Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:33–43
5:33Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
(p-١٢٩)ولَمّا كانَ هَذا الإسْرافُ؛ بَعْدَ هَذِهِ المَوانِعِ؛ مُحارَبَةً لِلنّاهِي عَنْهُ؛ وكانَ تارَةً يَكُونُ بِالقَتْلِ؛ وتارَةً بِغَيْرِهِ؛ وكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ عَذابَ القاتِلِ يَكُونُ بِأكْثَرَ مِنَ القَتْلِ؛ لِكَوْنِهِ كَمَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ وصَلَ بِهِ - سُبْحانَهُ – قَوْلَهُ - عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ -: ﴿إنَّما جَزاءُ﴾؛ وكانَ الأصْلُ: جَزاؤُهُمْ؛ ولَكِنْ أُرِيدَ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ والتَّعْمِيمِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: بِمُحارَبَةِ مَن نُهَيا عَنْ مُحارَبَتِهِ؛ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ وهم مُسْلِمُونَ؛ ولَهم مَنعَةٌ مِمَّنْ أرادَهُمْ؛ ويَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ في دِمائِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ سَواءٌ كانُوا في البَلَدِ؛ أوْ خارِجَها.
ولَمّا كانَ عِبادُ الرَّحْمَنِ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا؛ أعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ عُبّادُ الشَّيْطانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في الفَسادِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسادًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ ذَوِي فَسادٍ؛ أوْ لِلْفَسادِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِـ ”يَسْعَوْنَ“؛ عَلى المَعْنى؛ ولَمّا كانَتْ أفْعالُهم مُخْتَلِفَةً؛ قَسَّمَ عُقُوبَتَهم بِحَسَبِها؛ فَقالَ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾؛ أيْ: إنْ كانَتْ جَرِيمَتُهُمُ القَتْلَ فَقَطْ؛ لِأنَّ القَتْلَ جَزاؤُهُ القَتْلُ؛ وزادَ - لِكَوْنِهِ في قَطْعِ الطَّرِيقِ - صَيْرُورَتَهُ حَتْمًا؛ لا يَصِحُّ العَفْوُ عَنْهُ؛ ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾؛ أيْ: مَعَ القَتْلِ؛ إنْ ضَمُّوا إلى القَتْلِ أخْدَ المالِ؛ بِأنْ يُرْفَعَ المَصْلُوبُ عَلى جِذْعٍ؛ ومِنهم مَن قالَ: يَكُونُ ذَلِكَ وهو حَيٌّ؛ فَحِينَئِذٍ تُمَدُّ يَداهُ مَعَ الجِذْعِ؛ والأصَحُّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ؛ ويُصَلّى عَلَيْهِ؛ ثُمَّ يُرْفَعُ عَلى الجِذْعِ زَمَنًا؛ يَشِيعُ خَبَرُهُ فِيهِ؛ لِيَنْزَجِرَ غَيْرُهُ؛ ولا يُزادُ عَلى ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ﴾ (p-١٣٠)؛ أيْ: اليُمْنى؛ بِأخْذِهِمُ المالَ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ ﴿وأرْجُلُهُمْ﴾؛ أيْ: اليُسْرى؛ لِإخافَةِ السَّبِيلِ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: إنْ كانَتِ الجَرِيمَةُ أخْذَ المالِ فَقَطْ؛ ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالإخافَةِ؛ والإزْعاجِ؛ إنْ لَمْ يَقَعُوا في قَبْضَةِ الإمامِ؛ لِيَكُونُوا مُنْتَقِلِينَ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ؛ ذُعْرًا وخَوْفًا؛ وبِالحَبْسِ إنْ وقَعُوا في القَبْضَةِ؛ وكانُوا قَدْ كَثَّرُوا سَوادَ المُحارِبِينَ؛ وما قَتَلُوا ولا أخَذُوا مالًا؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: النَّكْلُ الشَّدِيدُ المُفَصَّلُ؛ إلى ما ذُكِرَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِمْ؛ ﴿خِزْيٌ﴾؛ أيْ: إهانَةٌ وذُلٌّ؛ بِإيقاعِهِ بِهِمْ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ أيْ: لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَوْطِنُ الفَصْلِ؛ بِإظْهارِ العَدْلِ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: هو بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ مَعارِفِكم أكْثَرَ مِن وصْفِهِ بِالعِظَمِ.
5:34Page 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِـ ”إنَّما“؛ يَدُلُّ بِخَتْمِ الجَزاءِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ اسْتَثْنى مِنَ المُعاقَبِينَ هَذِهِ العُقُوبَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُحارَبَةِ؛ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولِذا قالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾؛ وأثْبَتَ الجارَّ؛ إشارَةً إلى القَبُولِ؛ وإنْ طالَ زَمَنُ المَعْصِيَةِ؛ وقَصُرَ زَمَنُ التَّوْبَةِ؛ ﴿أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّ تَحَتُّمَ الجَزاءِ المَذْكُورِ يَسْقُطُ؛ فَلا يُجازَوْنَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّ إلّا إذا طَلَبَ صاحِبُ الحَقِّ؛ (p-١٣١)فَإنْ عَفا؛ كانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وأمّا حَقُّ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَإنَّهُ يَسْقُطُ؛ وإلى هَذا الإشارَةُ أيْضًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: صِفَتُهُ ذَلِكَ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ فَهو يَفْعَلُ مِنهُ ما يَشاءُ؛ لِمَن يَشاءُ؛ وأفْهَمَتِ الآيَةُ أنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ شَيْئًا مِنَ الحُدُودِ.
5:35Page 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) حُكْمَهم عِنْدَ التَّوْبَةِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِما يُناسِبُ مِنَ الغُفْرانِ؛ والرَّحْمَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ جَزاءَ مَن لَمْ يُرَسِّخْ قَدَمَهُ في الدِّينِ؛ عَلى جَنابِهِ المُتَعالِي؛ أتْبَعَ ذَلِكَ الأمْرَ بِالتَّقْوى؛ وجِهادِ كُلِّ مَن أفْسَدَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ أوِ الكُفْرِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَقالَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا قَبْلَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِالإيمانِ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما سَمِعْتُمْ مِن وعِيدِهِ لِلْمُفْسِدِينَ وِقايَةً؛ تَصْدِيقًا لِما أقْرَرْتُمْ بِهِ؛ لِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي هي جَدِيرَةٌ بِأنْ تُخْشى؛ وتُرَجّى؛ لِجَمْعِها الجَلالَ والإكْرامَ.
ولَمّا كانَتْ مَجامِعُ التَّكْلِيفِ مُنْحَصِرَةً في تَخَلٍّ مِن فَضائِحِ المَنهِيّاتِ؛ وتَحَلٍّ بِمَلابِسِ المَأْمُوراتِ؛ وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ مِن دَرْءِ المَفاسِدِ؛ أتْبَعَهُ الثّانِيَ؛ فَقالَ: ﴿وابْتَغُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا طَلَبًا شَدِيدًا؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الوَسِيلَةَ﴾؛ أيْ: التَّقْرِيبَ بِكُلِّ ما يُوصِلُ إلَيْهِ؛ مِن طاعَتِهِ؛ ولا تَيْأسُوا؛ وإنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُكُمْ؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ قَدَّمَ أوامِرَ؛ ونَواهِيَ؛ وكانَ الِاسْتِقْراءُ (p-١٣٢)قَدْ أبانَ النّاسَ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ بَيْنَ مُقْبِلٍ ومُعْرِضٍ؛ وكانَ قَدْ أمَرَ المُقْبِلَ بِجِهادِ المُعْرِضِ؛ وكانَ لِلْجِهادِ - بِما لَهُ مِن عَظِيمِ النَّفْعِ؛ وفِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ - مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ؛ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ؛ تَأْكِيدًا لِما مَضى مِنهُ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ لِلْعاصِي مُطْلَقًا؛ سَواءٌ كانَ بِالكُفْرِ؛ أوْ بِغَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى نَيْلُهُ لِكُلِّ ما يَطْلُبُهُ؛ وهَذا شامِلٌ لِكُلِّ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ؛ ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ؛ في أعْلى دَرَجاتِهِ؛ وأدْناها.
5:36Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
ولَمّا كانَ تَرْكُ هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ: التَّقْوى؛ وطَلَبِ الوَسِيلَةِ؛ والجِهادِ؛ مُزِيلًا لِلْوَصْفِ الأوَّلِ؛ وهو الإيمانُ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ - تَحْذِيرًا مِن تَرْكِها - ذِكْرُ حالِ الكُفّارِ؛ وأنَّهُ لا تَنْفَعُهم وسِيلَةٌ في تِلْكَ الدّارِ؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ ورَتَّبَ الجَزاءَ عَلى الماضِي؛ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ؛ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾؛ وأكَّدَ ما أفْهَمَهُ الكَلامُ مِنَ اسْتِغْراقِ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ أيْ: مِمّا كانَ يُطْلَبُ مِنهم شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مِنهُ؛ وهو الإذْعانُ بِتَصْدِيقِ الجَنانِ؛ وإنْفاقُ الفَضْلِ مِنَ المالِ؛ وزادَ الأمْرَ هَوْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومِثْلَهُ﴾؛ ولَمّا كانَ لِدَفْعِ الفِداءِ جُمْلَةً ما لَيْسَ لَهُ مُفَرَّقًا؛ قالَ ﴿مَعَهُ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَحْقِيرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ يَوْمِ التَّغابُنِ؛ وإنْ كانَ (p-١٣٣)عِنْدَ الكُفّارِ؛ الَّذِينَ جَعَلُوا غايَةَ أمْرِهِمُ الحَياةَ الدُّنْيا؛ أعْظَمَ ما يَكُونُ؛ والإفْهامُ بِأنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ الجِنْسُ لِيَشْمَلَ ما عَساهُ أنْ يُفْرَضَ مِنَ الأمْثالِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ؛ عَلى كَثْرَتِهِما وعَظَمَتِهِما؛ مُفْرَدًا؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ؛ الدّالِّ عَلى تَجْدِيدِ الرَّغْبَةِ في المَسْألَةِ؛ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ؛ ولِأنَّ السِّياقَ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ؛ والمُحارَبَةِ لِلَّهِ؛ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ والسَّعْيِ في الأرْضِ بِالفَسادِ؛ ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِنَفْيِ القَبُولِ عَلى الهَيْئَةِ الآتِيَةِ -: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُوا الِافْتِداءَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ أيْ: بِما ذُكِرَ؛ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَهْوِيلَ الأمْرِ بِرَدِّهِ؛ وكانَ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَعْيِينِ الرّادِّ؛ قالَ: ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ وعَلى يَدِ مَن كانَ؛ لِأنَّ المَدْفُوعَ إلَيْهِ ذَلِكَ تامُّ القُدْرَةِ؛ ولَهُ الغِنى المُطْلَقُ.
ولَمّا كانَ مِنَ النُّفُوسِ ما هو سافِلٌ؛ لا يُنَكِّبُهُ الرَّدُّ؛ وكانَ الرَّدُّ لِأجْلِ إمْضاءِ المُعَدِّ مِنَ العَذابِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ -: ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الإيجاعِ؛ بِما أوْجَعُوا أوْلِياءَ اللَّهِ؛ بِسَتْرِهِمْ لِما أظْهَرُوا مِن شُمُوسِ البَيانِ؛ وانْتَهَكُوا مِن حُرُماتِ المَلِكِ الدَّيّانِ؛
5:37Page 114
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
ثُمَّ عَلَّلَ (p-١٣٤)شِدَّةَ إيلامِهِ بِدَوامِهِ؛ فَقالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أيْ: يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ في وقْتٍ ما؛ إذا رَفَعَهُمُ اللَّهَبُ إلى أنْ يَكادَ أنْ يُلْقِيَهم خارِجًا؛ ﴿مِنَ النّارِ﴾؛ ثُمَّ نَفى خُرُوجَهُمْ؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ؛ فَقالَ: ﴿وما هُمْ﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِالجارِّ واسْمِ الفاعِلِ؛ فَقالَ: ﴿بِخارِجِينَ مِنها﴾؛ أيْ: ما يَثْبُتُ لَهم خُرُوجٌ أصْلًا؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ في النَّفْيِ بِالِاسْمِيَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَتَجَدَّدُ لَهُمُ الخُرُوجُ مِنَ الحَرُورِ إلى الزَّمْهَرِيرِ؛ فَإنْ سَمّى أحَدٌ ذَلِكَ خُرُوجًا فَهو غَيْرُ مُرادِهِمْ.
ولَمّا كانَ المُعَذَّبُونَ في دارٍ رُبَّما دامَ لَهُمُ المُكْثُ فِيها وانْقَطَعَ عَنْهُمُ العَذابُ؛ قالَ: ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ دُونَ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿عَذابٌ﴾؛ أيْ: تارَةً بِالحَرِّ؛ وتارَةً بِالبَرْدِ؛ وتارَةً بِغَيْرِهِما؛ دائِمُ الإقامَةِ؛ لا يَبْرَحُ؛ ولا يَتَغَيَّرُ؛ ﴿مُقِيمٌ﴾
5:38Page 114
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨
[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
ولَمّا كانَتِ السَّرِقَةُ مِن جُمْلَةِ المُحارَبَةِ؛ والسَّعْيِ بِالفَسادِ؛ وكانَ فاعِلُها غَيْرَ مُتَّقٍ؛ ولا مُتَوَسِّلٍ؛ عَقَّبَ بِها؛ فَقالَ: ﴿والسّارِقُ﴾؛ الآخِذُ لِما هو في حِرْزٍ؛ خُفْيَةً؛ لِكَوْنِهِ لا يَسْتَحِقُّهُ؛ ﴿والسّارِقَةُ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وهُما مُفْسِدانِ“؛ أوْ: ”حُكْمُهُما فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا﴾؛ و”ال“ - قالَ المُبَرِّدُ - لِلتَّعْرِيفِ؛ بِمَعْنى: ”الَّذِي“؛ والفاءُ لِلسَّبَبِ؛ كَقَوْلِكَ: (p-١٣٥)”الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ كَذا كَذا دِرْهَمٍ“؛ ﴿أيْدِيَهُما﴾؛ أيْ: الأيامِنَ؛ مِنَ الكُوعِ؛ إذا كانَ المَأْخُوذُ رُبْعَ دِينارٍ فَصاعِدًا؛ مِن حِرْزِ مِثْلِهِ؛ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ لَهُ فِيهِ - كَما بَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ؛ ويَرُدُّ مَعَ القَطْعِ ما سَرَقَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾؛ أيْ: فَعَلا مِن ذَلِكَ؛ وإدالَتُهُ عَلى أدْنى وُجُوهِ السَّرِقَةِ؛ وِقايَةً لِلْمالِ؛ وهَوانًا لَها؛ لِلْخِيانَةِ؛ ودِيَتُها إذا قُطِعَتْ في غَيْرِ حَقِّها خَمْسُمِائَةِ دِينارٍ؛ وِقايَةً لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ أنَّ تُرَخِّصَها الخِيانَةُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَكالا﴾؛ أيْ: مَنعًا لَهُما؛ كَما يَمْنَعُ القَيْدُ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ فَهو المَرْهُوبُ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ؛ وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أيْ: في انْتِقامِهِ؛ فَلا يُغالِبُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الحُكْمِ والحِكْمَةِ في شَرائِعِهِ؛ فَلا يُسْتَطاعُ الِامْتِناعُ مِن سَطْوَتِهِ؛ ولا نَقْضُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّهُ يَضَعُهُ في أتْقَنِ مَواضِعِهِ.
5:39Page 114
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا خَتَمَ بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُما قَوْلَهُ: ﴿فَمَن تابَ﴾؛ أيْ: نَدِمَ وأقْلَعَ؛ ودَلَّ عَلى كَرَمِهِ بِالقَبُولِ في أيِّ وقْتٍ وقَعَتِ التَّوْبَةُ فِيهِ؛ ولَوْ طالَ زَمَنُ المَعْصِيَةِ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”سَرَقْتُهُ“؛ إلى ﴿ظُلْمِهِ﴾؛ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ في كُلِّ ظُلْمٍ؛ فَشَمِلَ ذَلِكَ فِعْلَ طُعْمَةَ؛ وما ذُكِرَ بَعْدَهُ؛ مِمّا تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“؛ وغَيْرِ ذَلِكَ (p-١٣٦)مِن كُلِّ ما يُسَمّى ظُلْمًا؛ ﴿وأصْلَحَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَ الإصْلاحَ؛ وأوْقَعَهُ بِرَدِّ الظُّلامَةِ؛ والثَّباتِ عَلى الإقْلاعِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ؛ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ؛ ويَرْجِعُ بِهِ إلى أتَمِّ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظُّلْمِ؛ مِن سُقُوطِ عَذابِ الآخِرَةِ؛ دُونَ عِقابِ الدُّنْيا؛ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ؛ ورِفْقًا بِهِ؛ وبِمَن ظَلَمَهُ؛ وعَدْلًا بَيْنَهُما؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ مِن ذَلِكَ؛ ولا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ لَحْظَةً ما؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ لا مانِعَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ ولا مِن شَيْءٍ مِنهُ؛ ولا مِن شَيْءٍ يُرِيدُ فِعْلَهُ؛ بَلْ هو فَعّالٌ لِما يُرِيدُ؛ والآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى آيَةِ المُحارِبِينَ؛ وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما بِما تَقَدَّمَ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ الطّالِبَةِ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِهِ.
5:40Page 114
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.
ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولا مانِعَ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تامَّةٌ؛ لَيْسَ هو كَمَن يُشاهَدُ مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ رُبَّما يُعْجَزُونَ مِنَ اعْتِراضِ أتْباعِهِمْ ورَعاياهم عَنْ تَقْرِيبِ بَعْضِ ما لَمْ يُباشِرْ إساءَةً؛ وإبْعادِ بَعْضِ مَن لَمْ يُباشِرْ إحْسانًا؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ! قالَ (تَعالى) - مُقَرِّرًا لِذَلِكَ بِتَفَرُّدِهِ في المُلْكِ -: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ؛ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى عُلُوِّها؛ وارْتِفاعِ سُمْكِها؛ وانْقِطاعِ أسْبابِ ما دُونَها مِنها؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ أنَّ المُلْكَ خالِصٌ لَهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.
(p-١٣٧)ولَمّا كانَ إيقاعُ النِّقْمَةِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ وكانَ السِّياقُ لَها لِما تَقَدَّمَ مِن خِيانَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وكُفْرِهِمْ؛ وقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ والسَّرِقَةِ؛ والمُحارَبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِفِعْلِ ما يَشاءُ بِتَمامِ المُلْكِ؛ لا بِغَيْرِهِ مِن رِعايَةٍ لِمَصالِحَ؛ أوْ غَيْرِها -: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ الَّذِينَ ادَّعَوُا البُنُوَّةَ والمَحَبَّةَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانَ مُطِيعًا؛ أيْ: لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ ﴿ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ عَمَلُهُ مُوبِقًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ظُلْمٌ؛ ولا يَسُوغُ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيِّ شَيْءٍ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أيْ: لَيْسَ هو كَغَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ قَدْ يَعْجِزُ أحَدُهم عَنْ تَقْرِيبِ ابْنِهِ؛ وتَبْعِيدِ أعْدى عَدُوِّهِ؛ وهَذِهِ القَضِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ خَتَمَ بِها ما دَعَتِ المُناسَبَةُ إلى ذِكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ؛ وكَرَّ بِها عَلى أتَمِّ انْتِظامٍ إلى أوائِلِ نُقُوضُ دَعْواهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]؛ الآية.
5:41Page 114
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ كانَ مِن غَيْرِ شَكٍّ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ؛ ولا مِن أمْرِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَصى شَيْئًا مِن هَذِهِ الأحْكامِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]؛ إلى أنْ قالَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]؛ فَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: المُبَلِّغُ لِما أُرْسِلَ بِهِ - مَعْلُولٌ لِما قَبْلَهُ - وأدَلُّ دَلِيلٍ (p-١٣٨)عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾؛ أيْ: لا يُوقِعْ عِنْدَكَ شَيْئًا مِنَ الحُزْنِ صُنْعُ ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ؛ في إسْراعِهِمْ في الوُقُوعِ فِيهِ غايَةَ الإسْراعِ؛ فِعْلَ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ؛ وفي تَبْيِينِهِمْ بِالمُنافِقِينَ وأهْلِ الكِتابِ بِشارَةٌ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى العَرَبِ بِدَوامِ إسْلامِهِمْ؛ ونَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وقَدَّمَ أسْوَأ القِسْمَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا﴾؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ هو النَّفْسِيَّ؛ أخْرَجَهُ بِتَقْيِيدِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾؛ مُعَبِّرًا لِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ بِما مِنهُ ما هو أبْعَدُ عَنِ القَلْبِ مِنَ اللِّسانِ؛ فَهم إلى الحَيَوانِ أقْرَبُ مِنهم إلى الإنْسانِ؛ وزادَ ذَلِكَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾
ولَمّا بَيَّنَ المُسارِعِينَ بِالمُنافِقِينَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِمْ قِسْمًا آخَرَ؛ هم أشَدُّ النّاسِ مُؤاخاةً لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عَرَفَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وكَفَرَتْ ألْسِنَتُهُمْ؛ تَبَعًا لِمُخالَفَةِ قُلُوبِهِمْ لِما تَعْرِفُ؛ عِنادًا وطُغْيانًا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ﴾؛ أيْ: مُتَقَبِّلُونَ غايَةَ التَّقَبُّلِ؛ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ ﴿لِلْكَذِبِ﴾؛ أيْ: مِن قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ؛ يَأْتُونَكَ فَيَنْقُلُونَ عَنْكَ الكَذِبَ؛ ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أيْ: الصِّدْقِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أيْ: لِعِلَّةٍ؛ وذَكَرَ الضَّمِيرَ لِإرادَةِ الكَلامِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ البُغْضُ عَلى (p-١٣٩)نِفاقِهِمْ؛ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَسْمَعُونَهُ عَنْكَ عَلى وجْهِهِ؛ فَيُبالِغُونَ في تَغْيِيرِهِ وإمالَتِهِ؛ بَعْدَ أنْ يَقِيسُوا المَعْنَيَيْنِ؛ المُغَيَّرَ؛ والمُغَيَّرَ إلَيْهِ؛ واللَّفْظَيْنِ؛ فَلا يَبْعُدُوا بِهِ؛ بَلْ يَأْخُذُونَ بِالكَلِمِ عَنْ حَدِّهِ وطَرَفِهِ إلى حَدٍّ آخَرَ قَرِيبٍ مِنهُ جِدًّا؛ ولِذَلِكَ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ أيْ: يُثْبِتُونَ الإمالَةَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ مِن ﴿مَواضِعِهِ﴾؛ أيْ: النّازِلَةِ عَنْ رُتْبَتِهِ؛ بِأنْ يَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ؛ أوْ يُثْبِتُوا ألْفاظًا غَيْرَ ألْفاظِهِ؛ قَرِيبَةً مِنها؛ فَلا يَبْعُدُ مِنها المَعْنى جِدًّا؛ وهَذا أدَقُّ مَكْرًا مِمّا في ”النِّساءِ“؛ وهو مِن ”الحَرْفُ“؛ وهو الحَدُّ؛ والطَّرَفُ؛ و”انْحَرَفَ عَنِ الشَّيْءِ“: مالَ عَنْهُ؛ قالَ الصَّغانِيُّ: وتَحْرِيفُ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ: تَغْيِيرُهُ؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: والتَّحْرِيفُ: التَّفْعِيلُ؛ مِن ”انْحَرَفَ عَنِ الشَّيْءِ“؛ إذا مالَ؛ فَمَعْنى حَرَّفْتُ الكَلامَ: أزَلْتُهُ عَنْ حَقِيقَةِ ما كانَ عَلَيْهِ في المَعْنى؛ وأبْقَيْتُ لَهُ شِبْهَ اللَّفْظِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تُغَيِّرُ مَعانِيَ التَّوْراةِ بِالأشْباهِ؛ وفي الحَدِيثِ: «”يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ طاعُونٌ يُحَرِّفُ القُلُوبَ“؛» أيْ: يُغَيِّرُها عَنِ التَّوَكُّلِ؛ ويَدْعُوهم إلى الِانْتِقالِ عَنْ تِلْكَ البِلادِ؛ وحُكِيَ: ”حَرَفْتُهُ عَنْ جِهَتِهِ“ - أيْ: بِالتَّخْفِيفِ -؛ مِثْلُ: حَرَّفْتُهُ؛ والمُحارَفَةُ: المُقايَسَةُ؛ مِن ”المِحْرافُ“؛ وهو (p-١٤٠)المِيلُ؛ الَّذِي يُقاسُ بِهِ الجِراحُ؛ انْتَهى.
فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ”حَذَفَ مِنها أوَّلًا الإتْيانَ؛ وأثْبَتَ عَدَمَهُ ثانِيًا؛ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ وحَذَفَ مِنها ثانِيًا الصِّدْقَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِإثْباتِ ضِدِّهِ - الكَذِبِ - في الأُولى“.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما غَرَضُهم بِإثْباتِ الكَذِبِ؛ وتَحْرِيفِ الصِّدْقِ؟ قالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: لِمَن يُوافِقُهُمْ؛ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: المَكْذُوبِ؛ والمُحَرَّفِ؛ ﴿فَخُذُوهُ﴾؛ أيْ: اعْمَلُوا بِهِ؛ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾؛ أيْ: بِأنْ أُوتِيتُمْ غَيْرَهُ؛ أوْ سَكَتَ عَنْكُمْ؛ ﴿فاحْذَرُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُؤْتَوْا غَيْرَهُ فَتَقْبَلُوهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ فِتْنَتَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿فِتْنَتَهُ﴾؛ أيْ: أنَّ يَحِلُّ بِهِ ما يُمِيلُهُ عَنْ وجْهِ سَعادَتِهِ بِالكُفْرِ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الإسْعادِ؛ وإذا لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ أنْتَ؛ وأنْتَ أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ؛ فَمَن يَمْلِكُهُ؟!
ولَمّا كانَ هَذا أنْتَجَ لا مَحالَةَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الهُدى؛ ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لا رادَّ لِما يُرِيدُهُ؛ ولا فاعِلَ لِما يَرُدُّهُ؛ فَهَذِهِ أشَدُّ الآياتِ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ ﴿أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالإيمانِ؛ والجُمْلَةُ كالعِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ ولَمّا ثَبَتَ (p-١٤١)أنَّ قُلُوبَهم نَجِسَةٌ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾؛ أيْ: بِالذُّلِّ والهَوانِ؛ أمّا المُنافِقُونَ فَبِإظْهارِ الأسْرارِ؛ والفَضائِحِ الكِبارِ؛ وخَوْفِهِمْ مِنَ الدَّمارِ؛ وأمّا اليَهُودُ فَبِبَيانِ أنَّهم حَرَّفُوا؛ وبَدَّلُوا؛ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَّغارِ؛ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ﴾؛ الَّتِي مَن خَسِرَها فَلا رِبْحَ لَهُ بِوَجْهٍ ما؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: لِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ مِن هَذِهِ المَعاصِي المُتَضاعِفَةِ.
5:42Page 115
سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢
[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.
ولَمّا ذَكَرَ التَّحْرِيفَ؛ ذَكَرَ أثَرَهُ؛ وهو الحُكْمُ بِهِ؛ فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِمْ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ؛ وتَقْبِيحِ شَأْنِهِمْ: ﴿سَمّاعُونَ﴾؛ أيْ: هم في غايَةِ الشَّهْوَةِ؛ والِانْهِماكِ في سَماعِهِمْ ذَلِكَ؛ ﴿لِلْكَذِبِ أكّالُونَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ ﴿لِلسُّحْتِ﴾؛ أيْ: الحَرامِ؛ الَّذِي يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يَسْتَأْصِلُها؛ وهو كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ؛ وذَلِكَ أخَذُهُمُ الرُّشا لِيَحْكُمُوا بِالباطِلِ؛ عَلى نَحْوِ ما حَرَّفُوهُ؛ وغَيْرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ قالَ الشَّيْخُ أبُو العَبّاسِ المُرْسِي: ومَن آثَرَ مِنَ الفُقَراءِ السَّماعَ لِهَواهُ؛ وأكَلَ ما حَرَّمَهُ مَوْلاهُ؛ فَقَدِ اسْتَهْوَتْهُ نَزْعَةٌ يَهُودِيَّةٌ؛ فَإنَّ القَوّالَ يَذْكُرُ العِشْقَ؛ والمَحَبَّةَ؛ والوَجْدَ؛ وما عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ.
ولَمّا كانُوا قَدْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى إبْرامِ الحُكْمِ بِما أرادُوهُ؛ فَيَطْمَعُونَ في أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِواسِطَةِ تَرافُعِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَرافَعُونَ إلَيْهِ؛ فَإنْ حَكَمَ بَيْنَهم بِما أرادُوا قَبِلُوهُ؛ واحْتَجُّوا بِهِ عَلى (p-١٤٢)مَن لَعَلَّهُ يُخالِفُهُمْ؛ وإنْ حَكَمَ بِما لَمْ يُرِيدُوهُ قالُوا: لَيْسَ هَذا في دِينِنا - طَمَعًا في أنْ يُخَلِّيَهُمْ؛ فَلا يُلْزِمَهم بِما حَكَمَ -؛ أعْلَمَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِما يَفْعَلُ في أمْرِهِمْ؛ وحَذَّرَهُ غَوائِلَ مَكْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُفَوِّضًا الخَيَرَةَ إلَيْهِ في أمْرِ المُعاهِدِينَ إلى مُدَّةٍ - وأمّا أهْلُ الجِزْيَةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهم إذا تَرافَعُوا إلى حاكِمِنا -؛ مُسَبِّبًا عَنْ أكْلِهِمُ الحَرامَ؛ وسَماعِهِمُ الكَذِبَ -: ﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾؛ أيْ: طَمَعًا في أنْ تُؤْتِيَهم ما حَرَّفُوا إلَيْهِ الكَلِمَ؛ ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: إنْ شِئْتَ؛ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الحَقِّ؛ ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ﴾ دالًّا - بِعَطْفِهِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ - أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنْ حَكَمْتَ بَيْنَهم لَمْ يَنْفَعُوكَ شَيْئًا؛ لِإقْبالِكَ عَلَيْهِمْ“؛ قالَ: وإنْ ﴿تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ كُلِّهِمْ؛ مِنَ المُصارِحِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لِإعْراضِكَ عَنْهُمْ؛ واسْتِهانَتِكَ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّخْيِيرُ غَيْرَ مُرادِ الظّاهِرِ في جَوازِ الحُكْمِ بَيْنَهم عِنْدَ التَّرافُعِ إلَيْنا؛ وعَدَمِهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِمْ؛ أعْرَضَ عَنْهم أوَّلًا؛ فَحَقِيقَتُهُ بَيانُ العاقِبَةِ عَلى تَقْدِيرِي الفِعْلِ؛ والتَّرْكِ؛ عَلَّمَهُ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ -: ﴿وإنْ حَكَمْتَ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ﴿فاحْكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعِ الحُكْمَ؛ ﴿بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: العَدْلِ؛ الَّذِي أراكَهُ اللَّهَ - عَلى أنَّ (p-١٤٣)الآيَةَ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ؛ والحُكْمُ في تَرافُعِ الكُفّارِ إلَيْنا أنَّهُ إنْ كانَ مِنهم أوْ مِن أحَدِهِمُ التِزامٌ لِأحْكامِنا؛ أمْ مِنّا؛ التِزامٌ لِلذَّبِّ عَنْهم وجَبَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ وإلّا لَمْ يَجِبْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾؛ أيْ: الفاعِلِينَ لِلْعَدْلِ السَّوِيِّ؛ مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا.
5:43Page 115
وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣
But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وهم يُكَذِّبُونَكَ ويَدَّعُونَ أنَّكَ مُبْطِلٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُعَجِّبًا مِنهُمْ؛ مُوَبِّخًا لَهم -: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾؛ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿وعِنْدَهُمُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عِنْدَهُمْ؛ ﴿التَّوْراةُ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةٌ؛ وهو الَّذِي كانَ مُقَرِّرًا في شَرْعِهِمْ أنَّهُ لا يُسَوِّغُ خِلافَهُ؛ فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ إلى الآنَ لَمْ يَجُزْ لَهُمُ العُدُولُ إلَيْكَ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ وإنْ كانُوا لا يَعْتَقِدُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ أنْ حُكْمَكَ هو الحَقُّ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ حُكْمِهِ - سُبْحانَهُ - عَظِيمًا؛ وكانَ وُقُوعُهُ مِمَّنْ يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ بَعِيدًا؛ عَظِيمًا؛ شَدِيدًا؛ قالَ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾؛ أيْ: يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَنْهُ؛ سَواءٌ تَأيَّدَ بِحُكْمِكَ بِهِ؛ أوْ لا؛ لِأجْلِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ بِالحُكْمِ الجِنْسَ؛ وكانُوا يَفْعَلُونَ بَعْضَ أحْكامِها؛ (p-١٤٤)فَلَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانُ تَوَلِّيهِمْ زَمانَ البُعْدِ؛ أدَخَلَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العالِي؛ وهو الحُكْمُ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ تَحْكِيمُهم لَكَ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِكَ إلّا تَلاعُبًا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أُولَئِكَ بِالمُرِيدِينَ لِلْحَقِّ في تَرافُعِهِمْ إلَيْكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في صِفَةِ الإيمانِ بِكِتابِهِمْ؛ ولا بِغَيْرِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ الإيمانَ بِهِ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا عَرِيقِينَ في ذَلِكَ آمَنُوا بِكَ؛ لَأنَّ كِتابَهم دَعا إلَيْكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences