Al-Biqa'iAdh-Dhariyat · 51:43–60

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:43–60

51:43Page 522

وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣

And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."

ولَمّا تَمَّ ما اقْتَضاهُ سِياقُ السُّورَةِ مِن قِصَّةِ أهْلِ الرِّيحِ الذّارِيَةِ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما يَحْمِلُهُ السَّحابُ مِنَ الرِّيحِ وما تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِن صَوْتِ الصَّيْحَةِ الرّاجِفَةِ الماحِقَةِ فَقالَ: ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ أيْ: قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ كَذَلِكَ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: بِلَبَنِ النّاقَةِ وغَيْرِهِ مِمّا مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ الزَّرْعِ والنَّخِيلِ والأبْنِيَةِ في الجِبالِ والسُّهُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ الَّذِي أمَرْناكم بِهِ ولا تَطْغَوْا ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: وقْتٍ ضَرَبْناهُ لِآجالِكُمْ

51:44Page 522

فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤

But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.

﴿فَعَتَوْا﴾ أيْ: أوْقَعُوا بِسَبَبِ إحْسانِنا إلَيْهِمُ العُتُوَّ، وهو التَّكَبُّرُ والإباءُ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مَوْلاهُمُ الَّذِي أعْظَمُ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ فَعَقَرُوا النّاقَةَ (p-٤٧٢)وأرادُوا قَتْلَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ بِسَبَبِ عُتُوِّهِمْ أخْذَ قَهْرٍ وعَذابٍ ﴿الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّيحُ، فَأوْصَلَتْها إلى مَسامِعِهِمْ بِغايَةِ العَظَمَةِ، ورَجَّتْ دِيارَهم رَجَّةً أزالَتْ أرْواحَهم بِالصَّعْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ دالٌّ عَلى أنَّها كانَتْ في غَمامٍ، وكانَ فِيها نارٌ، ويَجُوزُ -مَعَ كَوْنِهِ مِنَ النَّظَرِ- أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ الِانْتِظارِ؛ فَإنَّهم وُعِدُوا نُزُولَ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وجُعِلَ لَهم في كُلِّ يَوْمٍ عَلّامَةٌ وقَعَتْ بِهِمْ فَتَحَقَّقُوا وُقُوعَهُ اليَوْمَ الرّابِعَ

51:45Page 522

فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥

And they were unable to arise, nor could they defend themselves.

﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ما ﴿اسْتَطاعُوا﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن قِيامٍ﴾ أيْ: بَعْدَ مَجِيئِها بِأنْ عاجَلَتْهم بِإهْلاكِها عَنِ القِيامِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ القِيامِ لِعارِضٍ في رِجْلَيْهِ ويَنْتَصِفُ مِن عَدُوِّهِ بِما يُرَتِّبُهُ مِن عَقْلِهِ ويُدَبِّرُهُ بِرَأْيِهِ قالَ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا ما ﴿مُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أهْلِيَّةٌ لِلِانْتِصارِ بِوَجْهٍ، لا بِأنْفُسِهِمْ ولا بِناصِرٍ يَنْصُرُهم فَيُطاوِعُونَهُ في النُّصْرَةِ؛ لِأنَّ تَهَيُّؤَهم لِذَلِكَ سَقَطَ بِكُلِّ اعْتِبارٍ.

51:46Page 522

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.

ولَمّا أتَمَّ قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما مِن شَأْنِهِ الإهْلاكُ وهو الصّاعِقَةُ، أتْبَعَهم قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما مِن شَأْنِهِ الإحْياءُ، وهو الماءُ الَّذِي جُلُّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الحَلاماتُ الَّتِي أثارَتْها الذّارِياتُ، وقَدْ كانُوا مَوْجُودِينَ في الأرْضِ والسَّماءِ - وأسْبابُهُ مُهَيَّأةٌ - وهم لا يُحِسُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، (p-٤٧٣)وأمّا عِبادُنا المُؤْمِنُونَ فَهَيَّأْنا لَهم أسْبابَ النَّجاةِ مِنَ السَّفِينَةِ وغَيْرِها، وأعْلَمْناهم بِها، فَكانَ كُلُّ ما أرَدْنا وقالَهُ عَنّا أوْلِياؤُنا فَقالَ مُغَيِّرًا لِلْأُسْلُوبِ تَنْبِيهًا عَلى العَظَمَةِ بِنَفْسِ الإهْلاكِ لِكَوْنِهِ بِما مِن شَأْنِ الإحْياءِ والإبْقاءِ والتَّصَرُّفِ في الأسْبابِ: ﴿وقَوْمَ﴾ أيْ: وأهْلَكْنا قَوْمَ ﴿نُوحٍ﴾ عَلى ما كانَ فِيهِمْ مِنَ الكَثْرَةِ وقُوَّةِ المُحاوَلَةِ والقِيامِ بِما يُرِيدُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”فِيها“ أيْ: وتَرَكْناهم آيَةً، ويُحَسِّنُ هَذا الإعْرابَ أنَّهم هَلَكُوا جَمِيعًا وكانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، وعَمَّ عَذابُهم جَمِيعَ الأرْضِ، كانُوا لَهُمُ الآيَةَ، ويُؤَيِّدُ هَذا الإعْرابَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ”فِيها“.

ولَمّا كانَ إهْلاكُهم عَلى عِظَمِهِ وانْتِشارِهِ في بَعْضِ الزَّمانِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذِهِ الأُمَمِ كُلِّها، ثُمَّ عَلَّلَ إهْلاكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ خُلُقًا وطَبْعًا، لا حِيلَةً لِغَيْرِنا مِن أهْلِ الأسْبابِ في صَلاحِهِمْ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أقْوِياءَ ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الخُرُوجِ عَنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ.

51:47Page 522

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.

ولَمّا كانَ إهْلاكُهم بِالماءِ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وطَلَعَ مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حِسابٍ، كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِخَلَلٍ كانَ فِيهِما، ثُمَّ أُصْلِحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَما يَقَعُ لِبَعْضِ مَن يَصْنَعُ مِنَ المُلُوكِ صُنْعًا يُبالِغُ في إتْقانِهِ فَيَخْتَلُّ، قالَ عاطِفًا عَلى ما نُصِبَ ”يَوْمَ“ مُبَيِّنًا أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ (p-٤٧٤)ما كانَ بِالِاخْتِيارِ، دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ لِتَمامِ [القُدْرَةِ] الدّالَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ البَعْثِ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِأيْدٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُها. ولَمّا كانَتِ السَّماءُ ألْيَقَ لِعَظَمَتِها وطَهارَتِها بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، قالَ وأكَّدَ لِما يَلْزَمُ إنْكارَهُمُ البَعْثَ مِنَ الطَّعْنِ في القُدْرَةِ: ﴿وإنّا﴾ عَلى عَظَمَتِنا مَعَ ذَلِكَ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ: أغْنِياءُ وقادِرُونَ ذَوُو سِعَةٍ لا تَتَناهى، أيْ: قُدْرَةٍ، مِنَ الوُسْعِ وهو اللَّطافَةُ، وكَذَلِكَ أوْسَعْنا مِقْدارَ جِرْمِها وما فِيها مِنَ الرِّزْقِ عَنْ أهْلِها فالأرْضُ كُلُّها عَلى اتِّساعِها كالنُّقْطَةِ في وسَطِ دائِرَةِ السَّماءِ بِما اقْتَضَتْهُ صِفَةُ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا يَصِحُّ فِيها الشَّرِكَةُ أصْلًا، ومُطِيقُونَ لِما لا يُحْصى مِن أمْثالِ ذَلِكَ، ومِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ مِمّا لا يَتَناهى، ومُحِيطُونَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وجَدِيرُونَ وحَقِيقُونَ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أوْصافِنا فَنُوصَفُ بِهِ لِما يُشاهَدُ لَنا مِنَ القُوَّةِ عَلى كُلِّ ما نُرِيدُ، فَلَسْنا كَمَن يَعْرِفُونَ مِنَ المُلُوكِ؛ لِأنَّهم إذا فَعَلُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْظَمَ مِنهُ وإنْ قَدَرُوا [كانَ] ذَلِكَ مِنهم بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وسَتَرَوْنَ في اليَوْمِ الآخِرِ ما يَتَلاشى وما تُرِيدُونَ في جَنْبِهِ، ومِنَ اتِّساعِنا جَعْلُها بِلا عَمَدٍ مَعَ ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ:

51:48Page 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.

﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ كَذَلِكَ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، فَصارَتْ مُمَهَّدَةً جَدِيرَةً بِأنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها الأشْياءُ وهي آيَةٌ عَلى تَمْهِيدِنا لِأرْضِ الجَنَّةِ وشَقِّنا لِأنْهارِها وغَرْسِنا لِأشْجارِها ﴿فَنِعْمَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ في وصْفِنا: نِعْمَ ﴿الماهِدُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ لِكَمالِ قُدْرَتِنا، فَما نَزَلَ مِن (p-٤٧٥)السَّماءِ شَيْءٌ ولا نَبَعَ مِنَ الأرْضِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِنا وتَقْدِيرِنا واخْتِيارِنا مِنَ الأزَلِ لِأنّا إذا صَنَعْنا شَيْئًا عَلِمْنا ما يَكُونُ مِنهُ مِن حِينِ إنْشائِهِ إلى حِينِ إنْباتِهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِتَقْدِيرِنا، وذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِالجَنَّةِ والنّارِ، فَما فَوْقَها مِن خَيْرٍ فَهو آيَةٌ عَلى الجَنَّةِ، وما فِيها مِن جِبالٍ ووِهادٍ وعْرٍ وخَرُّوبَةٍ فَهو آيَةٌ عَلى النّارِ.

51:49Page 522

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.

ولَمّا كانَ الأشْياءُ المُتَضادَّةُ مِنَ الشَّيْءِ الواحِدِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ ﴿خَلَقْنا﴾ بِعَظَمَتِنا. ولَمّا كانَ الفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ: لا يَنْشَأُ عَنِ الواحِدِ إلّا واحِدٌ، قالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مِثْلَهُ شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنهُما يُراوِحُ الآخَرَ مِن وجْهٍ وإنْ خالَفَهُ مِن آخَرَ، ولا يَتِمُّ نَفْعُ أحَدِهِما إلّا بِآخَرَ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ وغَيْرِها ويَدْخُلُ فِيهِ الأضْدادُ مِنَ الغِنى والفَقْرِ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والحَياةِ والمَوْتِ، والضِّياءِ والظَّلامِ، واللَّيْلِ والنَّهارِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والبَرِّ والبَحْرِ، والسَّهْلِ والجَبَلِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والسَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ الحَرَّ والبَرْدَ مِن نَفْسِ جَهَنَّمَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَيْها، وبِناءَهُما عَلى الِاعْتِدالِ في بَعْضِ الأحْوالِ آيَةٌ عَلى الجَنَّةِ مُذَكِّرَةٌ بِها مُشَوِّقَةٌ إلَيْها.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَحْتاجُ إلى الآخَرِ وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى واحِدٍ لا مِثْلَ لَهُ، وأنَّهُ لا يُحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ إلى تَأمُّلٍ كَبِيرٍ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَأدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ الدّالَّةَ عَلى العِلاجِ والِاجْتِهادِ والعَمَلِ فَصارَ: فَتَكُونُوا عِنْدَ (p-٤٧٦)مِن يَنْظُرُ ذَلِكَ حَقَّ النَّظَرِ عَلى الرَّجاءِ مِن أنْ يَتَذَكَّرُوا قَلِيلًا مِنَ التَّذَكُّرِ فَيَهْدِيَكم إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

51:50Page 522

فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠

So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.

ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِمّا سِواهُ لا بُدَّ لَهُ مِن ضِدٍّ يُضادُّهُ أوْ قَرِينٍ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، وأمّا سُبْحانُهُ فَلا مِثْلَ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَنازَعَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وثَبَتَ أنَّهُ أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى بِمُخالَفَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَثَبَتَ أنَّ وراءَ المُكَلَّفِينَ عَذابًا يَحِقُّ لَهُمُ الفِرارُ مِنهُ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرِهِ مُحْتاجٌ إلى زَوْجِهِ يُثْبِتُ حاجَةَ الكُلِّ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا كِفايَةَ عِنْدَ شَيْءٍ في كُلِّ ما يُرامُ مِنهُ، وجَبَ أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ الغَنِيِّ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَفِرُّوا﴾ أيْ: أقْبِلُوا والجَئُوا. ولَمّا دَرَّبَ عِبادَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ كَثِيرًا، فَتَأهَّلُوا إلى النُّفُوذِ في الغَيْبِ، وكانَتِ العِبادَةُ لا تَكُونُ خالِصَةً إلّا إنْ عُلِّقَتْ بِالذّاتِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ذَكَرَ اسْمَ الذّاتِ فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى الَّذِي لا مُسَمّى لَهُ مِن مُكافِئٍ، ولَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَهو في غايَةِ العُلُوِّ، فَلا يَقَرُّ ويَسْكُنُ أحَدٌ إلى مُحْتاجٍ مِثْلِهِ؛ فَإنَّ المُحْتاجَ لا غِنًى عِنْدَهُ، ولا يُقَرُّ سُبْحانَهُ.

إلّا مَن تَجَرَّدَ عَنْ حَضِيضِ عَوائِقِهِ الجِسْمِيَّةِ إلى أوْجِ صِفاتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، وذَلِكَ مِن وعِيدِهِ إلى وعْدِهِ اللَّذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما بِالزَّوْجَيْنِ، فَتَنَقَّلَ السِّياقُ بِالتَّحْذِيرِ والِاسْتِعْطافِ والِاسْتِدْعاءِ، فَهو مِن بابِ: ««لا مَلْجَأ مِنكَ إلّا إلَيْكَ أعُوذُ بِكَ مِنكَ»». واسْتَمَرَّ إلى آخِرِ (p-٤٧٧)السُّورَةِ في ذِكْرِهِ إشارَةً إلى عَلِيِّ أمْرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: لا مِن غَيْرِهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ: مِن أنْ يَفِرَّ أحَدٌ إلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ قَصْدُهُ.

لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ الظّاهِرَ جِدًّا بِما يَعْلَمُهُ أحَدٌ في نَفْسِهِ عَلى ما قالَهُ في هَذا الكَلامِ الوَحِيدِ قالَ: ﴿مُبِينٌ﴾ فَفِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا، ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ حَذَرًا وحَزْمًا، ومِنَ الضِّيقِ إلى السِّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً، وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَيْرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ، وفِرارُ خاصَّةِ الخاصَّةِ مِمّا دُونَ الحَقِّ إلى الحَقِّ إشْهادًا في شُهُودِ جَلالِهِ واسْتِغْراقًا في وحْدانِيَّتِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن صَحَّ فِرارُهُ إلى اللَّهِ صَحَّ فِرارُهُ مَعَ اللَّهِ. انْتَهى. وهو بِكَمالِ المُتابَعَةِ لَيْسَ غَيْرَهُ، ومَن فَهِمَ مِنهُ اتِّحادًا بِصِفَةٍ أوْ ذاتٍ فَقَدَ ما حَدَّ طَرِيقَ القَوْمِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ.

51:51Page 522

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا إلى اللَّهِ الواحِدِ المُنَزَّهِ عَنِ الزَّوْجِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وكانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمٍ أنَّ [فِي] الوُجُودِ مِن غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ مَن نَفْزَعُ إلَيْهِ كَما نَفْزَعُ إلى وزِيرِ المَلِكِ وبَوّابِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُوصِلُ إلَيْهِ، قالَ مُحَذِّرًا مِن سَطَواتِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا﴾ أيْ: بِأهْوائِكم ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْيِينًا لِلْمُرادِ لِأنَّهُ لَمْ يُشارِكْهُ في التَّسْمِيَةِ بِهِ أحَدٌ وتَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ مِن (p-٤٧٨)صِفاتِ الكَمالِ وتَعْمِيمًا لِوُجُوهِ المَقاصِدِ لِئَلّا يُظَنَّ، وقِيلَ: ”مَعَهُ“ إنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ الجَعْلِ مِن جِهَةِ الفِرارِ لا مِن جِهَةِ غَيْرِها ﴿إلَهًا﴾

ولَمّا كانَ المُرادُ كَمالَ البَيانِ، [مَنَعَ] مَجازَ التَّجْرِيدِ مَنعَ تَعَنُّتِ مَن يَطْعَنُ بِتَكْثِيرِ الأسْماءِ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآيَةَ. بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ مَعَ التَّأْكِيدِ لِطَعْنِهِمْ في نِذارَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: لا مِن غَيْرِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ: مُحَذِّرٌ مِنَ الهَلاكِ الأبَدِيِّ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي لا خَلاصَ مِنها إنْ فَعُلْتُمْ ذَلِكَ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: لا أقُولُ شَيْئًا مِن واضِحِ النَّقْلِ إلّا ودَلِيلُهُ ظاهِرٌ مِن صَرِيحِ العَقْلِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُمُ المُخْتَلِفَ الَّذِي مِنهُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ ونِسْبَتُهُ إلى السِّحْرِ والجُنُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفُنُونِ، ومِنهُ الإشْراكُ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا كاشِفَ ضُرٍّ غَيْرُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الِاضْطِرابِ، وأخْبَرَ بِهَلاكَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِنهُ ودَلَّ عَلَيْهِ إلى أنْ خَتَمَ بِإنْذارِ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا غَيْرَهُ قالَ مُسَلِّيًا:

51:52Page 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ قَوْلِ قَوْمِكَ المُخْتَلِفِ العَظِيمِ الشَّناعَةِ، البَعِيدِ مِنَ الصَّوابِ، بِما لَهُ مِنَ الِاضْطِرابِ، وقَعَ لِمَن قَبْلَهُمْ، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما أتى الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الرُّسُلُ إنَّما كانَ إرْسالُهم في بَعْضِ الأزْمانِ الماضِيَةِ ولَمْ يَسْتَغْرِقُوا (p-٤٧٩)جَمِيعَها بِالفِعْلِ، أثْبَتَ الجارَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعَمَّمَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿إلا قالُوا﴾ ولَوْ بَعْضُهم بِرِضا الباقِينَ: ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ يَأْتِيهِمْ بِمُخالَفَةِ مَأْلُوفاتِهِمُ الَّتِي قادَتْهم إلَيْها أهْواؤُهُمْ، والهَوى هو الَّذِي أوْجَبَ لَهم هَذا التَّناقُضَ الظّاهِرَ سَواءٌ كانَتْ ”أوْ“ لِلتَّفْصِيلِ بِأنَّ بَعْضَهم قالَ واحِدًا وبَعْضُهم قالَ آخَرَ، أوْ كانَتْ لِلشَّكِّ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَكُونُ لَبِيبًا فَطِنًا آتِيًا بِما يَعْجِزُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، والمَجْنُونُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ عَجَّبَ مِنهم بِقَوْلِهِ:

51:53Page 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.

﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [أيْ] أوْصى بِهَذا بَعْضُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بَعْضًا.

ولَمّا ساقَ هَذا في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى قَوْلٍ يَنْبَغِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِهِ لِما لَهُ مِنَ الخَفاءِ، أجابَ عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا بِهِ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ ما اجْتَمَعُوا مَعَ الآخِرِينَ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ اجْتَمَعُوا في وصْفٍ أدّاهم إلى ذَلِكَ. وهو أنَّهم ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: ذَوُو شَماخَةٍ وكِبْرٍ ﴿طاغُونَ﴾ أيْ: عالُونَ في الكُفْرِ مُسْرِفُونَ في الظُّلْمِ والمَعاصِي مُجاوَزُونَ لِلْمِقْدارِ، وأشارَ بِالضَّمِيرِ إلى أنَّ الطُّغْيانَ أمْرٌ ذاتِيٌّ لَهُمْ، فَهو يُمْدَحُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي قَهَرَهم بِسَوْقِهِمْ إلى هَلاكِهِمْ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ وعِلْمِهِ الشّامِلِ.

51:54Page 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.

ولَمّا كانَ ﷺ، يَكادُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ -بِأبِي هو وأُمِّي- غَمًّا عَلَيْهِمْ وأسَفًا لِتَخَلُّصِهِمْ عَنِ الإسْلامِ وخَوْفًا أنْ لا يَكُونَ وفى بِما عَلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ والإعْلامِ، سَبَّبَ تَعالى عَنْ حالِهِمْ قَوْلَهُ: (p-٤٨٠)﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ الإعْراضَ عَنِ الإبْلاغِ في إبْلاغِهِمْ بِالمُجادَلَةِ والصَّدْعِ بِالتَّغْلِيظِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنكَ مِنَ الإبْلاغِ ﴿فَما أنْتَ﴾ بِسَبَبِ الإعْراضِ بَعْدَ الإنْذارِ ﴿بِمَلُومٍ﴾ أيْ: بِمُسْتَحَقِّ المَلامَةِ بِسَبَبِ إعْراضِ مَن أعْرَضَ مِنهم عَنْكَ، فَإنِّي إنَّما حَكَمْتُ بِذَلِكَ لِأنِّي إنَّما قَسَّمْتُ النّاسَ إلى مُؤْمِنٍ تَنْفَعُهُ الذِّكْرى، وطاغٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، ولِذَلِكَ قالَ:

51:55Page 523

وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥

And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.

﴿وذَكِّرْ﴾ أيْ: بِالرِّفْقِ واللِّينِ، ولَمّا أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ والإعْراضِ حَتّى أيِسَ مِنهُمْ، أكَّدَ ما سَبَّبَهُ عَنِ التَّذْكِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى﴾ أيِ: التَّذَكُّرَ بِالنِّذارَةِ البَلِيغَةِ ﴿تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ أنْ يَكُونُوا عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ ولا بُدَّ مِن إكْثارِ التَّذْكِيرِ لِيَغْلِبَ ما عِنْدَهم مِن نَوازِعِ الحُظُوظِ وصَوارِفِ الشَّهَواتِ، مَعَ ما هم مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْيانِ.

51:56Page 523

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦

And I did not create the jinn and mankind except to worship Me.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ سِواهم غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِمْ، قالَ مُؤَكِّدًا بِالحَصْرِ دالًّا عَلى أنَّهُ هو الَّذِي قَسَّمَ النّاسَ إلى طاغِينَ ومُؤْمِنِينَ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَما حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الضَّلالِ والهُدى غَيْرِي، وما أرْسَلْتُ الرُّسُلَ وأنْزَلْتُ الكُتُبَ إلّا لِاسْتِخْلاصِ المُؤْمِنِينَ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الضّالِّينَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ﴾ الَّذِينَ أكْثَرُهم كافِرُونَ ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: لِيَنْجَرُّوا تَحْتَ أقَضِيَتِي عَلى وجْهٍ يَنْفَعُونَ بِهِ أنْفُسَهم أوْ يَضُرُّونَها لا لِشَيْءٍ يَلْحَقُنِي أنا مِنهُ شَيْءٌ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرَرٍ، فَإنِّي (p-٤٨١)بَنَيْتُهم عَلى العَجْزِ وأوْدَعْتُهم نَوازِعَ الهَوى، ورَكَّبْتُ فِيهِمْ غَرائِزَ فَهَيَّأْتُهم لِاتِّباعِ الهُدى، فَمَن أطاعَ عَقْلَهُ كانَ عابِدًا لِي فارًّا إلَيَّ مَعَ جَرْيِهِ تَحْتَ الإرادَةِ، عِبادَةً شَرْعِيَّةً أمْرِيَّةً يَسْتَفِيدُ بِها الثَّوابَ، ومَن أطاعَ الهَوى كانَ عابِدًا لِي مَعَ مُخالَفَتِهِ أمْرِي عِبادَةً إرادِيَّةً قَسْرِيَّةً يَسْتَحِقُّ بِها العِقابَ، وكُلُّ تابِعٍ لِهَواهُ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ عَلِمَ أنَّ الخَيْرَ في غَيْرِ ما هو مُرْتَكِبُهُ، فَما ألْزَمَهُ ما هو فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ مِنهُ إلّا قَهْرُ إرادَتِي، فَهَذِهِ عِبادَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وذاكَ عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وقَدْ مَرَّ في آخِرِ هُودٍ ما يَنْفَعُ هُنا، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا لِيُقِرُّوا لِي بِالعِبادَةِ طَوْعًا وكَرْهًا.

51:57Page 523

مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧

I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.

ولَمّا حَصَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَهم في إرادَةِ العِبادَةِ، صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وعَمَّ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى وجْهٍ يَنْفَعُنِي مِن جَلْبٍ أوْ دَفْعٍ، لِأنِّي مُنَزَّهٌ عَنْ لَحاقِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، كَما يَفْعَلُ غَيْرِي مِنَ المَوالِي بِعَبِيدِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْثارِ بِغَلّاتِهِمْ والِاسْتِعانَةِ بِقُوّاتِهِمْ لِأنِّي الغَنِيُّ المُطْلَقُ وكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيَّ ﴿وما أُرِيدُ﴾ أصْلًا ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ أيْ: [أنْ] يَرْزُقُونِي رِزْقًا خاصًّا هو الإطْعامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ (p-٤٨٢)بِأصْنامِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَها ما يَنْفَعُها ويُحْضِرُونَ لَها الأكْلَ، فَرُبَّما أكَلَتْها الكِلابُ ثُمَّ بالَتْ عَلى الأصْنامِ. ثُمَّ لا يَصُدُّهم ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ الأكْلِ، والتَّعْبِيرُ بِالإرادَةِ دالٌّ عَلى ما قُلْتُ إنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعِبادَةِ. وهو الجَرْيُ تَحْتَ الإرادَةِ، تارَةً بِمُوافَقَةِ الشَّرْعِ وتارَةً بِمُخالَفَتِهِ.

51:58Page 523

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨

Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.

ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِأمْرِ الرِّزْقِ -وقَدْ ضَمِنَهُ سُبْحانَهُ- شاغِلًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العِبادَةِ، وكانَ الإنْسانُ يَظُنُّ أنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ ما حَواهُ مِنَ الرِّزْقِ سَعْيُهُ، قالَ حاصِرًا ذَلِكَ مُؤَكِّدًا إزالَةً لِتِلْكَ الظُّنُونِ مُعَلِّلًا لافِتًا الكَلامَ إلى سِياقِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي لَمْ يَتَّسِمْ بِهِ غَيْرُهُ، نَصًّا عَلى المُرادِ وبالِغًا مِنَ الإرْشادِ أقْصى المُرادِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُنَزَّهَ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الرَّزّاقُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ لِكُلِّ حَيٍّ وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ هَوانَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ أيِ: الَّتِي لا تَزُولُ بِوَجْهٍ ﴿المَتِينُ﴾ أيِ: الشَّدِيدُ الدّائِمُ الشِّدَّةِ.

51:59Page 523

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩

And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.

ولَمّا أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى الصِّدْقِ في وعِيدِهِمْ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ حَتّى بِجَمِيعِ قَصْدِ أحْوالِهِمْ عَلى إرادَتِهِ. وخَتَمَ بِقُوَّتِهِ الَّتِي لا حَدَّ لَها، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إيقاعَهُ بِالمُتَوَعِّدِينَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ أوْقَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها. ولَمّا كانَ القَسَمُ عَلى ما (p-٤٨٣)يُوعَدُونَ بِما يَحْمِلُ المَطَرَ، عَبَّرَ عَنْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ: خَطًّا مِنَ العَذابِ طَوِيلَ الشَّرِّ، كَأنَّهُ مِن طُولِهِ صاحِبُ ذَنَبٍ وهو عَلى ذُنُوبِهِمْ ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمَ ظُلْمُهم بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وهو في مُشابَهَتِهِ لَهُ كالدَّلْوِ الَّذِي يُساجَلُ بِهِ دَلْوٌ آخَرُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ ما يُوعَدُونَ صادِقٌ، وأنَّ الدِّينَ واقِعٌ ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ: يَطْلُبُوا أنْ آتِيَهم بِهِ قَبْلَ أوانِهِ اللّاحِقِ بِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا ناقِصٌ، وأنا مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ لا أخافُ الفَوْتَ ولا يَلْحَقُنِي عَجْزٌ ولا أُوصَفُ بِهِ، ولا بُدَّ أنْ أُوقِعَهُ بِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي قَضَيْتُ بِهِ في الأزَلِ؛ لِأنَّهُ أحَقُّ الأوْقاتِ بِعِقابِهِمْ لِتَكامُلِ ذُنُوبِهِمْ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ، فَيا لَهُ مِن تَهْدِيدٍ ما أفْظَعَهُ، ووَعِيدٍ ما أعْظَمَهُ وأوْجَعَهُ، أمْرًا لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ، ولا يَمْنَعُ مِن وُقُوعِهِ مانِعٌ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:

51:60Page 523

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠

And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.

﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ: شَرُّ حالٍ وعَذابٍ يُوجِبُ النَّدْبَ والتَّفَجُّعَ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما ظَهَرَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يَسَعُ عاقِلًا إنْكارُها ﴿مِن يَوْمِهِمُ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ دُونَ المُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِصِدْقِ الوَعِيدِ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ لَكَ القَسَمُ الأكِيدُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском