Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:71–77

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:71–77

5:71Page 120

وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.

﴿وحَسِبُوا﴾؛ أيْ: لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِهَذِهِ العَظائِمِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها شَيْءٌ؛ ﴿ألا تَكُونَ﴾؛ أيْ: تُوجَدَ ﴿فِتْنَةٌ﴾؛ أيْ أنَّهُ لا يُصِيبُهم بِها عَذابٌ في الدُّنْيا؛ ولا خِزْيٌ في الأُخْرى؛ بَلِ اسْتَحَقُّوا بِأمْرِها؛ فَلا تَعْجَبْ أنْتَ مِن جُرْأتِهِمْ في ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ وقُرِئَ: ”تَكُونُ“؛ بِالرَّفْعِ؛ تَنْزِيلًا لِلْحُسْبانِ مَنزِلَةَ العِلْمِ؛ فَتَكُونُ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ؛ وبِالنَّصْبِ كانَ الحُسْبانُ عَلى بابِهِ؛ و”أنْ“؛ عَلى بابِها؛ خَفِيفَةً ناصِبَةً لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ القاعِدَةَ - كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ - أنَّ الأفْعالَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: فِعْلٌ لِلثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ؛ كالعِلْمِ؛ والتَّيَقُّنِ؛ والبَيانِ؛ تَقَعُ بَعْدَهُ الثَّقِيلَةُ دُونَ الخَفِيفَةِ؛ وفِعْلٌ لِلزَّلْزَلَةِ والِاضْطِرابِ؛ كالطَّمَعِ؛ والخَوْفِ؛ والرَّجاءِ؛ فَلا يَكُونُ بَعْدَهُ إلّا الخَفِيفَةُ النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ؛ وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ؛ كَحَسِبَ؛ تارَةً تَكُونُ بِمَعْنى (p-٢٤٦)طَمِعَ؛ فَتَنْصِبُ؛ وتارَةً بِمَعْنى عَلِمَ؛ فَتَرْفَعُ؛ فَإنْ رُفِعَ هُنا كانَ الحُسْبانُ بِمَعْنى العِلْمِ عِنْدَهُمْ؛ لِقُوَّةِ عِنادِهِمْ؛ وإنْ نُصِبَ كانَ بِمَعْنى الطَّمَعِ؛ لِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ قَتْلَهم لَهم خَطَأٌ؛ فَتَنْزِلُ القِراءَتانِ عَلى فَرِيقَيْنِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وأيْضًا فَقِراءَةُ الرَّفْعِ تُفِيدُ تَأْكِيدَ حُسْبانِهِمُ المُفِيدِ لِعَدَمِ خَوْفِهِمْ؛ بِزِيادَةِ عَماهُمْ؛ ﴿فَعَمُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إدْلالِهِمْ إدْلالُ الوَلَدِ؛ والمَحْبُوبِ - جَهْلًا مِنهُمْ؛ وحَماقَةً؛ بِظَنِّهِمْ أنَّهم لا تَنالُهم فِتْنَةٌ - أنَّهم وُجِدَ عَماهُمُ العَمى الَّذِي لا عَمى في الحَقِيقَةِ سِواهُ؛ وهو انْطِماسُ البَصائِرِ؛ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]؛ حَتّى في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿وصَمُّوا﴾؛ أيْ: بَعْدَهُ؛ وبَعْدَ يُوشَعَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ لِأنَّ الصَّمَمَ أضَرُّ مِنَ العَمى؛ فَصارُوا كَمَن لا يَهْتَدِي إلى سَبِيلٍ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا بَصَرَ لَهُ بِعَيْنٍ؛ ولا قَلْبٍ؛ ولا سَمْعٍ؛ ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: فَرَجَعُوا إلى الحَقِّ؛ وتَكَرَّرَ لَهم ذَلِكَ؛ ﴿ثُمَّ عَمُوا﴾؛ أيْ: في زَمَنِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿وصَمُّوا﴾؛ أيْ: بَعْدَهُ.

ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِالضَّمِيرِ مُفْهِمًا لِأنَّ ذَلِكَ عَمَّهم كُلَّهُمْ؛ أعْلَمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾؛ إلّا أنَّ سَوْقَهُ لِلْعِبارَةِ هَذا المَساقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكْفُرْ مِنهم كانَ مُزَلْزَلًا غَيْرَ راسِخِ القَدَمِ في الهُدى؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ورُبَّما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: وإنْ دَقَّ؛ وإنْ كانُوا (p-٢٤٧)يَظُنُّونَ أنَّهم أسَّسُوا عَمَلَهم عَلى عِلْمٍ؛ وقَدْ مَضى في قَوْلِهِ: ”مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ“؛ ما يَشْهَدُ لِهَذا مِن عِبادَتِهِمْ بَعْلًا الصَّنَمَ؛ وغَيْرَهُ مِنَ الأصْنامِ؛ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

5:72Page 120

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) بِفَسادِ أعْمالِهِمْ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَفْتِحًا؛ مُبَيِّنًا مِن حالِ النَّصارى ما بَيَّنَ مِن حالِ اليَهُودِ؛ ومُؤَكِّدًا لَخَتْمِ آيَةِ التَّبْلِيغِ بِما يَنْقُضُ دَعْواهم في البُنُوَّةِ؛ والمَحَبَّةِ -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾؛ أيْ: سَتَرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ؛ وهَدى إلَيْهِ العَقْلُ؛ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن نُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ؛ ﴿هُوَ المَسِيحُ﴾؛ فَبَيَّنَ بِصِيغَةِ ”فَعِيلٌ“ - الَّتِي لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ لِلْمَفْعُولِ - بُعْدَهُ عَمّا ادَّعَوْهُ فِيهِ؛ ثُمَّ أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ إيضاحًا؛ لا خَفاءَ مَعَهُ؛ ولَمّا كانَتْ دَعْوى الِاتِّحادِ؛ الَّذِي هو قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ؛ أشَدَّ في الكُفْرِ؛ وأنْفى لِلْإلَهِ مِن دَعْوى التَّثْلِيثِ؛ الَّذِي هو قَوْلُ النَّسْطُورِيَّةِ؛ والمَلَكِيَّةِ؛ القائِلِينَ بِالأقانِيمِ؛ قَدَّمَها؛ وبَيَّنَ (تَعالى) أنَّهم خالَفُوا فِيها أمْرَ المَسِيحِ؛ الَّذِي ادَّعَوْا أنَّهُ الإلَهُ؛ فَقالَ: ﴿وقالَ﴾؛ أيْ: قالُوا هَذا الَّذِي كَفَرُوا بِهِ؛ والحالُ أنَّهُ قالَ لَهُمْ؛ ﴿المَسِيحُ﴾؛ ضَغْطَةً عَلَيْهِمْ؛ ودُعاءً إلى ما هو الحَقُّ؛ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ يَتَشَرَّفُ بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ وتَسْمِيَتِهِ بِأنَّهُ عَبْدُهُ؛ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ فَأمَرَهم بِأداءِ الحَقِّ لِأهْلِهِ؛ مُذَكِّرًا لَهم بِعَظْمَتِهِ؛ ثُمَّ ذَكَّرَهم بِإحْسانِهِ؛ وأنَّهُ وإيّاهم في ذَلِكَ شَرْعٌ (p-٢٤٨)واحِدٌ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ لِإنْكارِهِمْ لَهُ -: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾؛ فَلَمْ يُطِيعُوا الإلَهَ الحَقَّ؛ ولا الَّذِي ادَّعَوْهُ إلَهًا؛ فَلا أضَلَّ مِنهُمْ؛ ولا أسْفَهَ؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ في ”النَّهْرُ“: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ؛ يَقْرَؤُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ؛ وهو قَوْلُ المَسِيحِ: ”يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ - وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ -؛ قُومُوا بِنا إلى أبِي؛ وأبِيكُمْ؛ وإلى إلَهِي؛ وإلَهِكُمْ؛ ومُخَلِّصِي؛ ومُخَلِّصِكُمْ“؛ انْتَهى.

وقَدْ أسْلَفْتُ أنا في ”آلِ عِمْرانَ“؛ وغَيْرِها؛ عَنِ الإنْجِيلِ كَثِيرًا مِن شَواهِدِ ذَلِكَ؛ ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ كَثِيرٌ مِنهُ.

ولَمّا أمَرَهم بِما يُفْهَمُ مِنهُ الإخْلاصُ لِلَّهِ (تَعالى) في العِبادَةِ؛ لِما ذَكَرَ مِن جَلالِهِ؛ وأنَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ؛ ولِأنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ؛ فَمَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِعِبادَةٍ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ أوْ بَعْدَ الآنَ؛ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَفَرَّدَ بِالجَلالِ؛ في عِبادَةٍ؛ أوْ فِيما هو مُخْتَصٌّ بِهِ مِن صِفَةٍ؛ أوْ فِعْلٍ؛ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: مَنَعَهُ مِن دُخُولِها؛ مَنعًا عَظِيمًا مُتَحَتَّمًا. (p-٢٤٩)ولَمّا كانَ المَنعُ مِن دارِ السُّعَداءِ مُفْهِمًا لِكَوْنِهِ في دارِ الأشْقِياءِ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَأْواهُ﴾؛ أيْ: مَحَلُّ سُكْناهُ؛ ﴿النّارُ﴾؛ ولَمّا جَرَتْ عادَةُ الدُّنْيا بِأنَّ مَن نَزَلَ بِهِ ضَيْمٌ يَسْعى في الخَلاصِ مِنهُ بِأنْصارِهِ؛ وأعْوانِهِ؛ نَفى ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ مُظْهِرًا لِلْوَصْفِ المُقْتَضِي لِشَقائِهِمْ؛ تَعْلِيلًا؛ وتَعْمِيمًا؛ فَقالَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ لِظُلْمِهِمْ؛ ﴿مِن أنْصارٍ﴾؛ لا بِفِداءٍ؛ ولا بِشَفاعَةٍ؛ ولا مُقاهَرَةٍ بِمُجاهَرَةٍ؛ ولا مُساتَرَةٍ؛ لِأنَّ مَن وضَعَ عَمَلَهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ فَكانَ ماشِيًا في الظَّلامِ؛ لا تُمْكِنُهُ أصْلًا مُقاوَمَةُ مَن هو في أتَمِّ ضِياءٍ؛ وهَذا عَلى التَّهْدِيدِ عَلى الكُفْرِ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلى مُطْلَقِ المَعْصِيَةِ؛ ولَوْ كانَتْ كَبِيرَةً؛ فَبَطَلَ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.

5:73Page 120

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

ولَمّا انْقَضى هَذا النَّقْضُ؛ وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ - كَما مَضى - أشَدُّ؛ أتْبَعَهُ إبْطالَ دَعْوى التَّثْلِيثِ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن تِلْكَ النَّتِيجَةِ نَتِيجَةً أُخْرى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ بِجُرْأةٍ؛ عَلى الكَلامِ المُتَناقِضِ؛ وعَدَمِ حَياءٍ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿ثالِثُ﴾؛ أيْ: واحِدُ ﴿ثَلاثَةٍ﴾؛ أيْ: كُلُّهم آلِهَةٌ؛ وأمّا القائِلُ بِأنَّهُ ثالِثٌ بِالعِلْمِ؛ فَلا يَكْفُرُ.

ولَمّا أعْلَمَ بِكُفْرِهِمْ؛ أشارَ إلى إبْطالِهِ؛ كَما أشارَ إلى إبْطالِ الأوَّلِ؛ كَما سَلَفَ؛ بِما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ تَحْقِيقًا لِتَلَبُّسِهِمْ بِمَعْنى الكُفْرِ؛ الَّذِي هو سَتْرُ ما هو ظاهِرٌ؛ فَقالَ: ﴿وما﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ كَما هو الحَقُّ؛ واقْتَضاهُ المَقامُ؛ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ (p-٢٥٠)ولا يُتَصَوَّرُ في العَقْلِ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مُتَعَدِّدًا؛ لا تَحْقِيقًا؛ ولا تَقْدِيرًا؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ وهو اللَّهُ (تَعالى)؛ لا غَيْرُهُ؛ وقَدْ بَيَّنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الإنْجِيلِ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلّا واحِدًا - بِالمُعْتَمَدِ مِن أدِلَّةِ ذَلِكَ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ الأُصُولِ؛ وهو بُرْهانُ التَّمانُعِ المُشارُ إلَيْهِ في كِتابِنا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ فَقالَ مُتَرْجِمُهم في إنْجِيلِ مَتّى: (حِينَئِذٍ أُتِيَ إلَيْهِ - أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأعْمى؛ أخْرَسَ؛ لَهُ شَيْطانٌ؛ فَأبْرَأهُ؛ حَتّى إنَّهُ تَكَلَّمَ؛ وأبْصَرَ؛ فَبُهِتَ الجَمْعُ كُلُّهُمْ؛ وقالُوا: لَعَلَّ هَذا هو ابْنُ داوُدَ؛ فَسَمِعَ الفَرِّيسِيُّونَ؛ فَقالُوا: هَذا لا يُخْرِجُ الشَّياطِينَ إلّا بِباعَلَ زَبُولَ؛ رَئِيسِ الشَّياطِينِ؛ فَلَمّا عَلِمَ مَكْرَهم قالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ عَلى ذاتِها تُخْرَبُ؛ وكُلُّ مَدِينَةٍ أوْ بَيْتٍ يَنْقَسِمُ لا يَثْبُتُ؛ فَإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُخْرِجُ الشَّيْطانَ فَقَدِ انْقَسَمَ؛ فَكَيْفَ يَقُومُ مُلْكُهُ؟ فَإنْ كُنْتُ أنا أُخْرِجُ الشَّياطِينَ بِباعَلَ زَبُولَ فَأبْناؤُكم بِما تُخْرِجُونَهُمْ؟! مِن أجْلِ هَذا هم يَكُونُونَ عَلَيْكُمْ؛ وإنْ كُنْتُ أنا بِرُوحِ اللَّهِ أُخْرِجُ الشَّياطِينَ فَقَدْ قَرَّبْتُ مِنكم مَلَكُوتَ اللَّهِ؛ وكَيْفَ يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَخْطِفَ مَتاعَهُ إلّا أنْ يَرْبِطَ القَوِيَّ أوَّلًا؛ حِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وأمّا الكَتَبَةُ الَّذِينَ أتَوْا مِن يَرُوشَلِيمَ فَقالُوا: إنَّ بَعْلَ زَبُولَ مَعَهُ؛ وبِأُرْكُونِ الشَّياطِينِ يَخْرُجُ الشَّياطِينُ؛ فَدَعاهُمْ؛ وقالَ لَهُمْ: كَيْفَ (p-٢٥١)يَقْدِرُ شَيْطانٌ أنْ يُخْرِجَ شَيْطانًا؟! وكُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ لا تَثْبُتُ تِلْكَ المَمْلَكَةُ؛ فَإذا اخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ لا يَثْبُتُ ذَلِكَ البَيْتُ؛ وإنْ كانَ الشَّيْطانُ الَّذِي يُقاوِمُ بَقِيَّتَهُ ويَنْقَسِمُ؛ فَلَنْ يَقْدِرَ أنْ يَثْبُتَ؛ لَكِنَّ لَهُ انْقِضاءً؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَنْتَهِبَ بَيْتَهُ إلّا أنْ يَرْبِطَهُ أوَّلًا؛ ويَنْتَهِبَ مَتاعَهُ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُغْفَرُ لِبَنِي النّاسِ مِنَ الخَطايا؛ والتَّجْدِيفِ الَّذِي يُجَدِّفُونَهُ؛ والمُجَدِّفُونَ عَلى رُوحِ القُدُسِ لَيْسَ يُغْفَرُ لَهم إلى الأبَدِ؛ بَلْ يَحِلُّ بِهِمُ العِقابُ الدّائِمُ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَعَهُ رُوحًا نَجِسًا؛ قالَ مَتّى: مَن لَيْسَ مَعِي فَهو عَلَيَّ؛ ومَن لا يَجْمَعُ مَعِي فَهو يُفَرِّقُ؛ مِن أجْلِ هَذا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ وتَجْدِيفٍ يُتْرَكُ لِلنّاسِ؛ والتَّجْدِيفُ عَلى رُوحِ القُدُسِ لا يُتْرَكُ؛ ومَن يَقُلْ كَلِمَةً عَلى ابْنِ الإنْسانِ يُتْرَكُ لَهُ؛ والَّذِي يَقُولُ عَلى رُوحِ القُدُسِ لا يُتْرَكُ لَهُ في هَذا الدَّهْرِ؛ ولا في الآتِي؛ إمّا أنْ تَصِيرُوا الشَّجَرَةَ الجَيِّدَةَ؛ وثَمَرَتُها جَيِّدَةٌ؛ وإمّا أنْ تَصِيرُوا الشَّجَرَةَ الرَّدِيئَةَ؛ وثَمَرَتُها رَدِيئَةٌ؛ لِأنَّ مِنَ الثَّمَرَةِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ؛ يا أوْلادَ الأفاعِي؛ كَيْفَ تَقْدِرُونَ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّلاحِ وأنْتُمْ أشْرارٌ؟! إنَّما يَتَكَلَّمُ الفَمُ مِن فَضْلِ ما في القَلْبِ؛ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَن كَنْزُهُ الصّالِحُ يُخْرِجُ الصَّلاحَ؛ والرَّجُلُ الشِّرِّيرُ مَن كَنْزُهُ الشِّرِّيرُ يُخْرِجُ الشَّرَّ؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ يَتَكَلَّمُ بِها النّاسُ بَطّالَةً؛ يُعْطَوْنَ عَنْها جَوابًا في يَوْمِ (p-٢٥٢)الدِّينِ؛ لِأنَّكَ مِن كَلامِكَ تَتَبَرَّرُ؛ ومِن كَلامِكَ يُحْكَمُ عَلَيْكَ.

وفِي إنْجِيلِ لُوقا: وفِيما هو يَتَكَلَّمُ إذْ رَفَعَتِ امْرَأةٌ مِنَ الجَمْعِ صَوْتَها؛ وقالَتْ: طُوبى لِبَطْنِ الَّتِي حَمَلَتْكَ؛ ولِثَدْيِ الَّتِي أرْضَعَتْكَ؛ فَقالَ لَها: مَهْلًا! طُوبى لِمَن يَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ويَحْفَظُهُ؛ انْتَهى؛ حِينَئِذٍ أجابَهُ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ والفَرِّيسِيِّينَ قائِلِينَ: نُرِيدُ يا مُعَلِّمُ أنْ تُرِيَنا آيَةً؛ أجابَهم وقالَ لَهُمْ: الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَطْلُبُ آيَةً فَلا يُعْطى آيَةً؛ إلّا آيَةَ يُونانَ النَّبِيِّ؛ قالَ لُوقا: فَكَما كانَ في يُونانَ آيَةٌ لِأهْلِ نِينَوى؛ كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإنْسانِ لِهَذا الجِيلِ آيَةً؛ انْتَهى؛ رِجالُ نِينَوى يَقُومُونَ في الحُكْمِ؛ ويُحاكِمُونَ هَذا الجِيلَ؛ لِأنَّهم تابُوا بِكَرِيزَةِ يُونانَ - وقالَ لُوقا: بِإنْذارِ يُونانَ - وهَهُنا أفْضَلُ مِن يُونانَ؛ مَلِكَةُ التَّيْمُنِ؛ تَقُومُ في الحُكْمِ مَعَ هَذا الجِيلِ؛ وتُحاكِمُهُ؛ لِأنَّها أتَتْ مِن أقْصى الأرْضِ لِتَسْمَعَ مِن حِكْمَةِ سُلَيْمانَ؛ وهَهُنا أفْضَلُ مِن سُلَيْمانَ؛ إنَّ الرُّوحَ النَّجِسَ إذا خَرَجَ مِنَ الإنْسانِ يَأْتِي أمْكِنَةً لَيْسَ فِيها ماءٌ؛ يَطْلُبُ راحَةً فَلا يَجِدُ؛ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أرْجِعُ إلى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنهُ؛ فَيَأْتِي فَيَجِدُ المَكانَ فارِغًا مَكْنُوسًا؛ مُزَيَّنًا؛ فَيَذْهَبُ حِينَئِذٍ ويَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أرْواحٍ أُخَرَ شَرًّا مِنهُ؛ ويَأْتِي ويَسْكُنُ هُناكَ؛ فَتَصِيرُ آخِرَةُ ذَلِكَ الإنْسانِ شَرًّا مِن أوَّلِيَّتِهِ؛ وهَكَذا يَكُونُ لِهَذا الجِيلِ الشِّرِّيرِ؛ انْتَهى؛ والتَّجْدِيفُ هو الكُفْرُ بِالنِّعَمِ؛ ويُونانُ: (p-٢٥٣)يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والكَرِيزَةُ: بَيَّنَها لُوقا بِأنَّها الإنْذارُ؛ والتَّيْمُنُ: اليَمَنُ؛ والأُرْكُونُ؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ والكافِ؛ بَيْنَهُما راءٌ مُهْمَلَةٌ ساكِنَةٌ: الكَبِيرُ؛ ويَرُوشَلِيمُ؛ بِفَتْحِ التَّحْتانِيَّةِ وضَمِّ المُهْمَلَةِ؛ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وباعَلَ زَبُولُ؛ لا تَصِحُّ أصْلًا؛ وأمّا الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ شَرِكَةِ كُلٍّ مِن عِيسى؛ وأُمِّهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ بِخُصُوصِهِما؛ فَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ والمُرادُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَتى دَخَلَتِ الشَّرِكَةُ أتى النَّقْصُ فِعْلًا؛ أوْ إمْكانًا؛ ومَنِ اعْتَرَتْهُ شائِبَةُ نَقْصٍ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ إلَهًا.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم كَفَرُوا؛ وأشارَ إلى نَقْضِ قَوْلِهِمْ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ بَعْدَهُ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ تَرْهِيبَهُمْ؛ ثُمَّ تَرْغِيبَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾؛ أيْ: الكَفَرَةُ بِجَمِيعِ أصْنافِهِمْ؛ ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مِن هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ؛ وما داناهُما؛ ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾؛ أيْ: مُباشَرَةً؛ مِن غَيْرِ حائِلٍ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: دامُوا عَلى الكُفْرِ؛ وبَشَّرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَتُوبُ عَلى بَعْضِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

5:74Page 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى باطِلٍ؛ فَإنْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ؛ وشَعُرَ بِنَوْعِ ضَرَرٍ يَأْتِي بِسَبَبِهِ؛ بادَرَ إلى الإقْلاعِ عَنْهُ؛ تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْذارِ - بَعْدَ بَيانِ العَوارِ - الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ؛ إيضاحًا (p-٢٥٤)لِأنَّ مَعْنى كَفَرُوا: دامُوا عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ﴾؛ أيْ: يَرْجِعُونَ بَعْدَ هَذا الكُفْرِ الَّذِي لا أوْضَحَ مِن بُطْلانِهِ ولا أبْيَنَ مِن فَسادِهِ؛ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ؛ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنهُ غُفْرانَ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العارِ البَيِّنِ العَوارِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فاللَّهُ تَوّابٌ حَكِيمٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”والحالُ أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ أزَلًا وأبَدًا“؛ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ؛ يَمْحُو الذُّنُوبَ؛ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها؛ ولا يُعاتِبُ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الإكْرامِ لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ.

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

ولَمّا أبْطَلَ الكُفْرَ كُلَّهُ؛ بِإثْباتِ أفْعالِهِ؛ مِن إرْسالِهِ؛ وإنْزالِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كَمالِهِ؛ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ عَلى وجْهٍ عامٍّ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ تَخْصِيصَ ما كَفَرَ بِهِ المُخاطَبُونَ بِالإبْطالِ؛ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا خاصًّا بَعْدَ دَلِيلٍ عامٍّ؛ فَقالَ (تَعالى) - عَلى وجْهِ الحَصْرِ في الرُّسُلِيَّةِ؛ رَدًّا عَلى مَن يُعْتَقَدُ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ واصِفًا لَهُ بِصِفَتَيْنِ؛ لا يَكُونانِ إلّا لِمَصْنُوعٍ مَرْبُوبٍ -: ﴿ما المَسِيحُ﴾؛ أيْ: المَمْسُوحُ بِدُهْنِ القُدْسِ؛ المُطَهَّرُ؛ المَوْلُودُ؛ لِأنَّهُ ﴿ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ ما كانَ بِدْعًا مِمَّنْ كانَ قَبْلَهُ مِن إخْوانِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾؛ أيْ: فَما مِن خارِقَةٍ لَهُ إلّا وقَدْ كانَ مِثْلُها؛ أوْ أعْجَبُ مِنها لِمَن قَبْلَهُ؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خَلْقِهِ مِن تُرابٍ؛ ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَلْبِ العَصى (p-٢٥٥)حَيَّةً تَسْعى - ونَحْوِ ذَلِكَ.

ولَمّا كَفَرُوا بِأُمِّهِ أيْضًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - بَيَّنَ ما هو الحَقُّ في أمْرِها؛ فَقالَ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغَةُ الصِّدْقِ في نَفْسِها؛ والتَّصْدِيقِ لِما يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقَ؛ فَرُتْبَتُها تَلِي رُتْبَةَ الأنْبِياءِ؛ ولِذَلِكَ تَكُونُ مِن أزْواجِ نَبِيِّنا ﷺ في الجَنَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أدِلَّةِ مَن قالَ: إنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ فَإنَّهُ (تَعالى) ذَكَرَ أشْرَفَ صِفاتِها في مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلى مَن قالَ بِإلَهِيَّتِهِما؛ إشارَةً إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في اعْتِقادِ ما لَهُما مِن أعْلى الصِّفاتِ؛ وأنَّهُ مَن رَفَعَ واحِدًا مِنهُما فَوْقَ ذَلِكَ فَقَدْ أطْراهُ؛ ومَن نَقَصَهُ عَنْهُ فَقَدِ ازْدَراهُ؛ فالقَصْدُ العَدْلُ بَيْنَ الإفْراطِ؛ والتَّفْرِيطِ؛ بِاعْتِقادِ أنَّ أعْظَمَ صِفاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرِّسالَةُ؛ وأكْمَلَ صِفاتِ أُمِّهِ الصِّدِّيقِيَّةُ.

ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ البَيانِ عَنْ نُزُولِهِما عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ذَكَرَ أبْعَدَ الأوْصافِ مِنها؛ فَقالَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾؛ وخَصَّ الأكْلَ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ ضَعْفًا لازِمًا ظاهِرًا؛ هو أصْلُ الحاجاتِ المُعْتَرِيَةِ لِلْإنْسانِ؛ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى غَيْرِهِ؛ ومِنَ الأمْرِ الجَلِيِّ أنَّ الإلَهَ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْنُوَ إلى جَنابِهِ عَجْزٌ أصْلًا؛ وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقالَ المَسِيحُ﴾ [المائدة: ٧٢]؛ وقَوْلُهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾؛ عَلى أشْرَفِ أحْوالِ الإنْسانِ؛ وأخَسِّها؛ فَأشْرَفُها عِبادَةُ اللَّهِ؛ وأخَسُّها الِاشْتِغالُ عَنْها بِالأكْلِ؛ الَّذِي هو مَبْدَأُ الحاجاتِ. (p-٢٥٦)ولَمّا أوْضَحَ ما هو الحَقُّ في أمْرِهِما؛ حَتّى ظَهَرَ كالشَّمْسِ بُعْدُهُما عَمّا ادَّعَوْهُ فِيهِما؛ أتْبَعَهُ التَّعَجُّبَ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ الآياتِ؛ وعَلى الإضْلالِ بَعْدَ ذَلِكَ البَيانِ؛ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾؛ أيْ: نُوَضِّحُ إيضاحًا شافِيًا العَلاماتِ الَّتِي مِن شَأْنِها الهِدايَةُ إلى الحَقِّ؛ والمَنعُ مِنَ الضَّلالِ؛ ولَمّا كانَ العَمى عَنْ هَذا البَيانِ في غايَةِ البُعْدِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى﴾؛ أيْ: كَيْفَ؛ ومِن أيْنَ؛ ولَمّا كانَ العَجَبُ قَبُولَهم لِلصَّرْفِ؛ وتَأثُّرَهم بِهِ؛ لا كَوْنَهُ مِن صارِفٍ مُعَيَّنٍ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾؛ أيْ: يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ؛ وبَيانِ الطَّرِيقِ؛ صَرْفَ مَن لا نُورَ لَهُ أصْلًا؛ مِن أيِّ صارِفٍ كانَ؛ فَصَرْفُهم في غايَةِ السُّفُولِ؛ وبَيانُ الآياتِ في غايَةِ العُلُوِّ؛ فَبَيْنَهُما بَوْنٌ عَظِيمٌ.

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

ولَمّا نَفى عَنْهُما الصَّلاحِيَةَ لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ لِلذّاتِ؛ أتْبَعَها نَفْيَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الصِّفاتُ؛ فَقالَ - مُنْكِرًا؛ مُصَرِّحًا بِالإعْراضِ عَنْهُمْ؛ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِلْإقْبالِ عَلَيْهِمْ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِلنَّصارى؛ أيُّها الرَّسُولُ الأعْظَمُ؛ ﴿أتَعْبُدُونَ﴾؛ ونَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ وأنَّهُمُ اتَّخَذُوهم وسِيلَةً إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ ونَبَّهَ بِإثْباتِ الِاسْمِ الأعْظَمِ عَلى أنَّ لَهُ جَمِيعَ الكَمالِ؛ وعَبَّرَ عَمّا عَبَدُوهُ بِأداةِ ما لا يُعْقَلُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي (p-٢٥٧)أفاضَ عَلَيْهِ ما رَفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ الحَيِّزِ؛ ولَوْ شاءَ لَسَلَبَهُ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا﴾؛ أيْ: مِن نَفْسِهِ؛ فَتَخْشَوْهُ؛ ﴿ولا نَفْعًا﴾؛ أيْ: فَتَرْجُوهُ؛ لِيَكُونَ لَكم نَوْعُ عُذْرٍ؛ أوْ شُبْهَةٍ؛ ولا هو سَمِيعٌ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ؛ بِحَيْثُ يُغِيثُ المُضْطَرَّ إذا اسْتَغاثَ بِهِ في أيِّ مَكانٍ كانَ؛ ولا عَلِيمٌ يَعْلَمُ كُلَّ ما يُمْكِنُ عِلْمُهُ؛ بِحَيْثُ يُعْطِي عَلى حَسَبِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ما يَمْلِكُ مِن ذَلِكَ فَبِتَمْلِيكِ اللَّهِ لَهُ؛ كَما مَلَّكَكم مِن ذَلِكَ ما شاءَ.

ولَمّا نَفى عَنْهُ ما ذَكَرَ؛ تَصْرِيحًا؛ وتَلْوِيحًا؛ أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ والصِّفاتُ العُلا؛ والكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾؛ وهو وحْدَهُ الضّارُّ النّافِعُ؛ يَسْمَعُ مِنكم هَذا القَوْلَ؛ ويَعْلَمُ هَذا المَعْقِدَ السَّيِّئَ؛ وإنَّما قَرَنَ بِـ ”السَّمِيعُ“؛ ”العَلِيمُ“؛ دُونَ ”البَصِيرُ“؛ لِإرادَةِ التَّهْدِيدِ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ قَوْلٌ؛ أوْ فِعْلٌ؛ ومِنَ الفِعْلِ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ؛ وهو الِاعْتِقادُ؛ ولا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ؛ بَلْ بِالعِلْمِ؛ والآيَةُ - كَما تَرى - مِنَ الِاحْتِباكِ: "دَلَّ بِما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلى نَفْيِهِ في الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ غَيْرِهِ؛ وبِما نَفاهُ في الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ غَيْرِهِ عَلى إثْباتِهِ لَهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

ولَمّا قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ اليَهُودِ؛ ثُمَّ عَلى بُطْلانِ مُدَّعى النَّصارى؛ ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عِلَّةٌ؛ أمَرَهُ ﷺ أنْ يَنْهى الفَرِيقَيْنِ عَنِ الغُلُوِّ بِالباطِلِ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ اليَهُودَ؛ (p-٢٥٨)بِإنْزالِهِ عَنْ رُتْبَتِهِ؛ والنَّصارى؛ بِرَفْعِهِ عَنْها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿لا تَغْلُوا﴾؛ أيْ: تُجاوِزُوا الحَدَّ عُلُوًّا؛ ولا نُزُولًا؛ ﴿فِي دِينِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الغُلُوُّ رُبَّما أُطْلِقَ عَلى شِدَّةِ الفَحْصِ عَنِ الحَقائِقِ؛ واسْتِنْباطِ الخَفِيِّ مِنَ الأحْكامِ؛ والدَّقائِقِ مِن خَبايا النُّصُوصِ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾؛ وعَرَّفَهُ؛ لِيُفِيدَ أنَّ المُبالَغَةَ في الحَقِّ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْها؛ وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ تَجاوُزُ دائِرَةِ الحَقِّ بِكَمالِها؛ ولَوْ نَكَّرَ لَكانَ مَن جاوَزَ حَقًّا إلى غَيْرِهِ واقِعًا في النَّهْيِ؛ كَمَن جاوَزَ الِاجْتِهادَ في الصَّلاةِ النّافِلَةِ إلى الجِدِّ في العِلْمِ النّافِعِ؛ ولَوْ قِيلَ: باطِلًا؛ لِأوْهَمَ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ المُبالَغَةُ في الباطِلِ؛ لا أصْلُهُ ومُطْلَقُهُ.

ولَمّا نَهاهم أنْ يَضِلُّوا بِأنْفُسِهِمْ؛ نَهاهم أنْ يُقَلِّدُوا في ذَلِكَ غَيْرَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾؛ أيْ: فاعِلِينَ فِعْلَ مَن يَجْتَهِدُ في ذَلِكَ؛ ﴿أهْواءَ قَوْمٍ﴾؛ أيْ: هَوَوْا؛ مَعَ ما لَهم مِنَ القُوَّةِ؛ فَكانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ؛ والهَوى لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في البَشَرِ؛ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾؛ ولَمّا كانَ ضَلالُهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الماضِي؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ زَمانِكم هَذا عَنْ مِنهاجِ العَقْلِ؛ فَصَبَرُوا عَلى ضَلالِهِمْ؛ وأنِسُوا بِما تَمادَوْا عَلَيْهِ في مِحالِهِمْ؛ ﴿وأضَلُّوا﴾؛ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ ضَلالُهم في أنْفُسِهِمْ؛ حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهُمْ؛ ﴿كَثِيرًا﴾؛ أيْ: مِنَ النّاسِ؛ بِتَمادِيهِمْ في الباطِلِ؛ مِنَ التَّثْلِيثِ؛ وغَيْرِهِ؛ حَتّى (p-٢٥٩)ظُنَّ حَقًّا؛ ﴿وضَلُّوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ بِمُنابَذَةِ الشَّرْعِ؛ ﴿عَنْ سَواءِ﴾؛ أيْ: عَدْلِ؛ ﴿السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا سَبِيلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ هو المِيزانُ القِسْطُ؛ والحُكْمُ العَدْلُ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَنْتَهُوا كانُوا عَلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِهِمُ الَّذِينَ هم في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّهْجِ؛ وتَرْكِ الِاهْتِداءِ بِنُورِ العِلْمِ؛ وهَذا غايَةٌ في التَّبْكِيتِ؛ فَإنَّ تَقْلِيدَهم لَوْ كانَ فِيما يُشْبِهُ الحَقَّ كانَ جَهْلًا؛ فَكَيْفَ وإنَّما هو تَقْلِيدٌ في هَوًى؟!

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском