Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:62–66
5:62Page 118
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
ولَمّا كَذَّبَهم في دَعْوى الإيمانِ؛ أقامَ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِمَن لَهُ الصَّبْرُ التّامُّ؛ مُفِيدًا أنَّهُ أطْلَعَهُ ﷺ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهُمْ؛ مِمّا يَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]؛ إطْلاعًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وقَدْ أخْبَرْنا غَيْرَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما نَعْلَمُ مِنهم مِن ذَلِكَ؛ وأمّا أنْتَ فَتَرى ما في قُلُوبِهِمْ بِما آتَيْناكَ مِنَ الكَشْفِ -: ﴿وتَرى﴾؛ أيْ: لا تَزالُ يَتَجَدَّدُ لَكَ ذَلِكَ؛ ﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ والكُفّارِ؛ مُنافِقِهِمْ؛ ومُصارِحِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالعَجَلَةِ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا في شَيْءٍ لَهُ وقْتانِ؛ وقْتٌ لائِقٌ؛ ووَقْتٌ غَيْرُ لائِقٍ؛ والإثْمُ لا يَتَأتّى فِيهِ ذَلِكَ؛ (p-٢١٦)قالَ: ﴿يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ في تَهالُكِهِمْ عَلى ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُناظِرُ خَصْمًا في السُّرْعَةِ فِيما هو فِيهِ مُحِقٌّ؛ وعالِمٌ بِأنَّهُ في غايَةِ الخَيْرِ؛ وكانَ المَوْضِعَ لِأنْ يُعَبِّرُ بِالضَّمِيرِ؛ فَيُقالَ: ”فِيهِ“ - أيْ: الكُفْرِ؛ فَعَبَّرَ عَنْهُ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ إفادَةً لِأنَّ كُفْرَهم عَنْ حِيلَةٍ هي في غايَةِ الرَّداءَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الإثْمِ﴾؛ أيْ: كُلِّ ما يُوجِبُ إثْمًا مِنَ الذُّنُوبِ؛ وخَصَّ مِنهُ أعْظَمَهُ؛ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾؛ أيْ: مُجاوَزَةِ الحَدِّ في ذَلِكَ الَّذِي أعْظَمُهُ الشِّرْكُ؛ ثُمَّ حَقَّقَ الأمْرَ وصَوَّرَهُ بِما يَكُونُ لِوُضُوحِهِ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن إقْدامِهِمْ عَلى الحَرامِ؛ الَّذِي لا تُمْكِنُ مَعَهُ صِحَّةُ القَلْبِ أصْلًا؛ ولا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ؛ فَقالَ: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أيْ: الحَرامَ؛ الَّذِي يَسْتَأْصِلُ البَرَكَةَ مِن أصْلِها؛ فَيَمْحَقُها؛ ومِنهُ الرَّشْوَةُ؛ وكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ما أصَرُّوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِجَمِيعِهِ؟! فَكَيْفَ بِالمُسارَعَةِ فِيهِ؟! ولِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا غايَةَ الذَّمِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا﴾؛ ولَمّا كانُوا يَزْعُمُونَ العِلْمَ؛ عَبَّرَ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالعَمَلِ؛ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ مِنَ الأُمِّيِّينَ وأهْلِ الكِتابِ قَدْ صارُوا شَيْئًا واحِدًا في الِانْحِيازِ إلى المُصارِحِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَأنْزَلَ فِيهِمْ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الآياتِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ حَتّى تَبَيَّنَتْ أحْوالُهُمْ؛ وانْكَشَفَ زَيْغُهُمْ؛ ومِحالُهم - أنْكَرَ - عَلى مَن يُودِعُونَهم أسْرارَهُمْ؛ ويَمْنَحُونَهم مَوَدَّتَهم وأخْبارَهُمْ؛ مِن عُلَمائِهِمْ؛ وزُهّادِهِمْ - عَدَمَ أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِكَوْنِهِمْ (p-٢١٧)جَدِيرِينَ بِذَلِكَ؛ لِما يَزْعُمُونَهُ مِنَ اتِّباعِ كِتابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْلا﴾؛ أيْ: هَلّا؛ ولِمَ لا؛ ﴿يَنْهاهُمُ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ النَّهْيَ؛ ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾؛ أيْ: المُدَّعُونَ لِلتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا إلى سَبِيلِ الرَّبِّ؛ ﴿والأحْبارُ﴾؛ أيْ: العُلَماءُ؛ ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾؛ أيْ: الكَذِبِ الَّذِي يُوجِبُهُ؛ وهو مُجْمِعٌ لَهُ؛ ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤]؛ وقَوْلَهم لَهُمْ: ﴿إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]؛ لا يَخْلُو عَنْ كَذِبٍ؛ وهو مُحَرَّمٌ في تَوْراتِهِمْ؛ وكَذا أكْلُهُمُ الحَرامَ؛ فَما سُكُوتُهم عَنْهم في ذَلِكَ إلّا لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى المَعاصِي؛ وتَمَرُّدِهِمْ في الكُفْرِ؛ واسْتِهانَتِهِمْ بِالجُرْأةِ عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ولا يَبْقى لِمَن عاداهُ باقِيَةٌ.
ولَمّا كانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ الإنْكارُ عَلى مَن خالَفَهُ؛ كانَتِ الفِطْرَةُ الأُولى مُطابِقَةً لِما أتَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَباحَةِ الكَذِبِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الفُسُوقِ؛ وكانَ الإنْسانُ لا يَنْزِلُ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ إلى السُّكُوتِ عَنِ الفاسِقِينَ؛ فَضْلًا عَنْ تَحْسِينِ أحْوالِهِمْ إلّا بِتَدَرُّبٍ طَوِيلٍ وتَمَرُّنٍ عَظِيمٍ؛ حَتّى يَصِيرَ لَهُ ذَلِكَ كالصِّفَةِ الَّتِي صارَتْ بِالتَّدْرِيبِ صَنْعَةً يَأْلَفُها؛ ومَلَكَةً لا يَتَكَلَّفُها؛ فَجَعَلَ ذَنْبَ المُرْتَكِبِ لِلْمَعْصِيَةِ غَيْرَ راسِخٍ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ تَدْعُوهُ إلَيْها؛ وذَنْبَ التّارِكِ لِلنَّهْيِ راسِخًا لِأنَّهُ لا شَهْوَةَ لَهُ تَدْعُوهُ إلى التَّرْكِ؛ بَلْ مَعَهُ (p-٢١٨)حامِلٌ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ؛ تَحُثُّهُ عَلى النَّهْيِ؛ فَكانَ أشَدَّ حالًا؛ قالَ: ﴿لَبِئْسَ ما﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ في جِبِلّاتِهِمْ؛ عَبَّرَ بِالكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أيْ: في سُكُوتِهِمْ عَنْهُمْ؛ وسَماعِهِمْ مِنهم.
5:64Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
ولَمّا لَمْ تَزَلِ الدَّلائِلُ عَلى إبْطالِ دَعْوى أهْلِ الكِتابِ في البُنُوَّةِ والمَحَبَّةِ تَقُومُ؛ وجُيُوشُ البَراهِينِ تُنْجِدُ؛ حَتّى انْتَشَبَتْ فِيهِمْ سِهامُ الكَلامِ أيَّ انْتِشابٍ؛ قالَ (تَعالى) - مُعَجِّبًا مِن عامَّتِهِمْ؛ بَعْدَ تَعْيِينِ خاصَّتِهِمْ؛ مُعْلِمًا بِأنَّهم لَمْ يَقْنَعُوا بِالسُّكُوتِ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَكَلَّمُوا بِأنْكَرِهِ؛ مُشِيرًا إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ؛ ودَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ؛ بِأداةِ التَّأْنِيثِ -: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾؛ مُعَبِّرِينَ عَنِ البُخْلِ؛ والعَجْزِ؛ جُرْأةً وجَهْلًا؛ بِأنْ قالُوا - ذاكِرِينَ اليَدَ لِأنَّها مَوْضِعُ القُدْرَةِ؛ وإفاضَةِ الجُودِ والنُّصْرَةِ -: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَعْلَمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مَغْلُولَةٌ﴾؛ أيْ: فَهو لا يَبْسُطُ الرِّزْقَ غايَةَ البَسْطِ؛ وهَذا كِنايَةٌ عَنِ البُخْلِ؛ والعَجْزِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَدْلُولِ كُلٍّ مِن ألْفاظِهِ عَلى حِيالِهِ أصْلًا؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]؛ ولَمْ يَقْصِدْ مِن ذَلِكَ غَيْرَ الجُودِ وضِدِّهِ؛ لا غَلٌّ ولا عُنُقٌ ولا بَسْطٌ أصْلًا؛ بَلْ صارَ هَذا الكَلامُ عِبارَةً عَمّا وقَعَ مَجازًا عَنْهُ؛ كَأنَّهُما مُتَعَقِّبانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ؛ حَتّى لَوْ جادَ (p-٢١٩)الأقْطَعُ إلى المَنكِبِ لَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ مِنهُ الِاسْتِواءُ؛ ”وقالَتْ: في السَّماءِ“؛ المُرادُ مِنهُ - كَما قالَهُ العُلَماءُ - أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الأوْثانِ؛ قالَ في الكَشّافِ: ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ عَمِيَ عَنْ تَبَصُّرِ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ولَمْ يَتَخَلَّصْ عَنْ يَدِ الطّاعِنِ إذا عَبِثَتْ بِهِ.
ولَمّا نَطَقُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ؛ وفاهُوا بِتِلْكَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ؛ أخْبَرَ عَمّا جازاهم بِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى صُورَةِ ما كانَ العَرَبُ يُقابِلُونَ بِهِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ مِنَ الدُّعاءِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ إفادَةً لِتَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَعْلِيمًا لَنا كَيْفَ نَدْعُو عَلَيْهِمْ؛ ولَمْ يُسَبِّبْهُ عَمّا قَبْلَهُ بِالفاءِ تَقْوِيَةً لَهُ؛ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ -: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾؛ دُعاءً مَقْبُولًا؛ وخَبَرًا صادِقًا؛ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ فَلا تَكادُ تَجِدُ فِيهِمْ كَرِيمًا؛ ولا شُجاعًا؛ ولا حاذِقًا في فَنٍّ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ (p-٢٢٠)ثَمَرَةٌ؛ ﴿ولُعِنُوا﴾؛ أيْ: أُبْعِدُوا مَطْرُودِينَ عَنِ الجَنابِ الكَرِيمِ؛ ﴿بِما قالُوا﴾؛ والمَعْنى أنَّهم كَما رَأوْا أحْوالَ المُنافِقِينَ المَقْضِيِّ في التَّوْراةِ بِأنَّها إثْمٌ؛ وأقَرُّوا عَلَيْها؛ فَكَذَلِكَ نَطَقَ بَعْضُهم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ؛ الَّتِي لا أفْظَعَ مِنها؛ وسَكَتَ عَلَيْهِ الباقُونَ؛ فَشارَكُوهُ؛ ولَمّا كانَ الغَلُّ كِنايَةً عَنِ البُخْلِ؛ وعَدَمِ الإنْفاقِ؛ وكانَ الدُّعاءُ بِغَلِّهِمْ ولَعْنِهِمْ مُتَضَمِّنًا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قالُوا؛ تَرْجَمَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ﴾؛ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ؛ وعَنْ كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ؛ ﴿مَبْسُوطَتانِ﴾؛ مُشِيرًا بِالتَّثْنِيَةِ إلى غايَةِ الجُودِ؛ لِيَكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ في قَطْعِ تَعَنُّتِهِمْ؛ وتَكْذِيبِ قَوْلِهِمْ.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا إثْباتَ ما نَفَوْهُ عَلى أبْلَغِ الأحْوالِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ؛ مُعَرِّفًا أنَّهُ في إنْفاقِهِ مُخْتارٌ؛ فَلا غَرْوَ أنْ يَبْسُطَ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ -: ﴿يُنْفِقُ﴾؛ ولَمّا كانَ إنْفاقُهُ - سُبْحانَهُ - تَحْقِيقًا لِلِاخْتِيارِ عَلى أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ؛ بِحَيْثُ إنَّها تَفُوتُ الحَصْرَ؛ أشارَ إلى التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ؛ وإنْ قالُوا: إنَّها في هَذا المَوْطِنِ شَرْطٌ؛ فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾؛ أيْ: كَما؛ ﴿يَشاءُ﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ حالَةٍ أرادَ؛ دائِمًا؛ مِن تَقْتِيرٍ؛ وبَسْطٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا غايَةً في العَجَبِ؛ لِأنَّ كِتابَهم كافٍ في تَقْبِيحِهِ؛ بَلْ تَقْبِيحِ ما هو دُونَهُ في الفُحْشِ؛ فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ ما أنْزَلَ في القُرْآنِ مِن واضِحِ البَيانِ؟ قالَ - سُبْحانَهُ - عاطِفًا عَلى ﴿”وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ“؛﴾ [المائدة: ٦٢] (p-٢٢١)مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ؛ مِن قَوْلِهِ: ”ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“؛ بِأنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ هَذا القَوْلِ مِنهم ما أتاهم مِنَ الهُدى الأكْمَلِ في هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ؛ عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي هم بِهِ أعْرَفُ مِنهم بِأبْنائِهِمْ -: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ أرادَ اللَّهُ فِتْنَتَهُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ فاعِلَ الزِّيادَةِ؛ فَقالَ: ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ النُّورِ؛ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ؛ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِكُلِّ ما يَنْفَعُكَ دُنْيا وأُخْرى؛ ﴿طُغْيانًا﴾؛ أيْ: تَجاوُزًا عَظِيمًا عَنِ الحَدِّ؛ تَمْتَلِئُ مِنهُ الأكْوانُ في كُلِّ إثْمٍ؛ وشَنَإٍ؛ وذَلِكَ بِما جَرَّهُ إلَيْهِمْ داءُ الحَسَدِ؛ لِأنَّهم كُلَّما رَأوْهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ زادَ إحْسانُهُ إلَيْكَ طَعَنُوا في ذَلِكَ الإحْسانِ؛ وهو - لِما لَهُ مِنَ الكَمالِ؛ وعُلُوِّ الشَّأْنِ - يَكُونُ الطَّعْنُ فِيهِ مِن أعْظَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ والبُرْهانِ؛ فَيَكُونُ أعْدى العُدْوانِ؛ ﴿وكُفْرًا﴾؛ أيْ: سَتْرًا لِما ظَهَرَ لِعُقُولِهِمْ مِنَ النُّورِ؛ ودَعَتْ إلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ الخَيْرِ؛ وهَذا كَما يُؤْذِي الخُفّاشَ ضِياءُ الصَّباحِ؛ وكُلَّما قَوِيَ الضِّياءُ زادَ أذاهُ؛ وفي هَذا إياسٌ مِن تَوْبَتِهِمْ؛ وتَأْكِيدٌ لِعَداوَتِهِمْ؛ وزَجْرٌ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ ومَوَدَّتِهِمْ؛ أيْ: إنَّهم لا يَزْدادُونَ بِحُسْنِ وعِظَمِ وجَمِيلِ تِلاوَتِكَ عَلَيْهِمُ الآياتِ إلّا شِقاقًا؛ ما وجَدُوا قُوَّةً؛ فَإنْ ضَعُفُوا فَنِفاقًا؛ (p-٢٢٢)ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِاجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ عَلى شَقاوَةِ الكُفْرِ رُبَّما أحْدَثَ خَوْفًا مِن كَيْدِهِمْ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ ﴿بَيْنَهُمُ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ ﴿العَداوَةَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ - وهي أنْ يَعْدُوَ بَعْضُهم إلى أذى بَعْضٍ - رُبَّما زالَتْ بِزَوالِ السَّبَبِ؛ أفادَ أنَّها لازِمَةٌ لا تَنْفَكُّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والبَغْضاءَ﴾؛ أيْ: لِأُمُورٍ باطِنِيَّةٍ وقَعَتْ في قُلُوبِهِمْ وُقُوعَ الحَجَرِ المُلْقى مِن عُلُوٍّ؛ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِوَهَنِهِمْ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا﴾؛ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ؛ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ ﴿نارًا لِلْحَرْبِ﴾؛ أيْ: بِإحْكامِ أسْبابِها؛ وتَفْتِيحِ جَمِيعِ أبْوابِها؛ ﴿أطْفَأها﴾؛ أيْ: خَيَّبَ قَصْدَهم في ذَلِكَ؛ ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ فَلا تَجِدُهم في بَلَدٍ مِنَ البِلادِ إلّا في الذُّلِّ؛ وتَحْتَ القَهْرِ؛ وأصْلُ اسْتِعارَةِ النّارِ لَها ما في كُلٍّ مِنهُما مِنَ التَّسَلُّطِ؛ والغَلَبَةِ؛ والحَرارَةِ في الظّاهِرِ والباطِنِ؛ مَعَ أنَّ المُحارِبَ يُوقِدُ النّارَ في مَوْضِعٍ عالٍ لِيَجْتَمِعَ إلَيْهِ أنْصارُهُ؛ ولَقَدْ قامَ - لَعَمْرِي - دَلِيلُ المُشاهَدَةِ عَلى صِدْقِ ذَلِكَ بِغَزْوَةِ ”قَيْنُقاعٍ“؛ ثُمَّ ”النَّضِيرِ“؛ ثُمَّ قُرَيْظَةَ؛ والقَبائِلُ الثَّلاثُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَتَناصَرُوا؛ ولَمْ يَنْصُرُوا؛ ثُمَّ غَزْوَةِ ”خَيْبَرَ“؛ وأهْلُ فَدَكٍ ووادِي القُرى وهم مُتَقارِبُونَ؛ ولَمْ يَتَناصَرُوا؛ ولَمْ يَنْصُرُوا؛ هَذا فِيما في خاصَّتِهِمْ؛ (p-٢٢٣)وأمّا في غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ألَّبُوا الأحْزابَ؛ وجَمَعُوا القَبائِلَ؛ وأتْقَنُوا في أمْرِهِمْ عَلى زَعْمِهِمُ المَكايِدَ؛ ثُمَّ أطْفَأ اللَّهُ نارَهُمْ؛ حِسًّا ومَعْنًى بِالرِّيحِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وألْزَمَهم خِزْيَهُمْ؛ وعارَهُمْ؛ وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ - وساقَ جَيْشَ المَنُونِ عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ؛ وإلى ذَلِكَ وأمْثالِهِ مِن أذاهُمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ مُجْتَهِدِينَ اجْتِهادَ السّاعِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ؛ بِما يُوجِدُونَ مِنَ المَعاصِي؛ مِن كِتْمانِ ما عِنْدَهم مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الإجْرامِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ بِالفِعْلِ؛ والباقِي بِالقُوَّةِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ نُقْصانٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرَّكَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشِيَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْعى إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ؛ وحِينَئِذٍ لا يَنْسُبُ الفِعْلَ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِكَوْنِهِ آمِرًا بِهِ؛ خالِقًا لَهُ؛ فَكانَتْ نِسْبَةُ السَّعْيِ إلى الإنْسانِ دالَّةً عَلى الفَسادِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسادًا﴾؛ أيْ: لِلْفَسادِ؛ أوْ ذَوِي فَسادٍ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾؛ أيْ: لا يَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ المُحِبِّ؛ فَلا يَنْصُرُ لَهم جَيْشًا؛ ولا يُعْلِي لَهم كَعْبًا؛ ولا يُصْلِحُ لَهم شَأْنًا؛ وبِذَلِكَ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ أنَّهم إذا خالَفُوا أمْرَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ؛ بِواسِطَةِ عِبادِهِ؛ وبِغَيْرِ واسِطَتِهِمْ؛ ما يَفُوتُ الحَصْرَ - كَما مَضى ذَلِكَ قَرِيبًا عَمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ بِنَصِّهِ.
5:65Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
(p-٢٢٤)ولَمّا أثْبَتَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أنَّهم كانُوا كَفَرَةً قَبْلَ إتْيانِ هَذا الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكَرَّرَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخِزْيِ الدّائِمِ؛ عَلى نَحْوِ ما أخْبَرَهم بِهِ كِتابُهُمْ؛ وعَظَهُمْ؛ ورَجّاهم - سُبْحانَهُ -؛ اسْتِعْطافًا لَهُمْ؛ لِئَلّا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ؛ عَلى عادَةٍ مِنهُ في رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ؛ ورَأْفَتِهِ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَوْ أنَّهم كَفُّوا عَنْ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظائِمِ لاضْمَحَلَّتْ صَغائِرُهُمْ؛ فَلَمْ تَكُنْ لَهم سَيِّئاتٌ“ -: ﴿ولَوْ أنَّ﴾؛ ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِنَ العالِمِ أقْبَحَ؛ قالَ: ﴿أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الفَرِيقَيْنِ مِنهُمْ؛ ولَمّا كانَ الإيمانُ أساسَ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ قَدَّمَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ لا نَجاةَ لِأحَدٍ إلّا بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ هَذا مَعَ أنَّهُ حَقِيقٌ بِاشْتِدادِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ لِمُبالَغَتِهِمْ في كِتْمانِ ما عِنْدَهم مِنهُ ﷺ فَقالَ: ﴿آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن هَذا الهُدى؛ ﴿واتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما هُدِّدُوا بِهِ في كِتابِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ؛ عَلى حَسَبِ ما دَعاهم إلَيْهِ كِتابُهُمْ؛ كَما في قِصَّةِ إسْماعِيلَ؛ وغَيْرِها؛ إلى أنْ كانَ آخِرُ ما فارَقَهم عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ كِتابِهِمُ التَّصْرِيحَ بِنُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإشارَةَ إلى أنَّ اتِّباعَهُ أحَقُّ مِنَ اتِّباعِهِ؛ فَقالَ: (جاءَ رَبُّنا مِن سَيْناءَ؛ وشَرَّقَ مِن ساعِيرَ؛ وتَبَدّى مِن جِبالِ فارانَ - فَأضافَ الرَّبَّ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلَ الإتْيانَ مِن جِبال فارانَ - الَّتِي هي مَكَّةُ؛ لا نِزاعَ لَهم في ذَلِكَ - تَبَدِّيًا وظُهُورًا؛ أيْ: لا خَفاءَ (p-٢٢٥)بِهِ بِوَجْهٍ؛ ولا ظُهُورَ أتَمُّ مِنهُ؛ ﴿لَكَفَّرْنا﴾؛ وأشارَ إلى عَظِيمِ جُرْأتِهِمْ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي ارْتَكَبُوها قَبْلَ مَجِيئِهِ؛ وهي مِمّا يَسُوءُ؛ أيْ: يَشْتَدُّ تَنَكُّرُ النَّفْسِ لَهُ؛ أوْ تَكَرُّهُها؛ وأشارَ إلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ وأنَّها لا تَضِيقُ عَنْ شَيْءٍ أرادَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿ولأدْخَلْناهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ؛ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أيْ: بَدَلَ ما هم فِيهِ مِن هَذا الشَّقاءِ الَّذِي لا يُدانِيهِ شَقاءٌ.
5:66Page 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
ولَمّا كانَ المَعْنى: ما فَعَلُوا ذَلِكَ؛ فَألْزَمْناهُمُ الخِزْيَ في الدُّنْيا؛ والعَذابَ الدّائِمَ في الآخِرَةِ؛ وكانَ هَذا إجْمالًا لِحالَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ وكانَ مَحَطُّ نَظَرِهِمُ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ رَجَعَ - بَعْدَ إرْشادِهِمْ إلى إصْلاحِ الحالَةِ الأُخْرَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ في نَفْسِها - إلى سَبَبِ قَوْلِهِمْ تِلْكَ الكَلِمَةَ الشَّنْعاءَ؛ والدّاهِيَةَ القَبِيحَةَ الصَّلْعاءَ؛ وهو تَقْتِيرُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ؛ وبَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ إنَّما هو مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾؛ أيْ: قَبْلَ إنْزالِ الإنْجِيلِ؛ بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما دَعَتْ إلَيْهِ؛ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ وثَباتٍ عَلَيْها؛ وانْتِقالٍ عَنْها؛ ﴿والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِهِ كَذَلِكَ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ التَّوْراةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ المُبَشِّرَةِ بِعِيسى؛ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِنَ القُرْآنِ بَعْدَ إنْزالِهِ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُبَشِّرٌ بِهِ؛ وداعٍ إلَيْهِ؛ ﴿لأكَلُوا﴾؛ أيْ: لِتَيَسَّرَ لَهُمُ الرِّزْقُ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مِن“؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ جِهَةِ المَأْكُولِ؛ (p-٢٢٦)لا الأكْلُ؛ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ التَّوْسِعَةِ؛ قالَ - مُوَضِّحًا لَهُ؛ مُعَبِّرًا بِالأحْسَنِ؛ لِيُفْهَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى -: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾؛ أيْ: تَيَسُّرًا واسِعًا جِدًّا؛ مُتَّصِلًا؛ لا يُحْصَرُ؛ أوْ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ؛ فَبَيَّنَ ذَلِكَ أنَّهُ ما ضَرَبَهم بِالذُّلِّ والمَسْكَنَةِ إلّا تَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِهِ في التَّوْراةِ؛ قالَ مُتَرْجِمُها في السِّفْرِ الخامِسِ ”الدُّعاءُ والبَرَكاتُ“: (وإنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ وحَفِظْتُمْ؛ وعَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ الوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ؛ فَتَصِيرُوا إلى هَذا الدُّعاءِ؛ يُبارِكُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنكم في القَرْيَةِ؛ والحَقْلِ؛ يُبارِكُ في أوْلادِكُمْ؛ وأرْضِكُمْ؛ يُبارِكُ لَكم في بَهائِمِكُمْ؛ وما يَضَعُ في أقَطاعِ بَقَرِكُمْ؛ وأحْزابِ غَنَمِكُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا دَخَلْتُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا خَرَجْتُمْ؛ ويَدْفَعُ إلَيْكُمُ اللَّهُ أعْداءَكم أُسارى؛ يَخْرُجُونَ إلَيْكم في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ ويَهْرُبُونَ مِنكم في سَبْعَةِ طُرُقٍ؛ يَأْمُرُ اللَّهُ بِبَرَكاتِهِ في أهْرائِكُمْ؛ وفي جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي تَمُدُّونَ أيْدِيَكم إلَيْها؛ ويَنْظُرُ إلَيْكم جَمِيعُ شُعُوبِ الأرْضِ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ اسْمَ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ؛ وقَدْ وُسِمْتُمْ بِهِ؛ فَيَخافُونَكُمْ؛ ويَزِيدُكُمُ الرَّبُّ خَيْرًا؛ ويُبارِكُ في ثِمارِ أرْضِكُمْ؛ يَفْتَحُ اللَّهُ رَبُّكم أهْراءَ السَّماءِ؛ ويَهْبِطُ المَطَرُ عَلى أهْلِهِ في زَمانِهِ؛ وتَتَسَلَّطُونَ عَلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ؛ ولا يَتَسَلَّطُ عَلَيْكم أحَدٌ؛ ويُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ رَأْسًا؛ ولا يُصَيِّرُكم ذَنَبًا؛ وتَصِيرُونَ فَوْقَ؛ ولا تَصِيرُونَ (p-٢٢٧)أسْفَلَ؛ إذا عَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ وصايا اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَرُوغُوا عَنْها يُمْنَةً ولا يُسْرَةً؛ ولا تَتَّبِعُوا الشُّعُوبَ؛ ولا تَعْبُدُوا آلِهَتَها؛ وإنْ أنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَحْفَظُوا؛ ولَمْ تَعْمَلُوا بِجَمِيعِ سُنَنِهِ؛ ووَصاياهُ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُنْزِلُ بِكم هَذا اللَّعْنَ الَّذِي أقُصُّ عَلَيْكم كُلَّهُ؛ ويُدْرِكُكُمُ العِقابُ؛ وتَكُونُونَ مَلْعُونِينَ في القَرْيَةِ)؛ إلى آخِرِ اللَّعْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا؛ وقالَ في الثّالِثِ: (إذا سَلَكْتُمْ بِسُنَّتِي؛ وحَفِظْتُمْ وصايايَ؛ وعَمِلْتُمْ بِها؛ أُدِيمُ أمَطارَكم في وقْتِها؛ وتَبْذُلُ الأرْضُ لَكم غَلّاتِها؛ وتَبْذُلُ لَكُمُ الشَّجَرُ ثِمارَها؛ ويُدْرِكُ الدُّرّاسُ القِطافَ؛ والقِطافُ يُدْرِكُ الزَّرْعَ؛ وتَأْكُلُونَ خُبْزًا؛ وتَشْبَعُونَ؛ وتَسْكُنُونَ أرْضَكم مُطَمْئِنِينَ؛ ولا يَكُونُ مَن يُخْرِجُكُمْ؛ وأصْرِفُ عَنْ أرْضِكُمُ السِّباعَ الضّارِيَةَ؛ وتَطْرُدُونَ أعْداءَكُمُ؛ الخَمْسَةُ مِنكم يَهْزِمُونَ مِائَةً؛ والمِائَةُ مِنكم يَهْزِمُونَ عَشْرَةَ آلافٍ؛ وتَقَعُ أعْداؤُكم قَتْلى بَيْنَ أيْدِيكم في الحَرْبِ؛ وأُقْبِلُ إلَيْكُمْ؛ وأُكَثِّرُكُمْ؛ وأُدِيمُ مَقْدِسِي بَيْنَكُمْ؛ ولا أُدْبِرُ عَنْكُمْ؛ بَلْ أكُونُ مَعَكُمْ؛ وأسِيرُ بَيْنَكُمْ؛ وإنْ لَمْ تُطِيعُونِي؛ وتَسْمَعُوا قَوْلِي؛ ولَمْ تَعْمَلُوا بِهَذِهِ الوَصايا؛ وأبْطَلْتُمْ عُهُودِي؛ أنا أيْضًا أصْنَعُ بِكم مِثْلَ صَنِيعِكُمْ؛ وآمُرُ بِكُمُ البَلايا والبَرَصَ والبَهَقَ المُقَشِّرَ الَّذِي لا يُبْرَأُ؛ والسُّلَّ الَّذِي يُطْفِئُ البَصَرَ؛ ويُهْلِكُ النَّفْسَ؛ ويَكُونُ تَعَبُكم في الزَّرْعِ باطِلًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ أعْداءَكم يَأْكُلُونَ ما تَزْرَعُونَ؛ وأُنْزِلُ بِكم غَضَبِي؛ ويَهْزِمُكم أعْداؤُكُمْ؛ ويَتَسَلَّطُ (p-٢٢٨)عَلَيْكم شُنّاؤُكُمْ؛ وتَنْهَزِمُونَ مِن غَيْرِ أنْ يَهْزِمَكم أحَدٌ؛ وأُصَيِّرُ السَّماءَ فَوْقَكم مِثْلَ الحَدِيدِ؛ والأرْضَ تَحْتَكم مِثْلَ النُّحاسِ؛ ولا تَغُلُّ لَكم أرْضُكم غَلّاتِها؛ ولا تُثْمِرُ الشَّجَرُ ثِمارَها؛ وأُرْسِلُ عَلَيْكُمُ السِّباعَ الضّارِيَةَ فَتُهْلِكَكم وتُهْلِكُ بَهائِمَكُمْ؛ ويُسْتَوْحَشُ الطُّرُقُ مِنكُمْ؛ وأُسَلِّطُ عَلَيْكُمُ المَوْتَ؛ وأدْفَعُكم إلى أعْدائِكُمْ؛ وتَأْكُلُونَ ولا تَشْبَعُونَ؛ وتَصِيرُوا إلى ضِيقٍ حَتّى تَأْكُلُوا لُحُومَ بَناتِكُمْ؛ وأُخَرِّبُ مَنازِلَكُمْ؛ وأُفَرِّقُكم بَيْنَ الأُمَمِ؛ وتُخَرَّبُ قُراكُمْ؛ فَحِينَئِذٍ تُهْوِي الأرْضُ أسْباتَها؛ وتَسْبِتُ كُلَّ أيّامِ وحْشَتِها ما لَمْ تَسْبِتْ؛ حَيْثُ كُنْتُمْ فِيها عُصاةً لا تَسْبِتُونَ؛ والَّذِينَ يَبْقَوْنَ مِنكم أُلْقِي في قُلُوبِهِمْ فَزْعَةً؛ ويَطْرُدُهم صَوْتُ ورَقَةٍ تُحَرَّكُ؛ ويَهْرُبُونَ مِن صَوْتِ الوَرَقَةِ؛ كَما يَهْرُبُونَ مِنَ السَّيْفِ؛ ويُعَنَّفُونَ بِإثْمِهِمْ؛ ويُعاقَبُونَ بِإثْمِ آبائِهِمْ؛ ومِن بَعْدِ ذَلِكَ تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمُ الغُلْفُ).
ولَمّا كانَ ما مَضى مِن ذَمِّهِمْ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ لِكُلِّهِمْ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الكِتابِ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ هي جَدِيرَةٌ بِأنْ تَقْصِدَ؛ ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾؛ أيْ: مُجْتَهِدَةٌ في العَدْلِ؛ لا غُلُوَّ ولا تَقْصِيرَ؛ وهُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ بِحُسْنِ تَحَرِّيهِمْ؛ واجْتِهادِهِمْ؛ ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: ما أسْوَأ (p-٢٢٩)فِعْلَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَجْدِيدِهِ! فَفِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبُ؛ والتَّعْبِيرُ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ مِنهم إلّا عَنْ عِلْمٍ؛ وهُمُ الَّذِينَ حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛ وارْتَكَبُوا العَظائِمَ في عَداوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences