Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:47–51

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:47–51

5:47Page 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”آتَيْناهُ ذَلِكَ؛ لِيَنْتَهِيَ أهْلُ التَّوْراةِ عَمّا نَسَخَهُ مِنها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَحْكُمَ﴾؛ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ بِكَسْرِ اللّامِ؛ والنَّصْبِ؛ والتَّقْدِيرُ - عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ بِالإسْكانِ؛ والجَمْعِ؛ والجَزْمِ -: ”فَلْيَنْتَهِ أهْلُ التَّوْراةِ عَمّا نُسِخَ مِنها؛ ولْيَحْكم ﴿أهْلُ الإنْجِيلِ﴾؛ وهم أتْباعُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الواحِدُ الأحَدُ؛ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿فِيهِ﴾؛ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أوْدَعْناهُ إيّاهُ مِنَ الأحْكامِ؛ والمَواعِظِ الجِسامِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ:“فَمَنِ انْتَهى فَأُولَئِكَ هُمُ المُسْلِمُونَ؛ ومَن حَكَمَ بِما (p-١٧٤)أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ”؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ شَيْءٌ؛ وكُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ مُفْتَقِرٌ؛ ولا افْتِقارَ لَهُ إلى شَيْءٍ فِيهِ؛ أوْ في غَيْرِهِ؛ وهو غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ تَدَيُّنًا بِتَرْكِهِ؛ أوْ لِشَهْوَةٍ دَعَتْ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّونَ بِكَمالِ الفِسْقِ؛ فَإنْ كانَ تَدَيُّنًا كانَ كُفْرًا؛ وإنْ كانَ لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ كانَ مُجَرَّدَ مَعْصِيَةٍ؛ لِأنَّ الحُظُوظَ والشَّهَواتِ تَحْمِلُ عَلى الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الشَّرْعِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ فَمَن تَرَكَ الحُكْمَ تَكْذِيبًا فَقَدْ جَمَعَ الدَّرَكاتِ الثَّلاثِ: سَتْرَ الدَّلائِلِ؛ فَتُنْقَلُ مِن دَرَجَةِ النُّورِ إلى دَرْكَةِ الظَّلامِ؛ فانْكَبَّ في مَهْواةِ الخُرُوجِ مِنَ المَحاسِنِ؛ فانْحَطَّ إلى أقْبَحِ المَساوِي؛ والتَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ المُؤْذِنِ بِالعَراقَةِ في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ؛ مُعْلِمٌ بِأنَّ المُرادَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها الكُفْرُ؛ فَحَقَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّرْعِيَّ - لا مُطْلَقُ السَّتْرِ - غايَةُ التَّحْقِيقِ؛ فَبَيَّنَ بِوَصْفِهِ بِالظُّلْمِ أنَّهُ سَتْرٌ لِما يَنْبَغِي إظْهارُهُ؛ وبِالفِسْقِ أنَّهُ بَلَغَ في كَوْنِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ النِّهايَةَ؛ حَتّى خَرَقَ جَمِيعَ دائِرَةِ المَأْذُونِ فِيهِ؛ فَخَرَجَ مِنها؛ وهَذا إشارَةٌ إلى ذُنُوبِ أهْلِ الإنْجِيلِ؛ لِيُنْتِجَ نَقْضَ دَعْواهُمُ البُنُوَّةَ والمَحَبَّةَ؛ لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ الواضِحِ بِكِتابِكَ الَّذِي جُعِلَ مُهَيْمِنًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ؛ أنَّهم خالَفُوا أحْكامَهُ؛ فَهم فاسِقُونَ؛ أيْ: خارِجُونَ عَمّا مِن شَأْنِهِ الِاسْتِقْرارُ فِيهِ؛ لِنَفْعِهِ؛ فَواقِعُونَ في الظُّلْمَةِ المُوجِبَةِ لِوَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ؛ وقَدَّمَ الوَصْفَ بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِمَن حَرَّفَ الكَلِمَ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ وغَيَّرَ (p-١٧٥)ما كُتِبَ مِن مُحْكَمِ أحْكامِ التَّوْراةِ مِنَ الحُدُودِ؛ وذَلِكَ هو التَّغْطِيَةُ الَّتِي هي مَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الظَّلامِ؛ كَما أنَّ الفِسْقَ سَبَبُ الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ الخُرُوجُ عَمّا مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ؛ فَكانَ الآخِرُ أوَّلًا في المَعْنى؛ والأوَّلُ نِهايَةً في الحَقِيقَةِ؛ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ فِيهِ أحْكامًا؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى) في“آلِ عِمْرانَ": ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ وهَذا هو الحَقُّ؛ وأعْظَمُ ما غُيِّرَ تَحْرِيمُ السَّبْتِ؛ الَّذِي كانَ أعْظَمَ شَعائِرِهِمْ؛ فَأحَلَّهُ؛ وغَيَّرَ أيْضًا غَيْرَ ذَلِكَ مِن أحْكامِهِمْ؛ قالَ فِيما رَأيْتُهُ مِن تَرْجَمَةِ إنْجِيلِ مَتّى: سَمِعْتُمْ ما قِيلَ لِلْأوَّلِينَ: لا تَقْتُلْ؛ فَإنَّ مَن قَتَلَ وجَبَتْ عَلَيْهِ لائِمَةُ الجَماعَةِ؛ ومَن قالَ لِأخِيهِ: أحْمَقُ؛ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ نارُ جَهَنَّمَ؛ إنْ أنْتَ قَدَّمْتَ قُرْبانَكَ عَلى المَذْبَحِ؛ وذَكَرْتَ هُناكَ أنَّ أخاكَ واجِدٌ عَلَيْكَ؛ فَدَعْ قُرْبانَكَ هُناكَ قُدّامَ المَذْبَحِ؛ وامْضِ أوَّلًا وصالِحْ أخاكَ؛ وحِينَئِذٍ فَأْتِ وقَدِّمْ قُرْبانَكَ؛ كُنْ مُتَفَهِّمًا مِن خَصْمِكَ سَرِيعًا ما دُمْتَ مَعَهُ في الطَّرِيقِ؛ لِئَلّا يُسْلِمَكَ الخَصْمُ إلى الحاكِمِ؛ والحاكِمُ إلى المُسْتَخْرِجِ؛ وتُلْقى في السِّجْنِ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: إذا رَأيْتُمْ سَحابَةً تَطْلُعُ مِنَ المَغْرِبِ قُلْتُمْ: إنَّ المَطَرَ يَأْتِي؛ فَيَكُونُ كَذَلِكَ؛ وإذا هَبَّتْ رِيحُ الجَنُوبِ قُلْتُمْ: سَيَكُونُ حَرٌّ؛ يا مُراؤُونَ؛ تُحْسِنُونَ تَمْيِيزَ وجْهِ السَّماءِ والأرْضِ؛ وهَذا الزَّمانُ كَيْفَ لا تُمَيِّزُونَهُ؛ ولا تَحْكُمُونَ بِالصِّدْقِ مِن قِبَلِ نُفُوسِكُمْ؟ (p-١٧٦)لِأنَّكَ إذا ذَهَبْتَ مَعَ خَصْمِكَ إلى الرَّئِيسِ فَأعْطِهِ ما يَجِبُ عَلَيْكَ في الطَّرِيقِ؛ تَتَخَلَّصْ مِنهُ؛ لِئَلّا يَذْهَبَ بِكَ إلى الحاكِمِ فَيَدْفَعَكَ الحاكِمُ إلى المُسْتَخْرِجِ؛ ويُلْقِيَكَ المُسْتَخْرِجُ في السِّجْنِ؛ وقالَ مَتّى: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكَ؛ إنَّكَ لا تَخْرُجُ مِن هُناكَ حَتّى تُؤَدِّيَ آخِرَ فِلْسٍ عَلَيْكَ؛ سَمِعْتُمْ ما قِيلَ لِلْأوَّلِينَ: لا تَزْنِ؛ وأنا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ مَن نَظَرَ إلى امْرَأةٍ واشْتَهاها؛ فَقَدْ زَنى بِها في قَلْبِهِ؛ إنْ شَكَّكَتْكَ عَيْنُكَ اليُمْنى فاقْلَعْها وألْقِها؛ لِأنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أنْ تُهْلِكَ أحَدَ أعْضائِكَ؛ ولا تُلْقِيَ جَسَدَكَ كُلَّهُ في جَهَنَّمَ؛ قِيلَ: إنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَلْيَدْفَعْ لَها كِتابَ الطَّلاقِ؛ وأنا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ مِن غَيْرِ كَلِمَةِ زِنًا فَقَدْ جَعَلَها زانِيَةً؛ ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فَقَدْ زَنى؛ وأيْضًا سَمِعْتُمْ ما قِيلَ لِلْأوَّلِينَ: لا تَحْنَثْ في يَمِينِكَ؛ وأوْفِ لِلرَّبِّ قَسَمَكَ؛ وأنا أقُولُ لَكُمْ: لا تَحْلِفُوا البَتَّةَ؛ لا بِالسَّماءِ؛ فَإنَّها كُرْسِيُّ اللَّهِ؛ ولا بِالأرْضِ لِأنَّها مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ؛ ولا بِيَرُوشَلِيمَ؛ فَإنَّها مَدِينَةُ المَلِكِ العَظِيمِ؛ ولا بِرَأْسِكَ؛ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ تَصْنَعُ شَعْرَةً بَيْضاءَ أوْ سَوْداءَ؛ ولْتَكُنْ كَلِمَتُكُمْ: نَعَمُ نَعَمْ؛ ولا لا؛ وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَهو مِنَ الشَّرِّ؛ سَمِعْتُمْ ما قِيلَ: العَيْنُ بِالعَيْنِ؛ والسِّنُّ بِالسِّنِّ؛ وأنا أقُولُ لَكُمْ: لا تُقاوِمُوا الشَّرَّ؛ ولَكِنْ مَن لَطَمَكَ عَلى خَدِّكَ الأيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ؛ (p-١٧٧)ومَن أرادَ خُصُومَتَكَ وأخَذَ ثَوْبَكَ؛ فَدَعْ لَهُ رِداءَكَ؛ ومَن سَخَّرَكَ مِيلًا فامْضِ مَعَهُ اثْنَيْنِ؛ قالَ لُوقا: وكُلُّ مَن سَألَكَ فَأعْطِهِ؛ ومَن أرادَ أنْ يَقْتَرِضَ مِنكَ فَلا تَرُدَّهُ؛ ولا تَطْلُبْ مِنَ الَّذِي يَأْخُذُ مالَكَ؛ وكَما تُحِبُّونَ أنْ يَصْنَعَ النّاسُ بِكم كَذَلِكَ فاصْنَعُوا أنْتُمْ بِهِمْ؛ وقالَ مَتّى: سَمِعْتُمْ ما قِيلَ: أحْبِبْ قَرِيبَكَ؛ وأبْغِضْ عَدُوَّكَ؛ وأنا أقُولُ لَكُمْ: حِبُّوا أعْداءَكُمْ؛ وبارِكُوا لاعِنِيكُمْ؛ وأحْسِنُوا إلى مَن أبْغَضَكم - وقالَ لُوقا: يُبْغِضُكم - وصَلُّوا عَلى مَن يَطْرُدُكم ويُحْزِنُكُمْ؛ لِكَيْما تَكُونُوا بَنِي أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ المُشْرِقُ شَمْسُهُ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ؛ والمُمْطِرُ عَلى الصِّدِّيقِينَ والظّالِمِينَ؛ وإذا أحْبَبْتُمْ مَن يُحِبُّكم فَأيُّ أجْرٍ لَكُمْ؟! ألَيْسَ العَشّارُونَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ؟! وإنْ سَلَّمْتُمْ عَلى إخْوَتِكم فَقَطْ فَأيَّ فَضْلٍ عَمِلْتُمْ؟! ألَيْسَ كَذَلِكَ يَفْعَلُ العَشّارُونَ؟! وقالَ لُوقا: إنْ كُنْتُمْ إنَّما تُحِبُّونَ مَن يُحِبُّكم فَأيُّ أجْرٍ لَكُمْ؟! إنَّ الخَطَأةَ يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُمْ؛ وإنْ صَنَعْتُمُ الخَيْرَ مَعَ مَن يُحْسِنُ إلَيْكم فَأيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟! إنَّ الخَطَأةَ هَكَذا يَصْنَعُونَ؛ وإنْ كُنْتُمْ إنَّما تُقْرِضُونَ مَن تَظُنُّونَ أنَّكم تَأْخُذُونَ العِوَضَ مِنهُ فَأيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟! إنَّ الخَطَأةَ أيْضًا يُقْرِضُونَ الخَطَأةَ لِكَيْ يَأْخُذُوا مِنهُمُ العِوَضَ؛ لَكِنْ حِبُّوا أعْداءَكُمْ؛ وأحْسِنُوا إلَيْهِمْ؛ وكُونُوا رُحَماءَ مِثْلَ أبِيكُمْ؛ فَهو رَؤُوفٌ؛ وقالَ مَتّى: كُونُوا أنْتُمْ كامِلِينَ مِثْلَ أبِيكُمُ السَّمائِيِّ فَهو كامِلٌ.

ثُمَّ قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ (p-١٧٨)مَرَّ يَسُوعُ في سَبْتٍ بِالزُّرُوعِ؛ وجاعَ تَلامِيذُهُ؛ فَبَدَؤُوا يَفْرُكُونَ سُنْبُلًا؛ ويَأْكُلُونَ - وفي لُوقا: كانَ تَلامِيذُهُ يَقْطَعُونَ السُّنْبُلَ ويَفْرُكُونَ بِأيْدِيهِمْ ويَأْكُلُونَ - فَلَمّا أبْصَرَهُمُ الفَرِّيسِيُّونَ قالُوا لَهُ: ها هو ذا تَلامِيذُكَ يَعْمَلُونَ ما لا يَحِلُّ في السَّبْتِ - وفي لُوقا: لِماذا تَفْعَلُونَ ما لا يَحِلُّ أنْ يُفْعَلَ في السُّبُوتِ؟ - فَقالَ لَهُمْ: أما قَرَأْتُمْ ما صَنَعَ داوُدُ لَمّا جاعَ هو والَّذِينَ مَعَهُ؛ كَيْفَ دَخَلَ إلى بَيْتِ اللَّهِ وأكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لا يَحِلُّ أكْلُهُ إلّا لِلْكَهَنَةِ؟ قالَ مُرْقُسُ: وأعْطى الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ؛ ثُمَّ قالَ لَهُمْ: السَّبْتُ مِن أجْلِ الإنْسانِ كانَ؛ ولَمْ يُخْلَقِ الإنْسانُ مِن أجْلِ السَّبْتِ؛ قالَ مَتّى: أوَما قَرَأْتُمْ في النّامُوسِ أنَّ الكَهَنَةَ في السَّبْتِ في الهَيْكَلِ يُنَجِّسُونَ السَّبْتَ؛ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ! وأقُولُ لَكُمْ: إنَّ هَهُنا أعْظَمُ مِنَ الهَيْكَلِ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما هو مَكْتُوبٌ؛ إنِّي أُرِيدُ الرَّحْمَةَ؛ لا الذَّبِيحَةَ؛ لِمَ تَحْكُمُونَ عَلى مَن لا ذَنْبَ لَهُ؟ وقالَ لُوقا: ودَخَلَ بَيْتَ أحَدِ الرُّؤَساءِ الفَرِّيسِيِّينَ في يَوْمِ سَبْتٍ لِيَأْكُلَ خُبْزًا؛ وهم كانُوا يَرْصُدُونَهُ؛ فَإذا إنْسانٌ بِهِ اسْتِسْقاءٌ؛ فَقالَ يَسُوعُ لِلْكَهَنَةِ والفَرِّيسِيِّينَ: هَلْ يَحِلُّ أنْ يُبْرَأ في السَّبْتِ؟ فَسَكَتُوا؛ فَأخَذَهُ وأبْرَأهُ؛ ثُمَّ قالَ لَهُمْ: مَن مِنكم يَقَعُ ابْنُهُ في بِئْرٍ يَوْمَ السَّبْتِ ولا يُصْعِدُهُ في الوَقْتِ؟ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُجِيبُوهُ عَنْ هَذا؛ ثُمَّ قالَ مَتّى: فَجاءَ الفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ (p-١٧٩)قائِلِينَ: هَلْ يَحِلُّ لِلْإنْسانِ أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ لِأجْلِ كُلِّ كَلِمَةٍ؟ أجابَ: أما قَرَأْتُمْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ في البَدْءِ خَلَقَهُما ذَكَرًا وأُنْثى؛ مِن أجْلِ ذَلِكَ يَتْرُكُ الإنْسانُ أباهُ وأمَّهُ؛ ويُلْصَقُ بِامْرَأتِهِ؛ ويَكُونانِ كِلاهُما جَسَدًا واحِدًا؛ ولَيْسَ هُما اثْنَيْنِ؛ لَكِنْ جَسَدٌ واحِدٌ؛ وما زَوَّجَهُ اللَّهُ لا يُفَرِّقُهُ الإنْسانُ - وقالَ مُرْقُسُ: لا يَقْدِرُ إنْسانٌ يُفَرِّقُهُ - قالُوا لَهُ: لِماذا أمَرَ مُوسى أنْ يُعْطى كِتابُ الطَّلاقِ وتُخَلّى؟ قالَ لَهُمْ: مُوسى مِن أجْلِ قَسْوَةِ قُلُوبِكم أذِنَ لَكم أنْ تُطَلِّقُوا نِساءَكم - وفي مُرْقُسَ: إنَّهم سَألُوهُ؛ فَقالَ لَهُمْ: بِماذا أوْصاكم مُوسى ؟ قالُوا: أمَرَ أنْ يُكْتَبَ كِتابُ الطَّلاقِ وتُخَلّى؛ قالَ لَهم يَسُوعُ: مِن أجْلِ قَسْوَةِ قُلُوبِكم كَتَبَ لَكم مُوسى هَذِهِ الوَصِيَّةَ؛ مِنَ البَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذا؛ وأقُولُ لَكُمْ: مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ مِن غَيْرِ زِنًا فَقَدْ ألْجَأها إلى الزِّنا؛ ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فَقَدْ زَنى؛ وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: وفي البَيْتِ أيْضًا سَألَهُ التَّلامِيذُ عَنْ هَذا؛ فَقالَ لَهُمْ: مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ وتَزَوَّجَ أُخْرى فَقَدْ زَنى عَلَيْها؛ وإنْ هي خَلَّتْ زَوْجَها وتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَهي زانِيَةٌ؛ وفي لُوقا: كُلُّ مَن يُطْلِقُ امْرَأتَهُ ويَتَزَوَّجُ أُخْرى فَهو يَزْنِي؛ وكُلُّ مَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً مِن زَوْجِها فَهو يَزْنِي؛ قالَ مَتّى: فَقالَ لَهُ التَّلامِيذُ: إنْ كانَ هَكَذا عِلَّةُ الرَّجُلِ مَعَ المَرْأةِ فَخَيْرٌ لَهُ ألّا يَتَزَوَّجَ؛ فَقالَ لَهُمْ: ما كُلُّ أحَدٍ يَسْتَطِيعُ هَذا الكَلامَ؛ إلّا الَّذِينَ قَدْ أُعْطُوا؛ الآنَ خِصْيانٌ وُلِدُوا (p-١٨٠)مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ؛ وخِصْيانٌ أخْصاهُمُ النّاسُ؛ وخِصْيانٌ أخْصَوْا نُفُوسَهم مِن أجْلِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ؛ ومَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَحْتَمِلَ فَلْيَحْتَمِلْ.

5:48Page 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الكِتابَيْنِ؛ ذَكَرَ خِتامَهُما؛ وتَمامَهُما؛ وهو ما أُنْزِلَ إلى هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ مِنَ الفُرْقانِ؛ الشّاهِدِ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في جَمْعِهِ لِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنهُ؛ وهو القُرْآنُ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الكامِلِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ يُتِمُّهُ؛ ثُمَّ مَدَحَهُ بِمَدْحِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ؛ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أيْ: تَقَدَّمَهُ؛ ولَمّا كانَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ مِن شِدَّةِ تَصادُقِها كالشَّيْءِ الواحِدِ؛ عَبَّرَ بِالمُفْرَدِ؛ لِإفادَتِهِ ما يُفِيدُ الجَمْعَ وزِيادَةً؛ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي جاءَ بِهِ الأنْبِياءُ مِن قَبْلُ؛ ﴿ومُهَيْمِنًا﴾؛ أيْ: شاهِدًا حَفِيظًا؛ مُصَدِّقًا؛ وأمِينًا رَقِيبًا؛ ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى كُلِّ كِتابٍ تَقَدَّمَهُ - كَما قالَهُ البُخارِيُّ في أوَّلِ الفَضائِلِ مِنَ الصَّحِيحِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ وفي هَذِهِ الصِّفَةِ بِشارَةٌ لِحِفْظِهِ - سُبْحانَهُ - لِكِتابِنا؛ حَتّى لا يَزالَ بِصِفَةِ الشَّهادَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) اسْتَحْفَظَهم كُتُبَهم فَعَجَزُوا عَنْها؛ فَحَرَّفَها مُحَرِّفُوهُمْ؛ وأسْقَطُوا مِنها؛ وأسْقَطَ مُسْرِفُوهُمْ؛ فَتَكَفَّلَ هو - سُبْحانَهُ - بِحِفْظِ كِتابِنا؛ فَكانَ قَيِّمًا عَلَيْها؛ فَما كانَ فِيها مُوافِقًا لَهُ فَهو حَقٌّ؛ وما كانَ فِيها مُخالِفًا فَهو إمّا مَنسُوخٌ؛ (p-١٨١)أوْ مُبَدَّلٌ؛ فَلا يُعْتَبَرُ؛ بَلْ يُحْكَمُ بِما في كِتابِنا؛ لِأنَّهُ ناسِخٌ لِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ والآتِي بِهِ مُرْسَلٌ إلى جَمِيعِ العالَمِينَ؛ فَمِلَّتُهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ المِلَلِ؛ فَأنْتَجَ هَذا وُجُوبَ الحُكْمِ بِما فِيهِ عَلى المُؤالِفِ؛ والمُخالِفِ؛ بِشَرْطِهِ؛ فَلِذا قالَ مُسَبِّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ جَمِيعِ أهْلِ الكُتُبِ؛ فَغَيْرُهم مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ إلَيْكَ في هَذا الكِتابِ النّاسِخِ لِكُتُبِهِمُ المُهَيْمِنِ عَلَيْها؛ في إثْباتِ ما أسْقَطُوهُ مِنها مِن أمْرِهِمْ؛ بِاتِّباعِكَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أوْصافِكَ؛ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾؛ فِيما خالَفَهُ؛ مُنْحَرِفِينَ؛ ﴿عَمّا جاءَكَ﴾؛ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحَقِّ﴾

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن كِتابَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الحُكْمُ بِكِتابِهِمُ الَّذِي يُصَدِّقُهُ كِتابُنا انْحِرافًا عَنِ الحَقِّ؟ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ دالًّا عَلى النَّسْخِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي نَفْعَلُ بِها ما نَشاءُ؛ مِن نَسْخٍ؛ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ الإبْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يا أهْلَ الكُتُبِ ﴿شِرْعَةً﴾؛ أيْ: دِينًا مُوصِلًا إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ كَما أنَّ الشِّرْعَةَ مُوصِلَةٌ إلى الماءِ؛ الَّذِي بِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ؛ ﴿ومِنهاجًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا واضِحًا؛ مُسْتَنِيرًا؛ ناسِخًا لِما قَبْلَهُ؛ وقَدْ جَعَلْنا شِرْعَتَكَ ناسِخَةً لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ؛ وهَذا وأمْثالُهُ - مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَشَرِّعٍ مُخْتَصٌّ بِشَرْعٍ؛ وغَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ - مَحْمُولٌ عَلى الفُرُوعِ؛ وما دَلَّ (p-١٨٢)عَلى الِاجْتِماعِ؛ كَأنَّهُ شَرْعٌ لَكم مِنَ الدِّينِ مَحْمُولٌ عَلى الأُصُولِ؛ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المالِكُ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ التّامُّ؛ والأمْرُ الشّامِلُ العامُّ؛ أنْ يَجْمَعَكم عَلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ ﴿لَجَعَلَكم أُمَّةً﴾؛ أيْ: جَماعَةً مُتَّفِقَةً يَؤُمُّ بَعْضُها بَعْضًا؛ وحَقَّقَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ؛ ولَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنَ الكُتُبِ ناسِخًا لِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَتِهِ؛ ولا مَشِيئَةَ لِأحَدٍ سِواهُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ بَلْ شاءَ أنْ تَكُونُوا عَلى شَرائِعَ مُخْتَلِفَةٍ؛ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلِي المُخْتَبِرِ؛ ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾؛ أيْ: أعْطاكُمْ؛ وقَسَمَ بَيْنَكم مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ لِيُبْرِزَ إلى الوُجُودِ ما تَعْمَلُونَ في ذَلِكَ؛ مِنَ اتِّباعٍ؛ وإذْعانٍ - اعْتِقادًا أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ؛ فَتَرْجِعُونَ عَنْهُ إذا قامَتِ البَراهِينُ بِالمُعْجِزاتِ عَلى صِدْقِ ناسِخِهِ؛ ونَهَضَتِ الأدِلَّةُ البَيِّناتُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ؛ بَعْدَ طُولِ الإلْفِ لَهُ؛ وإخْلادِ النُّفُوسِ إلَيْهِ؛ واسْتِحْكامِهِ بِمُرُورِ الأعْصارِ؛ وتَقَلُّبِ الأدْوارِ - أوْ زَيْغٍ ومَيْلٍ - اتِّهامًا وتَجْوِيزًا؛ كَما فَعَلَ أوَّلُ المُتَكَبِّرِينَ؛ إبْلِيسُ؛ فَتُؤْثِرُونَ الرُّكُونَ إلَيْهِ؛ والعُكُوفَ عَلَيْهِ؛ لِمُتابَعَةِ الهَوى؛ والوُقُوفِ عِنْدَ مُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ.

ولَمّا كانَ في الِاخْتِبارِ أعْظَمُ تَهْدِيدٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾؛ أيْ: افْعَلُوا في المُبادَرَةِ إلَيْها؛ بِغايَةِ الجُهْدِ؛ فِعْلَ مَن يُسابِقُ شَخْصًا يَخْشى العارَ بِسَبْقِهِ لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الشّارِعِ لِذَلِكَ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى؛ ﴿مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ (p-١٨٣)شَرائِعُكُمْ؛ حِسًّا في القِيامَةِ؛ ومَعْنًى في جَمِيعِ أُمُورِكم في الدّارَيْنِ؛ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ اخْتِلافِ الجِبِلّاتِ؛ ولَمّا كانَ في تَقْدِيمِ الظَّرْفِ إبْهامٌ؛ وكانَ الإفْهامُ بَعْدَ الإبْهامِ أوْقَعَ في النَّفْسِ؛ قالَ ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ الخِلافَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ ويُعْطِي كَلامًا يَسْتَحِقُّهُ؛ ويُظْهِرُ سِرَّ الِاخْتِلافِ؛ وفائِدَةَ الوِفاقِ والِائْتِلافِ.

5:49Page 116

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالحُكْمِ فِيما مَضى لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ عَلى الأحْوالِ المَذْكُورَةِ؛ أعادَ الأمْرَ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ لِذاتِهِ؛ لا لِشَيْءٍ آخَرَ؛ لِيَكُونَ الأمْرُ بِهِ مُؤَكَّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ بِالأمْرِ بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ؛ وأُخْرى لِأنَّهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ؛ فَقالَ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَنْوِيهًا بِعَظِيمِ شَأْنِهِ؛ ومُحَذِّرًا مِنَ الأعْداءِ فِيما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ لِلصَّدِّ عَنْهُ: ﴿وأنِ﴾؛ أيْ: احْكم بَيْنَهم بِذَلِكَ؛ لِما قُلْنا مِنَ السَّبَبِ؛ وما ذَكَرْنا مِنَ العِلَّةِ في جَعْلِنا لِكُلٍّ دِينًا؛ ولِأنّا قُلْنا آمِرِينَ لَكَ أنْ ﴿احْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الكُتُبِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ لِذاتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّ مُخالَفَتَهم لَهُ؛ وإعْراضَهم عَنْهُ؛ إنَّما هو مُجَرَّدُ هَوًى؛ لِأنَّ كِتابَهم داعٍ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾؛ أيْ: في عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِهِ؛ ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ﴾؛ أيْ: يُخالِطُوكَ بِكَذِبِهِمْ (p-١٨٤)عَلى اللَّهِ؛ وافْتِرائِهِمْ؛ وتَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ ومُراءاتِهِمْ؛ مُخالَطَةً تُمِيلُكَ؛ ﴿عَنْ بَعْضِ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ فَلا وجْهَ أصْلًا لِلْعُدُولِ عَنْ أمْرِهِ؛ ﴿إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَمّا حَكَمْتَ بِهِ بَيْنَهُمْ؛ مُضادِّينَ لِما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ اتِّباعِ الحَقِّ؛ ودَعَتْ إلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ اتِّباعِكَ؛ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿أنْ يُصِيبَهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ بِهِمُ الخَيْرَ لَهَداهم إلى القَبُولِ الَّذِي يُطابِقُ عَلَيْهِ شاهِدُ العَقْلِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ والنَّقْلِ بِما في كُتُبِهِمْ؛ إمّا مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ الحُكْمِ بِعَيْنِهِ؛ وإمّا مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِكَ؛ ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هَذا مِنها؛ وأبْهَمَهُ زِيادَةً في اسْتِدْراجِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ وتَحْذِيرًا لَهم مِن جَمِيعِ مَساوِي أعْمالِهِمْ؛ لِئَلّا يَعْلَمُوا عَيْنَ الذَّنْبِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ؛ فَيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ ويَصِيرَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ؛ أوْ يَكُونُ إبْهامُهُ لِلتَّعْظِيمِ؛ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ؛ فَيُؤْذِنُ السِّياقُ بِتَعْظِيمِ هَذا التَّوَلِّي؛ وبِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مُواقَعَتِها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّهم بِالتَّوَلِّي فاسِقُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: هُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ ﴿لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الطّاعاتِ؛ ومَعادِنِ السِّعاداتِ؛ مُتَكَلِّفُونَ لِأنْفُسِهِمْ إظْهارَ ما في بَواطِنِهِمْ مِن خَفِيِّ الحِيلَةِ بِقُوَّةٍ؛

5:50Page 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أقْبَلَ؛ ولا بُدَّ؛ عَلى حُكْمِ الشَّيْطانِ؛ الَّذِي هو عَيْنُ الهَوى؛ الَّذِي هو دِينُ أهْلِ الجَهْلِ؛ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم هادٍ؛ ولا شَرْعَ ضابِطٌ؛ سَبَّبَ عَنْ إعْراضِهِمُ (p-١٨٥)الإنْكارَ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ مَعَ أنَّ أحْكامَها لا يَرْضى بِها عاقِلٌ؛ لِكَوْنِها لَمْ يَدْعُ إلَيْها كِتابٌ؛ بَلْ إنَّما هي مُجَرَّدُ أهْواءٍ؛ وهم أهْلُ كِتابٍ؛ ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أيْ: يُرِيدُونَ بِإعْراضِهِمْ عَنْ حُكْمِكَ؛ مَعَ ما دَعا إلَيْهِ كِتابُهم مِنَ اتِّباعِكَ؛ وشَهِدَ بِهِ كِتابُكَ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ؛ مِن وُجُوبِ رِسالَتِكَ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ.

ولَمّا كانَ حُسْنُ الحُكْمِ تابِعًا لِإتْقانِهِ؛ وكانَ إتْقانُهُ دائِرًا عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ مِن تَمامِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّ حُكْمَهُ أحْسَنُ الحُكْمِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن أضَلُّ مِنهُمْ؟!“ -: ﴿ومَن﴾؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن واوِ ”يَبْغُونَ“؛ أيْ: يُرِيدُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ يُقالُ: مَن ﴿أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿حُكْمًا﴾؛ ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ بِكَثافَةِ الطِّباعِ؛ وجُمُودِ الأذْهانِ ووُقُوفِ الأفْهامِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِلامِ البَيانِ إشارَةً إلى المَعْنِيِّ بِهَذا الخِطابِ -: ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ نَهْضَةٌ؛ وقُوَّةُ مُحاوَلَةٍ لِما يُرِيدُونَهُ؛ ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنهُمُ اليَقِينُ يَوْمًا ما؛ وأمّا غَيْرُهم فَلَيْسَ بِأهْلٍ لِلْخِطابِ؛ فَكَيْفَ بِالعِتابِ؟! إنَّما عِتابُهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ وفي ذَلِكَ أيْضًا غايَةُ التَّبْكِيتِ لَهُمْ؛ والتَّقْبِيحُ عَلَيْهِمْ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَزالُوا يَصِفُونَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ بِالضَّلالِ؛ وأنَّ دِينَهم لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهِ (p-١٨٦)مِن سُلْطانٍ؛ وقَدْ عَدَلُوا في هَذِهِ الأحْكامِ إلَيْهِ؛ تارِكِينَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابِهِمْ؛ والكِتابِ النّاسِخِ لَهُ؛ فَقَدِ ارْتَكَبُوا الضَّلالَ بِلا شُبْهَةٍ؛ عَلى عِلْمٍ؛ وتَرَكُوا الحَقَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ.

5:51Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

ولَمّا بَيَّنَ عِنادَهُمْ؛ وأنَّ عَداوَتَهم لِأهْلِ هَذا الدِّينِ - الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ - لَيْسَ بَعْدَها عَداوَةٌ؛ نَهى مَنِ اتَّسَمَ بِالإيمانِ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُها بَعْدَ هَذا البَيانِ مُؤْمِنٌ؛ ولا عاقِلٌ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يُوالِي غَيْرَ قَوْمِهِ إلّا بِاجْتِهادٍ في مُقَدِّماتٍ يَعْمَلُها؛ وأشْياءَ يَتَحَبَّبُ بِها إلى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُ أنْ يُوالِيَهُمْ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: إنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ يَتَأتّى بِسُهُولَةٍ لَما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَفْعَلُوهُ؛ فَكَيْفَ وهو لا يَكُونُ إلّا بِبَذْلِ الجُهْدِ؟! ﴿اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ؛ تَفْعَلُونَ مَعَهم ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ؛ وتَرْجُونَ مِنهم مِثْلَ ذَلِكَ؛ وهم أكْثَرُ النّاسِ اسْتِخْفافًا بِكُمْ؛ وازْدِراءً لَكُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾؛ أيْ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ وهم جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ - بِجامِعِ الكُفْرِ؛ وإنِ اخْتَلَفُوا في الدِّينِ - عَلى عَداوَتِكم يا أهْلَ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِيِّ؛ ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يُعالِجْ فِطْرَتَهُ الأُولى؛ حَتّى يُعامِلَهم مُعامَلَةَ الأقْرِباءِ؛ ﴿فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾؛ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ؛ فَمَن والى أعْداءَهُ تَبَرَّأ مِنهُ؛ ووَكَلَهُ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ (p-١٨٧)تَزْهِيدًا فِيهِمْ؛ وتَرْهِيبًا لِمُتَوَلِّيهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ والحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ وكانَ الأصْلُ: ”لا يَهْدِيهِمْ“؛ أوْ: ”لا يَهْدِيهِ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ فَهم يَمْشُونَ في الظَّلامِ؛ فَلِذَلِكَ اخْتارُوا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ؛ ووالَوْا مَن لا تَصْلُحُ مُوالاتُهُ؛ ومَن لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَهْدِيَهُ؛ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنْهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبْرَةَ في الإيمانِ القَلْبُ؛ إذْ مَعْناهُ أنَّ هَذا الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الإقْرارِ مِمَّنْ يُوالِيهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ المُوالِيَ لَهم ظالِمٌ بِمُوالاتِهِ لَهُمْ؛ والظّالِمُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ؛ فالمُوالِي لَهم لا يَهْدِيهِ اللَّهُ؛ فَهو كافِرٌ؛ وهَكَذا كُلُّ مَن كانَ يَقُولُ - أوْ يَفْعَلُ - ما يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى كُفْرِهِ؛ وإنْ كانَ يُصَرِّحُ بِالإيمانِ - واللَّهُ الهادِي؛ وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ؛ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ؛ واعْتِزالِهِ - كَما قالَ ﷺ: «”لا تَراءى ناراهُما“؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ لِأبِي مُوسى - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - حِينَ اتَّخَذَ كاتِبًا نَصْرانِيًّا: لا تُكْرِمُوهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ؛ ولا تَأْمَنُوهم إذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ؛ ولا تُدْنُوهم إذْ أقْصاهُمُ اللَّهُ؛ ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: لا قِوامَ لِلْبَصْرَةِ إلّا بِهِ؛ (p-١٨٨)فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ماتَ النَّصْرانِيُّ - والسَّلامُ؛ يَعْنِي هَبْ أنَّهُ ماتَ؛ فَما كُنْتَ صانِعًا حِينَئِذٍ؛ فاصْنَعْهُ السّاعَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском