ؛ وذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ؛ عَطِشَتْ عَطَشًا شَدِيدًا؛ قالَتْ: فَسَمِعْتُ هَفِيفًا شَدِيدًا فَوْقَ رَأْسِي؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا دَلْوٌ مُدَلًّى مِنَ السَّماءِ بِرِشاءٍ أبْيَضَ؛ فَتَناوَلْتُهُ بِيَدِي؛ حَتّى اسْتَمْسَكْتُ بِهِ؛ قالَتْ: فَشَرِبْتُ مِنهُ حَتّى رُوِيتُ؛ قالَتْ: فَلَقَدْ أصُومُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ في اليَوْمِ الحارِّ الشَّدِيدِ الحَرِّ ثُمَّ أطُوفُ في الشَّمْسِ كَيْ أظْمَأ؛ فَما ظَمِئْتُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ؛ قالَ: وفي الجِهادِ عَنِ البُخارِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا؛ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ؛ جَدَّ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - فَذَكَرَ الحَدِيثَ حَتّى قالَ: فابْتاعَ خُبَيْبًا - يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ الأنْصارِيَّ - بَنُو الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ وكانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهم أسِيرًا؛ فَأخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِياضٍ أنَّ ابْنَةَ الحارِثِ قالَتْ: واللَّهِ ما رَأيْتُ أسِيرًا قَطُّ (p-٣٦٣)خَيْرًا مِن خُبَيْبٍ؛ واللَّهِ لَقَدْ وجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِن قَطْفِ عِنَبٍ في يَدِهِ؛ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ؛ وما بِمَكَّةَ مِن ثَمَرٍ؛ وكانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَ خَبِيبًا"؛» الحَدِيثَ.
ومِنَ الأمْرِ الجَلِيِّ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) لَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ يَقُومُ في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ فَيَذْكُرُها؛ ويَذْكُرُ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِها؛ وهو الثَّناءُ عَلى المُنْعِمِ بِها؛ بِما يَلِيقُ بِجَلالِهِ؛ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ (تَعالى) بِمَحامِدَ تَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ فَمِن أنْسَبِ الأُمُورِ حِينَئِذٍ سُؤالُهُ - وهو المُحِيطُ عِلْمًا بِمَكْنُوناتِ الضَّمائِرِ؛ وخَفِيّاتِ السَّرائِرِ؛ إثْرَ التَّهْدِيدِ لِمَن يَكْفُرُ - عَمّا كَفَرَ بِهِ النَّصارى؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠] -:
5:116Page 127
وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦
And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.
﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ مُشِيرًا إلى ما لَهُ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِأداةِ النِّداءِ: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ وذَلِكَ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ عَمِلَ بِمُقْتَضى النِّعْمَةِ؛ وتَبْكِيتًا لِمَن ضَلَّ فِيهِ مِنَ النَّصارى؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ لِكَوْنِهِمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ؛ وفِيهِمُ الكِتابُ؛ فَكَأنَّهُ لا ناسَ غَيْرُهُمْ؛ ﴿اتَّخِذُونِي﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم خِلافَ ما تَعْتَقِدُونَهُ بِالفِطْرَةِ الأُولى في اللَّهِ؛ بِأنْ تَأْخُذُونِي؛ ﴿وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (p-٣٦٤)ولَمّا كانَتْ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ - ولَوْ كانَتْ عَلى سَبِيلِ الشِّرْكِ - مُبْطِلَةً لِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - أغْنى الأغْنِياءِ؛ ولا يَرْضى الشِّرْكَ إلّا فَقِيرٌ؛ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: اتَّخِذُوا تَألُّهَنا سُلَّمًا تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى اللَّهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى المُغايَرَةِ؛ ولا دَخْلَ حِينَئِذٍ لِلْمُشارَكَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ لَنا؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِهِ هُنا؛ تَوْبِيخًا لِمَن أطْراهُ؛ وتَأْكِيدًا لِما عِنْدَنا مِنَ العِلْمِ؛ وتَبْجِيلًا لَهُ ﷺ بِما يُبْدِي مِنَ الجَوابِ؛ وتَفْضِيلًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يَحِدْ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ؛ بَلْ بَذَلَ الجُهْدَ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ وتَقْرِيعًا لِمَن قالَ ذَلِكَ عَنْهُ وهو يَدَّعِي حُبَّهُ واتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَخْجِيلًا لَهُمْ؛ فَلَمّا تَشَوَّفَتْ لِجَوابِهِ الأسْماعُ وأصْغَتْ لَهُ الآذانُ؛ وكانَ في ذِكْرِهِ مِنَ الحِكَمِ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ - قائِلًا: ﴿قالَ﴾؛ مُفْتَتِحًا بِالتَّنْزِيهِ؛ ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أيْ: لَكَ التَّنَزُّهُ الأعْظَمُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ ودَلَّ بِالمُضارِعِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَزالُ مَمْنُوعًا مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾؛ أيْ: ما يَنْبَغِي؛ ولا يَصِحُّ أصْلًا؛ ﴿أنْ أقُولَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿ما لَيْسَ لِي﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ كَما هو حَقُّ المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿بِحَقٍّ﴾
ولَمّا بادَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إعْظامًا لِلْمَقامِ؛ إلى الإشارَةِ إلى نَفْيِ ما سُئِلَ (p-٣٦٥)عَنْهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ عَنْهُ: أنْتَ أعْلَمُ؛ وإنَّما أجابَ بِما تَقَدَّمَ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا القَوْلَ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَّ مِنهُ؛ ومُبادَرَةً إلى تَبْكِيتِ مَنِ ادَّعاهُ لَهُ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِما تَضَمَّنَ أعْظَمَ المَدْحِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْخُضُوعِ -: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا لِلنّاسِ؛ أوْ حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي؛ ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾؛ وهو مُبالَغَةٌ في الأدَبِ؛ وإظْهارِ الذِّلَّةِ؛ وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلى رَبِّ العِزَّةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإخْبارَ بِعِلْمِهِ بِما هو مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ؛ وكانَ القَوْلُ يُطْلَقُ عَلى النَّفْسِ؛ فَإذا انْتَفى انْتَفى اللِّسانِيُّ؛ قالَ: ﴿ما في نَفْسِي﴾؛ أيْ: وإنِ اجْتَهَدْتُ في إخْفائِهِ؛ فَإنَّهُ خَلْقُكَ؛ وما أنا لَهُ إلّا آلَةٌ ووِعاءٌ؛ فَكَيْفَ بِهِ إنْ كُنْتُ أظْهَرْتُهُ؟!
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ؛ نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ تَوْبِيخًا لِمَنِ ادَّعى لَهُ الإلَهِيَّةَ؛ فَقالَ - مُشاكَلَةً -: ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾؛ أيْ: ما أخْفَيْتَهُ عَنِّي مِنَ الأشْياءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ لا شَرِيكَ لَكَ؛ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾
5:117Page 127
مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧
I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.
ولَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ ما يَسْتَحِقُّ النَّفْيَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ؛ أثْبَتَ ما قالَهُ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُصَرِّحٍ بِنَفْيِ غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ ما نُسِبَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ مَنفِيًّا مَرَّتَيْنِ؛ إشارَةً؛ وعِبارَةً؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا عَنِ الأمْرِ بِالقَوْلِ؛ مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ؛ (p-٣٦٦)وفَسَّرَ بِالأمْرِ؛ بَيانًا لِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ مِن مُباحٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ دائِرٌ عَلى الأمْرِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ؛ بِمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ بِما قالَهُ الرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ فَوْقَها؛ ولا دُونَها؛ يَعْبُدُ اللَّهَ (تَعالى) بِذَلِكَ -: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ؛ دالًّا بِشَأْنِ المُرادِ بِالقَوْلِ؛ الأمْرَ بِالتَّعْبِيرِ في تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِعِبادَةِ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَسْتَجْمِعْ نُعُوتَ الجَلالِ والجَمالِ أحَدٌ غَيْرُهُ؛ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ كَما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ؛ يَسْتَحِقُّها لِنِعَمِهِ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: أنا وأنْتُمْ في عُبُودِيَّتِهِ سَواءٌ؛ وهَذا الحَصْرُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْقَلْبِ؛ عَلى أنَّ ”دُونَ“ بِمَعْنى ”غَيْرُ“؛ ولِلْإفْرادِ عَلى أنَّها بِمَعْنى سُفُولِ المَنزِلَةِ؛ وهو مِن بَدائِعِ الأمْثِلَةِ.
ولَمّا فَهِمَ ﷺ مِن هَذا السُّؤالِ أنَّ أتْباعَهُ غَلَوْا في شَأْنِهِ؛ فَنَزَّهَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - مِن ذَلِكَ؛ وأخْبَرَهُ بِما أمَرَ النّاسَ بِهِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الحَقِّ؛ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِما يُؤَكِّدُ ما مَضى؛ نَفْيًا وإثْباتًا؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَهُ شاهِدًا؛ زادَ في الطّاعَةِ في ذَلِكَ إلى أنْ بَلَغَ جُهْدَهُ؛ كَإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا (p-٣٦٧)بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ -: ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: بالِغَ الشَّهادَةِ؛ لا أرى فِيهِمْ مُنْكَرًا إلّا اجْتَهَدْتُ في إزالَتِهِ؛ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ وأشارَ إلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أيْ: رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ؛ كامِلَ الذّاتِ والمَعْنى؛ مَعَ بَذْلِهِمْ جُهْدَهم في قَتْلِي؛ ﴿كُنْتَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿الرَّقِيبَ﴾؛ أيْ: الحَفِيظَ القَدِيرَ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ لا يَغِيبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ وقَدْ مَنَعْتَهم أنْتَ أنْ يَقُولُوا شَيْئًا غَيْرَ ما أمَرْتُهم أنا بِهِ مِن عِبادَتِكَ؛ بِما نَصَبْتَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ؛ وأنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِي مِنَ البَيِّناتِ؛ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ حَيَوانٍ؛ وجَمادٍ؛ ﴿شَهِيدٌ﴾؛ أيْ: مُطَّلِعٌ غايَةَ الِاطِّلاعِ؛ لا يَغِيبُ عَنْكَ شَيْءٌ مِنهُ؛ سَواءٌ كانَ في عالَمِ الغَيْبِ؛ أوِ الشَّهادَةِ؛ فَإنْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ فَأنْتَ تَعْلَمُهُ دُونِي؛ لِأنِّي لَمّا بَعُدْتُ عَنْهم في المَسافَةِ انْقَطَعَ عِلْمِي عَنْ أحْوالِهِمْ.
5:118Page 127
إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨
If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي سَلَفَ كُلُّهُ؛ سُؤالًا؛ وجَوابًا؛ وإخْبارًا؛ حَمْدَ اللَّهِ (تَعالى) وثَناءً عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ؛ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ؛ والِاعْتِرافِ بِحَقِّهِ؛ والشَّهادَةِ لَهُ بِعِلْمِ الخَفايا؛ والقُدْرَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ وكانَ هَذا السُّؤالُ يُفْهِمُ إرادَةَ التَّعْذِيبِ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُمْ؛ مُشِيرًا إلى الشَّفاعَةِ فِيهِمْ عَلى وجْهِ الحَمْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العَذابَ - ولَوْ لِلْمُطِيعِ - عَدْلٌ؛ والعَفْوَ عَنِ العاصِي - بِأيِّ ذَنْبٍ كانَ - فَضْلٌ (p-٣٦٨)مُطْلَقًا؛ وغُفْرانُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا بِالذّاتِ؛ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ أيْ: القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ؛ ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾؛ أيْ: فَأنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تَرْحَمَهُمْ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْكَ في عَذابِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ حُكْمِكَ عَدْلٌ؛ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: تَمْحُ ذُنُوبَهم عَيْنًا؛ وأثَرًا؛ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً أنْتَ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ فَلا أحَدَ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ؛ ولا يَنْسِبُكُ إلى وهْنٍ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ فَلا تَفْعَلُ شَيْئًا إلّا في أعْلى دَرَجِ الإحْكامِ؛ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَعْقِيبِهِ؛ ولا الِاعْتِراضِ عَلى شَيْءٍ مِنهُ.
5:119Page 127
قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩
Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.
ولَمّا انْقَضى جَوابُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِ اللَّهِ لَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى كَوْنِ جَوابِهِ حَقًّا؛ ومَضْمُونِهِ صِدْقًا؛ مُنَبِّهًا عَلى مَدْحِهِ؛ حاثًّا عَلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الوَفاءِ بِالعُقُودِ -: ﴿قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ جَوابًا لِكَلامِهِ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: مَجْمُوعُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ولَمّا كانَ ظُهُورُ الجَزاءِ النّافِعِ هو المَقْصُودَ؛ قالَ: ﴿يَوْمُ﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ؛ وقِراءَةُ نافِعٍ بِالنَّصْبِ؛ غَيْرَ مُنَوَّنٍ أيْضًا؛ لِإضافَتِهِ إلى مُتَمَكِّنٍ؛ بِمَعْنى: ”هَذا الَّذِي ذُكِرَ واقِعٌ...“؛ أوْ قالَ اللَّهُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ يَوْمَ ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ نَفْعًا لا يَضُرُّهم مَعَهُ شَيْءٌ؛ ﴿صِدْقُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ لَهم في الدُّنْيا وصْفًا ثابِتًا؛ فَحَداهم عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَنْفَعُهم بِأيِّ شَيْءٍ؟ فَقالَ: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾؛ أيْ: هي مِن رَيِّ الأرْضِ؛ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ زُكاءَ الشَّجَرِ؛ وطِيبَ الثَّمَرِ؛ بِحَيْثُ ﴿تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَفَرُّقُ المِياهِ في (p-٣٦٩)الأراضِي أبْهَجَ؛ بَعَّضَ؛ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا لا يُرِيحُ إلّا إذا دامَ؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ وأكَّدَ مَعْنى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِرِضى المالِكِ؛ قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِ ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ أثابَهم بِما يَكُونُ مِنَ الرّاضِي ثَوابًا مُتَنَوِّعًا بِتَنَوُّعِ ما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ والجَمالِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ ويَبْسُطُ؛ ويَجْمُلُ؛ إلّا بِرِضاهُمْ؛ قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾؛ يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَدَعْ لَهم شَهْوَةً إلّا أنالَهم إيّاها؛ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَما أسْلَفْتُهُ عَنْهُ: فَلَمّا طَلَبَ (تَعالى) المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ فِيما نَقَضَ بِهِ غَيْرُهُمْ؛ وذَكَّرَهم بِبَعْضِ ما وقَعَ فِيهِ النَّقْضُ؛ وما أعْقَبَ ذَلِكَ فاعِلَهُ؛ وأعْلَمَهم بِثَمَرَةِ التِزامِ التَّسْلِيمِ؛ والِامْتِثالِ؛ أراهم - جَلَّ وتَعالى - ثَمَرَةَ الوَفاءِ؛ وعاقِبَتَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَيَحْصُلُ مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالوَفاءِ فِيما تَقَدَّمَها؛ وحالُ مَن حادَّ ونَقَضَ؛ وعاقِبَةُ مَن وفى؛ وأنَّهُمُ الصّادِقُونَ؛ وقَدْ أمَرَنا أنْ نَكُونَ مَعَهُمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أمَرَهم أوَّلَ السُّورَةِ بِالوَفاءِ؛ شُكْرًا عَلى ما أحَلَّ لَهم في دُنْياهُمْ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ زادَ الشّاكِرِينَ مِنهُمْ؛ ورَقّاهم إلى أنْ أباحَهم أجَلَّ (p-٣٧٠)النَّفائِسِ في أُخْراهُمْ؛ ووَصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهُمْ؛ إلى أنْ بَلَغَ في وصْفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ أخَذَ يَغْبِطُهم بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
5:120Page 127
لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠
To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهم وأباحَهم إيّاهُ؛ لا يَكُونُ إلّا بِأسْبابٍ لا تَسَعُها العُقُولُ؛ ولا تَكْتَنِهُ بِفُرُوعٍ؛ ولا أُصُولٍ؛ عَلَّلَ إعْطاءَهُ إيّاهُ؛ وسُهُولَتَهُ لَدَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى أنَّ كُلَّ ما ادُّعِيَتْ فِيهِ الإلَهِيَّةُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ بَعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِلْكُهُ؛ وفي مُلْكِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا تُكْتَنَهُ عَظَمَتُهُ؛ ولا تَضْعُفُ قُدْرَتُهُ؛ لا لِغَيْرِهِ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ بَدَأ بِها لِأنَّها أشْرَفُ؛ وأكْبَرُ؛ وآياتُها أدَلُّ؛ وأكْثَرُ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ عَلى اتِّساعِهِما؛ وعِظَمِهِما؛ وتَباعُدِ ما بَيْنَهُما؛ ﴿وما فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أنْهى ما نَعْلَمُهُ؛ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ فَلِذَلِكَ هو يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لِأنَّهُ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى إسْعادِ مَن شاءَ؛ وإشْقاءِ مَن شاءَ؛ وإحْلالِ ما شاءَ؛ وتَحْرِيمِ ما شاءَ؛ والحُكْمِ بِما يُرِيدُ؛ ونَفْعِ الصّادِقِينَ المُوفِينَ بِالعُقُودِ؛ الثّابِتِينَ عَلى العُهُودِ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ هَذِهِ العَوالِمِ؛ وما فِيها؛ مِمّا ادُّعِيَ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ مِن عِيسى وغَيْرِهِ؛ والكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أمْواتٌ؛ (p-٣٧١)بَلْ مَواتٌ؛ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهم بِـ ”ما“؛ لا بِـ ”مَن“؛ فَمَن يَسْتَحِقُّ مَعَهُ شَيْئًا؟ ومَن يَمْلِكُ مَعَهُ ضَرًّا أوْ نَفْعًا؟ وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها كَما تَرى؛ أيَّ انْطِباقٍ؛ واتَّسَقَتْ جَمِيعُ آياتِها آخِذًا بَعْضُها بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ أيَّ اتِّساقٍ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ عَلى أعْظَمِ البَيانِ؛ مُخْجِلًا لِمَن أباهُ مِنَ الأُمَمِ؛ مُعْجِزًا لِأصْحابِ السَّيْفِ والقَلَمِ! واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences