Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:97–103
5:97Page 124
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
ولَمّا كانَ الإحْرامُ؛ وتَحْرِيمُ الصَّيْدِ فِيهِ؛ إنَّما هو لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) حِكْمَةَ ذَلِكَ؛ وأنَّهُ كَما جَعَلَ الحَرَمَ والإحْرامَ سَبَبًا لِأمْنِ الوَحْشِ؛ والطَّيْرِ؛ جَعَلَهُ سَبَبًا لِأمْنِ النّاسِ؛ وسَبَبًا لِحُصُولِ السَّعادَةِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بَيانًا لِحِكْمَةِ المَنعِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَقْصِدُها لِلزِّيارَةِ -: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ ﴿الكَعْبَةَ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن ”الكَعْبُ“؛ الَّذِي بِهِ قِيامُ الإنْسانِ؛ وقِوامُهُ؛ وبَيَّنَها مادِحًا بِقَوْلِهِ: ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: المَمْنُوعَ مِن كُلِّ جَبّارٍ دائِمًا؛ الَّذِي تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنِّي مَنَعْتُكم مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَؤُمُّهُ؛ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: في أمْرِ مَعاشِهِمْ؛ ومَعادِهِمْ؛ لِأنَّها لَهم كالعِمادِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ البَيْتُ؛ فَيَأْمَنُ بِهِ الخائِفُ ويَقْوى فِيهِ الضَّعِيفُ؛ ويَقْصِدُهُ التُّجّارُ؛ والحُجّاجُ؛ والعُمّارُ؛ فَهو عِمادُ الدِّينِ والدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ أتْبَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الزَّمانِ؛ فَقالَ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُفْعَلُ فِيهِ الحَجُّ وغَيْرُهُ؛ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ. (p-٣٠٧)ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ والزَّمانِ؛ أتْبَعَهُ ما بِهِ قِوامُ الفُقَراءِ مِن شَعائِرِهِ؛ فَقالَ: ﴿والهَدْيَ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ أعَزَّهُ؛ وأخَصَّهُ؛ فَقالَ: ﴿والقَلائِدَ﴾؛ أيْ: والهَدْيَ العَزِيزَ الَّذِي يُقَلَّدُ فَيُذْبَحُ؛ ويُقَسَّمُ عَلى الفُقَراءِ؛ وفي الآيَةِ التِفاتٌ إلى ما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]؛- فَقَوانِينُها أنَّ مَن قَصَدَها في شَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ؛ ولَوْ كانَ قَتَلَ ابْنَهُ؛ ومَن قَصَدَها في غَيْرِهِ؛ ومَعَهُ هَدْيٌ؛ قَلَّدَهُ أوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ؛ أوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وقَلَّدَ نَفْسَهُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ؛ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ؛ حَتّى أنْ بَعْضَهم يَلْقى الهَدْيَ وهو مُضْطَرٌّ؛ فَلا يَعْرِضُ لَهُ؛ ولَوْ ماتَ جُوعًا؛ وسَواءٌ في ذَلِكَ صاحِبُهُ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَها؛ لِأنَّهُ (تَعالى) جَبَلَ العَرَبَ عَلى الشَّجاعَةِ؛ لِيَفْتَحَ بِهِمُ البِلادَ شَرْقًا؛ وغَرْبًا؛ لِيَظْهَرَ عُمُومُ رِسالَةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى القَتْلِ؛ والغاراتِ؛ وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ إنْ دامَ بِهِمْ شَغَلَهم عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِعَيْشِهِمْ؛ فَأدّى إلى فَنائِهِمْ؛ فَجَعَلَ بَيْتَهُ المُكَرَّمَ؛ وما كانَ مِن أسْبابِهِ؛ أمانًا يَكُونُ بِهِ قِوامُ مَعاشِهِمْ؛ ومَعايِشِهِمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ بُرْهانًا ظاهِرًا عَلى أنَّ الإلَهَ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ؛ وأنَّ لَهُ الحِكْمَةَ البالِغَةَ. (p-٣٠٨)ولَمّا أخْبَرَ بِعِلَّةِ التَّعْظِيمِ لِما أمَرَ بِتَعْظِيمِهِ؛ مِن نُظُمِ أُمُورِ النّاسِ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ الجَعْلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الجَعْلُ العَظِيمُ الَّذِي تَمَّ أمْرُهُ عَلى ما أرادَ جاعِلُهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لِتَعْلَمُوا﴾؛ أيْ: بِهَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ؛ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَها تَرْتِيبًا فُصِّلَتْ بِهِ الأيّامُ واللَّيالِي؛ فَكانَتْ مِن ذَلِكَ الشُّهُورُ والأعْوامُ؛ وفَصَّلَ مِن ذَلِكَ ما فَصَّلَ لِلْقِيامِ المَذْكُورِ؛ ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ فَلِذَلِكَ جَعَلَ فِيها ما قامَتْ بِهِ مَصالِحُ النّاسِ؛ وكَفَّ فِيهِ أشَدُّهم وأفْتَكُهم عَنْ أضْعَفِهِمْ؛ وآمَنَ فِيهِ الطَّيْرَ والوَحْشَ؛ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ رَصِينٌ؛ وفِكْرٌ مَتِينٌ إلى أنْ يَعْلَمَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الإخْلاصَ في العِبادَةِ؛ وأنْ يُمْتَثَلَ أمْرُهُ في إحْلالِ ما أحَلَّ مِنَ الطَّعامِ؛ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَ مِنَ الشَّرابِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا العِلْمَ العَظِيمَ؛ ذَكَرَ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: ولِتَعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ فَتَمَّ لَهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ وإلّا لَما أثْبَتَ جَمِيعَ مُقْتَضَياتِ ذَلِكَ؛ ونَفى جَمِيعَ مَوانِعِهِ حَتّى كانَ؛ ولَقَدِ اتَّخَذَ العَرَبُ - كَما في السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ وغَيْرِها - طَواغِيتَ؛ وهي بُيُوتٌ جَعَلُوا لَها سَدَنَةً وحُجّابًا؛ وهَدايا أكْثَرُوا مِنها؛ وعَظَّمَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ ما عِنْدَها أشَدَّ تَعْظِيمٍ؛ وطافُوا بِهِ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ (p-٣٠٩)شَيْءٌ مِنها ما بَلَغَ أمْرَ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ؛ ولا قارَبَ؛ لِيَحْصُلَ العِلْمُ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا شَيْءَ مِثْلُهُ؛ ولا شَرِيكَ لَهُ.
5:98Page 124
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا أنْتَجَ هَذا كُلُّهُ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - كَما تَقَدَّمَ - ناظِرَةً إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن آيَةِ؛ ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]؛ وما بَعْدَها؛ أتَمَّ نَظَرٍ؛ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما اكْتَنَفَ آيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ والوَعْدِ الَّذِي خُتِمَتْ هي بِهِ؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِهِ؛ سائِقًا لَهُ مَساقَ النَّتِيجَةِ؛ والثَّمَرَةِ لِما قَبْلَهُ؛ بَيانًا لِأنَّ مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ كانَ حَظَّهُ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا؛ ومُبَشِّرًا؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِهِما -: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ الَّذِي نَهاهُ عَنْها؛ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ فَلْيَكُنْ عِبادُهُ عَلى حَذَرٍ مِنهُ؛ وأنَّ مَن أوْقَعَهُ في شَيْءٍ مِنها القَدَرُ؛ ثُمَّ فَتَحَ لَهُ التَّوْفِيقُ بابَ الحَذَرِ؛ فَكَفَّرَ فِيما فِيهِ كَفّارَةٌ؛ وتابَ؛ كانَ مُخاطَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مَعَ كَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يُقْبِلُ عَلَيْهِ؛ ويَمْحُو زَلَلَهُ؛ ويُكْرِمُهُ؛ فَكانَ اكْتِنافُ أسْبابِ الرَّجاءِ سابِقًا لِلْإنْذارِ؛ ولاحِقًا؛ مُعْلِمًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ وأنَّ العِقابَ إنَّما هو لِإتْمامِ رَحْمَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ قالَ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧]؛ الآيَةَ؛ فَنَبَّهَ عَلى سُوءِ العاقِبَةِ في مَنعِ البَحْثِ عَلى التَّعْلِيلِ؛ وطَلَبِ الوُقُوفِ عَلى ما لَعَلَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ؛ ومِن هَذا البابِ أتى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٣١٠)أمْرِ البَقَرَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وجَعَلَ هَذا التَّنْبِيهَ إيماءً؛ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِما يُفَسِّرُهُ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ ووَعَظَهم بِحالِ غَيْرِهِمْ في هَذا؛ وأنَّهم سَألُوا فَأُعْطُوا؛ ثُمَّ امْتُحِنُوا؛ وقَدْ كانَ التَّسْلِيمُ أوْلى لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]؛ ثُمَّ عَرَّفَ عِبادَهُ أنَّهم إذا اسْتَقامُوا فَلَنْ يَضُرَّهم خِذْلانُ غَيْرِهِمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ انْتَهى.
5:99Page 124
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩
Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.
ولَمّا رَغَّبَ - سُبْحانَهُ -؛ ورَهَّبَ؛ عُلِمَ أنَّهُ المُجازِي وحْدَهُ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ إلى غَيْرِهِ؛ إلّا ما كَلَّفَهُ بِهِ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلَهُ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ الإبْلاغُ؛ ﴿إلا البَلاغُ﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ يَحِلُّ لَكُمُ الطَّعامُ وغَيْرُهُ؛ ويَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الخَمْرُ وغَيْرُها؛ ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ ما تُضْمِرُونَ؛ وما تُظْهِرُونَ؛ لِيُحاسِبَكم عَلَيْهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ إبْداءَهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ؛ ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾؛ مِن إيمانٍ؛ وكُفْرٍ؛ وعِصْيانٍ؛ وطاعَةٍ؛ وتَعَمُّدٍ لِقَتْلِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ ومَحَبَّةٍ لِلْخَمْرِ وغَيْرِها؛ وتَعَمُّقٍ في الدِّينِ؛ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ وغَيْرِهِ؛ إفْراطًا؛ وتَفْرِيطًا؛ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ؛ وقَدَّرَ ذَلِكَ فِيكم في أوْقاتِهِ؛ فَيُجازِيكم عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ؛ مَن عَصى أخَذَهُ بِشَدِيدِ العِقابِ؛ ومَن أطاعَهُ مَنَحَهُ حُسْنَ الثَّوابِ؛ وأمّا الرَّسُولُ ﷺ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِما يَعْلَمُهُ مِمّا تُبْدُونَهُ؛ ما لَمْ أكْشِفْ لَهُ الباطِنَ؛ وآمُرْهُ فِيهِ بِأمْرِي؛ وهَذِهِ أيْضًا ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): (p-٣١١)﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]
5:100Page 124
قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠
Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.
ولَمّا سَلَبَ - سُبْحانَهُ - العِلْمَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ؛ وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ولا نَهْيَ؛ ولا إثْباتَ؛ ولا نَفْيَ؛ فَأخَذَ - سُبْحانَهُ - يُبَيِّنُ حِكْمَةَ ما مَضى مِنَ الأوامِرِ في إحْلالِ الطَّعامِ وغَيْرِهِ؛ مِنَ الاصْطِيادِ؛ والأكْلِ مِنَ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ والزَّواجِرِ عَنِ الخَمْرِ وغَيْرِها؛ بِأنَّ الأشْياءَ مِنها طَيِّبٌ؛ وخَبِيثٌ؛ وأنَّ الطَّيِّبَ - وإنْ قَلَّ - خَيْرٌ مِنَ الخَبِيثِ - وإنْ كَثُرَ -؛ ولا يُمَيِّزُ هَذا مِن ذاكَ إلّا الخَلّاقُ العَلِيمُ؛ فَرُبَّما ارْتَكَبَ الإنْسانُ طَرِيقَةً شَرَعَها لِنَفْسِهِ؛ ظانًّا أنَّها حَسَنَةٌ؛ فَجَرَّتْهُ إلى السَّيِّئَةِ وهو لا يَشْعُرُ؛ فَيَهْلِكُ؛ كالرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَزَمُوا عَلَيْها؛ والخَمْرِ الَّتِي دَعا شَغَفُهم بِها إلى الإنْزالِ فِيها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ إلى أنْ أكَّدَ فِيها هُنا أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ وحَذَّرَ فِيها أبْلَغَ تَحْذِيرٍ؛ فَقالَ (تَعالى) صارِفًا الخِطابَ إلى أشْرَفِ الوَرى ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْهَضُ بِمَعْرِفَةِ هَذا مِنَ الخَلْقِ غَيْرُهُ -: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَطْعُوماتِ؛ والطّاعِمِينَ؛ ﴿والطَّيِّبُ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ فَإنَّ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الكَثْرَةِ مِنَ الفَضْلِ لا يُوازِي النُّقْصانَ مِن جِهَةِ الخَبِيثِ.
ولَمّا كانَ الخَبِيثُ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي أكْثَرَ في الظّاهِرِ؛ وأيْسَرَ؛ قالَ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾؛ والخَبِيثُ؛ والطَّيِّبُ؛ مِنهُ جُسْمانِيٌّ؛ ومِنهُ رُوحانِيٌّ؛ وأخْبَثُهُما الرُّوحانِيُّ؛ وأخْبَثُهُ الشِّرْكُ؛ وأطْيَبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيُّ؛ وأطْيَبُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ وطاعَتُهُ؛ وما يَكُونُ لِلْجِسْمِ مِن طِيبٍ؛ أوْ خُبْثٍ؛ (p-٣١٢)ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ؛ فَما خالَطَهُ نَجاسَةٌ صارَ مُسْتَقْذَرًا لِأرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ؛ وما خالَطَ الأرْواحَ مِنَ الجَهْلِ صارَ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ؛ وما خالَطَهُ مِنَ الأرْواحِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ فَواظَبَ عَلى خِدْمَتِهِ؛ أشْرَقَ بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ؛ وابْتَهَجَ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ؛ وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ لا يَسْتَوِيانِ في العالِمِ الرُّوحانِيِّ؛ كَذَلِكَ لا يَسْتَوِيانِ في العالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ والتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العالَمِ الرُّوحانِيِّ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الجُسْمانِيِّ قَلِيلَةٌ؛ ومَنفَعَةَ طَيِّبِهِ يَسِيرَةٌ؛ وأمّا خُبْثُ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ؛ وطَيِّبُ الرُّوحانِيِّ مَنفَعَتُهُ جَلِيلَةٌ دائِمَةٌ؛ وهي القُرْبُ مِنَ اللَّهِ؛ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إرادَةِ العُصاةِ والمُطِيعِينَ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُسْخِطُ المَلِكَ الأعْظَمَ - الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ - مِنَ الحَرامِ وِقايَةً مِنَ الحَلالِ؛ لِتَكُونُوا مِن قِسْمِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ لا مُقَرِّبَ إلى اللَّهِ مِثْلُ الِانْتِهاءِ عَمّا حَرَّمَ - كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ ويَزِيدُ المَعْنى وُضُوحًا قَوْلُهُ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ النَّفْسِ؛ فَتُؤْثِرُوا الطَّيِّبَ؛ وإنْ قَلَّ في الحِسِّ؛ لِكَثْرَتِهِ في المَعْنى عَلى الخَبِيثِ؛ وإنْ كَثُرَ في الحِسِّ؛ لِنَقْصِهِ في المَعْنى؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَفُوزُوا بِجَمِيعِ المَطالِبِ؛ وحِينَئِذٍ ظَهَرَ كالشَّمْسِ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِها (p-٣١٣)بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ والِاسْتِنْتاجِ -:
5:101Page 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أعْطَوْا مِن أنْفُسِهِمُ العَهْدَ عَلى الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ قَبُولُ جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مَن وقَعَ بِهِ الإيمانُ؛ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَرٍ فِيما يُسْرِعُونَ؛ وفِيما بِهِ يَنْتَفِعُونَ مِنَ المَآكِلِ؛ والمَشارِبِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ فَهم مِثْلُهُ فِيما عَنْهُ يَسْألُونَ؛ سَواءٌ سَألُوا شَرْعَهُ أوْ لا؛ لِأنَّهُ رُبَّما أجابَهم مَن لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ إلى ما فِيهِ ضَرَرُهم مِمّا سَألُوهُ؛ فَإنَّهم لا يُحْسِنُونَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الخَبِيثِ؛ والطَّيِّبِ؛ كَما فُعِلَ بِأهْلِ السَّبْتِ؛ حَيْثُ أبَوُا الجُمُعَةَ؛ وسَألُوهُ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما بَلَّغَكم إيّاهُ فَخُذُوهُ بِقَبُولٍ وحُسْنِ انْقِيادٍ؛ وما لا فَلا تَسْألُوا عَنْهُ؛ وسَبَبُ نُزُولِها - كَما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ؛ فَغَضِبَ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: ”لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ“؛ وشَرَعَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ؛ وإذْ جاءَ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى الرِّجالَ يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَن أبِي؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ؛ ثُمَّ أنْشَأ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ (p-٣١٤)رَسُولًا؛ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ؛ وفي آخِرِهِ: فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾» ولِلْبُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ أنَسٍ أيْضًا؛ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ؛ قالَ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا؛ ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا“؛ فَغَطّى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ؛ لَهم حَنِينٌ؛ فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: ”فُلانٌ“؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾» الآيَةَ؛ ولِلْبُخارِيِّ أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها؛» ولِابْنِ ماجَةَ مُخْتَصَرًا؛ ولِلْحافِظِ أبِي القاسِمِ ابْنِ عَساكِرَ في ”المُوافَقاتُ“؛ فِيما أفادَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في مَناقِبِ العَشَرَةِ؛ وأبِي يَعْلى؛ في مُسْنَدِهِ؛ مُطَوَّلًا «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غَضْبانُ؛ ونَحْنُ نَرى أنَّ مَعَهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى صَعِدَ المِنبَرَ - وفي رِوايَةٍ: فَخَطَبَ النّاسَ - فَقالَ: ”سَلُونِي؛ فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ اليَوْمَ إلّا أخْبَرْتُكم - وفي رِوايَةٍ: أنْبَأتْكم - بِهِ“؛ فَما رَأيْتُ يَوْمًا كانَ أكْثَرَ باكِيًا مِنهُ؛ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ - وفي رِوايَةٍ: فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ - إنّا كُنّا (p-٣١٥)حَدِيثَ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ؛ مَن أبِي؟ قالَ: ”أبُوكَ حُذافَةُ“ - لِأبِيهِ الَّذِي كانَ يُدْعى لَهُ - وفي رِوايَةٍ: ”أبُوكَ حُذافَةُ الَّذِي تُدْعى لَهُ“ -؛ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أفِي الجَنَّةِ أنا أمْ في النّارِ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“؛ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أعَلَيْنا الحَجُّ كُلَّ عامٍ؟ - وفي رِوايَةٍ: في كُلِّ عامٍ - فَقالَ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا بِها؛ ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِها عُذِّبْتُمْ“؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا - وفي رِوايَةٍ: رَسُولًا - لا تَفْضَحْنا بِسَرائِرِنا - وفي رِوايَةٍ: فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنّا كُنّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ؛ فَلا تُبْدِ عَلَيْنا سَرائِرَنا؛ أتَفْضَحُنا بِسَرائِرِنا؟ اعْفُ عَنّا عَفا اللَّهُ عَنْكَ؛ فَسُرِّيَ عَنْهُ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلى الحائِطِ فَذَكَّرَ بِمِثْلِ الجَنَّةِ والنّارِ؛» ولِلْإمامِ أحْمَدَ؛ ومُسْلِمٍ؛ والنِّسائِيِّ؛ والدّارَقُطْنِيِّ؛ والطَّبَرِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: خَطَبَ - وفي رِوايَةٍ: «خَطَبَنا - رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“؛ فَقالَ رَجُلٌ - وفي رِوايَةِ النِّسائِيِّ: ”فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ -: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ؛ حَتّى قالَها ثَلاثًا؛ فَقالَ:“مَنِ السّائِلُ؟”؛ فَقالَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ؛ ثُمَّ إذًا لا تَسْمَعُونَ؛ ولا تُطِيعُونَ؛ ولَكِنْ حَجَّةٌ واحِدَةٌ”؛ وفي رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ؛ والطَّبَرِيِّ: (p-٣١٦)“ولَوْ وجَبَتْ ما أطَقْتُمُوها؛ ولَوْ لَمْ تُطِيقُوها - وفي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ: ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ - لَكَفَرْتُمْ”؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾؛ ثُمَّ قالَ:“ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ؛ فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ؛ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ”؛ وفي رِوايَةٍ:“فاجْتَنِبُوهُ”؛» وهَذا الحَدِيثُ لَهُ ألْفاظٌ كَثِيرَةٌ مِن طُرُقٍ شَتّى؛ اسْتَوْفَيْتُها في كِتابِي“الِاطِّلاعُ عَلى حَجَّةِ الوَداعِ”؛ ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأخْبارِ؛ ولَوْ تَعَذَّرَ رَدُّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ مِن أنَّ الأمْرَ الواحِدَ قَدْ تُعَدَّدُ أسْبابُهُ؛ بَلْ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ تِلْكَ؛ وما أشْبَهَهُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ [النساء: ٧٧]؛ الآيَةَ؛ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِهَذِهِ؛ ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ؛ في آخِرِ الرَّضاعِ؛ مِن سُنَنِهِ؛ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ؛ وفي آخِرِ الصَّيْدِ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ اللَّهَ (تَعالى) فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها؛ وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها؛ وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ؛ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها”؛» وقالَ أبُو الدَّرْداءِ:“فَلا تَكْلُفُوها؛ رَحْمَةً مِن رَبِّكم فاقْبَلُوها"؛ وأخْرَجَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ. (p-٣١٧)ولَمّا كانَ الإنْسانُ قاصِرًا عَنْ عِلْمِ ما غابَ؛ فَكانَ زَجْرُهُ عَنِ الكَشْفِ عَمّا يَسُوؤُهُ زَجْرًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما يُتَوَقَّعُ أنْ يَسُوءَهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إنْ تُبْدَ﴾؛ أيْ: تَظْهَرْ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ بِإظْهارِ عالِمِ الغَيْبِ لَها؛ ﴿تَسُؤْكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمٍ مُتَعَنِّتٌ أنَّ هَذا الزَّجْرَ إنَّما هو لِقَصْدِ راحَةِ المَسْؤُولِ عَنِ السُّؤالِ؛ خَوْفًا مِن عَواقِبِهِ - قالَ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾؛ أيْ: تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي تُتَوَقَّعُ مَساءَتُكم عِنْدَ إبْدائِها؛ ﴿حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ﴾؛ أيْ: والمَلِكُ حاضِرٌ؛ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ: فَما لَهُ لا يُبْدِيها؛ سُئِلَ عَنْها أمْ لا؟ قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ الغِنى المُطْلَقِ؛ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَنْها﴾؛ أيْ: سَتَرَها؛ فَلَمْ يُبْدِها لَكُمْ؛ رَحْمَةً مِنهُ لَكُمْ؛ وإراحَةً عَمّا يَسُوؤُكُمْ؛ ويُثْقِلُ عَلَيْكم في دِينٍ؛ أوْ دُنْيا؛ ولَمّا كانَتْ صِفاتُهُ - سُبْحانَهُ - أزَلِيَّةً؛ لا تَوَقُّفَ لِواحِدَةٍ مِنها عَلى غَيْرِها؛ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِئَلّا يَخْتَصُّ بِما قَبْلَهُ؛ فَقالَ - نادِبًا مَن وقَعَ مِنهُ ذَنْبٌ إلى التَّوْبَةِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ؛ مَعَ صِفَةِ الكَمالِ؛ صِفَةُ الإكْرامِ؛ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أزَلًا وأبَدًا؛ يَمْحُو الزَّلّاتِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ ويُعْقِبُها بِالإكْرامِ؛ عَلى عادَةِ الحُكَماءِ؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أيْ: لا يُعَجِّلُ عَلى العاصِي بِالعُقُوبَةِ.
5:102Page 124
قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢
A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1
ولَمّا نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها لِيُتَعَرَّفَ حالُها؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ غَيْرَهم عَرَفَ أشْياءَ؛ وطَلَبَ أنْ يُعْطاها؛ إمّا بِأنْ سَألَ غَيْرَهُ ذَلِكَ؛ وإمّا بِأنْ شَرَعَها؛ (p-٣١٨)وسَألَ غَيْرَهُ أنْ يُوافِقَهُ عَلَيْها؛ وهو قاطِعٌ بِأنَّها غايَةٌ في الحُسْنِ؛ فَكانَتْ سَبَبَ شَقائِهِ؛ فَقالَ: ﴿قَدْ سَألَها﴾؛ يَعْنِي أمْثالَها؛ ولَمْ يَقُلْ: ”سَألَ عَنْها“؛ إشارَةً إلى ما أبْدَتْهُ؛ ﴿قَوْمٌ﴾؛ أيْ: أُولُو عَزْمٍ؛ وبَأْسٍ؛ وقِيامٍ في الأُمُورِ؛ ولَمّا كانَ وُجُودُ القَوْمِ؛ فَضْلًا عَنْ سُؤالِهِمْ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ إذا جاءَ عَنْ مَسْألَةٍ جَدِيرًا بِالقَبُولِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ مِن مَلِكٍ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مِن مَلِكِ المُلُوكِ؟ فَكانَ رَدُّهُ في غايَةِ البُعْدِ؛ عَبَّرَ عَنِ اسْتِبْعادِهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾؛ أيْ: عَقِبَ إتْيانِهِمْ إيّاها؛ سَواءٌ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ؛ ﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ في الكُفْرِ؛ هَذا زَجْرٌ بَلِيغٌ لِأنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما أرادُوا مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهُمْ؛ مَيْلًا إلى الرَّهْبانِيَّةِ؛ والتَّعَمُّقِ في الدِّينِ؛ المَنهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]
5:103Page 124
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.
ولَمّا فَرَغَ مِن زَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَشْرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ يَسْألُوهُ عَنْ أنْ يَشْرَعَ لَهُمْ؛ وأنْ يَسْألُوا مَن رَحِمَهم بِابْتِدائِهِمْ بِهَذا الشَّرْعِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّهُ ما ابْتَدَأ بِذَلِكَ إلّا وهو غَيْرُ مُخْفٍ عَنْهم شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ؛ ولا مُبْدٍ لَهم شَيْئًا يَضُرُّهُمْ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ -؛ قالَ - مُعَلِّلًا بِخِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها -: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ فَلا يَشْرَعُ شَيْئًا إلّا وهو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ وأغْرَقَ (p-٣١٩)فِي النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَحِيرَةٍ﴾؛ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾؛ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في شَرْعِهِ لِنَفْسِهِ عَلى الخَبِيثِ؛ دُونَ الطِّيبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ شَرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ هَذا؛ وظَنُّوا أنَّهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ؛ فَإذا هو مِمّا لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ ومِمّا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَهم فِيما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وهو الكَذِبُ؛ بَلْ في أقْبَحِ أنْواعِهِ؛ وهو الكَذِبُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ صارَ لَهم دِينًا؛ وصارُوا أرْسَخَ النّاسِ فِيهِ؛ وهو عَيْنُ الكُفْرِ؛ وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ ما شَرَعَهُ إلّا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ عَمْرًا أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ؛ فَنَصَبَ الأوْثانَ؛ وبَحَرَ البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبَ السَّوائِبَ؛ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ؛ وحَمّى الحامِيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - وفي آخِرِهِ: «”وكانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أوَّلَ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ“؛» ورَواهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ مِن صَحِيحِهِ؛ ومُسْلِمٌ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ“؛» قالَ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ: (p-٣٢٠)والبَحِيرَةُ عِنْدَهُمُ النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها؛ فَلا يُرْكَبُ ظَهْرُها؛ ولا يُجَزُّ وبَرُها؛ ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ؛ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ؛ وتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في المَناقِبِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ؛ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ والسّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ؛ وكَذا رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا في التَّفْسِيرِ؛ وقالَ: والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ؛ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى؛ وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى؛ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ؛ وقالَ البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ في إعْرابِهِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ؛ في الآخِرِ ذَكَرٌ؛ شَقُّوا أُذُنَها؛ وخَلَّوْا سَبِيلَها؛ لا تُرْكَبُ؛ ولا تُحْلَبُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ -؛ وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ: تُعْتَقُ؛ وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ؛ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ؛ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ؛ والوَصِيلَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ؛ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ؛ إلّا أنْ تَمُوتَ؛ فَيَأْكُلَها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ؛ وأكَلُوهُ جَمِيعًا؛ (p-٣٢١)وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها؛ فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها؛ فَلا تُذْبَحُ؛ ومَنافِعُها لِلرِّجالِ؛ دُونَ النِّساءِ؛ فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها؛ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: والحامِي: الفَحْلُ إذا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ؛ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ؛ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ؛ ولَمْ يُجَزَّ وبَرُهُ؛ وخُلِّيَ في إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيها؛ لا يُنْتَفَعُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ والزَّجّاجُ -: هو الفَحْلُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ؛ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ وكانَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ وكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ كانَ حُكْمُهم عَلَيْها بِالحُرْمَةِ نِسْبَةً لِذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - كَذِبًا؛ فَقالَ (تَعالى) - بَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ -: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلُهم مِن أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ هَذا؛ لِأنَّهم لا وُصُولَ لَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ -؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ بِجَعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ مِن تَحْرِيمٍ؛ وتَحْلِيلٍ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ فَيُحَرِّمُونَ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ (p-٣٢٢)ويُحَلِّلُونَ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ؛ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ؛ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ ثُمَّ لَمّا حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ اضْطُرُّوا إلى تَحْلِيلِ المَيْتَةِ؛ فَحَرَّمُوا الطَّيِّبَ؛ وأحَلُّوا الخَبِيثَ؛
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences