Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:9–23
50:9Page 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
ولَمّا كانَ إنْزالُ الماءِ أبْهَرَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى أنَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ داخِلَ العالَمِ أوْ خارِجَهُ، أوْ مُتَّصِلٌ بِهِ أوْ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، مَعَ أنَّ بِهِ تَكُونُ النَّباتُ وحُصُولُ الأقْواتِ وبِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، أفْرَدَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ونَـزَّلْنا﴾ أيْ: شَيْئًا فَشَيْئًا في أوْقاتٍ عَلى سَبِيلِ التَّقاطُرِ وبِما يُناسِبُ عَظَمَتَنا الَّتِي لا تُضاهى بِغَيْبٍ، بِما لَهُ مِنَ النَّقْلِ والنُّبُوعِ والنُّفُوذِ فَنَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً فَأهْلَكَ ما نَزَلَ عَلَيْهِ فَزالَتِ المُفَقَّرَةُ وعادَتِ المَنفَعَةُ مَضَرَّةً ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المَحَلِّ العالِي الَّذِي لا يُمْسَكُ فِيهِ الماءُ عَنْ دَوامِ التَّقاطُرِ إلّا بِقاهِرٍ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نافِعًا جِدًّا ثابِتًا لا خَيالًا مُحِيطًا (p-٤١٢)بِجَمِيعِ مَنافِعِكم.
ولَمّا كانَ الماءُ سَبَبًا في تَكَوُّنِ الأشْياءِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا في انْعِقادِهِ حَتّى يَصِيرَ خَشَبًا وحَبًّا وعِنَبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ عَجَبًا، قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ مُعَبِّرًا بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿بِهِ جَنّاتٍ﴾ مِنَ الثَّمَرِ والشَّجَرِ والزَّرْعِ وغَيْرِهِ مِمّا تَجْمَعُهُ البَساتِينُ فَتُجَنُّ - أيْ تَسْتُرُ - الدّاخِلَ فِيها. ولَمّا كانَ القَصَبُ الَّذِي يُحْصَدُ فَيَكُونُ حَبُّهُ قُوتًا لِلْحَيَوانِ وساقُهُ لِلْبَهائِمِ، خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: النَّجْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْصَدَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما، وأوْمَأ بِالتَّقْيِيدِ إلى أنَّ هَذِهِ الحُبُوبَ أشْرَفُ مِن حَبِّ اللَآلِئِ الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ مِنَ المَطَرِ لِأنَّها لِقِيامِ النَّبْتَةِ؟ وتِلْكَ لِلزِّينَةِ،
50:10Page 518
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
ولَمّا كانَ النَّخْلُ مِن أعْجَبِهِ ما يَتَكَوَّنُ مِنهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا يُساوِيهِ فِيها شَجَرٌ، والطِّباقُ لِلزَّرْعِ بِالطُّولِ والقِصَرِ والِاتِّساقِ بِالِاقْتِياتِ لِلْآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ، قالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ أيْ: عالِياتٍ طَوِيلاتٍ عَلى جَمِيعِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ ذَواتِ أثْمارٍ طَيِّبَةٍ ﴿لَها﴾ مَعَ يُبْسِ ساقِها ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أيْ: مَصْفُوفٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو حَشْوُ طَلْعِهِ، والطَّلْعُ ذَلِكَ الخارِجُ مِن أعْلى النَّخْلَةِ كَأنَّهُ فِعْلانِ مُطْبَقانِ، والحَمْلُ النَّضِيدُ بَيْنَهُما، والطَّرَفُ مُحَدَّدٌ، أوِ الطَّلْعُ ما يَبْدُو مِن ثَمَرِ النَّخْلِ أوَّلَ ظُهُورِها، وذَلِكَ القِشْرُ يُسَمّى الكُفُرّى لِتَغْطِيَتِهِ إيّاهُ عَلى أحْكَمَ مِمّا يَكُونُ وأوْثَقَ، والطَّلْعُ يُشْبِهُ ما لِلنّاقَةِ المُبَسَّقِ مِنَ اللَّبا المُتَكَوِّنِ في ضَرْعِها (p-٤١٣)قَبْلَ النِّتاجِ، ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ اتِّحادِهِ في البَياضِ وهو طَلْعٌ إلى الِافْتِراقِ حالَ اليُنُوعِ إلى أحْمَرَ وأصْفَرَ وأخْضَرَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْوانِ الغَرِيبَةِ، والأوْصافِ العَجِيبَةِ، وهي مُحِيطَةُ المَنافِعِ بِالتَّفَكُّهِ عَلى عِدَّةِ أنْواعٍ والِاقْتِياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطَلْعُها مُخالِفٌ لِعادَةِ أكْثَرِ الأشْجارِ؛ فَإنَّ ثِمارَها مُفْرَدَةٌ، كُلُّ حَبَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَنْ أُخْتِها.
50:11Page 518
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما لَهُ في الماءِ مِنَ العَظَمَةِ، ذَكَرَ لَهُ عِلَّةً هي غايَةٌ في المِنَّةِ عَلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: أنْبَتْنا بِهِ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ بَعْضُ ما جَعَلْناهُ رِزْقَهم.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ مُذَكِّرٍ لِلْبُصَراءِ بِالبَعْثِ ولِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، أتْبَعَهُ ما لَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ بِخُصُوصِهِ فَقالَ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ أيِ: الماءِ بِعَظَمَتِنا ﴿بَلْدَةً﴾ وسَمَها بِالتّاءِ إشارَةً إلى أنَّها في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ إلى الثَّباتِ والخُلُوِّ عَنْهُ، وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَيْتًا﴾ لِلزِّيادَةِ في تَقْرِيرِ تَمَكُّنِ الحاجَةِ فِيها. ولَمّا كانَ هَذا خاصَّةً مِن أوْضَحِ أدِلَّةِ البَعْثِ، قالَ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الإخْراجِ العَظِيمِ ﴿الخُرُوجُ﴾ الَّذِي هو لِعَظَمَتِهِ كَأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى، وهو بَعْثُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، لا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِ النَّباتِ بَعْدَ ما تَهَشَّمَ في الأرْضِ وصارَ تُرابًا كَما كانَ مِن بَيْنَ أصْفَرِهِ وأبْيَضِهِ وأحْمَرِهِ وأخْضَرِهِ وأزْرَقِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وبَيْنَ إخْراجِ (p-٤١٤)ما تَفَتَّتَ مِنَ المَوْتى كَما كانُوا في الدُّنْيا، قالَ أبُو حَيّانَ: ذَكَرَ تَعالى في السَّماءِ ثَلاثَةً: البِناءَ والتَّزْيِينَ ونَفْيَ الفُرُوجِ، وفي الأرْضِ ثَلاثَةً: المَدَّ وإلْقاءَ الرَّواسِي والإنْباتَ، قابَلَ المَدَّ بِالبِناءِ؛ لِأنَّ المَدَّ وضْعٌ والبِناءَ رَفْعٌ، وإلْقاءُ الرَّواسِي بِالتَّزْيِينِ بِالكَواكِبِ لِارْتِكازِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، أيْ عَلى سَطْحِ ما هو فِيهِ والإنْباتُ المُتَرَتِّبُ عَلى الشَّقِّ بِانْتِفاءِ الفُرُوجِ، فَلا شَقَّ فِيها، ونَبَّهَ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الإنْباتُ عَلى ما يُقْطَفُ كُلَّ سَنَةٍ ويَبْقى أصْلُهُ، وما يُزْرَعُ كُلَّ سَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ ويُقْطَفُ كُلَّ سَنَةٍ، وعَلى ما اخْتَلَطَ مِن جِنْسَيْنِ، فَبَعْضُ الثِّمارِ فاكِهَةٌ لا قُوتٌ، وأكْثَرُ الزَّرْعِ قُوتٌ والثَّمَرُ فاكِهَةٌ وقُوتٌ.
50:12Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
ولَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى حَدٍّ لا خَفاءَ مَعَهُ، فَصَحَّ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَمْ يَحْمِلْهم عَلى التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ بِهِ إلّا المُبادَرَةُ إلى ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الهَوى مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ لِعاقِبَتِهِ، فَصارَ مِن بابِ لُزُومِ الغَلَطِ، وكانَ السِّياقُ لِإنْكارِ البَعْثِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُنْذِرٌ مِنَ القَوْمِ المُنْذَرِينَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إنْكارَ هَؤُلاءِ أعْجَبُ؛ فَهَلْ وقَعَ هَذا لِأحَدٍ قَطُّ، فَقالَ تَعالى مُسَلِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ هانَتْ، مُبَيِّنًا لِمَجْدِ القُرْآنِ ولِمَجْدِ آياتِهِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ وتَحْذِيرًا بِهِ لا لِلنَّصِيحَةِ: ﴿كَذَّبَتْ﴾ وسَمَ الفِعْلَ بِالتّاءِ إشارَةً إلى هَوانِهِمْ في جَنْبِ هَذا المَجْدِ، ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ الأحْزابُ المَذْكُورُونَ لِقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم أهْلُ المَجْدِ قاطِبَةً قَدِ اسْتَغْرَقُوا زَمانَها ومَكانَها، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾
ولَمّا لَمْ تَكُنْ لَهم شُهْرَةٌ يُعْرَفُونَ بِها قالَ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وأشارَ (p-٤١٥)إلى عَظِيمِ التَّسْلِيَةِ بِأنَّهم جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ، وكانُوا في القُوَّةِ في القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ والكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَسَعُ الأفْهامَ جَمِيعُ أوْصافِهِمْ، فَآذَوْا رَسُولَهم وطالَ أذاهم قَرِيبًا مِن عَشَرَةِ قُرُونٍ، ولَمّا كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُ التَقى عَلَيْهِمُ الماءانِ: ماءُ السَّماءِ، وطَلَعَ إلَيْهِمْ ماءُ الأرْضِ فَأغْرَقَهُمْ، أتْبَعَهم مِن طائِفَتِهِمْ قِصَّتَهم بِأنْ نَزَلَ بِهِمُ الماءُ فَأوْبَقَهم لِما بَيْنَ حالَيْهِمْ مِنَ الطِّباقِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ أيِ: البِئْرِ الَّتِي تَقَوَّضَتْ بِهِمْ فَخُسِفَتْ مَعَ ما حَوْلَها فَذَهَبَتْ بِهِمْ وبِكُلِّ ما لَهم كَما ذُكِرَتْ قِصَّتُهم في الفُرْقانِ.
ولَمّا كانَتْ آيَةُ [قَوْمِ] صالِحٍ مِن أعْظَمِ الدَّلالاتِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، وكانَ إهْلاكُهم مُناسِبًا لِإهْلاكِ مَن قَبْلَهُمْ، أمّا لِأصْحابِ الرَّسِّ فَكانَ بِالرَّجْفَةِ الَّتِي هي [عَلى] مَبْدَأِ الخَسْفِ، وأمّا لِقَوْمِ نُوحٍ فَلِأنَّ الرَّجْفَةَ تَأثَّرَتْ عَنِ الصَّيْحَةِ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّيحُ الَّتِي مِن شَأْنِها حَمْلُ السَّحابِ الحامِلِ لِلْماءِ، أتْبَعَهم بِهِمْ، وكانُوا أصْحابَ بِئْرٍ ولَمْ يُخْسَفْ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وثَمُودُ﴾
50:13Page 518
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
ولَمّا اتَّفَقَ قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والقِبْطُ بِالإهْلاكِ بِالرِّيحِ الَّتِي أثَّرَتْ بِها صَيْحَةُ ثَمُودَ، أُولَئِكَ مَعَ الحِجارَةِ والرَّمْلِ وهَؤُلاءِ بِالماءِ الَّذِي فَرَّقَهُ اللَّهُ بِالرِّيحِ عِنْدَ ضَرْبِ العَصِيِّ، وكانَ لِكُلٍّ مِنهُما مِن ضَخامَةِ المُلْكِ وعِزِّ السُّلْطانِ ما هو مَشْهُورٌ قَدَّمَ أشَدَّهُما أبْدانًا وأوْسَعَهُما مُلْكًا؛ لِأنَّ إهْلاكَهم كانَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ وأقْرَبَ شَبَهًا بِهَلاكِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾ وعَطَفَ عَلَيْهِ (p-٤١٦)أقْرَبَ الطّائِفَتَيْنِ شَبَهًا بِالهَلاكِ بِقَوْمِ نُوحٍ وأصْحابِ الرَّسِّ فَقالَ: ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في مادَّةِ هَذا الغَرَقِ كافِرٌ غَيْرُهُ، والنَّصُّ عَلَيْهِ يُفْهِمُ غَيْرَهُ، وما تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ مَلِكٌ قاهِرٌ وأنَّهُ اسْتَخَفَّهم فَأطاعُوهُ فَيُعْلَمُ كُفْرُهم طاعَةً لَهُ، وأنَّهُ لَيُوافِقُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعِزَّةِ والشِّقاقِ، فَلَمْ يَدْعُ داعٍ إلى إثْباتِ ذِي الأوْتادِ. ولَمّا كانَ هَلاكُ المُؤْتَفِكاتِ جامِعًا في الشُّبْهَةِ بِهَلاكِ جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ بِالخَسْفِ وغَمْرَةِ الماءِ بَعْدَ القَلْبِ في الهَواءِ، أتْبَعَهم بِهِمْ مُعَبِّرًا عَنْهم بِأخْصَرَ مِن تَسْمِيَةِ قَبائِلِهِمْ أوْ مُدُنِهِمْ لِأنَّها عِدَّةُ مُدُنٍ، وعَبَّرَ بِالأُخُوَّةِ دُونَ القَوْمِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِتَكْذِيبِ مَن هو مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ أيْ: أصْهارُهُ الَّذِينَ جَبَرُوا بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَعَ المُصاهَرَةِ بِالمُناصَرَةِ لِمُلُوكِهِمْ ورَعاياهم عَلى مَن ناواهم بِنَفْسِهِ وعَمِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى بَيانُهُ في البَقَرَةِ ما صارَ كالأُخُوَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ عامَلُوهُ بِما اشْتُقَّ مِن لَفْظِ هَذا الجَمْعِ مِنَ الجِنايَةِ لَهُ ولِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ.
50:14Page 518
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ مَظِنَّةَ الهَواءِ البارِدِ والرَّوْحِ، وكانَ أصْحابُهُ قَدْ عُذِّبُوا بِضِدِّ ذَلِكَ قالَ: ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ بِالنّارِ، وأُولَئِكَ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ النّازِلَةِ مِنَ العُلُوِّ وهَؤُلاءِ [بِالنّارِ] النّازِلَةِ مِن ظُلْمَةِ السَّحابِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالواحِدَةِ والمُرادُ الغَيْضَةُ إشارَةً إلى أنَّها (p-٤١٧)مِن شِدَّةِ التِفافِها كالشَّجَرَةِ الواحِدَةِ. ولَمّا كانَ ﴿تُبَّعٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مِن قَوْمِهِ مَلِكًا قاهِرًا، وخالَفُوهُ مَعَ ذَلِكَ، وكانَ لِقَوْمِهِ نارٌ [فِي بِلادِهِمْ] يَتَحاكَمُونَ إلَيْها فَتَأْكُلُ الظّالِمَ، خَتَمَ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مالِكًا، وهو يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، فَلا يُظَنُّ أنَّ التَّكْذِيبَ مَخْصُوصٌ بِمَن كانَ قَوِيًّا لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا، بَلْ هو واقِعٌ بِمَن شِئْنا مِن قَوِيٍّ وضَعِيفٍ، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِنا.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا ما يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ مِمّا مَرَّ بَيانُهُ في ”ص“ قالَ مُعَرِّيًا مِنهُ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الفِرَقِ ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أيْ: كُلَّهم بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ؛ فَإنَّ الكُلَّ مُتَساوُونَ فِيما يُوجِبُ الإيمانَ مِن إظْهارِ العَجْزِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ ﴿فَحَقَّ﴾ [أيْ] فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهم أنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ ووَجَبَ ﴿وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] [أيِ] الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ عِنْدَ إنْذارِهِمْ لَهم إيّاهُ، فَعَجَّلْنا لَهم مِنهُ في الدُّنْيا ما حَكَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ فَأهْلَكْناهم إهْلاكًا عامًّا كَإهْلاكِ نَفْسٍ واحِدَةٍ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما هو مَشْهُورٌ عِنْدَ مَن لَهُ بِأمْثالِهِ عِنايَةٌ، وأتْبَعْناهُ ما هو في البَرْزَخِ وأخَّرْنا ما هو في القِيامَةِ إلى البَعْثِ، بِإهْلاكِنا لَهم عَلى تَنائِي دِيارِهِمْ وتَباعُدِ أعْصارِهِمْ وكَثْرَةِ أعْدادِهِمْ أنَّ لَنا الإحاطَةَ البالِغَةَ فَتَسَلَّ بِإخْوانِكَ المُرْسَلِينَ وتَأسَّ بِهِمْ، ولْتُحَذِّرْ قَوْمَكَ ما حَلَّ بِمَن كَذَّبَهم إنْ أصَرُّوا.
50:15Page 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّسْلِيَةَ بِتَكْذِيبِ هَذِهِ الأحْزابِ بَعْدَ ذِكْرِ (p-٤١٨)تَكْذِيبِ قُرَيْشٍ وإقامَةِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى ما كَذَّبُوا بِهِ وبُطْلانِ تَكْذِيبِهِمْ، وخَتَمَ بِحُقُوقِ الوَعِيدِ الَّذِي شُوهِدَتْ أوائِلُهُ بِإهْلاكِهِمْ، فَثَبَتَ صِدْقُ الرُّسُلِ وثَبَتَتِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهَذا الخَلْقِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبَ ووَبَّخَهم عَلَيْهِ تَقْرِيرًا لِحُقُوقِ الوَعِيدِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أنَّهُ خَلَقَ جَمِيعَ الوُجُودِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ﴾ أيْ: حَصَلَ لَنا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الإعْياءُ، وهو العَجْزُ بِسَبَبِ الخَلْقِ في شَيْءٍ مِن إيجادِهِ وإعْدامِهِ ﴿الأوَّلِ﴾ أيْ: مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما حِينَ ابْتَدَأْناهُ اخْتِراعًا مِنَ العَدَمِ، ومَن خَلَقَ الإنْسانَ وسائِرَ الحَيَوانِ مُجَدَّدًا، ثُمَّ في كُلِّ أوانٍ مِنَ الأطْوارِ المُشاهَدَةِ عَلى هَذِهِ التَّدْرِيجاتِ المُعْتادَةِ بَعْدَ أنْ خَلَقْنا أصْلَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مِمّا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، وفي إعْدامِهِ بَعْدَ خَلْقِهِ جُمْلَةً كَهَذِهِ الأُمَمِ أوْ تَدْرِيجًا كَغَيْرِهِمْ لِيَظُنُّوا بِسَبَبِ العَجْزِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ الَّذِي هو أصْعَبُ في مَجارِي العاداتِ مِنَ الإعادَةِ أنْ نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ ثانِيًا، يُقالُ: عَيِيَ بِالأمْرِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لِأمْرِهِ أوْ لِوَجْهِ مُرادِهِ أوْ عَجَزَ عَنْهُ، ولَمْ يُطِقْ إحْكامَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الإنْكارِ: لَمْ نَعْيَ بِذَلِكَ بَلْ أوْجَدْناهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ لِلظَّرْفِ والمَظْرُوفِ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ ويُقِرُّونَ بِتَمامِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، [وفِي طَيِّهِ] الِاعْتِرافُ (p-٤١٩)بِالبَعْثِ وهم لا يَشْعُرُونَ أضْرَبَ عَنْهُ لِقَوْلِهِمُ الَّذِي يُخِلُّ بِاعْتِقادِهِمْ إيّاهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ﴾ أيْ: خَلْطٍ شَدِيدٍ وشُبْهَةٍ [مُوجِبَةٍ] لِلتَّكَلُّمِ بِكَلامٍ مُخْتَلِطٍ لا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى، بَلِ السُّكُوتُ عَنْهُ أجْمَلُ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا جارِ، إنَّهُ لَمَلْبُوسٌ عَلَيْكَ، اعْرِفْ بِالحَقِّ تَعْرِفْ أهْلَهُ. ولَبَّسَ الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ تَسْوِيلَهُ لَهم أنَّ البَعْثَ خارِجٌ عَنِ العادَةِ فَتَرَكُوا لِذَلِكَ القِياسَ الصَّحِيحَ والحُكْمَ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿مِن﴾ أجْلِ ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيِ: الإعادَةِ.
50:16Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الخافِقَيْنِ، أتْبَعَهُ خَلْقَ ما هو جامِعٌ لِجَمِيعِ ما هو فِيها فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: [و] الحالُ أنّا قَدْ ﴿خَلَقْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ وهو أعْجَبُ خَلْقًا وأجْمَعُ مِن جَمِيعِ ما مَضى ذِكْرُهُ بِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ والطُّغْيانِ، والذِّكْرِ والنِّسْيانِ، والجَهْلِ والعِرْفانِ، والطّاعَةِ والعِصْيانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الشَّأْنِ، ووَكَّلْنا بِهِ مِن جُنُودِنا مَن يَحْفَظُهُ فَيَضْبُطُ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ ﴿ونَعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّنا نَعْلَمُ بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ ﴿ما تُوَسْوِسُ﴾ أيْ: تَكَلَّمُ عَلى وجْهِ الخَفاءِ،
﴿بِهِ﴾ الآنَ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَنْقَدِحْ بَعْدُ مِن خَزائِنِ الغَيْبِ إلى [سِرِّ] النَّفْسِ كَما عَلِمْنا ما تَكَلَّمُ ﴿نَفْسُهُ﴾ وهي الخَواطِرُ الَّتِي تَعْتَرِضُ لَهُ حَتّى أنَّهُ هو رُبَّما عَجَزَ عَنْ ضَبْطِها، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ قُلُوبَهم عالِمَةٌ بِقُدْرَتِنا عَلى أكْمَلِ ما نُرِيدُ وبِصِحَّةِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ بِهِ ﷺ وامْتِيازِهِ، وإنَّما حَمَلَهُمُ الحَسَدُ والنَّفاسَةُ والكِبْرُ (p-٤٢٠)والرِّئاسَةُ عَلى الإنْكارِ بِاللِّسانِ حَتّى صارَ ذَلِكَ لَهم خُلُقًا وتَمادَوْا فِيهِ حَتّى غَطّى عَلى عُقُولِهِمْ، فَصارُوا في لَبْسٍ مُحِيطٍ [بِهِمْ] مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ كُلَّما كانَ قَرِيبًا مِنهُ كانَ عِلْمُهُ بِهِ أثْبَتَ وأمْكَنَ، قالَ مُمَثِّلًا لِعِلْمِهِ ومُصَوِّرًا لَهُ بِما نَعْلَمُ أنَّهُ مُوجِبُهُ: ﴿ونَحْنُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ قُرْبَ عِلْمٍ وشُهُودٍ مِن غَيْرِ مَسافَةٍ ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ لِأنَّ أبْعاضَهُ وأجْزاءَهُ تَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يَحْجُبُ عِلْمَ اللَّهِ شَيْءٌ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ كالحَبْلَيْنِ مُكْتَنِفانِ لِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلاتٌ مِنَ الرَّأْسِ إلى الوَتِينِ وهو عِرْقُ القَلْبِ، وهَذا مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ، وإضافَتُهُ مِثْلَ مَسْجِدِ الجامِعِ، وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا، قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ هَيْبَةٌ وفَزَعٌ وخَوْفٌ لِقَوْمٍ، ورُوحٌ وأُنْسٌ وسُكُونُ قَلْبٍ لِقَوْمٍ.
50:17Page 519
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ وكَّلَ بِنا حَفَظَةً تَحْفَظُ أعْمالَنا وتَضْبُطُ أقْوالَنا وأحْوالَنا، فَكانَ المَعْرُوفُ لَنا أنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْفاظِ خَوْفُ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، قَدَّمَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ بِكَمالِ عِلْمِهِ فَأُمِنَ ذَلِكَ المَحْذُورُ، عُلِّقَ بِأقْرَبَ، أوْ نَعْلَمُ (p-٤٢١)قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِما عُلِمَ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ مِن عَدَمِ حاجَتِهِ، وتَخْوِيفًا بِما هو أقْرَبُ إلى مَأْلُوفَتِنا ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿يَتَلَقّى﴾ أيْ: بِغايَةِ الِاجْتِهادِ والمُراقَبَةِ والمُراعاةِ مِن كُلِّ إنْسانٍ خَلَقْناهُ وأبْرَزْناهُ إلى هَذا الوُجُودِ ﴿المُتَلَقِّيانِ﴾ وما أدْراكَ ما هُما؟ [هُما] مَلَكانِ عَظِيمانِ حالَ كَوْنِهِما ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ لِكُلِّ إنْسانٍ [قَعِيدٌ مِنهُما] ﴿وعَنِ الشِّمالِ﴾ كَذَلِكَ ﴿قَعِيدٌ﴾ أيْ: رُصِدَ وحُبِسَ مَقاعِدُ لِذَلِكَ الإنْسانِ بِأبْلَغِ المُقاعَدَةِ ونَحْنُ أقْرَبُ مِنهُما وأعْلَمُ عِلْمًا، وإنَّما اسْتَحْفَظْناهُما لِإقامَةِ الحُجَّةِ بِهِما عَلى مَجارِي عاداتِكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ.
50:18Page 519
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ اللِّسانِيَّةُ والقَلْبِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ ناشِئَةً عَنْ كَلامِ النَّفْسِ، فَكانَ الكَلامُ جامِعًا، قالَ مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِإحاطَةِ مَن أقامَهُ لِحِفْظِ هَذا الخَلْقِ الجامِعِ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما يَفْعَلُ المُتَلَقِّيانِ: ﴿ما يَلْفِظُ﴾ أيْ: يَرْمِي ويُخْرِجُ المُكَلَّفُ مِن فِيهِ، وعَمَّ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْلٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ في الحُجُراتِ مِنَ الغِيبَةِ وما قَبْلَها وغَيْرِ ذَلِكَ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿إلا لَدَيْهِ﴾ أيِ: الإنْسانِ أوِ القَوْلِ عَلى هَيْئَةٍ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ هي مِن أغْرَبِ المُسْتَغْرَبَ ﴿رَقِيبٌ﴾ مِن حَفِظَتْنا شَدِيدُ المُراعاةِ لَهُ في كُلٍّ مِن أحْوالِهِ ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ مُراقَبٌ غَيْرُ غافِلٍ بِوَجْهٍ، رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ (p-٤٢٢)الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ الحَسَناتِ أمِيرٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ»».
50:19Page 519
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
ولَمّا كانَ مَثَلُ إرْسالِ الخافِقَيْنِ ثُمَّ المَوْتِ ثُمَّ النَّفْخِ بِإرْسالِ المَلِكِ في الدُّنْيا إلى النّاسِ لِعَرْضِهِمْ فَيَصِيرُ الإنْسانُ مِنهم ساعِيًا في التَّزَيُّنِ لِلْمَلِكِ بِما يُعْجِبُهُ في مَقْصُودِ ذَلِكَ العَرْضِ في الأجَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُمْ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي هو كالمَوْتِ أخَذَتْهُ الرُّسُلُ فَباءُوا بِهِ كَما يُفْعَلُ حالَ المَوْتِ بِالمَيِّتِ ومَن أحْضَرُوهُ مِنهم حَبَسُوهُ عَلى بابِ المَلِكِ لِتَكامُلِ المَعْرُوضِينَ، فَإذا كَمُلَ جَمْعُهم وأُمِرَ بِقِيامِهِمْ لِلْعَرْضِ زَعَقَ لَهُمُ المُنادِي بِالبُوقِ الَّذِي يُسَمّى النَّفِيرَ؛ وهو كالصُّورِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ قُدْرَتِهِ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاضْطَرَبَ ذَلِكَ الإنْسانُ المُوَكَّلُ بِهِ في الوَقْتِ المَأْمُورِ بِالتَّرَدُّدِ فِيهِ بِما يُرْضِي اللَّهَ بِالقَوْلِ والفِعْلِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ سَواءٌ كانَ مُوافِقًا لِلْأمْرِ أوْ مُخالِفًا إلى أنَّ أوانَ الرَّحِيلِ مُعَبَّرًا بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَوْتَ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ قَرِيبٌ جِدًّا: ﴿وجاءَتْ﴾ أيْ: أتَتْ وحَضَرَتْ ﴿سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: حالَتُهُ عِنْدَ النَّزْعِ وشَدَّتِهِ وغَمْرَتِهِ، يَصِيرُ المَيِّتُ بِها كالسَّكْرانِ، لا يَعِي وتَخْرُجُ [بِها] أحْوالُهُ وأفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَنْ قانُونِ الِاعْتِدالِ، ومَجِيئًا مُتَلَبِّسًا (p-٤٢٣)﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا حِيلَةَ في الِاحْتِراسِ مِنهُ مِن بُطْلانِ الحَواسِّ وكَشْفِ الغِطاءِ عَنْ أحْوالِ البَرْزَخِ مِن فِتْنَةِ السُّؤالِ وضِيقِ المَجالِ أوْ سِعَةِ الحالِ، وقِيلَ لِلْمَيِّتِ بِلِسانِ الحالِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِلِسانِ القالِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: هَذا الأمْرُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ الِاعْتِدادُ لَهُ بِغايَةِ الجِدِّ ﴿ما﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي ﴿كُنْتَ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا. ولَمّا كانَتْ نَفْرَتُهُ مِنهُ وهَرَبُهُ مِن وُقُوعِهِ بِحِفْظِ الصِّحَّةِ ودَواءِ الأداءِ في الغايَةِ، كانَ كَأنَّهُ لا يَنْفِرُ إلّا مِنهُ، فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ: تَمِيلُ وتَنْفِرُ وتُرَوَّعُ وتَهْرُبُ.
50:20Page 519
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأُخِذَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِالقَهْرِ مِن بَيْنِ الأهْلِ والإخْوانِ، والعَشائِرِ والجِيرانِ، وضُمَّ إلى عَسْكَرِ المَوْتى وهم بِالبَرْزَخِ نُزُولٌ، ولِانْتِظارِ بَقِيَّتِهِمْ حُلُولٌ، ولَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى تَكامَلَ القادِمُونَ عَلَيْهِمُ الواصِلُونَ إلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِإحاطَةٍ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ والعِزِّ والجَبَرُوتِ: ﴿ونُفِخَ﴾ أيْ: بِأدْنى إشارَةٍ وأيْسَرِ أمْرٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ وهو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَوْتِ [العامِّ] والبَعْثِ العامِّ عِنْدَ التَّكامُلِ، وانْقِطاعِ أوانِ التَّعامُلِ، وهو بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ قَدْرُ عِظَمِهِ واتِّساعِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَقَمَ الصُّورَ مِن حِينِ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وحَنى جَبْهَتَهُ وأصْغى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ، فَيا لَها مِن عَظَمَةٍ ما أغْفَلَنا عَنْها، (p-٤٢٤)وأنْسانا لَها، وآمَنَنا مِنها، والمُرادُ بِهَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأثَرُ عَنِ النَّفْسِ هو سِرُّ الوُجُودِ، وأشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الوَقْتُ الكَبِيرُ العَظِيمُ الأهْوالِ والزَّلازِلِ والأوْجالِ ﴿يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيِ: الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ما وقَعَ الإيعادُ بِهِ.
50:21Page 519
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
And every soul will come, with it a driver and a witness.1
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ مِن تِلْكَ النَّفْخَةِ صَيْحَةٌ هائِلَةٌ ورَجَّةٌ شامِلَةٌ، فَقامَ النّاسُ عامَّةً مِن قُبُورِهِمْ، وحَصَلَ ما في صُدُورِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا لِإحاطَةِ العَرْضِ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [أيْ] مُكَلَّفَةٌ [كائِنًا] ﴿مَعَها سائِقٌ﴾ يَسُوقُها إلى ما هي كارِهَةٌ لِلْغايَةِ لِعِلْمِهِ بِما قَدَّمَتْ مِنَ النَّقائِصِ ﴿وشَهِيدٌ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ السّائِقَ لا تَعَلُّقَ [لَهُ] بِالشَّهادَةِ أصْلًا؛ لِئَلّا تَقُولَ تِلْكَ النَّفْسُ: إنَّهُ خَصْمٌ، والخَصْمُ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، ويُقالُ حِينَئِذٍ لِلْمُفَرِّطِ في الأعْمالِ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ جَرْيًا عَلى ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ إنْكارُهُ في الدُّنْيا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِعِظَمِهِ مِمّا يَحِقُّ تَأْكِيدُهُ:
50:22Page 519
لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢
[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."
﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٍ مُحِيطَةٍ بِكَ ناشِئَةٍ لَكَ ﴿مِن هَذا﴾ أيْ: مِن تَصَوُّرِ هَذا اليَوْمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ انْقِطاعِ الأسْبابِ، والجَزاءِ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ؛ لِأنَّهُ عَلى شِدَّةِ جَلائِهِ خَفِيٌّ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الشَّهَواتِ ﴿فَكَشَفْنا﴾ بِعَظَمَتِنا بِالمَوْتِ ثُمَّ بِالبَعْثِ ﴿عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ (p-٤٢٥)يَحْجُبُكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ مِنَ الغَفْلَةِ بِالآمالِ في الجاهِ والأمْوالِ وسائِرِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ، تَحْقِيقًا لِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالتَّقْدِيرِ والتَّعْجِيزِ، وعَنِ الواسِطِيِّ: مِن كُشِفَ عَنْهُ غِطاءُ الغَفْلَةِ أبْصَرَ الأشْياءَ كُلَّها في أسْرِ القُدْرَةِ وانْكَشَفَ لَهُ حَقائِقُ الأشْياءِ بِأسْرِها، وهَذا عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِأحْوالِ القِيامَةِ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الكَشْفِ الِانْكِشافُ التّامُّ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ﴾ أيْ: بَعْدَ البَعْثِ ﴿حَدِيدٌ﴾ أيْ: في غايَةِ الحِدَّةِ والنُّفُوذِ، فَلِذا تُقِرُّ بِما كُنْتَ تُنْكِرُ.
50:23Page 519
وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣
And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِما تَقُولُهُ لَهُ المَلائِكَةُ أوْ مَن أرادَ مِن جُنُودِهِ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ وغَيْرِها تَكُونُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ضِدًّا، أخْبَرَ بِما يَقُولُ القَرِينُ مِنَ السّائِقِ والشَّهِيدِ والشَّيْطانِ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ في الزُّخْرُفِ، فَقالَ [عاطِفًا] عَلى القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ”لَقَدْ“ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضِيِّ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقًا: ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ الَّذِي سُلِّطَ عَلى إغْوائِهِ واسْتِدْراجِهِ إلى ما يُرِيدُ؛نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
﴿هَذا﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي قَرَنْتَنِي بِهِ. ولَمّا كانَ الأمْرُ في كُلٍّ مِنَ الطّائِعِ والعاصِي في غايَةِ العَجَبِ؛ لِأنَّ الطّائِعَ يُنابِذُ هَواهُ فَيَكُونُ مَلَكِيًّا مُجَرَّدًا مِن حُظُوظِهِ ونَوازِعِ نُفُوسِهِ وما بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ والشَّهَواتِ، [والعاصِي] طَوْعُ (p-٤٢٦)يَدَيِ الشَّيْطانِ، يُصِّرِفُهُ في أغْراضِهِ كَيْفَ يَشاءُ، فَيُطِيعُهُ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَداوَتِهِ، وأنَّ طاعَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، وكانَ العاصِي أكْثَرَ كَثْرَةً يَكُونُ الطّائِعُ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وكانَ ذَلِكَ مُنابِذًا لِلْعَقْلِ، أشارَ إلى هَذِهِ المُنابَذَةِ بِأداةِ مَن لا يَعْقِلُ وإلى جَمِيعِ ما في أمْرِهِ مِنَ العَجَبِ بِلَدَيَّ فَقالَ: ﴿ما لَدَيَّ﴾ أيِ [الأمْرُ] الَّذِي عِنْدِي مِنَ الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ جِدًّا لِكَوْنِ المُطِيعِ عَصانِي، وهو مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ والحُظُوظِ الَّتِي يَرى [أنَّها] حَياتُهُ ولَذَّتُهُ وراحَتُهُ، والعاصِي أطاعَنِي وهو يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أنِّي شَرٌّ مَحْضٌ، وتَرَكَ الخَيْرَ المَحْضَ وهو عالِمٌ بِأنَّ في ذَلِكَ هَلاكَهُ ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ مُهَيَّأٌ لِما يُرادُ مِنهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences