Al-Biqa'iQaf · 50:41–45

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:41–45

50:41Page 520

وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٤١

And listen on the Day when the Caller1 will call out from a place that is near -

ولَمّا سَلّاهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَسْمَعُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ [و] غَيْرِهِ مِنَ الأذى بِالإقْبالِ عَلى عَلِيِّ حَضَرْتِهِ والِانْتِظارِ لِنُصْرَتِهِ، أتْبَعَهُ تَعْزِيَةَ الإشارَةِ فِيها أظْهَرَ بِما صَوَّرَهُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِمْ وقَرَّبَهُ حَتّى أنَّهُ يَسْمَعُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما فِيهِ لَهم مِنَ المَثُلاتِ وقَوارِعِ المُصِيباتِ، تَحْذِيرًا لَهم وبُشْرى لِأوْلِيائِهِ بِتَمامِ تَأْيِيدِهِ عَلَيْهِمْ ونَصْرِهِ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿واسْتَمِعْ﴾ أيِ اسْمَعْ بِتَعَمُّدِكَ لِلسَّمْعِ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِإصْغاءِ سَمْعِكَ وإقْبالِ قَلْبِكَ بَعْدَ تَسْبِيحِكَ بِالحَمْدِ ما يُقالُ لَهم ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ لَهم في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ؛ أوَّلُ الأيّامِ الَّتِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيها لِأوْلِيائِهِ مَجْدَهُ بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِ، وفي الآخِرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وما بَعْدَهُ.

ولَمّا كانَ المُرادُ إظْهارَ العَظَمَةِ بِتَصْوِيرِ تَمامِ القُدْرَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِإسْماعِ البَعِيدِ مِن مَحِلِّ المُنادِي كَما يَسْمَعُ القَرِيبُ سَواءٌ، وكانَ القُرْبُ مَلْزُومًا لِلسَّماعِ، قالَ مُصَوِّرًا لِذَلِكَ: ﴿مِن مَكانٍ﴾ هو صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿قَرِيبٍ﴾ أيْ: يَسْمَعُ الصَّوْتَ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ، يَكُونُونَ في البِقاعِ سَواءً لا تَفاوُتَ بَيْنِهِمْ أصْلًا.

50:42Page 520

يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ ٤٢

The Day they will hear the blast [of the Horn] in truth. That is the Day of Emergence [from the graves].

ولَمّا عَظَّمَ هَذا المَقامَ بِما كَساهُ مِن ثَوْبِ الإجْمالِ أبْدَلَ مِنهُ إيضاحًا (p-٤٤١)وزِيادَةً في التَّعْظِيمِ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُنادَوْنَ ﴿الصَّيْحَةَ﴾ أيْ: صَيْحَةً أصْمَتَهُمُ المُسْتَنْفِرُ لَهم إلى بَدْرٍ في الدُّنْيا، فَكانَتْ صَيْحَةً قاضِيَةً بِصَمَمِهِمْ عَنْ جَمِيعِ تَصَرُّفاتِهِمْ، وصَيْحَةُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ في الصُّورِ في الآخِرَةِ فَهُما نَفْخَتا حَشْرٍ إلى القَضاءِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.

﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا، ويَعُدُّونَهُ خَيالًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّ الواقِعَ قَدْ يُطابِقُهُ، فَكانَ حَقًّا فَإنَّهُ قَدْ طابَقَهُ الواقِعُ، فَكانَ الإخْبارُ بِهِ صِدْقًا.

ولَمّا عَظَّمَهُ سُبْحانَهُ بِإجْمالٍ بَعْدَ إجْمالٍ، إشارَةً إلى أنَّ ما فِيهِ مِن شَدِيدِ الأهْوالِ، يَطُولُ شَرْحُهُ بِالمَقالِ، زادَهُ تَعْظِيمًا بِما أنْتَجَهُ الكَلامُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ المُجِدُّ ويَعْلُو بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ المَجْدُ ﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيِ: الَّذِي لا خُرُوجَ أعْظَمُ مِنهُ؛ وهو خُرُوجُهم مِن بُيُوتِهِمْ في الدُّنْيا إلى مَصارِعِهِمْ بِبَدْرٍ، ومِن قُبُورِهِمْ مِنَ الأرْضِ الَّتِي خُلِقُوا مِنها إلى مَقامِعِهِمْ في النّارِ.

50:43Page 520

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ ٤٣

Indeed, it is We who give life and cause death, and to Us is the destination

ولَمّا بُنِيَتْ دَعائِمُ القُدْرَةِ ودَقَّتْ بَشائِرُ النُّصْرَةِ وخُتِمَ بِما يَصْدُقُ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو الإحْياءُ الأعْظَمُ دالًّا بِما هو مُشاهَدٌ مِن أفْعالِهِ، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَقالَ: ﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَحْنُ﴾ خاصَّةً ﴿نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ تَجَدُّدُ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وعادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ كَما تُشاهِدُونَهُ، فَقَدْ كانَ مِنّا بِالإحْياءِ الأوَّلِ البَدْءُ ﴿وإلَيْنا﴾ خاصًّا بِالإماتَةِ ثُمَّ الإحْياءِ ﴿المَصِيرُ﴾ أيِ: الصَّيْرُورَةُ ومَكانُها وزَمانُها بِأنْ نُحْيِيَ جَمِيعَ مَن أمَتْناهُ يَوْمَ البَعْثِ ونَحْشُرُهم إلى مَحَلِّ الفَصْلِ، فَنَحْكُمُ (p-٤٤٢)بَيْنَهم ولَيْسَ المَعادُ بِأصْعَبَ مِنَ المَبْدَأِ، فَمَن أقَرَّ بِهِ وأنْكَرَ البَعْثَ كانَ مُعانِدًا أوْ مَجْنُونًا قَطْعًا.

50:44Page 520

يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ ٤٤

On the Day the earth breaks away from them [and they emerge] rapidly; that is a gathering easy for Us.

ولَمّا تَحَقَّقَ بِذَلِكَ أمْرُ البَعْثِ غايَةَ التَّحَقُّقِ، صَوَّرَ خُرُوجَهم فِيهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِما خَتَمَ بِهِ الِابْتِداءَ مِمّا قَبْلَهُ زِيادَةً في تَفْخِيمِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَبْجِيلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ﴾ وعَبَّرَ بِفِعْلِ المُطاوَعَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ، وحَذَفَ تاءَ المُطاوَعَةِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ الفِعْلِ وسُرْعَتِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ: مُجاوَزَةً لَهم بَعْدَ أنْ كانُوا في بَطْنِها فَيَخْرُجُونَ مِنها أحْياءً كَما كانُوا عَلى ظَهْرِها أحْياءً، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿سِراعًا﴾ إلى إجابَةِ مُنادِيها، وأشارَ إلى عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الإخْراجُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿حَشْرٌ﴾ أيْ: جَمْعٌ بِكُرْهٍ، وزادَ في بَيانِ عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ بِدَلالَتِهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ فَقالَ: ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَسِيرٌ﴾ فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ عاقِلٌ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْكِرَهُ، وأمّا غَيْرُنا فَلا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ. انْتَهى.

50:45Page 520

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥

We are most knowing of what they say, and you are not over them a tyrant.1 But remind by the Qur’ān whoever fears My threat.

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وخَتَمَ بِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ، وصَلَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالعِلْمِ الَّذِي هو أعْظَمُ التَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ: لا غَيْرُنا ولا هم أنْفُسُهم ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ العِلْمُ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ: في الحالِ والِاسْتِقْبالِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِقُدْرَتِنا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى رَدِّهِمْ عَنْهُ بِما لَنا مِنَ العِلْمِ المُحِيطِ وأنْتَ لَهم مُنْذِرٌ تُنْذِرُهم وبالَ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (p-٤٤٣)ولَمّا أفادَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ القَهْرَ والغَلَبَةَ صَرَّحَ بِهِ مُؤَكَّدًا في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِجَبّارٍ﴾ أيْ: مُتَكَبِّرٍ قَهّارٍ عاتٍ تَرُدُّهم قَهْرًا عَمّا تَكْرَهُ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولَمّا نَفى عَنْهُ الجَبَرُوتَ، أثْبَتَ لَهم ما أفْهَمَهُ واوُ العَطْفِ مِنَ النِّذارَةِ كَما قَدَّرْتُهُ قَبْلَهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ مُعَبِّرًا بِالتَّذْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ عَنْ نِسْيانٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن وعْظٍ إذا تَأمَّلَهُ الإنْسانُ وجَدَهُ شاهِدًا في نَفْسِهِ أوْ فِيما يَعْرِفُهُ مِنَ الآفاقِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ﴿بِالقُرْآنِ﴾ أيِ: الجامِعِ بِمَجْدِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ، المُحِيطِ كُلَّ صَلاحٍ ﴿مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: يُمْكِنُ خَوْفُهُ، وهو كُلُّ عاقِلٍ، ولَكِنَّهُ ساقَهُ هَكَذا إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي يَخافُ بِالفِعْلِ فَيَكْشِفُ الحالُ عَنْ إسْلامِهِ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ إنَّما يُقْصَدُ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ لا لَدَدُهُ ولا يُؤْسَفُ عَلَيْهِ ولا يُتَأثَّرُ بِتَكْذِيبِهِ بَلْ يُعْتَقَدُ أنَّهُ عَدَمٌ لا تَضُرُّ عَداوَتُهُ ولا تَنْفَعُ وِلايَتُهُ، وما آذى إلّا نَفْسَهُ وكُلَّ مَن والاهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا هو المَجْدُ لِلْقُرْآنِ ولِمَن أنْزَلَهُ ولِمَن أتى بِهِ عَنْهُ بِتَمامِ قُدْرَةٍ، مَن هو صِفَتُهُ وشُمُولُ عِلْمِهِ، فَقَدِ انْعَطَفَ هَذا الآخَرُ عَلى [ذَلِكَ] الأوَّلِ أشَدَّ انْعِطافٍ، والتَفَّتْ فُرُوعُهُ بِأصْلِهِ أتَمَّ التِفافٍ، فاعْتَرَفَتْ بِهِ [أُولُو] بَراعَةٍ وأهْلُ الإنْصافِ [والِاتِّصافِ] بِالتَّقَدُّمِ في كُلِّ صِناعَةٍ بِالسَّبْقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ لَحاقُهُ أيَّ اعْتِرافٍ. واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском