Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:20–25

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:20–25

5:20Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

ولَمّا ذَكَرَ سَعَةَ مَمْلَكَتِهِ؛ وتَمامَ عِلْمِهِ؛ وشُمُولَ قُدْرَتِهِ؛ أتْبَعُ ذَلِكَ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ في اسْتِنْقاذِهِمْ مِن أسْرِ العُبُودِيَّةِ؛ والرِّقِّ؛ وإعْلاءِ شَأْنِهِمْ؛ وإيراثِهِمْ أرْضَ الجَبّارِينَ بَعْدَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ؛ إظْهارًا - بِعَدَمِ رَدِّهِمْ إلى مِصْرَ الَّتِي بادَ أهْلُها - لِتَمامِ القُدْرَةِ؛ وسَعَةِ المُلْكِ؛ ونُفُوذِ الأمْرِ؛ وهي مَعَ ذَلِكَ دالَّةٌ عَلى نَقْضِهِمُ المِيثاقَ؛ وقَساوَتِهِمْ؛ ونَقْضِ ما ادَّعَوْهُ مِن بُنُوَّتِهِمْ؛ ومَحَبَّتِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّها ناطِقَةٌ بِتَعْذِيبِهِمْ؛ وتَفْسِيقِهِمْ؛ وتَبَرُّئِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ ولا شَيْءَ مِن ذَلِكَ فِعْلُ حَبِيبٍ ولا ولَدٍ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”نِعْمَةَ“؛ فِي: ”واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ“؛ تَذْكِيرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِنِعْمَةِ التَّوْثِيقِ لِلسَّمْعِ والطّاعَةِ؛ الَّتِي أباها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الآياتِ؛ وبِما كَفَّ عَنْهم عَلى ضَعْفِهِمْ؛ وشَجَّعَ بِهِ قُلُوبَهُمْ؛ وألْزَمَهُمُ الطّاعَةَ؛ وكَرَّهَ إلَيْهِمُ المَعْصِيَةَ بِضِدِّ ما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرْشِدُ إلَيْهِ إنْعامُ النَّظَرِ في القِصَّةِ -: ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: واذْكُرُوا حِينَ؛ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا﴾؛ أيْ: بِالقَلْبِ واللِّسانِ؛ أيْ: ذِكْرَ اعْتِبارٍ؛ واتِّعاظٍ؛ بِما لَكم مِن قُوَّةِ القِيامِ بِما تُحاوِلُونَهُ؛ لِيَقَعَ مِنكُمُ الشُّكْرُ؛ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إنْعامَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ وعَبَّرَ عَنِ (p-٧٣)الإنْعامِ بِالغايَةِ؛ لِأنَّها المَقْصُودُ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ وعَظَّمَ ذَلِكَ التَّذْكِيرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ونَبَّهَ بِذِكْرِ ظَرْفِها عَلى أجَلِّ النِّعَمِ؛ وهي النُّبُوَّةُ؛ المُنْقِذَةُ لَهم مِنَ النّارِ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾؛ وبَشَّرَهم بِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَجَمَعَ جَمْعَ الكَثْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِياءَ﴾؛ أيْ: يَحْفَظُونَكم مِنَ المَهالِكِ الدّائِمَةِ؛ فَفَعَلَ مَعَكم - بِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي فَضَّلَكم بِها عَلى العالَمِينَ في تِلْكَ الأزْمانِ - فِعْلَ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ؛ والوالِدِ مَعَ ولَدِهِ؛ ومَعَ ذَلِكَ عاقَبَكم حِينَ عَصَيْتُمْ؛ وغَضِبَ عَلَيْكم إذْ أبَيْتُمْ؛ فَعَلِمَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ دائِرانِ؛ بَعْدَ مَشِيئَتِهِ؛ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

ولَمّا نَقَلَهم مِنَ الحَيْثِيَّةِ الَّتِي كانُوا فِيها عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ؛ لا يَصْلُحُونَ مَعَها لِمُلْكٍ؛ ولا تُحَدِّثُهم أنْفُسُهم بِهِ؛ إلى حَيْثِيَّةِ الحُرِّيَّةِ القابِلَةِ لِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهم مَعَها مَلِكًا؛ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا؛ وبَشَّرَ بِأنَّهُ يَتْبَعُهُ مِنَ الأنْبِياءِ ما لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ غَيْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾؛ أيْ: فَكَما جَعَلَكم كَذَلِكَ بَعْدَما كُنْتُمْ غَيْرَ طامِعِينَ في شَيْءٍ مِنهُ؛ فَقَدْ نَقَلَهُ مِنكُمْ؛ وجَعَلَهُ في غَيْرِكم بِتِلْكَ القُدْرَةِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِها؛ وذَلِكَ لِكُفْرِكم بِالنِّعَمِ؛ وإيثارِكُمُ الجَهْلَ عَلى العِلْمِ؛ فَإنْكارُكم لِذَلِكَ؛ وتَخْصِيصُ النِّعَمِ بِكم تَحَكُّمٌ؛ وتَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ؛ ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ لِزَوالِها؛ وقَدْ كانُوا يُهَدَّدُونَ؛ في التَّوْراةِ وغَيْرِها؛ بِما هم فِيهِ الآنَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ (p-٧٤)والمَسْكَنَةِ الَّتِي لا يَصْلُحُونَ مَعَها لِمُلْكٍ؛ إنْ هم كَفَرُوا - كَما سَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ولَمّا ذَكَّرَهم (تَعالى) بِما ذَكَّرَهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ العامَّةِ؛ أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَةٍ خاصَّةٍ؛ فَقالَ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ﴾؛ أيْ: في زَمانِكُمْ؛ ولا فِيما قَبْلَهُ مِن سالِفِ الزَّمانِ - كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِـ ”لَمْ“؛ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾؛ مِنَ الآياتِ الَّتِي أظْهَرَها عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأخْرَجَكم بِها مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ والكِتابِ الَّذِي جَعَلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُقَيِّدُ بِهِ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ الشُّكْرِ؛ بِامْتِثالِ الأمْرِ في جِهادِ الأعْداءِ؛ في سِياقٍ مُؤْذِنٍ بِالنَّصْرِ؛ مُعْلِمٍ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ أُخْرى يَجِبُ شُكْرُها؛ فَلِذَلِكَ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ؛ وصْلَ المَعْلُولِ بِالعِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا﴾؛ عَنْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي أعْلَمَكم بِما صَنَعَ مِنَ الآياتِ أنَّهُ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ أمْرِهِ؛ ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾؛ أيْ: المُطَهَّرَةَ المُبارَكَةَ؛ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَها بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ مِن نَجَسِ الشِّرْكِ وضُرِّ المَعاصِي والإفْكِ؛ ويُبارِكَ فِيها؛ ثُمَّ وصَفَها بِما يُوجِبُ لِلْمُؤْمِنِ الإقْدامَ لِتَحَقُّقِهِ النَّصْرَ؛ فَقالَ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا مانِعَ لِما أعْطى ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ تُجاهِدُوا أعْداءَهُ؛ فَتَرِثُوا أرْضَهُمُ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ فَتَحُوزُوا سَعادَةَ الدّارَيْنِ؛ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ الَّتِي وعَدَ (p-٧٥)أباكم إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ تَكُونَ مِيراثًا لِوَلَدِهِ؛ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مَهاجِرَهُ.

ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ؛ نَهاهم عَنِ التَّقاعُدِ عَنْهُ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بِمُعالَجَةٍ لِلْفِطْرَةِ الأُولى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكُمُ الرُّجُوعَ عَنْ أخْذِها؛ وصَوَّرَ لَهُمُ الفُتُورَ عَنْ أخْذِها بِما يَسْتَحْيِي مَن لَهُ هِمَّةٌ مِن ذِكْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى أدْبارِكُمْ﴾؛ ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ خَوَّفَهم عَواقِبَ العِصْيانِ؛ مُعْلِمًا بِأنَّ ارْتِدادَهم سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ بِغَيْرِ شَكٍّ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ الِانْفِعالِ -: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ؛ مِن غَيْرِ قالِبٍ يُسَلَّطُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿خاسِرِينَ﴾؛ أيْ: بِخِزْيِ المَعْصِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ؛ وعارِ الجُبْنِ عَنِ النّاسِ؛ وخَيْبَةِ السَّعْيِ مِن خَيْرَيِ الدّارَيْنِ.

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُحَرِّكًا لِلنَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِمْ عَنْهُ؛ أوْرَدَهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لَتَرْغِيبٌ مُشَوِّقٌ؛ وتَرْهِيبٌ مُقْلِقٌ؛ فَما قالُوا في جَوابِهِ؟ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾؛ مُعْرِضِينَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِهِمَمٍ سافِلَةٍ؛ وأحْوالٍ نازِلَةٍ؛ مُخاطِبِينَ لَهُ بِاسْمِهِ؛ جَفاءً؛ وجَلافَةً؛ وقِلَّةَ أدَبٍ: ﴿يا مُوسى﴾؛ وأكَّدُوا قَوْلَهم تَأْكِيدَ مَن هو مُحِيطُ العِلْمِ؛ فَقالُوا - مُخاطِبِينَ بِجُرْأةٍ؛ وقِلَّةِ حَياءٍ؛ لِأعْلَمِ أهْلِ زَمانِهِ -: ﴿إنَّ فِيها﴾؛ أيْ: دُونَ غَيْرِها؛ ﴿قَوْمًا جَبّارِينَ﴾؛ أيْ: عُتاةً؛ قاهِرِينَ لِغَيْرِهِمْ؛ مُكْرِهِينَ لَهُ عَلى ما يُرِيدُونَ؛ ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ خَوْفًا مِنهُمْ؛ ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾؛ ثُمَّ صَرَّحُوا بِالإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ (p-٧٦)بِتَهالُكِهِمْ عَلى الدُّخُولِ؛ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم إلّا الجُبْنُ؛ فَقالُوا: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾؛ أيْ: بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ وعَبَّرُوا بِأداةِ الشَّكِّ؛ مَعَ إعْلامِ اللَّهِ لَهم بِإهْلاكِهِمْ عَلى أيْدِيهِمْ؛ جَلافَةً مِنهُمْ؛ وعَراقَةَ طَبْعٍ في التَّكْذِيبِ؛ ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾؛

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ لَسَقْطَةٌ ما مِثْلَها؛ فَما اتَّفَقَ لَهم بَعْدَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾؛ وأشارَ إلى كَوْنِهِما مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِقَوْلِهِ - ذَمًّا لِمَن تَقاعَسَ عَنِ الأمْرِ مِنهم -: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنهُمُ الخَوْفُ مِنَ الجَبّارِينَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخافا؛ وُثُوقًا مِنهُما بِوَعْدِ اللَّهِ؛ ولَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أهْلًا لِأنْ يَخافَهم مَن يَقْصِدُونَهم بِالحَرْبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَعَهم بِعَوْنِهِ؛ ونَصْرِهِ؛ قُرِئَ: ”يُخافُونَ“؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ عَلى العَمَلِ بِحَقِّ النِّقابَةِ - وهُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالابُ بْنُ يَوْفُنّا - كَما أنْعَمَ عَلَيْكم أيُّها العَرَبُ؛ وخُصُوصًا النُّقَباءَ؛ بِالثَّباتِ في كُلِّ مَوْطِنٍ؛ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾؛ أيْ: بابَ قَرْيَتِهِمُ؛ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ؛ وإيقانًا بِوَعْدِهِ.

ولَمّا كانا يَعْلَمانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وإنْ تَقاعَسُوا؛ وإنْ طالَ المَدى؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ ووَعْدُهُ حَقٌّ؛ عَبَّرا بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ خِلافَ ما مَضى لِجَماهِيرِهِمْ؛ فَقالا: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ ثُمَّ أكَّدا خَبَرَهُما؛ إيقانًا بِوَعْدِ اللَّهِ؛ فَقالا: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ المَلِكَ مَعَكم دُونَهُمْ؛ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي وعَدَكم بِإرْثِها وحْدَهُ؛ ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾؛ أيْ: لا عَلى عُدَّةٍ مِنكُمْ؛ ولا عِدَّةٍ؛ ولا حَوْلٍ؛ ولا قُوَّةٍ. (p-٧٧)ولَمّا كانَ الإخْلاصُ يَلْزَمُهُ التَّوَكُّلُ؛ وعَدَمُ الخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ؛ ألْهَمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الإيمانِ بِنَبِيِّكم ﷺ والتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ ما أتى بِهِ؛

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَحا لَهُمْ؛ وبَرّا؛ واجْتَهَدا في إصْلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ فَما خَدَعا؛ ولا غَرّا؛ فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: لَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا نَفارًا؛ واسْتِضْعافًا لِأنْفُسِهِمْ؛ لِإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ؛ واسْتِصْغارًا؛ لِأنَّهم ﴿قالُوا﴾؛ مُعْرِضِينَ عَمَّنْ خاطَباهُمْ؛ غَيْرَ عادِّينَ لَهُما؛ ﴿يا مُوسى﴾؛ وأكَّدُوا نَفْيَهم لِلْإقْدامِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا﴾؛ وعَظَّمُوا تَأْكِيدَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ وزادُوهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أبَدًا﴾؛ وقَيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما دامُوا﴾؛ أيْ: الجَبابِرَةُ؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: لَهُمُ اليَدُ عَلَيْها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجَهْلِ بِاللَّهِ؛ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ؛ الغَنِيِّ عَنْ جَمِيعِ العَبِيدِ؛ فَقالُوا - مُسَبِّبِينَ عَنْ نَفْيِهِمْ ذَلِكَ قَوْلَهم -: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ فَلَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ أحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ كَثافَةَ طِباعٍ؛ وغِلَظَ أكْبادٍ؛ بَلْ خَصُّوهُ بِالإحْسانِ؛ وهَذا القَوْلُ إنْ لَمْ يَكُنْ قائِلُوهُ يَعْتَقِدُونَ التَّجْسِيمَ فَهم مُشارِفُونَ لَهُ؛ وكَذَلِكَ أمْثالُهُ؛ وكانَ اليَهُودُ الآنَ عَرِيقِينَ في التَّجْسِيمِ؛ ثُمَّ سَبَّبُوا عَنِ الذَّهابِ قَوْلَهُمْ: ﴿فَقاتِلا﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهم - مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ مَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ؛ وعَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ؛ لا يُصَدِّقُ أنَّ أحَدًا يَتَخَلَّفُ عَنْ (p-٧٨)أمْرِ اللَّهِ؛ لا سِيَّما إنْ كانَ بِمُشافَهَةِ الرَّسُولِ -: ﴿إنّا ها هُنا﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿قاعِدُونَ﴾؛ أيْ: لا نَذْهَبُ مَعَكُما؛ فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَ مَن يُرِيدُ السَّعادَةَ بِمُجَرَّدِ ادِّعاءِ الإيمانِ؛ مِن غَيْرِ تَصْدِيقٍ لَهُ بِامْتِحانٍ؛ بِفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى الإيقانِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في المَغازِي والتَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بَدْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لا نَقُولُ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: اذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ؛ ولَكِنِ امْضِ؛ ونَحْنُ مَعَكَ؛ نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ؛ وعَنْ شِمالِكَ؛ وبَيْنَ يَدَيْكَ؛ وخَلْفَكَ؛ فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أشْرَقَ وجْهُهُ؛ وسَرَّهُ».

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ لَمّا أيِسَ مِنهُمْ؛ مُعْرِضًا عَنْهُمْ؛ شاكِيًا إلى اللَّهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ؛ ولَمّا كانَ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَقِيَهُ كُلُّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ فَكَيْفَ بِما دُونَ ذَلِكَ؛ فَكانَ لا يُصَدِّقُ أحَدٌ أنَّ أتْباعَهُ لا يُطِيعُونَهُ؛ جَرى عَلى طَبْعِ البَشَرِ؛ وإنْ كانَ يُخاطِبُ عَلّامَ الغُيُوبِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا -: ﴿إنِّي﴾؛ ولَمّا فُهِمَ مِن أمْرِ الرَّجُلَيْنِ لَهم بِالدُّخُولِ أنَّهُما قَيَّدا دُخُولَهُما بِدُخُولِ الجَماعَةِ؛ خَصَّ في قَوْلِهِ: ﴿لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾؛ أيْ: ونَحْنُ مُطِيعانِ لِما تَأْمُرُ بِهِ؛ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾؛ أيْ: أنا وأخِي؛ ﴿وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾؛ أيْ: الخارِجِينَ (p-٧٩)عَنِ الطّاعَةِ؛ قَوْلًا وفِعْلًا؛ ولا تَجْمَعْنا مَعَهم في بَيْنٍ واحِدٍ؛ في فِعْلٍ ولا جَزاءٍ؛

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском