Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:8–12

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:8–12

5:8Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨

O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.

ولَمّا تَقَدَّمَ القِيامُ إلى الصَّلاةِ؛ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ المَأْمُورِ فِيهِنَّ بِالعَدْلِ؛ في أوَّلِ ”النِّساءِ“؛ وأثْنائِها؛ وكانَ في الأزْواجِ المَذْكُوراتِ هُنا الكافِراتُ؛ ناسَبَ تَعْقِيبَ ذَلِكَ؛ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّقْوى؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا كانَ العَدْلُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ عَلى الإنْسانِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ يَحْتاجُ المُتَخَلِّقُ بِهِ إلى تَدْرِيبٍ كَبِيرٍ؛ لِيَصِيرَ صِفَةً راسِخَةً؛ عَبَّرَ بِالكَوْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾؛ أيْ: مُجْتَهِدِينَ في القِيامِ عَلى النِّساءِ؛ اللّاتِي أخَذْتُمُوهُنَّ بِعَهْدِ اللَّهِ؛ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ؛ وعَلى غَيْرِهِنَّ؛ في الصَّلاةِ وغَيْرِها؛ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ الَّتِي عاهَدْتُمْ عَلى الوَفاءِ بِها.

ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ الوَثِيقِ؛ وكانَ الوَفاءُ بِذَلِكَ إنَّما يَخِفُّ عَلى النُّفُوسِ؛ ويَصِحُّ النَّشاطُ فِيهِ؛ ويَعْظُمُ العَزْمُ عَلَيْهِ؛ بِالتَّذْكِيرِ بِجَلالَةِ مُوَثِّقِهِ؛ وعَدَمِ انْتِهاكِ حُرْمَتِهِ؛ لِأنَّ المَعاهَدَ إنَّما يَكُونُ بِاسْمِهِ؛ ولِحِفْظِ حَدِّهِ؛ ورَسْمِهِ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ - بِخِلافِ ما مَضى في ”النِّساءِ“ - ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ المُعاقَدِ عَلَيْهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ - لَيْلَةَ تَواثَقُوا عَلى الإسْلامِ - أنْ يَقُولُوا الحَقَّ حَيْثُما كانُوا؛ لا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ؛ (p-٤١)قالَ: ﴿شُهَداءَ﴾؛ أيْ: مُتَيَقِّظِينَ؛ مُحَضِّرِينَ أفْهامَكم غايَةَ الإحْضارِ؛ بِحَيْثُ لا يُسَدُّ عَنْها شَيْءٌ مِمّا تُرِيدُونَ الشَّهادَةَ بِهِ؛ ﴿بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: العَدْلِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو حَيّانَ في نَهْرِهِ: إنَّ الَّتِي جاءَتْ في سُورَةِ ”النِّساءِ“؛ جاءَتْ في مَعْرِضِ الِاعْتِرافِ عَلى نَفْسِهِ؛ وعَلى الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ فَبَدَأ فِيها بِالقِسْطِ؛ الَّذِي هو العَدْلُ؛ والسَّواءُ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ؛ ولا والِدٍ؛ ولا قَرابَةٍ؛ وهُنا جاءَتْ في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداواتِ والإحَنِ؛ فَبُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ؛ إذْ كانَ الأمْرُ بِالقِيامِ لِلَّهِ أوَّلًا أرَدَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ أرْدَفَ بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ؛ فالَّتِي في مَعْرِضِ المَحَبَّةِ؛ والمُحاباةِ؛ بُدِئَ فِيها بِما هو آكَدُ؛ وهو القِسْطُ؛ والَّتِي في مَعْرِضِ العَداوَةِ والشَّنَآنِ؛ بُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ؛ فَناسَبَ كُلُّ مَعْرِضٍ ما جِيءَ بِهِ إلَيْهِ؛ وأيْضًا فَتَقَدَّمَ هُناكَ حَدِيثُ النُّشُوزِ؛ والإعْراضِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ وقَوْلُهُ: ”فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا“؛ فَناسَبَ ذِكْرَ تَقْدِيمِ القِسْطِ؛ وهُنا تَأخَّرَ ذِكْرُ العَداوَةِ؛ فَناسَبَ أنْ يُجاوِرَها ذِكْرُ القِسْطِ؛ انْتَهى.

ولَمّا كانَ أمَرَ بِهَذا الخَبَرِ؛ نَهى عَمّا يَحْجُبُ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ (p-٤٢)؛ أيْ: يَحْمِلَنَّكُمْ؛ ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أيْ: شِدَّةُ عَداوَةِ مَن لَهم قُوَّةٌ عَلى القِيامِ في الأُمُورِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ بِحَيْثُ يُخْشى مِن إهْمالِهِمُ ازْدِيادُ قُوَّتِهِمْ؛ ﴿عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾؛ أيْ: أنْ تَتْرُكُوا قَصْدَ العَدْلِ؛ وهو يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ بُغْضُ أهْلِ الزَّوْجَةِ الكافِرَةِ؛ أوِ ازْدِراؤُها في شَيْءٍ مِن حُقُوقِها؛ لِأجْلِ خِسَّةِ دِينِها؛ فَأُمِرُوا بِالعَدْلِ؛ حَتّى بَيْنَ هَذِهِ المَرْأةِ الكافِرَةِ؛ وضَرّاتِها المُسْلِماتِ؛ وإذا كانَ هَذا شَأْنُ الأمْرِ بِهِ في الكافِرِ؛ فَما الظَّنُّ بِهِ في المُسْلِمِ؟! ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - آمِرًا بَعْدَ النَّهْيِ؛ تَأْكِيدًا لِأمْرِ العَدْلِ -: ﴿اعْدِلُوا﴾؛ أيْ: تَحَرَّوُا العَدْلَ؛ واقْصِدُوهُ في كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتّى في هَذِهِ الزَّوْجاتِ؛ وفِيمَن يُجاوِزُ فِيكُمُ الحُدُودَ؛ فَكُلَّما عَصَوُا اللَّهَ فِيكُمْ؛ أطِيعُوهُ فِيهِمْ؛ فَإنَّ الَّذِي مَنَعَكم مِنَ التَّجاوُزِ - خَوْفَهُ - يُرِيكم مِنَ النُّصْرَةِ؛ وصَلاحِ الحالِ ما يَسُرُّكم.

ولَمّا كانَ تَرْكُ قَصْدِ العَدْلِ قَدْ يَقَعُ لِصاحِبِهِ العَدْلُ اتِّفاقًا؛ فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنَ التَّقْوى؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا ومُعَلِّلًا -: ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: قَصْدُ العَدْلِ؛ ﴿أقْرَبُ﴾؛ أيْ: مِن تَرْكِ قَصْدِهِ؛ ﴿لِلتَّقْوى﴾؛ والإحْسانُ - الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الصُّلْحُ - أقْرَبُ مِنَ العَدْلِ إلَيْها؛ وتَعْدِيَةُ ”أقْرَبُ“؛ بِاللّامِ؛ دُونَ ”إلى“؛ المُقْتَضِيَةِ لِنَوْعِ بُعْدٍ؛ زِيادَةٌ في التَّرْغِيبِ - كَما مَرَّ في ”البَقَرَةِ“؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يَكُونُ إلّا بِمُقَدِّماتِهِ؛ وكانَ قَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ العَدْلَ مُقَدِّمَةُ التَّقْوى؛ قالَ - عاطِفًا (p-٤٣)عَلى النَّهْيِ؛ أوْ عَلى نَحْوِ: ”فاعْدِلُوا“ -: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وِقايَةً بِالإحْسانِ؛ فَضْلًا عَنِ العَدْلِ؛ ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الآيَةِ ناظِرَةً إلى النِّكاحِ؛ مَعَ ما ذَكَرَ خِتامُ آيَةِ الشِّقاقِ؛ الَّتِي في أوَّلِ ”النِّساءِ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]؛ وخِتامُ قَوْلِهِ (تَعالى) في أواخِرِها: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ [النساء: ١٢٨]؛ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]؛ وخِتامُ هَذِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ لِأنَّ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ رُبَّما دَقَّ عِلْمُهُ عَنْ إدْراكِ غَيْرِ العَلِيمِ الخَبِيرِ؛ وقالُ أبُو حَيّانَ: لَمّا كانَ الشَّنَآنُ مَحَلُّهُ القَلْبُ؛ وهو الحامِلُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ؛ أمَرَ بِالتَّقْوى؛ وأتى بِصِفَةِ ”خَبِيرٌ“؛ ومَعْناها ”عَلِيمٌ“؛ ولَكِنَّها مِمّا تَخْتَصُّ بِما لَطَفَ إدْراكُهُ؛ انْتَهى.

و”شُهَداءَ“؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن ”الشَّهادَةُ“؛ الَّتِي هي حُضُورُ القَلْبِ - كَما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] - وأنْ يَكُونَ مِن ”الشَّهادَةُ“؛ المُتَعارَفَةِ؛ ويُوَضِّحُ المُناسَبَةَ فِيها؛ مَعَ تَأْيِيدِ إرادَتِها؛ كَوْنُها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]؛ ومَعَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن يَكْتُمْها (p-٤٤)فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وخِتامُ آيَةِ ”النِّساءِ“؛ الَّتِي في الشَّهادَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ كَما خُتِمَتْ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

5:9Page 108

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩

Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ -؛ ونَهى؛ بَشَّرَ؛ وحَذَّرَ؛ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ تَصْدِيقًا لِهَذا الإقْرارِ؛ ﴿الصّالِحاتِ﴾؛ وتَرْكُ المَفْعُولِ الثّانِي أقْعَدُ في بابِ البِشارَةِ؛ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ وتَذْهَبُ النَّفْسُ في تَحْرِيزِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

ولَمّا كانَ المَوْعُودُ شَيْئَيْنِ؛ فَضْلًا؛ وإسْقاطَ حَقٍّ؛ قَدَّمَ الإسْقاطَ؛ تَأْمِينًا لِلْخَوْفِ؛ فَقالَ - واضِعًا لَهُ مَوْضِعَ المَوْعُودِ في صِيغَةٍ دالَّةٍ عَلى الثَّباتِ والِاخْتِصاصِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: لِما فَرَطَ مِنهُمْ؛ لِما طُبِعَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ؛ نِسْيانًا؛ أوْ عَمْدًا؛ بِعَمَلِ الواجِباتِ؛ إنْ كانَ صَغِيرَةً؛ وبِالتَّوْبَةِ إنْ كانَ كَبِيرَةً؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ ولَمّا أمَّنَهم بِالتَّجاوُزِ؛ أتْبَعَهُ الجُودَ بِالعَطاءِ؛ فَقالَ: ﴿وأجْرٌ﴾؛ أيْ: عَلى قَدْرِ دَرَجاتِهِمْ مِن حُسْنِ العَمَلِ؛ ﴿عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: لا يَدْخُلُ تَفاوُتُ دَرَجاتِهِ تَحْتَ الحَصْرِ.

5:10Page 109

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

ولَمّا قَدَّمَ الوَعْدَ؛ لِأنَّهُ في سُورَةِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ أتْبَعَهُ الوَعِيدَ لِأضْدادِهِمْ؛ وهو أعْظَمُ وعْدٍ لِأحْبابِهِ المُؤْمِنِينَ أيْضًا؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: غَطَّوْا ما اتَّضَحَ لِعُقُولِهِمْ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ ﴿وكَذَّبُوا﴾؛ أيْ: زِيادَةً (p-٤٥)عَلى السَّتْرِ بِالعِنادِ؛ ﴿بِآياتِنا﴾؛ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ في أنْفُسِها؛ وبِإضافَتِها إلَيْنا؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُغَضاءُ؛ البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ خاصَّةً؛ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: النّارِ؛ الَّتِي اشْتَدَّ تَوَقُّدُها؛ فاشْتَدَّ احْمِرارُها؛ فَلا يَراها شَيْءٌ إلّا أحْجَمَ عَنْها؛ فَهم يُلْقَوْنَ فِيها بِما أقْدَمُوا عَلى ما هو أهْلٌ لِلْإجْحامِ عَنْهُ؛ مِنَ التَّكْذِيبِ بِما لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ التَّكْذِيبُ بِهِ؛ ثُمَّ يُلازِمُونَها؛ فَلا يَنْفَكُّونَ عَنْها؛ كَما هو شَأْنُ الصّاحِبِ.

5:11Page 109

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

ولَمّا كانَ مِنَ الأجْرِ ما يَحْصُلُ مِن أسْبابِ السَّعادَةِ في الدُّنْيا؛ قالَ (تَعالى) - ذاكِرًا لَهم بَعْضَ ذَلِكَ؛ مُذَكِّرًا بِبَعْضِ ما خاطَبَهم بِهِ؛ لِيُقْدِمُوا عَلى مُبايَنَةِ الكَفَرَةِ؛ ويَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ؛ كائِنَةً ما كانَتْ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: صَدَّقُوا بِاللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ وكِتابِهِ؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ عَظَّمَها بِإبْهامِها؛ ثُمَّ زادَها تَعْظِيمًا بِالتَّذْكِيرِ بِوَقْتِها؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿هَمَّ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: لَهم قُوَّةٌ ومَنعَهٌ؛ وقُدْرَةٌ عَلى ما يَقُومُونَ فِيهِ؛ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالقِتالِ؛ والقَتْلِ؛ وهو شامِلٌ - مَعَ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ نُزُولِهِ - لِما اتَّفَقَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ العَقَبَةِ مِن أنَّ قُرَيْشًا تَنَطَّسَتِ الحِبْرَ عَنِ البَيْعَةِ؛ فَلَمّا صَحَّ عِنْدَهم طَلَبُوا أهْلَ البَيْعَةِ فَفاتُوهُمْ؛ إلّا أنَّهم أدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ بِأذاخِرَ؛ والمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو؛ أخا بَنِي ساعِدَةَ؛ وكِلاهُما كانَ نَقِيبًا؛ فَأمّا المُنْذِرُ فَأعْجَزَهُمْ؛ وأمّا سَعْدٌ فَأخَذُوهُ؛ فَرَبَطُوهُ؛ وأقْبَلُوا يَضْرِبُونَهُ؛ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنهم بِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ؛ (p-٤٦)والحارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ؛ بِما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما مِنَ الجِوارِ؛ فَكانَ في سَوْقِ الآيَةِ بَعْدَ آيَةِ المِيثاقِ؛ الَّذِي أعْظَمُهُ ما كانَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؛ أعْظَمُ مُذَكِّرٍ بِذَلِكَ؛ ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ قِلَّتِكُمْ؛ وكَثْرَتِهِمْ؛ وضَعْفِكُمْ؛ وقُوَّتِهِمْ؛ ولَمْ يَكُنْ لَكم ناصِرٌ إلّا الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ وتَوَكَّلْتُمْ عَلَيْهِ؛ وبايَعْتُمْ رَسُولَهُ؛ فَكَفَّ بِبَعْضِ الأعْداءِ عَنْكم أيْدِيَ بَعْضٍ؛ ولَوْ شاءَ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ كَما سَلَّطَ ابْنَ آدَمَ عَلى أخِيهِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القِصَّةَ الَّتِي عُزِيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ هُنا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ في الِاسْتِعانَةِ في دِيَةِ القَتِيلَيْنِ إنَّما هي لَبَنِي النَّضِيرِ؛ وهي كانَتْ سَبَبَ إجْلائِهِمْ.

ولَمّا أمَرَهم بِذِكْرِ النِّعْمَةِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ الأمْرَ بِالخَوْفِ مِنَ المُنْعِمِ أنْ يُبَدِّلَ نِعْمَتَهُ بِنِقْمَةٍ؛ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ حَذَرًا مِن أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم أعْداءَكُمْ؛ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن سَطْواتِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”عَلى اللَّهِ وحْدَهُ في كُلِّ حالَةٍ فَتَوَكَّلُوا؛ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِنَصْرِ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ؛ ولَمْ يَعْتَمِدْ إلّا عَلَيْهِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ -: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لِكَوْنِهِ لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ؛ فَإنَّهُ يَمْنَعُهم إذا شاءَ كَهَذا المَنعِ؛ وإنِ اشْتَدَّ الخَطْبُ؛ وتَعاظَمَ الأمْرُ؛ فَتَوَكَّلُوا؛ ولا تَنْكِلُوا عَنْ أعْدائِكُمُ الَّذِينَ وعَدَكُمُ اللَّهُ أرْضَهُمْ؛ ودِيارَهُمْ؛ وأبْناءَهُمْ؛ وتَهابُوا جُمُوعَهُمْ؛ كَما هابَ (p-٤٧)بَنُو إسْرائِيلَ - كَما سَيُقَصُّ عَلَيْكم -؛ وقَوْلُهُ هُنا:“المُؤْمِنُونَ”؛ وفي قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ:“ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "؛ شَدِيدُ التَّآخِي؛ مُعْلِمٌ بِمَقامَيِ الفَرِيقَيْنِ؛ وحِينَئِذٍ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَعْقِيبُها مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ العَقَبَةِ؛ وأمْرِ بَنِي النَّضِيرِ؛ في نَقْضِهِمْ عَهْدَهُمْ؛ وغَدْرِهِمْ؛ بِما هَمُّوا بِهِ مَن قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ بِإلْقاءِ الرَّحى عَلَيْهِ مِن سَطْحِ البَيْتِ الَّذِي أجْلَسُوهُ إلى جانِبِهِ؛ بِقَوْلِهِ - إشارَةً إلى أنَّ اليَهُودَ ما زالُوا عَلى النَّقْضِ قَدِيمًا؛ تَحْذِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في النَّقْضِ؛ لِئَلّا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الصَّغارِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ - في الإلْزامِ بِالتَّكالِيفِ قَدِيمَةٌ؛ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ؛ بَلْ هي عامَّةٌ لِعِبادِهِ؛ وقَدْ كَلَّفَ أهْلَ الكِتابِ؛ تَشْرِيفًا لَهم بِمِثْلِ ما كَلَّفَهم بِهِ؛ ورَغَّبَهُمْ؛ ورَهَّبَهُمْ؛ لِيُسابِقُوهم في الطّاعَةِ؛ فَإنَّ الأمْرَ إذا عَمَّ هانَ؛ والإنْسانَ إذا سابَقَ اجْتَهَدَ في أخْذِ الرِّهانِ؛ وأكَّدَ الخَبَرَ بِذَلِكَ لِئَلّا يُظَنَّ لِشِدَّةِ انْهِماكِهِمْ في النَّفْسِ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهم عَهْدٌ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى) -:

5:12Page 109

۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن جَمِيعِ الجَلالِ؛ والعَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: العَهْدَ المُوَثَّقَ بِما أُخِذَ عَلَيْكُمْ؛ مِنَ السَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ ﴿وبَعَثْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ أيْ: شاهِدًا؛ عَلى كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ يَكْفُلُهم بِالوَفاءِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَفاءِ بِهِ - كَما بَعَثْنا مِنكم لَيْلَةَ العَقَبَةِ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا؛ وأخَذْنا مِنكُمُ المِيثاقَ عَلى (p-٤٨)ما أحالَهُ الإسْلامُ - كَما قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - في تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ: «”ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؛ حِينَ تَواثَقْنا عَلى الإسْلامِ“؛» وأمّا تَفْصِيلُهُ فَمَذْكُورٌ في السِّيَرِ؛ و”النَّقِيبُ“: الَّذِي يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ؛ كَما قِيلَ: ”عَرِّيفٌ“؛ لِأنَّهُ يَتَعَرَّفُها؛ ومِن ذَلِكَ ”المَناقِبُ“؛ وهي الفَضائِلُ؛ لِأنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْها؛ ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وأكَّدَ لِتَكَرُّرِ جَزَعِهِمْ؛ وتَقَلُّبِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾؛ وهو كِنايَةٌ عَنِ الكِفايَةِ؛ لِأنَّ القادِرَ إذا كانَ مَعَ أحَدٍ؛ كانَ كَذَلِكَ إذا لَمْ يُغْضِبْهُ.

ولَمّا أنْهى التَّرْغِيبَ بِالمَعِيَّةِ؛ اسْتَأْنَفَ بَيانَ شَرْطِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى -: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ﴾؛ أيْ: أنْشَأْتُمْ؛ ﴿الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي صِلَةٌ ما بَيْنَ العَبْدِ؛ والخالِقِ؛ بِجَمِيعِ شُرُوطِها؛ وأرْكانِها؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الإنْفاقِ المُؤاساةَ بِالإيتاءِ؛ قالَ: ﴿وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي بَيْنَ الحَقِّ؛ والخَلائِقِ.

ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانُوا في كُلِّ قَلِيلٍ يَتَرَدَّعُونَ عَنِ اتِّباعِهِ؛ أوْ كَمالِ اتِّباعِهِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّ مَيْلَهم بَعْدَهُ يَكُونُ أكْثَرَ؛ فَرَتَّبَ في الأزَلِ أنَّهُ تَواتَرَ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ الرُّسُلُ؛ يَحْفَظُونَهم عَنِ الزَّيْغِ؛ ويُقَوِّمُونَ مِنهُمُ المَيْلَ؛ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أيْ: (p-٤٩)أدَمْتُمُ الإيمانَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وجَدَدْتُمُ الإيمانَ بِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ؛ فَصَدَّقْتُمُوهم في جَمِيعِ ما يَأْمُرُونَكم بِهِ؛ ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: ذَبَبْتُمْ عَنْهُمْ؛ ونَصَرْتُمُوهُمْ؛ ومَنَعْتُمُوهم أشَدَّ المَنعِ؛ و”التَّعْزِيرُ“؛ و”التَّأْزِيرُ“؛ مِن بابٍ واحِدٍ.

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المُصَدِّقِ لِلْإيمانِ؛ ونَصْرِ الرُّسُلِ بَذْلُ المالِ؛ فَهو البُرْهانُ؛ قالَ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ؛ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أيْ: بِالإنْفاقِ في جَمِيعِ سُبُلِ الخَيْرِ؛ وأعْظَمُها الجِهادُ؛ والإعانَةُ فِيهِ لِلضُّعَفاءِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ؛ فَهو لا يَنْفَكُّ عَنْ زَلَلٍ؛ أوْ تَقْصِيرٍ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في صالِحِ العَمَلِ؛ قالَ - سادًّا بِجَوابِ القَسَمِ؛ الَّذِي وطَّأتْ لَهُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ؛ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾؛ أيْ: لَأسْتُرَنَّ؛ ﴿عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: فِعْلَكُمْ؛ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ؛ ﴿ولأُدْخِلَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: فَضْلًا مِنِّي؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ الماءُ لا يَحْسُنُ إلّا بِقُرْبِهِ؛ وانْكِشافِهِ عَنْ بَعْضِ الأرْضِ؛ قالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: مِن شِدَّةِ الرِّيِّ؛ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾؛ ولَمّا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يُعَذِّبُ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ وكانَ المُهْلِكُ مِنَ المَعاصِي بَعْدَ الإرْسالِ ما اتَّصَلَ بِالمَوْتِ؛ فَأحْبَطَ ما قَبْلُهُ؛ نَزَعَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الشَّرْطَ المُؤَكَّدَ بِالأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما رَأى مِنَ الآياتِ؛ وأقَرَّ بِهِ مِنَ المَواثِيقِ؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ أيْ: تَرَكَ؛ وضَيَّعَ؛ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا؛ بِمَعْنى: ”حارَ“؛ ومُتَعَدِّيًا؛ كَما هُنا؛ ﴿سَواءَ﴾؛ أيْ: وسَطَ؛ وعَدْلَ؛ ﴿السَّبِيلِ﴾ (p-٥٠)؛ أيْ: لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَعْدَ البَيانِ العَظِيمِ؛ فَهو أعْظَمُ مِن غَيْرِهِ؛ وفي هَذا تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لِهَذِهِ الأمَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَإنْ نَقَضْتُمُ المِيثاقَ - كَما نَقَضُوا - بِمِثْلِ اسْتِدْراجِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ وغَيْرِهِ؛ صَنَعْنا بِكم ما صَنَعْنا بِهِمْ حِينَ نَقَضُوا؛ مِن إلْزامِهِمُ الذِّلَّةَ؛ والمَسْكَنَةَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن آثارِ الغَضَبِ؛ وإنْ وفَيْتُمْ بِالعُقُودِ؛ آتَيْناكم أعْظَمَ مِمّا آتَيْناهُمْ؛ مِن فَتْحِ البِلادِ؛ والظُّهُورِ عَلى سائِرِ العِبادِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولِهَذا الغَرَضِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أيْ: غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِن نَقْضِ العَهْدِ - ذُكِرَ هُنا العَهْدُ المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ نَقْضَهُمْ؛ وبَنى اللَّعْنَةَ؛ وكُلَّ مِحْنَةٍ ابْتُلُوا بِها؛ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ وذَكَرَ (تَعالى) عَهْدَ الآخَرِينَ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤]؛ ثُمَّ فَصَّلَ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ أفْعالَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لَهم ما نَقَضُوا فِيهِ مِنَ ادِّعائِهِمْ في المَسِيحِ ما ادَّعَوْا؛ وقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ وكَفِّهِمْ عَنْ فَتْحِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ وإسْرافِهِمْ في القَتْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ وتَغْيِيرِهِمْ أحْكامَ التَّوْراةِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَفاوُتَهم في البُعْدِ عَنِ الِاسْتِجابَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٢]؛ انْتَهى.

ويَنْبَغِي ذِكْرُ النُّقَباءِ مِن هَذِهِ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِأسْمائِهِمْ؛ وما دَعا إلى ذَلِكَ؛ تَحْقِيقًا (p-٥١)لِلْأمْرِ؛ وزِيادَةَ تَبْصِرَةٍ؛ أمّا اليَهُودُ فَكانَ فِيهِمْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ: الأُولى: قالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ: (إنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ اسْمُهُ كَلَّمَ مُوسى النَّبِيَّ في جَبَلِ سِينا؛ وفي قُبَّةِ الأمَدِ؛ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ الثّانِي؛ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِخُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ؛ وقالَ اللَّهُ: أحْصِ عَدَدَ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّها في قَبائِلِهِمْ؛ كُلَّ ذَكَرٍ مِن أبْناءِ عِشْرِينَ سَنَةً؛ إلى فَوْقَ؛ كُلَّ مَن يَخْرُجُ في الحَرْبِ؛ وأُحْصِهِمْ أنْتَ وأخُوكَ هارُونَ؛ ولْيَكُنْ مَعَكُما مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ؛ ويَكُونُ الرَّجُلُ رَئِيسًا في بَيْتِهِ)؛ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم يَكُونُ قائِدَ جَماعَتِهِ؛ يَنْزِلُونَ بِنُزُولِهِ حَوْلَ قُبَّةِ الزَّمانِ؛ ويَرْحَلُونَ بِرَحِيلِهِ؛ ويُطِيعُونَهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ؛ فَفَعَلَ مُوسى وهارُونُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ؛ وانْتَدَبُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ كَما أمَرَ اللَّهُ؛ فَمِن سِبْطِ رُوبِيلَ: إلِيصُورُ بْنُ شَداوُرَ؛ ومِن سِبْطِ شَمْعُونَ: سَلُومِيلُ بْنُ صُورِيشَدَّيَ؛ ومِن سِبْطِ يَهُودا: نَحْسُونُ بْنُ عَمِّيناذابَ؛ ومِن سِبْطِ إيَشّاخارَ: نَتَنائِيلُ بْنُ ضُوغَرَ؛ ومِن سِبْطِ زابُلُونَ: ألِيَبُ بْنُ حِيلُونَ؛ ومِن سَبْطِ يُوسُفَ؛ مِن آلِ إفْرائِيمَ: إلِيَسْمَعُ بْنُ عَمِّيهُوذَ؛ ومِن سِبْطِ مَنَشّا: جَمْلِيالُ بْنُ فَداهْصُورَ - قُلْتُ: ومَنَشّا هو (p-٥٢)ابْنُ يُوسُفَ؛ وهو أخُو إفْرائِيمَ - ومِن سِبْطِ بِنْيامِينَ: أبِيذانُ بْنُ جِدْعُونِي؛ ومِن سِبْطِ دانَ: أخِيعَزَرُ بْنُ عَمِّيشَدَّيَ؛ ومِن سِبْطِ آشِيرَ: فَجْعائِيلُ بْنُ عُخْرَنَ؛ ومِن سِبْطِ جادَ: إلِيسافُ بْنُ دَعُوائِيلَ؛ ومِن سِبْطِ نَفْتالِي: أخِيراعُ بْنُ عِينانَ؛ وسِبْطُ لاوِي هم سِبْطُ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يُذْكَرُوا لِأنَّهم كانُوا لِحِفْظِ قُبَّةِ الزَّمانِ؛ فَمُوسى وهارُونُ عَلَيْهِمْ؛ كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَوْمِهِ - كَما سَيَأْتِي؛ والمَرَّةُ الثّانِيَةُ كانَتْ لِيَجُسُّوا أمْرَ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ قالَ في أثْناءِ هَذا السِّفْرِ: (وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: أرْسِلْ قَوْمًا يَجُسُّونَ الأرْضَ الَّتِي أُعْطِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ ويَكُونُ الَّذِينَ تُرْسِلُ رَجُلًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن رُؤَساءِ آبائِهِمْ؛ فَأرْسَلَهم مُوسى مِن بَرِّيَّةِ فارانَ؛ عَنْ قَوْلِ الرَّبِّ؛ رِجالًا مِن رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهَذِهِ أسْماؤُهُمْ؛ مِن سِبْطِ رُوبِيلَ: سامُوعُ بْنُ زَكُّورَ؛ ومِن سِبْطِ شَمْعُونَ: سافاطُ بْنُ حُورِيَ؛ ومِن سِبْطِ يَهُودا: كالابُ بْنُ يَوْفُنّا؛ ومِن سِبْطِ إيَشّاخارَ: إجالُ بْنُ يُوسُفَ؛ ومِن سِبْطِ إفْرائِيمَ: هُوساعُ بْنُ نُونٍ؛ (p-٥٣)ومِن سِبْطِ بِنْيامِينَ: فَلْطِي بْنُ رافُوَ؛ ومِن سِبْطِ زابُلُونَ: جَدِّي إيلُ بْنُ سُودِيَ؛ ومِن سِبْطِ يُوسُفَ مِن سِبْطِ مَنَشّا: جِدِّي بْنُ سُوسِيَ؛ ومِن سِبْطِ دانَ: عَمِّيالُ بْنُ جَمَلِّي؛ ومِن سِبْطِ آشِيرَ: ساتُورُ بْنُ مِيخائِيلَ؛ ومِن سِبْطِ نَفْتالِي: نَجْنِي بْنُ وفْسِيَ؛ ومِن سِبْطِ جادَ: جَوائِلُ بْنُ ماخِي)؛ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمْ؛ وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالوَصِيَّةِ.

وأمّا النَّصارى فَفي إنْجِيلِ مَتّى ما نَصُّهُ: (ودَعا - يَعْنِي عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَلامِيذَهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ؛ وأعْطاهم سُلْطانًا عَلى جَمِيعِ الأرْواحِ النَّجِسَةِ؛ لِكَيْ يُخْرِجُوها ويَشْفُوا كُلَّ الأمْراضِ)؛ وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: (وصَعِدَ إلى الجَبَلِ؛ ودَعا الَّذِينَ أحَبَّهُمْ؛ فَأتَوْا إلَيْهِ؛ وانْتَخَبَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ؛ ولِكَيْ يُرْسِلَهم لِيَكْرِزُوا؛ وأعْطاهم سُلْطانًا عَلى شِفاءِ الأمْراضِ؛ وإخْراجِ الشَّياطِينِ)؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: (ودَعا الِاثْنَيْ عَشَرَ الرُّسُلَ؛ وأعْطاهم قُوَّةً؛ وسُلْطانًا عَلى جَمِيعِ الشَّياطِينِ؛ وإشْفاءِ المَرْضى؛ وأرْسَلَهم يَكْرِزُونَ بِمَلَكُوتِ اللَّهِ؛ ويَشْفُونَ الأوْجاعَ؛ وهَذِهِ أسْماؤُهُمْ: شَمْعُونُ؛ المُسَمّى بُطْرُسَ؛ وأنْدَراوُسُ أخُوهُ؛ ويَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي؛ ويُوحَنّا أخُوهُ - وقالَ في إنْجِيلِ مُرْقُسَ: وسَمّاهُما (p-٥٤)بِاسْمِ بُوانَرْجِسَ؛ اللَّذَيْنِ هُما ابْنا الرَّعْدِ - وفِيلُبُّسُ؛ وبَرْتُولَوْماوُسُ؛ وتُوما؛ ومَتّى العَشّارُ؛ ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفا؛ ولَبّا؛ الَّذِي يُدْعى تَدّاوُسَ؛ وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأناجِيلُ في هَذا؛ فَفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ بَدَلَهُ: تَدِيَ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: يَهُودا بْنُ يَعْقُوبَ؛ ثُمَّ اتَّفَقُوا: وشَمْعُونُ القانانِيُّ - وفي إنْجِيلِ لُوقا: المَدْعُوُّ الغَيُورُ - ويَهُودا الإسْخَرْيُوطِيُّ؛ الَّذِي أسْلَمَهُ)؛ وأمّا نُقَباءُ الإسْلامِ فَكانُوا لَيْلَةَ العَقَبَةِ الأخِيرَةِ؛ حِينَ «بايَعَ النَّبِيَّ ﷺ الأنْصارُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - عَلى الحَرْبِ؛ وأنْ يَمْنَعُوهُ إذا وصَلَ إلى بَلَدِهِمْ؛ وقالَ لَهم ﷺ: ”أخْرِجُوا إلَيَّ مِنكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا؛ يَكُونُونَ عَلى قَوْمِهِمْ؛ كَما اخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ“؛ وأخْرَجُوا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا: تِسْعَةً مِنَ الخَزْرَجِ؛ وثَلاثَةً مِنَ الأوْسِ؛ فَقالَ لَهُمْ: ”أنْتُمْ عَلى قَوْمِكم بِما فِيهِمْ كُفَلاءُ؛ كَكَفالَةِ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ؛ وأنا كَفِيلٌ عَلى قَوْمِي“؛ قالُوا: نَعَمْ؛» وهَذِهِ أسْماؤُهُمْ: مِنَ الخَزْرَجِ: أبُو أُمامَةَ؛ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ؛ وسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؛ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ؛ ورافِعُ بْنُ مالِكِ بْنِ العَجْلانِ؛ والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِرامٍ؛ أبُو جابِرٍ؛ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ؛ والمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو؛ ومِنَ الأوْسِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ؛ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ؛ ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ وأبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهانِ؛ قالَ (p-٥٥)ابْنُ هِشامٍ: وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؛ يَذْكُرُهم فِيما أنْشَدَنِي أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ؛ وذَكَرَ أبا الهَيْثَمَ بْنَ التَّيِّهانِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ رِفاعَةَ؛ فَقالَ:

؎أبْلِغْ أُبَيًّا أنَّهُ قالَ رَأْيُهُ ∗∗∗ وحانَ غَداةَ الشِّعْبِ والحِينُ واقِعُ

؎أبى اللَّهُ ما مَنَّتْكَ نَفْسُكَ إنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمِرْصادِ أمْرِ النّاسِ راءٍ وسامِعُ

؎وأبْلِغْ أبا سُفْيانَ أنْ قَدْ بَدا لَنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِأحْمَدَ نُورٌ مِن هُدى اللَّهِ ساطِعُ

؎فَلا تَرْغَبْنَ في حَشْدِ أمْرٍ تُرِيدُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وألِّبْ وجَمِّعْ كُلَّ ما أنْتَ جامِعُ

؎ودُونَكَ فاعْلَمْ أنَّ نَقْضَ عُهُودِنا ∗∗∗ ∗∗∗ أباهُ عَلَيْكَ الرَّهْطُ حِينَ تَبايَعُوا

؎أباهُ البَراءٌ وابْنُ عَمْرٍو كِلاهُما ∗∗∗ ∗∗∗ وأسْعَدُ يَأْباهُ عَلَيْكَ ورافِعُ

؎وسَعْدٌ أباهُ السّاعِدِيُّ ومُنْذِرٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لِأنْفِكَ إنْ حاوَلْتَ ذَلِكَ جادِعُ

؎وما ابْنُ رَبِيعٍ إنْ تَناوَلْتَ عَهْدَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمُسْلِمِهِ لا يَطْمَعَنْ ثَمَّ طامِعُ

؎وأيْضًا فَلا يُعْطِيكَهُ ابْنُ رَواحَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإخْفارُهُ مِن دُونِهِ السُّمُّ ناقِعُ

؎وفاءً بِهِ والقَوْقَلِيُّ بْنُ صامِتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمَندُوحَةٍ عَمّا تُحاوِلُ يافِعُ

؎أبُو هَيْثَمٍ أيْضًا وفِيٌّ بِمِثْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وفاءً بِما أعْطى مِنَ العَهْدِ خانِعُ

؎وما ابْنُ حُضَيْرٍ إنْ أرَدْتَ بِمَطْمَعٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَهَلْ أنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الغَيِّ نازِعُ

؎(p-٥٦)وسَعْدٌ أخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإنَّهُ. ∗∗∗ .. ضَرُوحٌ لِما حاوَلْتَ مِلْأمْرِ مانِعُ

؎أُولاكَ نُجُومٌ لا يُغِبَّكَ مِنهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْكَ بِنَحْسٍ في دُجى اللَّيْلِ طالِعُ

فَأمّا نُقَباءُ اليَهُودِ في جَسِّ الأرْضِ فَلَمْ يُوَفِّ مِنهم إلّا اثْنانِ - كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ بَعْضِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ وأمّا نُقَباءُ النَّصارى فَنَقَضَ مِنهم واحِدٌ - كَما مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في ”الأنْعامِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ وأمّا نُقَباؤُنا فَكُلُّهم وفّى؛ وبَرَّ؛ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وعَوْنِهِ؛ فَلَهُ أتَمُّ الحَمْدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском