Al-Biqa'iAdh-Dhariyat · 51:21–42

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:21–42

51:21Page 521

وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٢١

And in yourselves. Then will you not see?

ولَمّا أشارَ إلى آياتِ الآفاقِ، أتْبَعَها آياتِ الأنْفُسِ فَقالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الَّتِي شارَكْتُمْ بِها الجَمادَ، ثُمَّ فارَقْتُمُوهُ بِالنُّمُوِّ ثُمَّ بِالحِسِّ ثُمَّ فارَقْتُمُ الحَيَوانَ الخَسِيسَ بِالعَقْلِ المُوصِلِ إلى بَدائِعِ (p-٤٥٨)العُلُومِ ودَقائِقِ الفُهُومِ. ولَمّا كانَتْ أظْهَرُ الآياتِ، سَبَّبَ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْها الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ الِاعْتِبارِ بِها فَقالَ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: بِأبْصارِكم وبَصائِرِكم فَتَتَأمَّلُوا ما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وتَتَفَكَّرُوا هَلْ تَرَوْنَ أسْبابَ أكْثَرِها؛ فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ واخْتِيارِهِ، وأنَّهُ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ سُدًى، فَلا بُدَّ أنْ يَجْمَعَهم إلَيْهِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ، فالمُوقِنُونَ لا يَزالُونَ يَنْظُرُونَ في أمْثالِ هَذا بِعُيُونٍ باصِرَةٍ وأفْهامٍ نافِذَةٍ، فَكُلَّما رَأوْا آيَةً اعْتَبَرُوا بِها، فازْدادُوا إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، وإيقانًا مَعَ إيقانِهِمْ، وأوَّلُ نَظَرِهِمْ فَما أُودِعُوا مِنَ الآياتِ الحاجَةُ، فَمَن تَأمَّلَها عَلِمَ أنَّهُ عَبْدٌ، ومَتّى عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ، ومَن أبْصَرَ جَمِيعَ الصِّفاتِ والأسْماءِ فَنَفَذَ فَهْمُهُ في شِفافِ الكائِناتِ، فارْتَقى إلى أعْلى الدَّرَجاتِ.

51:22Page 521

وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢

And in the heaven is your provision and whatever you are promised.

ولَمّا بانَ بِما قَدَّمْتُهُ في ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] ما في جِهَةِ العُلُوِّ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنِّعْمَةِ والعَذابِ، قالَ: ﴿وفِي السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَةِ العُلُوِّ ﴿رِزْقُكُمْ﴾ بِما يَأْتِي مِنَ المَطَرِ والرِّياحِ والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَتَّبَهُ سُبْحانَهُ لِمَنافِعِ العِبادِ ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ وجَمِيعُ ما أتَتْكم بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والصَّعْقَةِ والزِّلْزالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ ومُوجِباتِ النَّكالِ، وكَذا الرَّحْمَةُ والخَيْرُ والنِّعْمَةُ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الآمالُ، فَكَما أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهُ فَكَذَلِكَ صَدِّقُوا بِالجَنَّةِ والنّارِ وإنْ لَمْ تَرَوْها؛ فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ماءٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ فَيَكُونُ مِنهُ رِياضٌ وجَنّاتٌ وشَوْكٌ وأدْواءُ (p-٤٥٩)[و] مَراراتٌ، وسُمُومٌ وعَقارِبُ وحَيّاتٌ، وخِشاشٌ وسِباعٌ وحَشَراتٌ، وبَيْنَ ماءٍ يُعِيدُ بِهِ الأمْواتَ، ثُمَّ يَحْشُرُهم إلى جِنانٍ ونِيرانٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِرْيَةَ في إظْهارِ هَذا الغَيْبِ [فَكَذَلِكَ لا لَبْسَ في إظْهارِ ذَلِكَ الغَيْبِ]، ومِنَ المَعْنى أيْضًا أنَّكَ لا تَشْتَغِلُ بِرِزْقٍ؛ فَإنَّهُ في السَّماءِ، ولا سَبِيلَ لَكَ إلى العُرُوجِ إلَيْها، واشْتَغِلْ بِما كُلِّفْتَهُ مِنَ الخِدْمَةِ لِمَن عِنْدَهُ الرِّزْقُ؛ فَفي السَّماءِ الرِّزْقُ وإلَيْها يُرْفَعُ العَمَلُ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْكَ رِزْقُكَ فَأصْعِدْ إلَيْها الصّالِحَ مِن عَمَلِكَ، ولِهَذا قالُوا: الصَّلاةُ فَرْعُ بابِ الرِّزْقِ ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]

51:23Page 521

فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

ولَمّا أقْسَمَ بِما لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ لِمَن وقَفَ مَعَ المَحْسُوساتِ المَشْهُوراتِ، فَتَرَقَّوْا بِذَلِكَ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، وانْكَشَفَ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ انْكِشافًا تامًّا، وعَلِمَ أنَّ في خَزائِنِهِ سُبْحانَهُ كُلَّ ما أخْبَرَتْ عَنْهُ بِهِ الرُّسُلُ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ الأقْدَسِ لَكِنْ بِصِفَةٍ مَأْلُوفَةٍ فَقالَ: ﴿فَوَرَبِّ﴾ أيْ: مُبْدِعِ ومُدَبِّرِ ﴿السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِما أوْدَعَ فِيهِما مِمّا عَلِمْتُمُوهُ وما لَمْ تَعْلَمُوهُ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والجَنَّةِ والنّارِ وتَقَدَّمَ الإقْسامُ عَلَيْهِ أنَّهُ صادِقٌ ﴿لَحَقٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ يُطابِقُهُ الواقِعُ فَقَدْ جَمَعَ الحَقَّ مَعَ الصِّدْقِ ﴿مِثْلَ ما أنَّكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ مُساوُونَ لِبَقِيَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الجَماداتِ وغَيْرِها ﴿تَنْطِقُونَ﴾ نُطْقًا مُجَدَّدًا في كُلِّ وقْتٍ مُسْتَمِرًّا، لَيْسَ هو بِخَيالٍ ولا سِحْرٍ، أيْ أنَّ (p-٤٦٠)ذَلِكَ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنْ هَذا حَقٌّ، فالَّذِي جَعَلَ لَكم قُوَّةَ النُّطْقِ مِن بَيْنِ ما في الأرْضِ بِأسْبابٍ لا تَرَوْنَها وتُحْصُونَها، ومَعَ ما عَداكم مِن ذَلِكَ بِأسْبابٍ [مِثْلَ ذَلِكَ] قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِوَعْدِهِ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ ما دُمْتُمْ تَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ بِما جَعَلَ فِيكم مِنَ الحَياةِ الَّتِي يَصِحُّ بِها العِلْمُ النّاشِئُ عَنْهُ النُّطْقُ المُحْوِجُ إلى الرِّزْقِ مِن أيِّ جِهَةٍ أرادُوا، وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ كَما أنَّهُ لَوْ أرادَ لَأنْطَقَ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الجَماداتِ بِما يُقِيمُهُ لَها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أقامَها لَكم وإنْ لَمْ تَرَوْا ذَلِكَ.

51:24Page 521

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -

ولَمّا بَيَّنَ بِما مَضى مِنَ القَسَمِ وما أتْبَعُهُ مِن أنَّهُ أوْدَعَ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما أسْبابًا صالِحَةً لِلْإتْيانِ بِما وعَدْناهُ مِنَ الخَيْرِ، وما تَوَعَّدْنا بِهِ مِنَ الشَّرِّ وإنْ كُنّا لَمْ نَرَها وهو قادِرٌ مُخْتارٌ، فَصارَ ذَلِكَ كالمُشاهَدِ، ولا وجْهَ لِلتَّكْذِيبِ بِوَعْدٍ ولا وعِيدٍ، دَلَّ عَلَيْهِ وصَوَّرَهُ بِما شُوهِدَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ وبَدَأ -لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُحْسِنِينَ- بِرَأْسِ المُحْسِنِينَ مِن أهْلِ هَذِهِ الأنْباءِ الَّذِي أخْبَرَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما سَبَّبَهُ مَعَهُ وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ العادَةِ. فَتَعَجَّبَتْ زَوْجَتُهُ مِن ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها أعْلى نِساءِ ذَلِكَ الزَّمانِ، وأتْبَعَ قِصَّتَهُ قِصَّةَ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِاتِّصالِ ما بَيْنَ قِصَّتَيْهِما في الزَّمانِ، ولِمُناسَبَةِ عَذابِهِمْ لِما أقْسَمَ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ الذّارِياتِ فاقْتَلَعَتْهم بِقُراهم وحَمَلَتْها كَما تَحْمِلُ السَّحابَ ثُمَّ كَبَّتْهم فَرَجَمَتْهُمْ، والأرْضَ فَخُسِفَتْ بِهِمْ، والمَلائِكَةَ المُوكَلَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، (p-٤٦١)فَفَعَلُوا جَمِيعَ ما أُمِرُوا بِهِ ورَأوْهم في قَرْيَتِهِمْ وقَصَدُوهم بِالمَكْرِ؛ لِأنَّهم خَفِيَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ، وأتَوُا الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْلى ذَلِكَ الزَّمانِ وهم في ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ أوَّلَ الأمْرِ بِشَيْءٍ مِن حالِهِمْ ولا ظَنَّهم إلّا آدَمِيِّينَ، فَقالَ مُفَخِّمًا لِأمْرِ القِصَّةِ بِتَخْصِيصِ الخِطابِ لِأعْلى الخَلْقِ وأنْفَذِهِمْ فَهْمًا إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في الإعْلامِ بِالأُمُورِ الماضِيَةِ وإنْ كانَ المُخْبَرُ عالِمًا بِأنَّ المُخاطَبَ لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ والبَحْثُ فِيهِ لِيُعْرَفَ ما فِيهِ، مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرُهُ: هَلْ سَمِعْتَ ذَلِكَ أمْ لا؟ فَكَأنَّكَ تَقْتَضِي بِأنْ يَقُولَ: لا. ويَسْتَطْعِمُكَ [الحَدِيثَ]. انْتَهى.

﴿هَلْ أتاكَ﴾ يا أكْمَلَ الخَلْقِ ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِلَفْظِ الواحِدِ إشارَةً إلى اتِّحادِ كَلِمَتِهِمْ ﴿إبْراهِيمَ﴾ وهو خَلِيلُنا، ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِمّا أتَوْا بِهِ دالًّا عَلى أنَّهم جَمْعٌ ﴿المُكْرَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أهْلُ الكَرامَةِ، وأكْرَمُهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَفي حَدِيثِهِ ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ما بُيِّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ، والبِشارَةِ بِإكْرامِ المُصَدِّقِ وإهانَةِ المُكَذِّبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وقِيلَ: كانَ عَدَدُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلِكًا، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ، (p-٤٦٢)وقِيلَ: [كانُوا] ثَلاثَةً:

51:25Page 521

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."

﴿إذْ﴾ أيْ: حَدِيثُهم حِينَ ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: دُخُولَ اسْتِعْلاءٍ مُخالِفٍ لِدُخُولِ بَقِيَّةِ الضُّيُوفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ: نُحَدِّثُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: بِلِسانِهِ: ﴿سَلامٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ دائِمٌ، فَهو أحْسَنُ مِن تَحِيَّتِهِمْ.

ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِن دُخُولِهِمْ وسَلامِهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْرَبٍ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذا، وكانَتِ القِصَّةُ قَدِ ابْتُدِئَتْ بِما دَلَّ عَلى غَرابَةِ ما يُقَصُّ مِنها، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ بَعْدَ هَذا فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: ذَوُو قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ويَقُومُونَ فِيهِ ﴿مُنْكَرُونَ﴾ أيْ: حالُهم لِإلْباسِهِ أهْلٌ لِأنْ يُنْكِرُهُ المُنْكِرُ، وقَدَّمَ هَذا عَلى مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ ألْيَقَ بِهِ فِيما يَظْهَرُ بادِيَ الرَّأْيِ، وإيضاحًا لِأنَّ السِّياقَ لِخَفاءِ الأسْبابِ عَلى الآدَمِيِّ وبُعْدِها وإنْ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ والقُرْبِ ولَوْ أنَّهُ غايَةُ العُلُوِّ؛ فَإنَّ إنْكارَهُ لَهم كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ إحْضارِ الأكْلِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْكُلُوا، وهَذا القَوْلُ كانَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُواجِهْهم بِهِ.

51:26Page 521

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.

ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ حِينَ إنْكارِهِ لَهم لَمْ يَعْرِفْ مِن أيِّ نَوْعٍ هم ولا خُصُوصَ ما هم فِيهِ، رَتَّبَ عَلى رَدِّهِ لِسَلامِهِمْ أنَّهُ أسْرَعَ غايَةَ الإسْراعِ في إحْضارِ ما يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ عَلى ظَنِّ أنَّهم آدَمِيُّونَ فَقالَ: ﴿فَراغَ﴾ (p-٤٦٣)أيْ: ذَهَبَ في خُفْيَةٍ وخِفَّةٍ ومَواضِعِ سُتْرَةٍ عَنْ أعْيُنِهِمْ كَما هو مِن آدابِ الضِّيافَةِ خَوْفًا مِن أنْ يَمْنَعُوهُ أوْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِمُ الِانْتِظارُ: ﴿إلى أهْلِهِ﴾ [أيِ] الَّذِينَ عِنْدَهم بَقَرَةٌ ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ﴾ أيْ: فَتًى مِن أوْلادِ البَقَرِ ﴿سَمِينٍ﴾ قَدْ شَواهُ وأنْضَجَهُ

51:27Page 521

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ ولَمّا أخْبَرَ بِما يَنْبَغِي [الإخْبارُ بِهِ] مِن أمْرِ الضِّيافَةِ إلّا الأكْلَ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ [أيْ] مُتَأدِّبًا غايَةَ التَّأدُّبِ مُلَوِّحًا بِالإنْكارِ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: مِنهُ.

51:28Page 521

فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨

And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَأْكُلُوا، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أضْمَرَ إضْمارَ الحالِ في [جَمِيعِ] سِرِّهِ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لِأجْلِ إنْكارِهِ عَدَمَ أكْلِهِمْ؛ فَإنَّهُ لَمّا رَأى إعْراضَهم عَنِ الطَّعامِ ذَهَبَ وهْمُهُ في سَبَبِ إتْيانِهِمْ إلَيْهِ كُلَّ مَذْهَبٍ ﴿قالُوا﴾ مُؤْنِسِينَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وأعْلَمُوهُ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ﴾ عَلى شَيْخُوخَتِهِ ويَأْسِ امْرَأتِهِ بِالطَّعْنِ في السِّنِّ بَعْدَ عُقْمِها، وهو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِخَفاءِ الأسْبابِ كانَ في الذُّرْوَةِ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٍ﴾ أيْ: مَجْبُولٍ جِبِلَّةً مُهَيَّأةً لِلْعِلْمِ ولا يَمُوتُ حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُهُ بِالفِعْلِ في أوانِهِ.

51:29Page 521

فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩

And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"

ولَمّا كانا بَعِيدَيْنِ عَنْ قَبُولِ الوَلَدِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ، دالًّا (p-٤٦٤)عَلى أنَّ الوَلَدَ إسْحاقُ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَفاءَ الأسْبابِ لا يُؤَثِّرُ في وُجُودِ المُسَبِّباتِ: ﴿فَأقْبَلَتِ﴾ أيْ: مِن سَماعِ هَذا الكَلامِ ﴿امْرَأتُهُ﴾ ولَمّا كانَتْ قَدِ امْتَلَأتْ عَجَبًا، عَبَّرَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أيْ: صَيْحَةٍ وكَرْبٍ مِنَ الصَّرِيرِ قَدْ أحاطَ بِها، فَذَهَبَ وهْمُهَما في ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ أيْ: ضَرَبَتْ بِسَبَبِ تَعَجُّبِها بِأطْرافِ أنامِلِها فِعْلَ المُتَعَجِّبِ ﴿وجْهَها﴾ لِتَلاشِي أسْبابِ الوَلَدِ في عِلْمِها بِسَبَبِ العادَةِ مَعَ مَعْرِفَتِها بِأنَّ العِبْرَةَ في الأسْبابِ وإنْ كانَتْ سَلِيمَةً بِالمُسَبِّبِ لا بِها، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الصَّكِّ ضَرْبُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ العَرِيضِ ﴿وقالَتْ﴾ تُرِيدُ أنْ تَسْتَبِينَ الأمْرَ هَلِ الوَلَدُ مِنها أمْ مِن غَيْرِها: ﴿عَجُوزٌ﴾ ومَعَ العَجْزِ ﴿عَقِيمٌ﴾ فَهي في حالِ شَبابِها لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الحَبَلَ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قِيلَ: إنَّها كانَتْ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.

51:30Page 521

قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠

They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."

ولَمّا كانَ [فِي] هَذا أشَدُّ تَشَوُّفٍ إلى الجَوابِ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ما قُلْناهُ مِن هَذِهِ البُشْرى العَظِيمَةِ ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكِ بِتَأْهِيلِكَ لِذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْتِ مِن حالِكِ وبِتَأْهِيلِكِ مِن قَبْلِ الِاتِّصالِ بِخَلِيلِهِ ﷺ. ولَمّا كانَ مَحَطُّ تَعَجُّبِها أنَّ ذَلِكَ كانَ بِأيّامِ شَبابِها أوْلى، عَلَّلُوا إخْبارَهم تَأْكِيدًا لَهُ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ قَوْلَها وفِعْلَها فِعْلُ المُنْكِرِ وإنْ كانَتْ ما أرادَتْ بِهِ إلّا الِاسْتِثْباتَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أحَقِّ مَواضِعِها (p-٤٦٥)فَرَتَّبَ عَظَمَةَ هَذا المَوْلُودِ عَلى كُلٍّ مِن عُقْمِكِ وعَجْزِكِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: المُحِيطُ العِلْمِ فَهو كَذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ البُرْهانِ في سُورَةِ ”طه“ أنَّ إحاطَةَ العِلْمِ مُسْتَلْزِمٌ شُمُولَ القُدْرَةِ.

51:31Page 522

۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

ولَمّا كانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ بِالأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، عَلِمَ أنَّ اجْتِماعَ المَلائِكَةِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الَّتِي يَراهم فِيها لَيْسَ لِهَذِهِ البِشارَةِ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ تَعالى الجَوابَ لِمَن كانَ كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ مِن حالِهِ وحالِهِمْ بَعْدَ هَذا؟ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: قالَ مُسَبِّبًا عَمّا رَأى مِن حالِهِمْ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: خَبَرُكُمُ العَظِيمُ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ أيْ: لِأمْرٍ عَظِيمٍ

51:32Page 522

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1

﴿قالُوا﴾ قاطِعِينَ بِالتَّأْكِيدِ بِأنَّ مَضْمُونَ خَبَرِهِمْ حَتْمٌ لا بُدَّ مِنهُ، ولا مَدْخَلَ لِلشَّفاعَةِ فِيهِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أيْ: بِإرْسالِ مَن تَعْلَمُ ﴿إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: هم في غايَةِ القُوَّةِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وقَدْ صَرَفُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ القُوَّةِ في قَطْعِ ما يَحِقُّ وصْلُهُ ووَصْلِ ما يَحِقُّ قَطْعُهُ

51:33Page 522

لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣

To send down upon them stones of clay,

﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ الَّتِي فِيها ما وُعِدَ العِبادُ بِهِ وتُوُعِّدُوا ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ: مُهَيَّأً لِلِاحْتِراقِ والإحْراقِ

51:34Page 522

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤

Marked in the presence of your Lord for the transgressors."

﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلامَةِ العَذابِ المَخْصُوصِ. ولَمّا كانَ قَدْ رَأوُا اهْتِمامَهُ بِالعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ خَشْيَةَ مِن أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا لِعَذابِ أحَدٍ يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرُهُ، أمَّنُوا خَوْفَهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ فَقالُوا: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذِهِ البِشارَةِ وغَيْرِها ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (p-٤٦٦)[أيِ] المُتَجاوِزِينَ لِلْحُدُودِ غَيْرَ قانِعِينَ بِما أُبِيحَ لَهم.

51:35Page 522

فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥

So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ القَوْمَ يَكُونُونَ تارَةً في مَدَرٍ وتارَةً في شَعْرٍ، وعُلِمَ مِنَ الآياتِ السّالِفَةِ أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِذَوِي الإسْرافِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مُفَصِّلًا لِخَبَرِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى مُعْلِمًا أنَّهم في مَدَرٍ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بَعْدَ أنْ ذَهَبَتْ رُسُلُنا إلَيْهِمْ ووَقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُحاوَلاتٌ مَعْرُوفَةٌ لَمْ تَدْعُ الحالَ هُنا إلى ذِكْرِها، والمَلائِكَةُ سَبَبُ عَذابِهِمْ، وأهْلُ القَرْيَةِ المُحاوِلُونَ في أمْرِهِمْ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وهَذِهِ العِبارَةُ إنْ كانَتْ إخْبارًا لَنا كانَتْ خَبَرًا عَمّا وقَعَ لِنَعْتَبِرَ بِهِ، وإنْ كانَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعْناها أنَّ الحُكْمَ الأعْظَمَ وقَعَ بِإخْراجِهِمْ بِشارَةً لَهُ بِنَجاتِهِمْ ﴿مَن كانَ فِيها﴾ أيْ: قُراها. ولَمّا كانَ القَلْبُ عِمادَ البَدَنِ الَّذِي [بِهِ] صَلاحُهُ أوْ فَسادُهُ، فَكانَ عَمَلُهُ أفْضَلَ الأعْمالِ أنَّهُ بِهِ يَكُونُ اسْتِسْلامُ الأعْضاءِ أوْ جِماحُها، بَدَأ بِهِ فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِقُلُوبِهِمْ لِأنّا لا نُسَوِّيهِمْ بِالمُجْرِمِينَ فَخَلَّصْناهم مِنَ العَذابِ عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وقُوَّةِ المُخالِفِينَ وكَثْرَتِهِمْ، وسَبَّبَ عَنِ التَّعَبُّسِ والسَّتْرِ والتَّعَرُّضِ لِلظَّواهِرِ والبَواطِنِ قَوْلَهُ:

51:36Page 522

فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦

And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1

﴿فَما وجَدْنا﴾ أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لِرُسُلِهِ إعْلامًا بِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُهُ ﴿فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ واحِدٍ وهو بَيْتُ لُوطٍ ابْنِ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَ عِدَّةُ النّاجِينَ مِنهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، ولَمّا كانَ الإسْلامُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الظّاهِرِ فَقَطْ وإنْ كانَ المُرادُ هُنا الأخَصَّ أخَّرَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في الإسْلامِ (p-٤٦٧)الظّاهِرِ والباطِنِ لِلَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ أصْلًا وهم إبْراهِيمُ وآلُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَإنَّهم أوَّلُ مَن وُجِدَ مِنهُ الإسْلامُ الأتَمُّ، وتُسَمَّوْا بِهِ كَما مَضى في البَقَرَةِ وسَمَّوْا بِهِ أتْباعَهُمْ، فَكانَ هَذا البَيْتُ الواحِدُ صادِقًا عَلَيْهِ الإيمانُ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ والإسْلامُ الَّذِي هو الِانْقِيادُ، قالَ البَغَوِيُّ: وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإيمانِ والإسْلامِ جَمِيعًا لِأنَّهُ ما آمَنَ مُؤْمِنٌ إلّا وهو مُسْلِمٌ. يَعْنِي لِما بَيْنَها مِنَ التَّلازُمِ وإنِ اخْتَلَفَ المَفْهُومانِ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: [و] قِيلَ: كانَ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ نَجَوْا ثَلاثَةَ عَشَرَ.

51:37Page 522

وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧

And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.

و[لَمّا] وكانَ إبْقاءُ آثارِ المُهْلَكِينَ أدَلَّ عَلى قُدْرَةِ مَن أهْلَكَهم قالَ: ﴿وتَرَكْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ: تِلْكَ القُرى بِما أوْقَعَنا بِها مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ مَبْدَؤُهُ أنْسَبَ شَيْءٍ بِفِعْلِ الذّارِياتِ مِنَ السَّحابِ فَإنّا قَلَعْنا قُراهم كُلَّها وصَعِدَتْ في الجَوِّ كالغَمامِ إلى عَنانِ السَّماءِ ولَمْ يَشْعُرْ أحَدٌ مِن أهْلِها بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ثُمَّ قُلِبَتْ وأُتْبِعَتِ الحِجارَةَ ثُمَّ خُسِفَ بِها وغُمِرَتْ بِالماءِ الَّذِي لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِن مِياهِ الأرْضِ كَما أنَّ خَباثَتَهم لَمْ تُشْبِهْ خَباثَةَ أحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَهم مِن أهْلِ الأرْضِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ آخِرَ ”ق“ أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ في الحَقِيقَةِ بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ مَن (p-٤٦٨)قَسا قَلْبُهُ ولَمْ يَعْتَبِرْ ﴿العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: أنْ يَحِلَّ بِهِمْ كَما حَلَّ بِهَذِهِ القُرى في الدُّنْيا مِن رَفْعِ المَلائِكَةِ لَهم في الهَواءِ الذّارِي إلى عَنانِ السَّماءِ وقَلْبِهِمْ وإتْباعِهُمُ الحِجارَةَ المُحْرِقَةَ، وغَمْرِهِمْ بِالماءِ المُناسِبِ لِفِعْلِهِمْ بِنَتْنِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ، وما ادُّخِرَ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ.

51:38Page 522

وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨

And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أحَقَّ القِصَصِ الدّالَّةِ عَلى قَسَمِهِ وما أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما فِيها مِن خَفاءِ الأسْبابِ مَعَ وُجُودِها، ثُمَّ ما فِيها مِن إنْزالِ ما بِهِ الوَعِيدُ مِنَ السَّماءِ بِالنّارِ والماءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمُقَسِّماتِ، مَعَ الفُرْقَةِ بَيْنَ المُسْلِمِ والمُجْرِمِ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أيَّدَهُ بِحامِلاتٍ فِيها مَطَرٌ وبَرَدٌ ونارٌ مُضْطَرِمَةٌ، كَما مَضى بَيانُهُ في الأعْرافِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِرِيحٍ فَرَّقَتِ البَحْرَ ونَشَّفَتْ أرْضَهُ ودَخَلَهُ فِرْعَوْنُ والقِبْطُ، وهو واضِحُ الأمْرِ في أنَّهُ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى المُقَدَّرِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ الظّاهِرِ في ﴿وفِي الأرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٠] أوْ عَلى ”فِي“ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [الذاريات: ٣٧] وهَذا أقْرَبُ مِن غَيْرِهِ وأوْلى: ﴿وفِي مُوسى﴾ أيْ: في قِصَّتِهِ وأمْرِهِ آيَةٌ عَلى ذَلِكَ عَظِيمَةٌ ﴿إذْ أرْسَلْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ الَّذِي كانَ قَدْ أساءَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ عَظِيمِ إحْسانِهِمْ إلَيْهِ وإلى جَمِيعِ قَوْمِهِ بِما أحْسَنَ إلَيْهِمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُعْجِزاتٍ ظاهِرَةٍ في نَفْسِهِ مُنادِيَةٍ مِن شِدَّةِ (p-٤٦٩)ظُهُورِها بِأنَّها مُعْجِزَةٌ، فَكانَ فِيها دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِدْقِ وعِيدِهِ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفَعْهم عِلْمُها؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ:

51:39Page 522

فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩

But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."

﴿فَتَوَلّى﴾ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ الإعْراضَ بَعْدَ ما دَعاهُ عِلْمُها إلى الإقْبالِ إلَيْها، وأشارَ إلى تَوَلِّيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرُكْنِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُرْكَنُ إلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ في نَفْسِهِ وبِأعْوانِهِ وجُنُودِهِ أوْ بِجَمِيعِ جُنُودِهِ - كِنايَةً عَنِ المُبالَغَةِ في الإعْراضِ،

﴿وقالَ﴾ مُعْلِمًا بِعَجْزِهِ عَمّا أتاهُ بِهِ وهو لا يَشْعُرُ: ﴿ساحِرٌ﴾ ثُمَّ ناقَضَ كَمُناقَضَتِكم فَقالَ بِجَهْلِهِ عَمّا يَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ أيْ: لِاجْتِرائِهِ عَلَيَّ مَعَ ما لِي مِن عَظِيمِ المُلْكِ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ويَتَهَدَّدُ عَلَيْهِ.

51:40Page 522

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠

So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.

ولَمّا وقَعَتِ التَّسْلِيَةُ بِهَذا لِلْأوْلِياءِ، قالَ تَعالى مُحَذِّرًا لِلْأعْداءِ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ: أخْذَ غَضَبٍ وقَهْرٍ بِعَظَمَتِنا بِما اسْتَدْرَجْناهُ بِهِ وأوْهَنّاهُ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي مِنهُ سَحابٌ حامِلٌ ماءً وبَرَدًا ونارًا وصَواعِقَ ﴿وجُنُودَهُ﴾ [أيْ] كُلَّهم ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ أيْ: طَرَحْناهم طَرْحَ مُسْتَهِينٍ بِهِمْ [مُسْتَخِفٍّ لَهم كَما تُطْرَحُ] الحَصَياتُ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ [البَحْرِ] الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ [يُقْصَدَ] بَعْدَ أنْ سَلَّطْنا الرِّيحَ فَغَرَّقَتْهُ لَمّا ضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ ونَشَّفَتْ أرْضَهُ، فَأيْبَسَتْ ما أبْرَزَتْ فِيهِ مِنَ الطُّرُقِ لِنَجاةِ أوْلِيائِنا وهَلاكِ أعْدائِنا ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ فِرْعَوْنَ ﴿مُلِيمٌ﴾ أيْ: آتٍ بِما هو بالِغٌ في اسْتِحْقاقِهِ المَلامَةَ، ويَجُوزُ (p-٤٧٠)أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿اليَمِّ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ فِعْلَ اللّائِمِ مِن ألامَهُ - إذا بالَغَ في عَذَلِهِ، وصارَ ذا لائِمَةٍ؛ أيْ لَهُمْ، مِن ألامَ - لازِمًا، [و] أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن لَأمَ المَهْمُوزِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَهو مُصْلِحٌ؛ أيْ فاعِلٌ فِعْلَ المُصْلِحِينَ في إنْجاءِ الأوْلِياءِ وإغْراقِ الأعْداءِ بِالِالتِئامِ والِانْطِباقِ عَلَيْهِمْ، قالَ في القامُوسِ: اللَّوْمُ العَذْلُ، لامَ لَوْمًا وألامَهُ ولَوَّمَهُ لِلْمُبالَغَةِ، وألامَ: أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ أوْ صارَ ذا لائِمَةٍ، ولَأمَهُ بِالهَمْزِ كَمَنَعَهُ، نَسَبَهُ إلى اللَّوْمِ، والسَّهْمَ: أصْلَحَهُ كَألامَهُ ولَأمَهُ فالتَأمَ، ولا يَضُرُّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَبَّرَ في حَقِّهِ بِنَحْوِ هَذِهِ العِبارَةِ؛ فَإنَّ أسْبابَ اللَّوْمِ تَخْتَلِفُ كَما أنَّ أسْبابَ المَعاصِي تَخْتَلِفُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَكُونُ اخْتِلافُ نَفْسِ اللَّوّامِ ونَفْسِ المَعاصِي.

51:41Page 522

وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١

And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1

ولَمّا أتَمَّ قِصَّةَ مَن جُمِعَ لَهُ السَّحابُ والماءُ والنّارُ والرِّيحُ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أتاهم بِرِيحٍ ذارِيَةٍ لَمْ يُوجَدْ قَطُّ مِثْلَها، وكانَ أصْلُها مَوْجُودًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، بَلْ قارَبَتِ الوُصُولَ إلَيْهِمْ وهم يَظُنُّونَها مِمّا يَنْفَعُهُمْ: ﴿وفِي عادٍ﴾ أيْ: آيَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أرْسَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْهِمُ﴾ إرْسالَ عُلُوٍّ وأخْذٍ ﴿الرِّيحَ﴾ فَأتَتْهم تَحْمِلُ سَحابَةً سَوْداءَ وهي تَذْرُو الرَّمْلَ وتَرْمِي بِالحِجارَةِ عَلى كَيْفِيَّةٍ لا تُطاقُ ﴿العَقِيمَ﴾ أيِ: الَّتِي لا ثَمَرَةَ لَها فَلا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تُنْشِئُ سَحابًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا ولا رَحْمَةً (p-٤٧١)فِيها ولا بَرَكَةً فَلِذَلِكَ أهْلَكَهم هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بَيَّنَ عُقْمَها وإعْقامَها بِقَوْلِهِ:

51:42Page 522

مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.

﴿ما تَذَرُ﴾ أيْ: تَتْرُكُ عَلى حالٍ رَدِيَّةٍ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ولَمّا كانَ إهْلاكُها إنَّما هو بِالفاعِلِ المُخْتارِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: إتْيانَ إرادَةِ مُرْسِلِها، اسْتَعْلاها عَلى ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وأمّا مَن أُرِيدَتْ رَحْمَتُهُ كَهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَكانَ لَهم رُوحًا وراحَةً لا عَلَيْهِمْ ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ أيِ: الشَّيْءِ البالِي الَّذِي ذَهَلَتْهُ الأيّامُ واللَّيالِي، فَصَيَّرَهُ البِلى إلى حالَةِ الرَّمادِ، وهو في كَلامِهِمْ ما يَبِسَ مِن نَباتِ الأرْضِ ودُثِرَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وخَرَجَ بِالتَّعْبِيرِ بِ ”تَذَرُ“ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ؛ فَإنَّهم تَرَكَتْهم عَلى حالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ يَمَسَّهم مِنها سُوءٌ كَما أُشِيرَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском