Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
(p-١)سُورَةُ الطُّورِ
مَقْصُودُها تَحْقِيقُ وُقُوعِ العَذابِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الوَعِيدِ المُقْسَمِ عَلى وُقُوعِهِ في الذّارِياتِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الإنْذارِ المَدْلُولِ عَلى صِدْقِهِ في ق، فَإنَّ وُقُوعَهُ أثْبَتُ وأمْكَنُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي أخْبَرَ الصّادِقُ بِسَيْرِها، وجَعَلَ دَكَّ بَعْضِها آيَةً عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الكِتابِ في أثْبَتِ أوْضاعِهِ لِإمْكانِ غَسْلِهِ وحَرْقِهِ، ومِنَ البَيْتِ الَّذِي يُمْكِنُ عامِرُهُ وغَيْرُهُ إخْرابَهُ، والسَّقْفِ الَّذِي يُمْكِنُ رافِعُهُ وضْعَهُ، والبَحْرِ الَّذِي يُمْكِنُ مَن سَجَرَهُ أنْ يُرْسِلَهُ، وقَدْ بانَ أنَّ اسْمَها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ بِمُلاحَظَةِ القَسَمِ وجَوابِهِ حَتّى بِمُفْرَداتِ الألْفاظِ في خِطابِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِالرَّحَمُوتِ مَن حَقَّقَهُ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ بِرَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ أهْلَ القُنُوتِ.
* *
لَمّا خُتِمَتِ الذّارِياتُ بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِإثْباتِ العَذابِ الَّذِي هو رُوحُ الوَعِيدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا كانُوا يَقُولُونَ عَمّا أتاهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: إنَّهُ سِحْرُ خَيالٍ لا حَقِيقَةَ (p-٢)لَهُ، أقْسَمَ بِالجَبَلِ - الَّذِي هو عِنْدَهم وعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي العُقُولِ - أثْبَتُ الأرْضِ وأشَدُّها وأصْلَبُها، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالطُّورِ الَّذِي هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقِ الجَبَلِ وبَيْنَ المُضافِ إلى سِينا الَّذِي كانَ فِيهِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْزالُ كَثِيرٍ مِن كِتابِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ - آياتٌ تَعْلَمُها بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُونَهم ويَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ويَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِمْ فِيهِ، فَمِن آياتِهِ أنَّهُ كانَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما كُتِبَ لَهُ فِيهِ عَلى ألْواحِ الجَوْهَرِ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ النّامُوسِ الَّذِي جَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً ومَوْعِظَةً وذِكْرًا وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وكانَ فِيهِ مَعَ الرَّحْمَةِ العَذابُ بِما أتاهم مِنَ الصّاعِقَةِ الَّتِي أماتَتْهم ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ وبِما كانُوا يَشْهَدُونَ مِنَ السَّحابِ الَّذِي تَخَلَّلَهُ فَيَكُونُ كَقُتارِ الأتُونِ، وفِيهِ بُرُوقٌ كَأعْظَمِ ما يُشاهَدُ مِنَ النّارِ، وأبْواقٌ تَزْعَقُ بِصَوْتٍ هائِلٍ، ولِما شُوهِدَ مِنَ انْدِكاكِ الجَبَلِ عِنْدَ التَّجَلِّي وصَعْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَكْشِفُ الظُّلُماتِ، وأيْضًا فالطُّورُ كُلُّ جَبَلٍ يُنْبِتُ، وإنْباتُ الجَبَلِ عَجِيبٌ، فَإنَّ نَباتَهُ لا يَكُونُ إلّا بِسَبَبٍ، وسَبَبُ النَّباتِ الماءُ، والماءُ مُنْبَثٌّ في الأرْضِ لِتَرَكُّبِها عَلَيْهِ وهو مُوازٍ لِما انْكَشَفَ مِنهُ مِن ماءِ البِحارِ، وكُلَّما عَلَتِ الأرْضُ بَعُدَتْ عَنِ الماءِ، والجِبالُ أبْعَدُها مِنهُ، فَسَبَبُ إنْباتِهِ خَفِيٌّ جِدًّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ومَن فَهَّمَهُ إيّاهُ.
(p-٣)ولَمّا كانَتِ الأرْضُ لَوْحَ السَّماءِ الَّتِي مِنها الوَعِيدُ، وكانَتِ الجِبالُ أشَدَّها، فَذَكَرَ أعْظَمَها آيَةً، وكانَ الكِتابُ لَوْحَ الكاتِبِ، وكانَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ أثْبَتَ الكُتُبِ، وكانَ طُورُ سِينا قَدْ نَزَلَ فِيهِ كِتابٌ إلَهِيٌّ قالَ: ﴿وكِتابٍ﴾ وحَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ أيْ مُتَّفِقِ الكِتابَةِ بِسُطُورٍ مَصْفُوفَةٍ مِن حُرُوفٍ مُرَتَّبَةٍ جامِعَةٍ لِكَلِماتٍ مُتَّفِقَةٍ كَكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِكَثِيرٍ مِنهُ في الطُّورِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ فَهو أثْبَتُ الأشْياءِ، وإنْ كانَ المُرادُ القُرْآنَ بِخُصُوصِهِ فَهو أثْبَتُها لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ صَحِيفَةَ قُرَيْشٍ فَقَدْ كانُوا ظَنُّوها أثْبَتَ العُهُودِ، وذَكَرَ أمْتَنَ ما يُكْتَبُ فِيهِ وأشَدَّهُ وأتْقَنَهُ فَقالَ:
﴿فِي رَقٍّ﴾ أيْ في جِلْدٍ مُهَيَّإٍ بِالقِشْرِ لِلْكِتابَةِ ﴿مَنشُورٍ﴾ أيْ مُهَيَّإٍ لِلْقِراءَةِ والِاتِّعاظِ بِما فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عامًّا بَعْدَ خاصٍّ، قالَ الرّازِيُّ: قالَ الصّادِقُ: إنَّ اللَّهَ تَجَلّى لِعَبْدِهِ بِكِتابِهِ كَما تَجَلّى بِالطُّورِ لَمّا كانَ مَحَلًّا لِلتَّجَلِّي خَلْقًا، والكِتابِ لَمّا كانَ مَحَلًّا لِلتَّجَلِّي أمْرًا، أجْراهُما في قَرْنٍ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ سُبْحانَهُ صَحِيفَةَ الظُّلْمِ الَّتِي كَتَبُوها بِما تَعاقَدُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهم لا يُعاشِرُونَ بَنِي هاشِمٍ (p-٤)ولا يُكَلِّمُونَهم ولا يُبايِعُونَهم ولا يُشاوِرُونَهم ولا يُناكِحُونَهم ولا يُؤازِرُونَهم ولا يُعامِلُونَهم حَتّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلَّقُوها في جَوْفِ الكَعْبَةِ فانْحازَ بَنُو هاشِمٍ إلى شِعْبِ أبِي طالِبٍ خَلْفَ أبِي قُبَيْسٍ وتَبِعَهم بَنُو المُطَّلِبِ رَهْطُ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَحَيَّزُوا مَعَهم مِن بَيْنِ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ شَرَفِهِمْ عَلى مَدى الدَّهْرِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى الصَّحِيفَةِ - بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ذَلِكَ سَنَتانِ حِينَ جَهِدَهُمُ العَيْشُ ومَضَّهُمُ الزَّمانُ وزَلْزَلَتْهُمُ القَوارِعُ زِلْزالًا شَدِيدًا وهم ثابِتُونَ لِيُظْهِرَ اللَّهُ بِذَلِكَ شَرَفَ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ - الأرَضَةَ، فَأبْقَتْ ما فِيها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَحَتْ ما كانَ مِن ظُلْمِهِمْ وقَطِيعَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ قامَ في نَقْضِها مَعْشَرٌ مِنهُمْ، فَنَقَضَها اللَّهُ بِهِمْ، وكانُوا إذْ ذاكَ كَفَرَةً كُلُّهم لِيُظْهِرَ اللَّهُ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ بِما شاءَ ومَن شاءَ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ الَّذِي هو قِيامٌ لِلنّاسِ كَما كانَتْ قُبَّةُ الزَّمانِ قِيامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، هَذا إنْ كانَ تَعالى أرادَ بِهِ الكَعْبَةَ الَّتِي عَلَّقُوا فِيها الصَّحِيفَةَ بَعْدَ أنْ كانُوا لَمّا عَمَّرُوها اخْتَلَفُوا فِيمَن يَضَعُ الحَجَرَ الأسْوَدَ في مَوْضِعِهِ، وزادَ بِهِمُ الِاخْتِلافُ حَتّى تَهَيَّئُوا لِلْقِتالِ وتَحالَفُوا عَلَيْهِ، فَكانَ مِنهم لَعَقَةُ الدَّمِ، ومِنهُمُ المُطَيِّبُونَ كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ، ثُمَّ وُفِّقُوا لِأنْ رَضُوا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم أوَّلُ داخِلٍ مِن بابٍ عَيَّنُوهُ، فَكانَ أوَّلَ داخِلٍ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالُوا بِأجْمَعِهِمْ: هَذا مُحَمَّدٌ هَذا الأمِينُ، رَضِينا (p-٥)بِحُكْمِهِ، فَحَكَمَ ﷺ بِأنْ يُوضَعَ الحَجَرُ الشَّرِيفُ في ثَوْبٍ ويَأْخُذَ رَئِيسُ كُلِّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ مِن أطْرافِهِ ويَرْفَعُوهُ كُلُّهُمْ، فَلَمّا وازى مَوْضِعَهُ أخَذَهُ هو ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فَوَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ، فَكانَ الفَخْرُ لَهُ مُضاعَفًا بِحُكْمِهِ وإصْلاحِهِ بَيْنَهُمْ، واخْتِصاصِهِ بِوَضْعِهِ وهو مَعْمُورٌ بِالزُّوّارِ والخِدْمَةِ وكَثْرَةِ الحاشِيَةِ.
ولَمّا كانَ البَيْتُ لا بُدَّ في مُسَمّاهُ مِنَ السَّقْفِ قالَ: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ يُرِيدُ سَقْفَ الكَعْبَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُحْكَمُ البِناءِ مُغْلَقُ البابِ مُتْقَنُ السَّقْفِ إتْقانًا هو أعْظَمُ مِن إتْقانِ سَقْفِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي شاهَدَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ العَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ والجَلالِ ما إنْ سَألْتُمُوهم عَنْهُ أخْبَرُوكم بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ سَلَّطَ عَلى الصَّحِيفَةِ - الَّتِي في جَوْفِهِ، ولَعَلَّها كانَتْ في سَقْفِهِ بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها أحَدٌ - ما أفْسَدَها تَحْقِيقًا لِثُبُوتِ ما أرادَ مِن أمْرِهِ تَحْذِيرًا مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ السَّماءُ الَّتِي فِيها ما تُوعَدُونَ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّ أقَلَّ السُّقُوفِ لا يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ عَمَدٍ إلّا بِأسْبابٍ لا تُرى، فَكَيْفَ بِالسَّماءِ الَّتِي لَها مِنَ السَّعَةِ والعَظَمَةِ والثِّخَنِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ ما لَها مِمّا لا يَسَعُ العُقُولَ شَرْحُهُ، وهم لا يَنْظُرُونَ أسْبابَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ العَرْشُ وهو سَقْفُ الجَنَّةِ.
ولَمّا كانَ الماءُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، خَتَمَ بِهِ فَقالَ: (p-٦)﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ الَّذِي فِيهِ مِنَ الماءِ أكْثَرُ مِن مَلْئِهِ وهو ساجِرُهُ أيْ مانِعُهُ - كَما يُمْنَعُ الكَلْبُ بِساجُورِهِ عَنِ الِانْسِباحِ، ولَوْ أرادَ خَلّاهُ فانْدَفَقَ فَجَرى فَأهْلَكَ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن جَبَلٍ وكِتابٍ وبَيْتٍ كَما شُوهِدَ لَمّا سَجَرَهُ سُبْحانَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فانْفَلَقَ، ونَشِفَتْ أرْضُهُ ثُمَّ لَمّا أرادَ سَيَّبَهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ فَعَذَّبَهم بِهِ فَأهْلَكَهم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
ولَمّا أقْسَمَ بِما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وثَلَّثَ بِما أشارَ إلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وثَنّى بِما هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما، وكانَ الأوَّلُ مَعَ ذَلِكَ دالًّا عَلى اسْتِقْرارِ الأرْضِ، والثّالِثُ عَلى صَلاحِيَتِها لِلسُّكْنى، والثّانِي عَلى الحافِظِ في ذَلِكَ، ورَبَّعَ بِما كَمَّلَ المَنافِعَ، وحَذَّرَ مِنَ السُّقُوطِ كَما خَوَّفَ بِالأوَّلِ مِنَ الخَسْفِ، وخَمَّسَ بِما دَلَّ عَلى ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَيْلٌ لانْطَلَقَ البَحْرُ إلى جِهَتِهِ، أجابَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ الإكْرامِ لَهُ ﷺ، أضافَ العَذابَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ الخاصَّةِ بِهِ، وأضافَ الصِّفَةَ إلى ضَمِيرِهِ إيذانًا بِأنَّهُ يُرِيهِ في أُمَّتِهِ ما يَسُرُّهُ، وأنَّ مُماثَلَةَ ”ذُنُوبِهِمْ كَذُنُوبِ أصْحابِهِمُ“ الماضِينَ إنَّما هي في مُجَرَّدِ الإذْلالِ، لا في أنَّهُ يَسْتَأْصِلُهم كَما اسْتَأْصَلَ أُولَئِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَكَ أيَّ عَذابٍ أرادَهُ بِكُلِّ مَن أرادَ بِهِ لا سِيَّما المُعادِي لِأوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَواقِعٌ﴾ أيْ ثابِتٌ نازِلٌ بِمَن أرادَ نُزُولَ ما هو ثَقِيلٌ (p-٧)مِن مَكانٍ عالٍ كَما أنَّهُ لَوْ أرادَ لَقَلَبَ الأرْضَ الَّتِي ثَبَّتَها وأوْقَعَ السَّقْفَ الَّذِي رَفَعَ، وأطْلَقَ البَحْرَ الَّذِي سَجَرَ، كَما عُلِمَ مِن إطْلاقِهِ البَحْرَ فَلْقَةً عَلى آلِ فِرْعَوْنَ حَتّى أغْرَقَهم بِهِ
﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ لِأنَّهُ لا شَرِيكَ لِمَوْقِعِهِ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأقْسامُ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ وجَلالِ حِكْمَتِهِ وضَبْطِ أعْمالِ العِبادِ لِلْمُجازاةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الكِتابَ هو الَّذِي يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ أوِ الَّذِي يَضْبِطُ الدِّينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الجَزاءَ بِهِمْ في الصَّحِيفَةِ، ونَقَضَ مُعاقَدَتَهُمْ، وفَضَّ جَمْعَهُمْ، أخْرَجَ مَعاشِرَكَ مِن ذَلِكَ الضِّيقِ فَكَذَلِكَ يُؤَيِّدُكَ حَتّى تُوقِعَ بِهِمْ وتَنْقُضَ جَمْعَهم وتَكْسِرَ شَوْكَتَهم وتَقْتُلَ سَرَواتِهِمْ ويَظْهَرَ دِينُكَ عَلى دِينِهِمْ، ويَصِيرَ مَن بَقِيَ مِنهم مِن حِزْبِكَ وأنْصارِ دِينِكَ، قالَ البَغْوِيُّ: «قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أسارى بَدْرٍ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ المَغْرِبَ وصَوْتُهُ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُهُ، ولَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ». (p-٨)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى كُفّارَ قُرَيْشٍ ومَن كانَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ مِن سائِرِ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهم سَيُصِيبُهم ما أصابَ غَيْرَهم مِن مُكَذِّبِي الأُمَمِ، المُنَبَّهِ عَلى ذِكْرِهِمْ في السُّورَةِ قَبْلُ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظِيمِ ما يَنالُهم مِنَ الخِزْيِ وألِيمِ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ - والعِياذُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن سُخْطِهِ وألِيمِ عَذابِهِ - فَقالَ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ثُمَّ أوْمَأ سُبْحانَهُ إلى مُسْتَحِقِّيهِ ومُسْتَوْجِبِيهِ فَقالَ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ثُمَّ ذَكَرَ ما يُعَنَّفُونَ بِهِ ويُوَبَّخُونَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم مِن نِسْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى السِّحْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سبإ: ٤٢] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ثُمَّ أعْقَبَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَجِيبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ إثْرَ إعْلامِهِ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ - نِعْمَتَهُ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِصْمَتَهُ ووِقايَتَهُ مِمّا يَقُولُ المُفْتَرُونَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ثُمَّ جَرَتِ الآيُ عَلى تَوْبِيخِهِمْ في مَقالَتِهِمْ ووَهْنِ انْتِقالاتِهِمْ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: كاهِنٌ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: شاعِرٌ يَتَرَقَّبُ مَوْتَهُ. فَوَبَّخَهم عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ وبَيَّنَ كَذِبَهم وأرْغَمَهم وأسْقَطَ ما بِأيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] (p-٩)وهَذا هو المُسْقِطُ لِما تَقَوَّلُوهُ أوَّلًا وآخِرًا، وهَذا الَّذِي لَمْ يَجِدُوا عَنْهُ جَوابًا، ورَضُوا بِالسَّيْفِ والجَلاءِ، لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَعاطِي مُعارَضَتِهِ، وهَذا هو الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ، فَما نَطَقُوا في جَوابِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَتَبارَكَ مَن جَعَلَهُ آيَةً باهِرَةً وحُجَّةً قاهِرَةً - انْتَهى.
52:9Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
ولَمّا أثْبَتَ وُقُوعَ العَذابِ، تَشَوَّفَتْ نَفْسُ المُوقِنِ إلى وقْتِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا لِبَيانِ أنَّهُ واقِعٌ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ أيْ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ وتَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَتَكَفَّأُ تَكَفُّأ السَّفِينَةِ وتَدُورُ دَوَرانَ الرَّحى، ويَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وتَخْتَلِفُ أجْزاؤُها بَعْضُها في بَعْضٍ، ولا تَزُولُ عَنْ مَكانٍ؛ قالَ البَغْوِيُّ: والمَوْرُ يَجْمَعُ هَذِهِ المَعانِيَ فَهو في اللُّغَةِ الذَّهابُ والمَجِيءُ والتَّرَدُّدُ والدَّوَرانُ والِاضْطِرابُ، قالَ الرّازِيُّ: وقِيلَ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ كالدُّخانِ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ.
﴿السَّماءُ﴾ الَّتِي هي سَقْفُ بَيْتِكُمُ الأرْضِ ﴿مَوْرًا﴾ أيِ اضْطِرابًا شَدِيدًا
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ﴾ أيْ تَنْتَقِلُ مِن أمْكِنَتِها انْتِقالَ السَّحابِ، وحَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيْرًا﴾ فَتَصِيرُ هَباءً (p-١٠)مَنثُورًا وتَكُونُ الأرْضُ قاعًا صَفْصَفًا.
ولَمّا حَقَّقَ العَذابَ وبَيَّنَ يَوْمَهُ، بَيَّنَ أهْلَهُ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ هي كَلِمَةٌ يَقُولُونَها لِمَن وقَعَ في الهَلاكِ، ومَعْناهُ حُلُولُ شَرٍّ فاضِحٍ يَكُونُ فِيهِ نُدْبَةٌ وتَفَجُّعٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ وهم مَن ماتَ عَلى نِسْبَةِ الصّادِقِينَ إلى الكَذِبِ.
52:12Page 523
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ قَدْ يَكُونُ في مَحَلِّهِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُ ما مَحَلُّهُ الصِّدْقُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ مِن بَيْنِ النّاسِ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿فِي خَوْضٍ﴾ أيْ أعْمالُهم وأقْوالُهم أعْمالُ الخائِضِ في ماءٍ، فَهو لا يَدْرِي أيْنَ يَضَعُ رِجْلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن دَهْشَةٍ بِهِمْ أوْ غَمٍّ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أمْرانِ مُوجِبانِ لِلْباطِلِ: الخَوْضُ واللَّعِبُ، فَهم بِحَيْثُ لا يَكادُ يَقَعُ لَهم قَوْلٌ ولا فِعْلٌ في مَوْضِعِهِ، فَلا يُؤَسَّسُ عَلى بَيانٍ أوْ حُجَّةٍ.
52:13Page 523
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
ولَمّا صَوَّرَ تَكْذِيبَهم بِأشْنَعِ صُورَةٍ، بَيَّنَ ويْلَهم بِبَيانِ ظَرْفِهِ وما يُفْعَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أيْ يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ وغِلْظَةٍ مِن كُلِّ ما يُقِيمُهُ اللَّهُ لِذَلِكَ، ذاهِبِينَ ومُنْتَهِينَ ﴿إلى نارِ جَهَنَّمَ﴾ وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقاهم بِالعُبُوسَةِ والكَراهَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وأكَّدَ المَعْنى وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَعًّا﴾ (p-١١)قالَ البَغْوِيُّ: وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يُعْلُونَ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ ثُمَّ يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ، مَقُولًا لَهم تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا:
52:14Page 523
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
﴿هَذِهِ النّارُ﴾ أيِ الجِسْمُ المُحْرِقُ المُفْسِدُ لِما أتى عَلَيْهِ، الشّاغِلُ عَنِ اللَّعِبِ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ﴾ بِجِبِلّاتِكُمُ الفاسِدَةِ. ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِها في أقْصى دَرَجاتِ التَّكْذِيبِ، وكانَ سَبَبًا لِكُلِّ تَكْذِيبٍ، كانَ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِلظَّرْفِ إشارَةً إلى ذَلِكَ،
﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا عَلى التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.
52:15Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
ولَمّا كانُوا يَقُولُونَ عِنادًا: إنَّ القُرْآنَ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ سِحْرٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الوَعِيدِ قَوْلَهُ مُبَكِّتًا مُوَبِّخًا مُتَهَكِّمًا: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ أيِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ مَعَ هَذا الإحْراقِ الَّذِي تُصْلَوْنَ مِنهُ ﴿أمْ أنْتُمْ﴾ في مَنامٍ ونَحْوِهِ ﴿لا تُبْصِرُونَ﴾ بِالقُلُوبِ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الدُّنْيا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ولا بِالأعْيُنِ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْمُنْذِرِينَ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] أيْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ مَعَ إحْراقِهِ لَهم كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ أيْ هَلْ تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَقُولُوا إنَّكم لا تُبْصِرُونَ المُخْبَرَ عَنْهُ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الخَبَرِ كَذِبًا وفُجُورًا، ثُمَّ يُقالُ لَهم بَعْدَ هَذا التَّبْكِيتِ الَّذِي يَقْطَعُ بِأنَّ جَوابَهم يَكُونُ بِأنْ يَقُولُوا: لا وعِزَّةِ رَبِّنا ما هو بِسِحْرٍ ولا خَيالٍ، بَلْ هو حَقِيقَةٌ، (p-١٢)ونَحْنُ في غايَةِ الإبْصارِ عَلى سَبِيلِ الإخْزاءِ، والِامْتِهانِ والإذْلالِ:
52:16Page 524
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
﴿اصْلَوْها﴾ أيْ باشِرُوا حَرَّها وقاسُوهُ وواصِلُوهُ كَما كُنْتُمْ تُواصِلُونَ أذى عِبادِي بِما يَحْرِقُ قُلُوبَهم ﴿فاصْبِرُوا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ تَكْذِيبِكم في الدُّنْيا ومُباشَرَتِكم لَها الآنَ أنْ يُقالَ لَكُمُ: اصْبِرُوا عَلى هَذا الَّذِي لا طاقَةَ لَكم بِهِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ فَإنَّهُ لا مَحِيصَ لَكم عَنْها ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ.
ولَمّا كانَ المَعْهُودُ أنَّ الصَّبْرَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا تَكُونُ المُصِيبَةُ إلّا عَلى وجْهِ الجَزاءِ الواجِبِ وُقُوعُهُ فَقالَ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ أيْ يَقَعُ جَزاؤُكُمُ الآنَ وفِيما يَأْتِي عَلى الدَّوامِ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ دائِمًا بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مَعَ الأوْلِياءِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِمْ، فَكانَ هَذا ثَمَرَةَ فِعْلِكم بِهِمْ.
52:17Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ مِنَ العَذابِ المُشارِ إلَيْهِ بِكَلِماتِ القَسَمِ، أتْبَعَهُ ما لِأضْدادِهِمْ مِنَ الثَّوابِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ أيْضًا بِتِلْكَ الكَلِماتِ لِيُتِمَّ الخَبَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما لِمَن عاداهم فِيكَ؟ مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَتِ التَّقْوى لَهم صِفَةً راسِخَةً ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ دائِمًا في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ.
ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ رُبَّما يَشْقى داخِلُها أوْ صاحِبُها، نَفى هَذا بِقَوْلِهِ: (p-١٣)﴿ونَعِيمٍ﴾ أيْ نَعِيمٍ في العاجِلِ، يَعْنِي بِما هم فِيهِ مِنَ الأُنْسِ، والآجِلِ بِالفِعْلِ، وزادَ في تَحْقِيقِ التَّنَعُّمِ بِقَوْلِهِ:
52:18Page 524
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
﴿فاكِهِينَ﴾ أيْ مُعْجَبِينَ مُتَلَذِّذِينَ ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَهم بِعَمَلِهِمْ بِالطّاعاتِ إلى أنْ أوْصَلَهم إلى هَذا النَّعِيمِ، فَهو لِأنَّ عَظَمَتَهُ مِن عَظَمَتِهِ لا يُبْلَغُ كُنْهُ وصْفِهِ. ولَمّا كانَ المُتَنَعِّمُ قَدْ تَكُونُ نِعْمَتُهُ بَعْدَ عَذابٍ، فَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿ووَقاهُمْ﴾ أيْ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُتَفَضِّلُ بِتَرْبِيَتِهِمْ بِكَفِّهِمْ عَنِ المَعاصِي والقاذُوراتِ ﴿عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدِ.
52:19Page 524
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
ولَمّا كانَ مَن باشَرَ النِّعْمَةَ وجانَبَ النِّقْمَةَ في هَناءٍ عَظِيمٍ، قالَ مُتَرْجِمًا لِذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ أكْلًا هَنِيئًا ﴿واشْرَبُوا﴾ شُرْبًا ﴿هَنِيئًا﴾ أيْ لا نَقْصَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ هَنَأْتُمْ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ ما تَتَناوَلُونَهُ مَأْمُونُ العاقِبَةِ مِنَ التُّخَمَةِ والسَّقَمِ ونَحْوِها ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَتّى كَأنَّهُ طَبْعٌ لَكم.
52:20Page 524
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَخْدُومًا، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ مُسْتَنِدِينَ اسْتِنادَ راحَةٍ، لِأنَّهم يُخْدَمُونَ فَلا حاجَةَ لَهم إلى الحَرَكَةِ ﴿عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ أيْ مَنصُوبَةٍ واحِدًا إلى جَنْبِ واحِدٍ، مُسْتَوِيَةٍ كَأنَّها السُّطُورُ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ وأبْدَعِهِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: والصِّفَةُ: مَدُّ الشَّيْءِ عَلى الوَلاءِ. ولَمّا كانَ السُّرُورُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّنَعُّمِ بِالنِّساءِ قالَ: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ أيْ تَزْوِيجًا يَلِيقُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. (p-١٤)ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الدّارُ غَنِيَّةً عَنِ الأسْبابِ، فَكانُوا غَنِيِّينَ عَنِ العَقْدِ، قالَ مُشِيرًا بِالباءِ إلى صَرْفِ الفِعْلِ عَنْ ظاهِرِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ بِمَعْنى النِّكاحِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، وتَضْمِينِ الفِعْلِ ”قَرَنّاهُمْ“ أيْ جَعَلْناهم أزْواجًا مَقْرُونِينَ ﴿بِحُورٍ﴾ أيْ نِساءٍ هُنَّ في شِدَّةِ بَياضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِها واسْتِدارَةِ حَدَقَتِها ورِقَّةِ جُفُونِها في غايَةٍ لا تُوصَفُ ﴿عِينٍ﴾ أيْ واسِعاتِ الأعْيُنِ في رَوْنَقٍ وحُسْنٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences