Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:3–4

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:3–4

5:3Page 107

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣

Prohibited to you are dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,2 and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا أتَمَّ الكَلامَ عَلى احْتِرامِ أعْظَمِ المَكانِ؛ وأكْرَمِ الزَّمانِ؛ وما لابَسَهُما؛ فَهَذَّبَ النُّفُوسَ بِالنَّهْيِ عَنْ حُظُوظِها؛ وأمَرَ بَعْدَ تَخْلِيَتِها عَنْ كُلِّ شَرٍّ بِتَحْلِيَتِها بِكُلِّ خَيْرٍ؛ عَدَّدَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ - ما وعَدَ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ مِمّا حَرَّمَ مُطْلَقًا؛ إلّا في حالِ الضَّرُورَةِ؛ فَقالَ: ﴿حُرِّمَتْ﴾؛ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا مُحَرِّمَ إلّا اللَّهُ؛ وإشْعارًا بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لِشِدَّةِ قَذارَتِها كَأنَّها مُحَرَّمَةٌ بِنَفْسِها؛ ﴿عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾؛ وهي ما فَقَدَ الرُّوحَ بِغَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَإنَّ دَمَ كُلِّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ يُحْبَسُ في عُرُوقِهِ؛ ويَتَعَفَّنُ؛ ويَفْسَدُ؛ فَيَضُرُّ أكْلُهُ البَدَنَ؛ بِهَذا الضَّرَرِ الظّاهِرِ؛ والدِّينَ بِما يَعْلَمُهُ أهْلُ البَصائِرِ؛ ﴿والدَّمُ﴾؛ أيْ: المَسْفُوحُ؛ وهو المُتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ عِنْدَ الإطْلاقِ؛ ﴿ولَحْمُ الخِنْـزِيرِ﴾؛ خَصَّهُ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَيْتَةِ لِاتِّخاذِ النَّصارى أكْلَهُ كالدِّينِ؛ ﴿وما أُهِلَّ﴾؛ ولَمّا كانَ القَصْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى حِفْظِ مُحْكَمِ العُهُودِ؛ المُذَكِّرِ بِجَلالِهِ الباهِرِ؛ قَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ غَيْرِهِ؛ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ؛ عَلى وجْهِ التَّقَرُّبِ عِبادَةً لِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ و”الإهْلالُ“: رَفْعُ الصَّوْتِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَيْتاتِ ما لا تَعافُهُ النُّفُوسُ عِيافَتَها لِغَيْرِهِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ؛ (p-١٢)فَقالَ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أيْ: بِحَبْلٍ؛ ونَحْوِهِ؛ سَواءٌ خَنَقَها خانِقٌ أوْ لا؛ ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾؛ أيْ: المَضْرُوبَةُ بِمُثْقَلٍ؛ مِن ”وقَذَهُ“؛ إذا ضَرَبَهُ؛ ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أيْ: السّاقِطَةُ مِن عالٍ؛ المُضْطَرِبَةُ غالِبًا في سُقُوطِها؛ ﴿والنَّطِيحَةُ﴾؛ أيْ: الَّتِي نَطَحَها شَيْءٌ فَماتَتْ؛ ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أيْ: كالذِّئْبِ؛ والنَّسْرِ؛ ونَحْوِهِما.

ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ قَدْ تُدْرَكُ حَيَّةً فَتُذَكّى؛ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ بِأنْ أدْرَكْتُمُوهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ؛ بِأنِ اشْتَدَّ اضْطِرابُهُ؛ وانْفَجَرَ مِنهُ الدَّمُ؛ ولَمّا حَرَّمَ المَيْتاتِ؛ وعَدَّ في جُمْلَتِها ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عِبادَةً؛ ذَكَرَ ما ذُبِحَ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي كانُوا يَنْصِبُونَها لِلذَّبْحِ عِنْدَها تَدَيُّنًا؛ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ شَيْءٍ عَلَيْها؛ فَقالَ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾؛ وهو واحِدُ الأنْصابِ؛ وهي حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ تُنْصَبُ؛ فَيُهَلُّ عَلَيْها؛ ويُذْبَحُ عِنْدَها؛ تَقَرُّبًا إلَيْها؛ وتَعْظِيمًا لَها؛ ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا عَلى ما قُسِمَ لَكُمْ؛ ﴿بِالأزْلامِ﴾؛ أيْ: القِداحِ؛ الَّتِي لا رِيشَ لَها؛ ولا نَصْلَ؛ واحِدُها بِوَزْنِ ”قَلَمٌ“؛ و”عُمَرٌ“؛ وكانَتْ ثَلاثَةً؛ عَلى واحِدٍ: ”أمَرَنِي رَبِّي“؛ وعَلى آخَرَ: ”نَهانِي رَبِّي“؛ والآخَرُ غُفْلٌ؛ فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ فَعَلَ؛ أوِ النّاهِي تَرَكَ؛ أوِ الغُفْلُ أُجِيلَتْ ثانِيَةً؛ فَهو دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ؛ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ؛ بِادِّعاءِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وإنْ أرادَ المَنسُوبَ إلى الصَّنَمِ فَهو الكُفْرُ الصَّرِيحُ؛ وقالَ (p-١٣)صاحِبُ كِتابِ ”الزِّينَةُ“: يُقالُ: إنَّهُ كانَتْ عِنْدَهم سَبْعَةُ قِداحٍ مُسْتَوِيَةٍ؛ مِن شَوْحَطٍ - وكانَتْ بِيَدِ السّادِنِ - مَكْتُوبٍ عَلَيْها: ”نَعَمْ“؛ ”لا“؛ ”مِنكُمْ“؛ ”مِن غَيْرِكُمْ“؛ ”مُلْصَقٌ“؛ ”العَقْلُ“؛ ”فَضْلُ العَقْلِ“؛ فَكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في نَسَبِ الرَّجُلِ جاؤُوا إلى السّادِنِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ ثُمَّ قالُوا لِلصَّنَمِ: يا إلَهَنا؛ قَدْ تَمارَيْنا في نَسَبِ فُلانٍ؛ فَأخْرِجْ عَلَيْنا الحَقَّ فِيهِ؛ فَتُجالُ القِداحُ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”مِنكُمْ“؛ كانَ أوْسَطَهم نَسَبًا؛ وإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ ”مِن غَيْرِكُمْ“؛ كانَ حَلِيفًا؛ وإنْ خَرَجَ ”مُلْصَقٌ“؛ كانَ عَلى مَنزِلَتِهِ؛ لا نَسَبَ لَهُ؛ ولا حِلْفَ؛ وإذا أرادُوا سَفَرًا أوْ حاجَةً جاؤُوا بِمِائَةٍ؛ فَقالُوا: يا إلَهَنا؛ أرَدْنا كَذا؛ فَإنْ خَرَجَ ”نَعَمْ“؛ فَعَلُوا؛ وإنْ خَرَجَ ”لا“؛ لَمْ يَفْعَلُوا؛ وإنْ جَنى أحَدُهم جِنايَةً؛ فاخْتَلَفُوا فِيمَن يَحْمِلُ العَقْلَ؛ جاؤُوا بِمِائَةٍ؛ فَقالُوا: يا إلَهَنا؛ فُلانٌ جُنِيَ عَلَيْهِ؛ أخْرِجِ الحَقَّ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”العَقْلُ“؛ لَزِمَ مَن ضُرِبَ عَلَيْهِ؛ وبُرِّئَ الآخَرُونَ؛ وإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ كانَ عَلى الآخَرِينَ العَقْلُ؛ وكانُوا إذا عَقَلُوا العَقْلَ فَفَضَلَ الشَّيْءُ مِنهُ تَدارَوْا فِيمَن يَحْمِلُهُ؛ فَضَرَبُوا عَلَيْهِ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”فَضْلُ العَقْلِ“؛ لِلَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ؛ وإلّا كانَ عَلى الآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِمْ؛ فَهَذا الِاسْتِقْسامُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الأصْنامِ؛ ويَطْلُبُونَ (p-١٤)ذَلِكَ مِنها؛ ويَظُنُّونَ أنَّ الَّذِي أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ هو الصَّنَمُ؛ وأمّا إجالَةُ السِّهامِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ؛ فَهو جائِزٌ؛ وهو تَساهُمٌ واقْتِراعٌ؛ لا اسْتِقْسامٌ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الأزْلامِ ”زَلَمٌ“؛ بِفَتْحِ الزّاءِ؛ وقالَ بَعْضُهم بِالضَّمِّ؛ وهو القِدْحُ لا رِيشَ لَهُ؛ ولا نَصْلَ؛ فَإذا كانَ مُرَيَّشًا فَهو السَّهْمُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ - مَعَ هَذا - ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في المَيْسِرِ - عَلى ما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ فَإنَّهُ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ مِنَ الجَزُورِ؛ ويَلْتَحِقُ بِالأوَّلِ كُلُّ كَهانَةٍ؛ وتَنْجِيمٍ؛ وكُلُّ طِيرَةٍ يَتَطَيَّرُها النّاسُ الآنَ؛ مِنَ التَّشاؤُمِ بِبَعْضِ الأيّامِ؛ وبَعْضِ الأماكِنِ؛ والأحْوالِ؛ فَإيّاكَ أنْ تُعَرِّجَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطِّيَرَةِ؛ فَتَكُونَ عَلى شُعْبَةِ جاهِلِيَّةٍ؛ ثُمَّ إيّاكَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ شَدِيدَةَ الخُبْثِ؛ أشارَ إلى تَعْظِيمِ النَّهْيِ عَنْها؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُ لَكم تَحْرِيمَهُ؛ ﴿فِسْقٌ﴾؛ أيْ: فِعْلُهُ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنهِيّاتُ مُعْظَمَ دِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ نَهاهم قَبْلَها عَنْ إحْلالِ شَعائِرِ اللَّهِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وقاصِدِي المَسْجِدِ الحَرامِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ أباحَ لَهم ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ؛ والأوْقاتِ؛ بِقَوْلِهِ ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ (p-١٥)ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ عُلِمَ أنَّ الأمْرَ بِالكَفِّ عَنِ انْتِهازِ الفُرَصِ إنَّما هو لِلْأمْنِ مِنَ الفَوْتِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِن تَمامِ القُدْرَةِ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَمالِ الدِّينِ؛ وإظْهارِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ - كَما حَصَلَ بِهِ الوَعْدُ الصّادِقُ -؛ وكَذا الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ المَحارِمِ إنَّما يَكُونُ لِمَن رَسَخَ في الدِّينِ قَدَمُهُ؛ وتَمَكَّنَتْ فِيهِ عَزائِمُهُ وهِمَمُهُ؛ فَلا التِفاتَ لَهُ إلى غَيْرِهِ؛ ولا هَمُّهُ إلى سِواهُ؛ ولا مَطْمَعَ لِمُخالِفِهِ فِيهِ؛ فَعَقَّبَ - سُبْحانَهُ - النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ المَناهِي كُلِّها بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ؛ والتَّعْلِيلِ -: ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لابَسُوا الكُفْرَ؛ سَواءٌ كانُوا راسِخِينَ فِيهِ أوْ لا؛ ﴿مِن دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَبْقَ لَكُمْ؛ ولا لِأحَدٍ مِنكم عُذْرٌ في شَيْءٍ مِن إظْهارِ المُوافَقَةِ لَهُمْ؛ أوِ التَّسَتُّرِ مِن أحَدٍ مِنهُمْ؛ كَما فَعَلَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - حِينَ كاتَبَهم لِيَحْمِيَ بِذَلِكَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ كَثَّرَكم بَعْدَ القِلَّةِ؛ وأعَزَّكم بَعْدَ الذِّلَّةِ؛ وأحْيا بِكم مَنارَ الشَّرْعِ؛ وطَمْسَ مَعالِمَ شَرْعِ الجَهْلِ؛ وهَدَّ مَنارَ الضَّلالِ؛ فَأنا أُخْبِرُكم - وأنْتُمْ عالِمُونَ بِسَعَةِ عِلْمِي - أنَّ الكُفّارَ قَدِ اضْمَحَلَّتْ قُواهُمْ؛ وماتَتْ هِمَمُهُمْ؛ وذَلَّتْ نَخْوَتُهُمْ؛ وضَعُفَتْ عَزائِمُهُمْ؛ فانْقَطَعَ رَجاؤُهم عَنْ أنْ يَغْلِبُوكُمْ؛ أوْ يَسْتَمِيلُوكم إلى دِينِهِمْ؛ بِنَوْعِ اسْتِمالَةٍ؛ فَإنَّهم رَأوْا دِينَكم قَدْ قامَتْ مَنائِرُهُ؛ وعَلَتْ في المَجامِعِ مَنابِرُهُ؛ وضُرِبَ مِحْرابُهُ؛ وبَرَّكَ بِقَواعِدِهِ وأرْكانِهِ؛ ولِهَذا سَبَّبَ (p-١٦)عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿واخْشَوْنِ﴾؛ أيْ: وامْحَضُوا الخَشْيَةَ لِي وحْدِي؛ فَإنَّ دِينَكم قَدْ أُكْمِلَ بَدْرُهُ؛ وجَلَّ عَنِ المُحَلِّقِ مَحَلُّهُ وقَدْرُهُ؛ ورَضِيَ بِهِ الآمِرُ؛ ومَكَّنَهُ عَلى رَغْمِ أنْفِ الأعْداءِ؛ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى) - مَسُوقًا مَساقَ التَّعْلِيلِ -: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي أرْسَلَتُ إلَيْكم بِهِ أكْمَلَ خَلْقِي؛ لِتَدِينُوا بِهِ؛ وتُدانُوا؛ وإكْمالُهُ بِإنْزالِ كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ نَصًّا عَلى البَعْضِ؛ وبَيانًا لِطَرِيقِ القِياسِ في الباقِي؛ وذَلِكَ بَيانٌ لِجَمِيعِ الأحْكامِ؛ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهو وإنْ كانَ كامِلًا لَكِنَّهُ بِغَيْرِ هَذا المَعْنى؛ بَلْ إلى حِينٍ؛ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ - سُبْحانَهُ - ما يَشاءُ؛ فَيَكُونُ بِهِ كامِلًا أيْضًا؛ وأكْمَلَ مِمّا مَضى؛ وهَكَذا إلى هَذِهِ النِّهايَةِ؛ وكانَ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾؛ أيْ: الَّتِي قَسَمْتُها في القِدَمِ؛ مِن هَذا الدِّينِ؛ عَلى لِسانِ هَذا الرَّسُولِ؛ بِأنْ جَمَعْتُ عَلَيْهِ كَلِمَةَ العَرَبِ؛ الَّذِينَ قَضَيْتُ في القِدَمِ بِإظْهارِهِمْ عَلى مَن ناوَأهم مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ لِيَظْهَرَ بِهِمُ الدِّينُ؛ وتَنْكَسِرَ شَوْكَةُ المُفْسِدِينَ؛ مِن غَيْرِ حاجَةٍ في ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى المُخالِفِينَ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ؛ ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو الشَّهادَةُ لِلَّهِ بِما شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ الَّتِي لِمَن يَتْبَعُ الإذْعانَ لَها الإذْعانُ لِكُلِّ طاعَةٍ؛ ﴿دِينًا﴾؛ تَتَجازَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَكُمْ؛ ويُجازِيكم بِهِ رَبُّكُمْ؛ (p-١٧)رَوى البُخارِيُّ؛ في ”المُغازِي“؛ وغَيْرِهِ؛ ومُسْلِمٌ في آخِرِ الكِتابِ؛ والتِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ والنِّسائِيُّ في الحَجِّ؛ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ آيَةٌ في كِتابِكم تَقْرَؤُونَها؛ لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ قالَ: ”أيُّ آيَةٍ؟“؛ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”قَدْ عَرَفْنا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ نَزَلَتْ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ؛ يَوْمَ جُمُعَةٍ“؛» وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ: «قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينا لاتَّخَذْناها عِيدًا؛ فَقالَ عُمَرُ: ”إنِّي لِأعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ؛ وأيْنَ أُنْزِلَتْ؛ وأيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ“؛» وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ خَمْسَةَ أعْيادٍ: جُمُعَةً؛ وعَرَفَةَ؛ وعِيدَ اليَهُودِ؛ وعِيدَ النَّصارى؛ والمَجُوسِ؛ ولَمْ تَجْتَمِعْ أعْيادُ أهْلِ المِلَلِ في يَوْمٍ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ قُلْتُ: ويَوْمُ الجُمُعَةِ هو اليَوْمُ الَّذِي أتَمَّ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ؛ بِخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ عَصْرِهِ؛ وهو حِينُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ فَكانَتْ تِلْكَ السّاعَةُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ تَمامًا ابْتِداءً؛ ورَوى هارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟“؛ فَقالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا؛ فَإذا كَمُلَ (p-١٨)فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ؛ قالَ: ”صَدَقْتَ“؛» فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عاشَ بَعْدَها إحْدى وثَمانِينَ يَوْمًا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ هِجِّيرى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ مِنَ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]؛ الآيَةُ؛ وكَأنَّ ذَلِكَ كانَ جَوابًا مِنهُ ﷺ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِفَهْمِهِ ﷺ أنَّ إنْزالَ آيَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ سِرُّ الإسْلامِ؛ وأعْظَمُهُ وأكْمَلُهُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ صَدَّقَها فِيهِ الواقِعُ.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الجُمَلُ الِاعْتِراضِيَّةُ الَّتِي صارَ ما بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها بِإحْكامِ الرَّصْفِ واتَّقانِ الرَّبْطِ - مِنَ الامْتِزاجِ أشَدَّ مِمّا بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ؛ المُشِيرَةُ إلى أنَّ هَذِهِ المُحَرَّماتِ هي الَّتِي تُحَقِّقُ بِها أهْلُ الكُفْرِ كَمالَ المُخالَفَةِ؛ فَأيِسُوا مَعَها مِنَ المُواصَلَةِ؛ والمُؤالَفَةِ؛ رَجَعَ إلى تَتِمّاتٍ لِتِلْكَ المَحْظُوراتِ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ الرِّضا بِالإسْلامِ؛ الَّذِي هو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ؛ المُحَرِّمَةُ لِهَذِهِ الخَبائِثِ؛ لِإضْرارِها بِالبَدَنِ؛ والدِّينِ -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: أُلْجِئَ إلْجاءً عَظِيمًا - مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ - إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا مَضى أنَّهُ حُرِّمَ؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الكَفُّ عَنْهُ؛ ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾؛ أيْ: مَجاعَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ﴾؛ أيْ: مُتَعَمِّدٍ مَيْلًا؛ ﴿لإثْمٍ﴾؛ أيْ: بِالأكْلِ عَلى غَيْرِ سَدِّ الرَّمَقِ؛ أوْ بِالبَغْيِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ؛ بِنَوْعِ مَكْرٍ؛ أوِ العَدْوِ عَلَيْهِ (p-١٩)بِضَرْبِ قَهْرٍ؛ وزادَ بَعْدَ هَذا التَّقْيِيدِ تَخْوِيفًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَمْحُو عَنْهُ إثْمَ ارْتِكابِهِ لِلْمَنهِيِّ؛ ولا يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُهُ؛ ويُكْرِمُهُ؛ بِأنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ مِن فَضْلِهِ؛ ولا يَضْطَرَّهُ مَرَّةً أُخْرى.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإكْرامِ؛ وضُرُوبِ الإنْعامِ.

5:4Page 107

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤

They ask you, [O Muḥammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals1 which you train as Allāh has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allāh upon it, and fear Allāh." Indeed, Allāh is swift in account.

ولَمّا تَقَدَّمَ إحْلالُ الصَّيْدِ؛ وتَحْرِيمُ المَيْتَةِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ؛ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ؛ وكانَ الصَّيْدُ رُبَّما ماتَ في يَدِ الجارِحِ قَبْلَ إدْراكِ ذَكاتِهِ؛ سَألَ بَعْضُهم عَمّا يَحِلُّ مِنَ الكِلابِ؛ وبَعْضُهم عَمّا يَحِلُّ مِن مَيْتَةِ الصَّيْدِ؛ إحْلالًا مُطْلَقًا؛ لا بِقَيْدِ الرُّخْصَةِ؛ إذْ كانَ الحالُ يَقْتَضِي هَذا السُّؤالَ؛ رَوى الواحِدِيُّ؛ في أسْبابِ النُّزُولِ؛ بِسَنَدِهِ؛ عَنْ أبِي رافِعٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «”أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الكِلابِ؛ فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما أُحِلَّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يَسْألُونَكَ﴾».

ولَمّا كانَ هَذا إخْبارًا عَنْ غائِبٍ؛ قالَ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾؛ دُونَ“لَنا”؛ قالَ الواحِدِيُّ: أيْ: مِن إمْساكِ الكِلابِ؛ وأكْلِ الصَّيُودِ؛ وغَيْرِها؛ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ؛ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: رَواهُ الحاكِمُ؛ أبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ في صَحِيحِهِ؛ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ شَرْحَ هَذِهِ القِصَّةِ؛ قالَ: قالَ أبُو رافِعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ؛ فَأذِنَ لَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ؛ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ:“قَدْ أذِنّا (p-٢٠)لَكَ”؛ قالَ:“أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ولَكِنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ؛ ولا كَلْبٌ”؛ فَنَظَرَ فَإذا في بَعْضِ بُيُوتِهِمْ جَرْوٌ؛ قالَ أبُو رافِعٍ: فَأمَرَنِي ألّا أدَعَ بِالمَدِينَةِ كَلْبًا إلّا قَتَلْتُهُ؛ حَتّى بَلَغْتُ العَوالِيَ؛ فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَها كَلْبٌ يَحْرُسُها؛ فَرَحِمْتُها فَتَرَكْتُهُ؛ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَنِي بِقَتْلِهِ؛ فَرَجَعْتُ إلى الكَلْبِ فَقَتَلْتُهُ؛ فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأمْرِ الكِلابِ جاءَ أُناسٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ أذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في اقْتِناءِ الكِلابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها؛ ونَهى عَنْ إمْساكِ ما لا نَفْعَ فِيهِ؛ وأمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ الكَلِبِ؛ والعَقُورِ؛ وما يَضُرُّ ويُؤْذِي؛ ورَفَعَ القَتْلَ عَمّا سِواها؛ مِمّا لا ضُرَّ فِيهِ؛» وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «“نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ؛ وزَيْدِ بْنِ المُهَلْهَلِ؛ الطّائِيَّيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وهو زَيْدُ الخَيْلِ؛ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ الخَيْرِ؛ وذَلِكَ أنَّهُما جاءا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ؛ والبُزاةِ؛ وإنَّ كِلابَ آلِ دِرْعٍ؛ وآلِ أبِي حُورِيَّةَ تَأْخُذُ البَقَرَ؛ والحُمُرَ؛ والظِّباءَ؛ والضَّبَّ؛ فَمِنهُ ما نُدْرِكُ ذَكاتَهُ؛ ومِنهُ ما يُقْتَلُ فَلا نُدْرِكُ ذَكاتَهُ؛ وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ (p-٢١)المَيْتَةَ؛ فَماذا يَحِلُّ لَنا مِنها؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾» الآيَةُ؛ ”الطَّيِّباتُ“؛ يَعْنِي: الذَّبائِحُ؛ و”الجَوارِحِ“: الكَواسِبِ مِنَ الكِلابِ؛ وسِباعِ الطَّيْرِ”؛ انْتَهى.

فَإذا أُرِيدَ كَوْنُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ؛ قِيلَ: ﴿قُلْ﴾؛ لَهم في جَوابِ مَن سَألَ؛ ﴿أُحِلَّ﴾؛ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ طِبْقَ سُؤالِهِمْ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ ﴿لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾؛ أيْ: الكامِلَةُ الطِّيبِ؛ فَلا خُبْثَ فِيها بِنَوْعِ تَحْرِيمٍ؛ ولا تَقَذُّرٍ؛ مِن ذَوِي الطِّباعِ السَّلِيمَةِ؛ مِمّا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ؛ ولا صَحَّ فِيهِ قِياسٌ؛ وهَذا يَشْمَلُ كُلَّ ما ذُبِحَ وهو مَأْذُونٌ في ذَبْحِهِ؛ مِمّا كانُوا يُحَرِّمُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها؛ وكُلَّ ما أُذِنَ فِيهِ مِن غَيْرِ ذَبْحٍ؛ كَحَيَوانِ البَحْرِ؛ وما أُذِنَ فِيهِ مِن غَيْرِ المَطاعِمِ؛ ﴿وما﴾؛ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ فالمَعْنى: وصَيْدُ ما؛ ﴿عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾؛ أيْ: الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَجْرَحَ؛ أوْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْجَرْحِ؛ وهو الذَّبْحُ؛ أوْ مِن“الجَرْحُ”؛ بِمَعْنى“الكَسْبُ": ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ وهو كَواسِبُ الصَّيْدِ؛ مِنَ السِّباعِ؛ والطَّيْرِ؛ فَأحَلَّ إمْساكَها لِلْقُنْيَةِ؛ وصَيْدَها؛ وشَرَطَ فِيهِ التَّعْلِيمَ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: والكَلْبُ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلّا عِنْدَ أُمُورٍ: إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلى؛ وإذا زُجِرَ انْزَجَرَ؛ وحَبَسَ ولَمْ يَأْكُلْ؛ وإذا دُعِيَ أجابَ؛ وإذا أرادَهُ لَمْ يَفِرَّ مِنهُ؛ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ مَرّاتٍ؛ فَهو مُعَلَّمٌ؛ ولَمْ يَذْكُرْ حَدًّا؛ (p-٢٢)لِأنَّ الِاسْمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن نَصٍّ؛ ولا إجْماعٍ؛ وجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى العُرْفِ؛ وبَنى الحالَ مِنَ الكِلابِ - وإنْ كانَ المُرادُ العُمُومَ - لِأنَّ التَّأْدِيبَ فِيها أكْثَرُ؛ فَقالَ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم مُتَكَلِّفِينَ تَعْلِيمَ هَذِهِ الكَواسِبِ؛ ومُبالِغِينَ في ذَلِكَ؛ قالُوا: وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ أنْ يَكُونَ المُعَلَّمُ نِحْرِيرًا في عِلْمِهِ؛ مَوْصُوفًا بِهِ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِحالٍ أُخْرى؛ أوِ اسْتِئْنافٍ؛ فَقالَ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾؛ وُحُوشًا كُنَّ أوْ طُيُورًا؛ ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِن عِلْمِ التَّكْلِيبِ؛ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ عَلى كُلِّ طالِبٍ لِشَيْءٍ ألّا يَأْخُذَهُ إلّا مِن أجَلِّ العُلَماءِ بِهِ؛ وأشَدِّهِمْ دِرايَةً لَهُ؛ وأغْوَصَهم عَلى لَطائِفِهِ؛ وحَقائِقِهِ؛ وإنِ احْتاجَ إلى أنْ يَضْرِبَ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ؛ فَكَمْ مِن آخِذٍ مِن غَيْرِ مُتْقِنٍ قَدْ ضَيَّعَ أيّامَهُ؛ وعَضَّ عِنْدَ لِقاءِ النَّجّارِينَ إبْهامَهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ في الصَّيْدِ مِنَ العِظَمِ وغَيْرِهِ ما لا يُؤْكَلُ؛ قالَ: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ﴾؛ أيْ: الجَوارِحُ؛ مُسْتَقِرًّا إمْساكُها؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: عَلى تَعْلِيمِكُمْ؛ لا عَلى جِبِلَّتِها؛ وطَبِيعَتِها؛ دُونَ تَعْلِيمِكُمْ؛ وذَلِكَ هو الَّذِي لَمْ يَأْكُلْنَ مِنهُ؛ وإنْ ماتَ قَبْلَ إدْراكِ ذَكاتِهِ؛ وأمّا ما أمْسَكَ الجارِحُ عَلى أيٍّ؛ مُسْتَقِرًّا عَلى جِبِلَّتِهِ؛ وطَبْعِهِ؛ ناظِرًا فِيهِ إلى نَفاسَةِ نَفْسِهِ؛ فَلا يَحِلُّ؛ ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى ما أمْسَكْنَ عِنْدَ إرْسالِ الجارِحِ؛ أوْ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ إنْ أُدْرِكَتْ ذَكاتُهُ؛ لِتُخالِفُوا سُنَّةَ الجاهِلِيَّةِ؛ (p-٢٣)وتَأْخُذُوهُ مِن مالِكِهِ؛ وقَدْ صارَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ - كَما تَرى - إلى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] نِسْبَةَ المُسْتَثْنى إلى المُسْتَثْنى مِنهُ؛ وإلى مَفْهُومِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] نِسْبَةَ الشَّرْحِ.

ولَمّا كانَ تَعْلِيمُ الجَوارِحِ أمْرًا خارِجًا عَنِ العادَةِ في نَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ قَدْ كَثُرَ؛ حَتّى صارَ مَأْلُوفًا؛ وكانَ الصَّيْدُ بِها أمْرًا تُعَجِّبُ شِرْعَتُهُ وتَهُزُّ النُّفُوسَ كَيْفِيَّتُهُ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِما هو خارِجٌ عَنْ عادَةِ البَشَرِ وطُرُقِها مِن سُرْعَةِ الحِسابِ؛ ولُطْفِ العِلْمِ؛ بِمِقْدارِ الِاسْتِحْقاقِ مِنَ الثَّوابِ؛ والعِقابِ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا مِن إهْمالِ شَيْءٍ مِمّا رَسَمَهُ -: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ: حاسِبُوا أنْفُسَكُمْ؛ واتَّقُوا ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ؛ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فِيما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ؛ وما لَمْ تُدْرِكُوها؛ وما أمْسَكَهُ الجارِحُ عَلَيْكُمْ؛ وما أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الصَّيْدِ الَّتِي لا يَقِفُ عِنْدَها إلّا مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ مَهابَةُ اللَّهِ؛ واسْتَشْعَرَ خَوْفَهُ؛ فاتَّقاهُ فِيما أحَلَّ وما حَرَّمَ -؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِمَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وقادِرٌ عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ؛ فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ جَزاءٍ يُرِيدُهُ؛ لا يَشْغَلُهُ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском