Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:32–53
53:32Page 527
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
ولَمّا وعَدَ الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الإحْسانَ، وصَفَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم ويُجْهِدُونَها عَلى أنْ يَتْرُكُوا ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ ما عَظَّمَ الشّارِعُ إثْمَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِالوَعِيدِ والحَدِّ، وعَطَفَ عَلى ”﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾“ قَوْلَهُ: ﴿والفَواحِشَ﴾ والفاحِشَةُ مِنَ الكَبائِرِ ما يَكْرَهُهُ الطَّبْعُ ويُنْكِرُهُ العَقْلُ ويَسْتَخِسُّهُ.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا التَّقْيِيدُ أنَّ مَن خالَطَ ما دُونَ فَما دُونَ كانَ مَغْفُورًا لَهُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنَّ ﴿اللَّمَمَ﴾ مَعْفُوٌّ، فَمَن خالَطَهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِدادِ مَن أحْسَنَ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ولَعَلَّهُ وضَعَ فِيهِ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”لَكِنَّ“ إشارَةً إلى الصَّغِيرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِاسْتِهانَتِهِ مَثَلًا كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] واللَّمَمُ هو صِغارُ الذُّنُوبِ، والمُرادُ هُنا ما يَحْصُلُ مِنها في الأحْيانِ كَأنَّهُ وقَعَ في صاحِبِهِ فَلْتَةً بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهُ، لا ما يُتَّخَذُ عادَةً أوْ يَكْثُرُ حَتّى يَصِيرَ كالعادَةِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ مُقارَبَةُ الذَّنْبِ ثُمَّ الِامْتِناعُ مِنهُ قَبْلَ الفِعْلِ، قالَ ذُو النُّونِ: ذِكْرُ الفاحِشَةِ مِنَ العارِفِ كَفِعْلِها مِن غَيْرِهِ - انْتَهى. يُقالُ: وألَمَّ بِالمَكانِ - إذا قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وقالَ البَغْوِيُّ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ أبُو صالِحٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّمَمِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ (p-٦٨)ثُمَّ لا يُعاوِدُهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْها مَلَكٌ كَرِيمٌ، ثُمَّ قالَ البَغْوِيُّ: فَأصْلُ اللَّمَمِ والإلْمامِ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، ولا يَكُونُ لَهُ إعادَةٌ ولا إقامَةٌ عَلَيْهِ - انْتَهى - وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.
ولَمّا كانَ المُلُوكُ لا يَغْفِرُونَ لِمَن تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهُ إلَيْهِمْ وإنْ صَغُرَتْ، فَكانَ السّامِعُ يَسْتَعْظِمُ أنْ يَغْفِرَ مَلِكُ المُلُوكِ سُبْحانَهُ مِثْلَ هَذا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ والتَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِكَ ﴿واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ فَهو يَغْفِرُ الصَّغائِرَ حَقًّا أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ويَغْفِرُ الكَبائِرَ إنْ شاءَ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ فَإنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ ما أمْكَنَهُ أتْباعُهُ، ولَوْ جاهَدَ حَتّى تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ في وقْتٍ فَسَدَتْ مَمْلَكَتُهُ فَأدّى ذَلِكَ إلى زَوالِ المُلْكِ مِن يَدِهِ أوِ اخْتِلالِهِ.
ولَمّا وصَفَ الَّذِينَ أحْسَنُوا فَكانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّهُ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ إلّا بِأفْعالِهِمْ، ورُبَّما قَطَعَ مَن عَمِلَ بِمَضْمُونِ الآيَةِ أنَّهُ مِمَّنْ أحْسَنَ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ بِذَواتِكم وأحْوالِكم مِنكم بِأنْفُسِكم ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ ابْتِداءً ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ الَّتِي طَبْعُها طَبْعُ المَوْتِ: البَرْدُ واليُبْسُ بِإنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها وتَهْيِئَتِكم لِلتَّكْوِينِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيكم تَقْوِيَةٌ قَرِيبَةٌ ولا بَعِيدَةٌ أصْلًا يُمَيِّزُ الثَّوابَ الَّذِي يَصْلُحُ لِتَكَوُّنِكم مِنهُ والَّذِي لا يَصْلُحُ ﴿وإذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ أيْ مَسْتُورُونَ. (p-٦٩)ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَكُونُ في بَطْنِ الأرْضِ وإنْ كانَ الجَنِينُ مَعْرُوفًا لِلطِّفْلِ في البَطْنِ، حَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مُزِجَ بِذَلِكَ التُّرابِ البارِدِ اليابِسِ الماءُ والهَواءُ، فَنَشَأتِ الحَرارَةُ والرُّطُوبَةُ، فَكانَتْ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأخْلاطُ الزَّكِيَّةُ والدَّنِيَّةُ، ولَكِنْ لا عِلْمَ لَكم أصْلًا، فَهو يَعْلَمُ إذْ ذاكَ ما أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإنْ عَمِلْتُمْ مُدَّةً مِنَ العُمْرِ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما جَبَلَكم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إلّا ما يَكُونُ في أنْفُسِكم حالَ كَوْنِهِ أنَّكم لا تُحِيطُونَ بِهِ إذْ ذاكَ عِلْمًا.
ولَمّا كانَ مِن عادَةِ مَن سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ أنْ يَفْتَخِرَ عَلى مَن قارَفَها لِما بُنِيَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الفَخْرِ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، وكانَ حالُهُ قَدْ يَتَبَدَّلُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَشْقى، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا﴾ أيْ تَمْدَحُوا بِالزَّكاةِ وهو البَرَكَةُ والطَّهارَةُ عَنِ الدَّناءَةِ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ حَقِيقَةً بِأنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ فَإنَّ تَزْكِيَتَهُ لِنَفْسِهِ مِن عَلاماتِ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ - قالَ القُشَيْرِيُّ - أوْ مَجازًا بِأنْ يُثْنِيَ عَلى غَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُثْنِي بِشَيْءٍ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، ورُبَّما حَصَلَ لَهُ الأذى بِسَبَبِهِ «وإنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا باعٌ أوْ ذِراعٌ» الحَدِيثُ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ أيْ مِنكم ومِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى حَصَلَ فِيهِ تَقْوى، فَهو يُوصِلُهُ فَوْقَ ما يُؤَمِّلُ مِنَ الثَّوابِ في الدّارَيْنِ، فَكَيْفَ بِمَن صارَتْ لَهُ التَّقْوى وصْفًا ثابِتًا.
ولَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَمَّنْ تَوَلّى عَنِ التَّشَرُّفِ بِذِكْرِ المَلِكِ (p-٧٠)الأعْظَمِ واللِّجاءِ إلَيْهِ، ونَهى عَنِ التَّزْكِيَةِ لِلْجَهْلِ بِالعَواقِبِ، وكانَ قَدِ ارْتَدَّ ناسٌ عَنِ الإسْلامِ، كانَ سَبَبُ ارْتِدادِهِمْ إخْبارَهُ ﷺ عَنْ بَعْضِ ما رَأى مِنَ الآياتِ الكُبْرى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ سَجْدَةُ النَّجْمِ وسَجَدَ فِيها ﷺ سَجَدَ مَعَهُ - كَما في البُخارِيِّ - المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ، ولَمْ يَكُنْ في ظَنِّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ انْقِلابُهم عَلى أدْبارِهِمْ بَعْدُ حَتّى ولا في ظَنِّ المُرْتَدِّينَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ﴿الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِنا بَعْدَ أنْ كانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ، يَظُنُّ هو وأهْلُهُ أنَّهُ عَرِيقٌ في أهْلِهِ بِإيمانِهِ وأعْمالِهِ في أيّامِ إيمانِهِ
﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ ذَلِكَ العَطاءَ عَلى مَكْدِهِ وقِلَّتِهِ وأبْطَلَهُ وأفْسَدَهُ فَصارَ كالحافِرِ الَّذِي وصَلَ في حَفْرِهِ إلى كُدْيَةٍ، يُقالُ لِحافِرِ البِئْرِ: أجْبَلَ - إذا وصَلَ إلى جَبَلٍ، وأكْدى - إذا وصَلَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَفاةٍ عَظِيمَةٍ شَدِيدَةٍ لا تَعْمَلُ فِيها المَعاوِلُ، فَصارَ لا يَقْدِرُ مَعَها عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِيها بِشَيْءٍ مِن حِيَلِهِ، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا صادَفَ التُّرابَ اللَّيِّنَ يَظُنُّ أنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ مِمّا يُرِيدُ، فَهَذا دَلِيلٌ خَبَرِيٌّ شُهُودِيٌّ عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِما حَباهُ اللَّهُ في نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ، قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِتَعْيِيرِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ لَهُ، وقَوْلِهِ لَهُ ”ارْجِعْ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ العَذابَ“ وهي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنِ ارْتَدَّ ظاهِرًا أوْ نافَقَ أوِ انْهَمَكَ في المَعاصِي بَعْدَ (p-٧١)إيمانِهِ مُعْرِضًا عَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
53:35Page 527
أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥
Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1
ولَمّا كانَ هَذا - وقَدْ وقَعَ في خَطَرٍ عَظِيمٍ مِن إفْسادِ العَمَلِ في الماضِي وتَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ فَصارَ عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أحَدِهِما - يَتَعَلَّقُ بِأصْلِ الدِّينِ: الكُفْرِ والإيمانِ، وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ بِنَفْسِهِ إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ، قالَ تَعالى مُوَبِّخًا لَهُ مُقَرِّعًا: ﴿أعِنْدَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿عِلْمُ الغَيْبِ﴾ أيْ كُلِّهِ بِحَيْثُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ يُمْكِنُ أنْ يُخْفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ﴿يَرى﴾ أيِ الرُّؤْيَةَ الكامِلَةَ فَيَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَنْفَعُهُ فَيَرْتَكِبُهُ وجَمِيعَ ما يَضُرُّهُ فَيَجْتَنِبُهُ ويَعْلَمُ أنَّ هَذا القَلِيلَ الَّذِي أعْطاهُ قَدْ قُبِلَ وأمِنَ بِهِ مِنَ العَطَبِ فاكْتَفى بِهِ.
53:36Page 527
أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦
Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses
ولَمّا كانَ الغَبِيُّ قَدْ يَظُنُّ أنَّ عَمَلَ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ، عَبَّرَ عَنْهُ جامِعًا لِلْوَعْظِ والتَّهْوِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أيْ يُخْبَرْ إخْبارًا عَظِيمًا مُتَتابِعًا ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ أيِ التَّوْراةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ بِإنْزالِها عَلَيْهِ وكَذا ما يَتْبَعُها مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهُ بِتَقْرِيرِها.
ولَمّا قَدَّمَ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ كِتابٍ بَعْدَ القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ مَوْجُودٌ بَيْنَ النّاسِ يُمْكِنُ مُراجَعَتُهُ، قالَ: ﴿وإبْراهِيمَ﴾ ومَدَحَهُ بِقَوْلِهِ دالًّا بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ عَلى غايَةِ الوَفاءِ: ﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ أتَمَّ ما أُمِرَ بِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ وما قَلِقَ شَيْئًا مِن قَلَقٍ، وكانَ أوَّلَ مَن هاجَرَ قَوْمَهُ وصَبَرَ عَلى حَرِّ ذَبْحِ الوَلَدِ وكَذا عَلى حَرِّ النّارِ ولَمْ يَسْتَعِنْ بِمَخْلُوقٍ، وخَصَّ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ لِأنَّ المُدَّعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ اليَهُودَ (p-٧٢)والنَّصارى يَدَّعُونَ مُتابَعَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ العَرَبِ يَدَّعُونَ مُتابَعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن عَداهم لا مُتَمَسَّكَ لَهم ولا سَلَفَ في نُبُوَّةٍ مُحَقَّقَةٍ ولا شَرِيعَةٍ مَحْفُوظَةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الَّذِي في الصُّحُفِ أوِ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ:
53:38Page 527
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨
That no bearer of burdens will bear the burden of another
﴿ألا تَزِرُ﴾ أيْ تَأْثَمُ وتَحْمِلُ ﴿وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَكُونُ فِيهِ حامِلَةً ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ حِمْلَها الثَّقِيلَ مِنَ الإثْمِ، يَعْنِي فَمَن يَحْمِلُ عَنْهُ إثْمَ أحَدِ الشِّقَّيْنِ الَّذِي لَزِمَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ آثِمًا وهُما قَبْلَ التَّوَلِّي وما بَعْدَهُ.
53:39Page 527
وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩
And that there is not for man except that [good] for which he strives
ولَمّا نَفى أنْ يَضُرَّهُ إثْمُ غَيْرِهِ نَفى أنْ يَنْفَعَهُ سَعْيُ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ﴾ كائِنًا مَن كانَ ﴿إلا ما سَعى﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ في أيِّ جِهَةٍ فَيَسْعى، ودُعاءُ المُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِ سَعْيُهُ بِمُوادَدَتِهِ لَهم ولَوْ بِمُوافَقَتِهِ لَهم في الدِّينِ وكَذا الحَجُّ عَنْهُ والصَّدَقَةُ ونَحْوُهُما، وأمّا الوَلَدُ فَواضِحٌ في ذَلِكَ، وأمّا ما كانَ لِسَبَبِ العِلْمِ ونَحْوِهِما فَكَذَلِكَ، وتَضْحِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في عَزامَتِهِ أصْلٌ كَبِيرٌ في ذَلِكَ، فَإنَّ مَن تَبِعَهُ فَقَدْ وادَدَهُ، وهَذا أصْلٌ في التَّصَدُّقِ عَنِ الغَيْرِ وإهْداءُ ما لَهُ مِنَ الثَّوابِ في القِراءَةِ ونَحْوِها.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولا عَلَيْهِ إلّا ما عَمِلَ، وكانَ في الدُّنْيا قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ولا يَراهُ مِن فِعْلِهِ لِأجْلِهِ ولا غَيْرِهِ، نَفى أنْ يَكُونَ الآخِرَةُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ سَعْيَهُ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿سَوْفَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ شَكٍّ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ طالَ المَدى. (p-٧٣)ولَمّا كانَ الِاطِّلاعُ نَفْسُهُ مَرْضِيًّا أوْ مَخْزِيًّا لا بِالنِّسْبَةِ لِأحَدٍ بِعَيْنِهِ، بَناهُ لِلْمَجْهُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرى﴾
53:41Page 527
ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١
Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -
ولَمّا كانَ المَخُوفُ مِنهُ المُجازاةَ مُطْلَقًا لا مِن مُجازٍ مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ ولَمّا كانَ في هَذِهِ الدّارِ رُبَّما وقَعَتِ المُسامَحَةُ بِبَعْضِ الأشْياءِ والغَفْلَةُ عَنْ بَعْضِها، قالَ: ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ الإثْمَ الأكْمَلَ، إنْ كانَ خَيْرًا فَمَعَ المُضاعَفَةِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَعَلى السَّواءِ لِمَن أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، لَكِنَّهُ تَذْكِرَةٌ لَهُ.
ولَمّا كانَتْ رُؤْيَةُ الأعْمالِ لا تَقْطَعُ بِرُؤْيَةِ المُتَوَكِّلِينَ بِها مِنَ المَلائِكَةِ أوْ غَيْرِها مِمَّنْ أقامَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ، وكانَ الرّائِي كُلَّما كانَ أكْثَرَ كانَ الأمْرُ أهْوَلَ، وكانَ رُؤْيَةُ المَلِكِ الأعْظَمِ أخْوَفَ، قالَ عاطِفًا عَلى ”لا تَزِرُ“ مُبَيِّنًا بِحُرُوفِ الغايَةِ أنَّ الرّائِينَ لِلْأعْمالِ كَثِيرٌ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ لا غَيْرِهِ ﴿المُنْتَهى﴾ أيِ الِانْتِهاءَ بِرُجُوعِ الخَلائِقِ حِسًّا بِالبَعْثِ ومَعْنًى بِالعَمَلِ والعِلْمِ، وإسْنادِ الأُمُورِ وإرْسالِ الآمالِ، ومَكانِ رُجُوعِهِمْ وزَمانِهِ كَما كانَ مِنهُ المُبْتَدَأُ، أكَّدَ ذَلِكَ خَلْقًا لِذَلِكَ كُلِّهِ وحِسابًا عَلَيْهِ، رَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ «لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ» قالَ: ومِثْلُ هَذا ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ» ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «لا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ فَإنَّكم لَنْ تَقْدُرُوا قَدْرَهُ»، هَذا هو (p-٧٤)المُرادُ وهو واضِحٌ، فَمَن أوَّلَ الآيَةَ بِاتِّحادٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإلْحادِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وعَلى الذّابِّ عَنْهُ والسّاكِتِ عَنْهُ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الأُمُورَ الِاخْتِيارِيَّةَ وقَدَّمَها لِأنَّها مَحَطٌّ لِلْبَلاءِ وسَلَبَ عِلْمَها عَنْ أصْحابِها، وحَذَّرَ مِن عاقِبَتِها بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وكانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ القادِرُ لا غَيْرُهُ والعالِمُ لا غَيْرُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ذاكِرًا لِلْأُمُورِ الِاضْطِرارِيَّةِ الَّتِي هي في غايَةِ التَّنافِي إكْمالًا لِلدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في النُّفُوسِ دُونَ أصْحابِها وغَيْرِهِمْ وأنَّهُ إلَيْهِ المُنْتَهى إعادَةً وإبْداءً، يُوقِفُ ما يَشاءُ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُفْعَلُ بِإذْنِهِ مِنَ الضَّحِكِ أوِ البُكاءِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمُورِ المُنافِيَةِ الَّتِي لَوْلا الإلْفُ لَها لَقَضى الإنْسانُ أنَّ المُتَلَبِّسَ بِأحَدِهِما لا يَتَلَبَّسُ بِضِدِّهِ أصْلًا مِن غَيْرِها ﴿وأنَّهُ﴾ ولَمّا كانَتِ التَّأْثِيراتُ الإدْراكِيَّةُ تُحالُ عَلى أسْبابِها، أكَّدَ الكَلامَ فِيها فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ قَبْلَ وقْتِ الضَّحِكِ أوِ البُكاءِ أنَّهُ يَضْحَكُ أوْ يَبْكِي ولا أنَّهُ يَأْتِيهِ ما يُعْجِبُهُ أوْ يُحْزِنُهُ، ولَوْ قِيلَ لَهُ حالَةَ الضَّحِكِ أنَّهُ بَعْدَ ساعَةٍ يَبْكِي لَأنْكَرَ ذَلِكَ، ورُبَّما أدْرَكَهُ ما أبْكاهُ وهو في الضَّحِكِ وبِالعَكْسِ.
ولَمّا كانَتِ الإماتَةُ والإحْياءُ أعْظَمَ تَنافِيًا بِما مَضى، فَكانَتِ القُدْرَةُ عَلى إيجادِها في الشَّخْصِ الواحِدِ أعْظَمَ ما يَكُونُ، وكانَ رُبَّما نُسِبَ إلى مَن قَتَلَ أوْ داوى مِن مَرَضٍ أوْ أطْلَقَ مَن وجَبَ قَتْلُهُ، أكَّدَ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ. ولَمّا كانَ الإلْباسُ في المَوْتِ أكْبَرَ، وكانَ المَوْتُ أنْسَبَ لِلْبُكاءِ، والإحْياءُ أنْسَبَ لِلضَّحِكِ، وكانَ طَرِيقُ النَّشْرِ المُشَوَّشِ (p-٧٥)أفْصَحَ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿أماتَ وأحْيا﴾ وإنْ رَأيْتُمْ أسْبابًا ظاهِرِيَّةً فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِها أصْلًا في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ هو الَّذِي خَلَقَها.
53:45Page 528
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥
And that He creates the two mates - the male and female -
ولَمّا كانَ ذِكْرُ الإحْياءِ، وكانَ تَصْنِيفُ الوَلَدِ إلى نَوْعَيْهِ ظاهِرًا في اخْتِصاصِهِ، بَلْ وهو في غايَةِ التَّعَذُّرِ عَلى مَن سِواهُ، أعْراهُ عَنْ مِثْلِ التَّأْكِيدِ في الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ لَمَنَعَ البَناتِ لِأنَّها مَكْرُوهَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَظْهَرُ ولا بُدَّ أنَّهُ مِن صُنْعِهِ فَتَسَبَّبَ أنَّ مادَّةَ الِاثْنَيْنِ واحِدَةٌ وهو الماءُ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ امْتِزاجًا فَقالَ:
﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ وصَوَّرَ كَوْنَها مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿إذا تُمْنى﴾ أيْ تُراقُ وتُدْفَقُ بِالفِعْلِ لا قَبْلَ ذَلِكَ لِيُمْكِنَ فِيهِ طَعْنٌ بِأنَّهُ كانَ بَدْءًا أوْ غَيْرَهُ بَلْ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُخْلَقُ الوَلَدُ إلّا بَعْدَ الإمْناءِ بِالفِعْلِ، وخَرَجَ أصْلُهُ ما يُمَكِّنُ خَلْقًا مِن خَلْقِ اللَّهِ أنْ يَعْرِفَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ أهُوَ صالِحٌ لِلْأُنْثى فَقَطْ أوْ لِلذَّكَرِ فَقَطْ أوْ لَهُما أوْ لِلْأشْكالِ بِالخُنُوثَةِ.
53:47Page 528
وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧
And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.
ولَمّا ساقَ هَذِهِ الأشْياءَ دَلِيلًا عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ فَلَزِمَها أنْ دَلَّتْ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ، وخَتَمَها بِالنَّشْأةِ الأُولى فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ الإقْرارُ حَتْمًا بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ، عَبَّرَ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ عَلى جَمِيعِ ألْسِنَةِ رُسُلِهِ صارَ واجِبًا عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، لا غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَأْكِيدًا لَهُ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَلَيْهِ﴾ أيْ خاصًّا بِهِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿النَّشْأةَ﴾ أيِ الحَياةَ وهو مَمْدُودٌ لِابْنِ (p-٧٦)كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ومَقْصُورٌ لِغَيْرِهِما مَصْدَرُ نَشَأ - إذا حَنى ورَبّى وسَنَّ ﴿الأُخْرى﴾ أيِ الَّتِي يَنْشَأُ بِها الخَلْقُ بَعْدَ أنْ يُمِيتَهم.
ولَمّا كانَ الغِنى والفَقْرُ مِنَ الأُمُورِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الِاخْتِيارِيَّةِ والِاضْطِرارِيَّةِ لَهُ بِكُلِّ الأمْرَيْنِ لِسَبَبٍ وكانَ مَقْسُومًا بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ بِحِكْمَةٍ رَبّانِيَّةٍ لا يَنْفَعُ الذَّكَرَ فِيها قُوَّتُهُ ولا يَضُرُّ الأُنْثى ضَعْفُها، وكانَ ذِكْرُ النَّشْأةِ الآخِرَةِ كالمُعْتَرِضِ إنَّما أوْجَبَ ذِكْرَ النَّشْأةِ الأُولى، تَعَقَّبَ ذِكْرَهُما بِهِ وكانَ ذِكْرُ الغِنى مَعَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الفَقْرِ ألْيَقَ بِالِامْتِنانِ، والنِّسْبَةُ إلى الرَّبِّ، وكانَ الغِنى الحَقِيقِيُّ إنَّما يَكُونُ في تِلْكَ الدّارِ، أخَّرَ ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما نُسِبَ إلى السَّعْيِ وغَيْرِهِ، أكَّدَ بِالفِعْلِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سَعْيِ ساعٍ ولا غَيْرِهِ ﴿أغْنى﴾ ولَمّا كانَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إنَّما هو غِنى النَّفْسِ، وهو رِضاها بِما قُسِمَ لَها وسُكُونُها وطُمَأْنِينَتُها، وإنَّما سُمِّيَ ذُو المالِ غَنِيًّا لِأنَّ المالَ بِحَيْثُ تَطْمَئِنُّ مَعَهُ النَّفْسُ، فَمَن كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَسَمَ اللَّهُ بِهِ فَهو غَنِيٌّ، وهو في الجِنانَةِ مَغْنِيٌّ وإنْ كانَ في الدُّنْيا ﴿وأقْنى﴾ أيْ أمْكَنَ مِنَ المالِ وأرْضى بِجَمِيعِ الأحْوالِ قالَ البَغْوِيُّ: أعْطى أُصُولَ المالِ وما يُدَّخَرُ بَعْدَ الكِفايَةِ، قالَ: وقالَ الأخْفَشُ أقْنى أفْقَرَ - انْتَهى. ونَقَلَ الأصْبَهانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أبِي زَيْدٍ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ ويُقالُ، أفْناهُ بِكَذا أرْضاهُ، وأقْناهُ الصَّدُّ: أمْكَنَهُ مِنهُ.
ولَمّا كانَتِ الشِّعْرى لِأنَّها تَقْطَعُ السَّماءَ عَرْضًا أدَلَّ النُّجُومِ بَعْدَ تَمامِ (p-٧٧)القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ مَعَ أنَّها مِمّا دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ الجِنْسِ المُقْسَمِ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ، وهي لِمُرُورِها في سَيْرِها عَرْضًا عَلى جَمِيعِ المَنازِلِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تُسْتَمْطَرُ بِها وتُنْسَبُ بِالإتْيانِ بِالحَدِّ المُوجِبِ لِلْغِنى إلَيْها كانَتْ قَدْ عَبَدَها مِن دُونِ اللَّهِ أبُو كَبْشَةَ الخُزاعِيُّ لِكَوْنِها عِنْدَهُ أجَلَّ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى دالًّا بِالتَّأْكِيدِ عَلى سَفاهَةِ مَن عَبَدَها: ﴿وأنَّهُ هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿رَبُّ الشِّعْرى﴾ أيِ الكامِلَةِ في مَعْناها وهي العُبُورُ، وأهْلُ عِلْمِ النُّجُومِ يَقُولُونَ، إنَّ الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ المَنسُوبَةَ إلَيْها أصَحُّ ما يُنْسَبُ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، وهي نَجْمٌ يُضِيءُ خَلْفَ الجَوْزاءِ، ويُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وسُمِّيَتِ الجَوْزاءُ بِالجَبّارِ تَشْبِيهًا لَها بِمَلِكٍ عَلى كُرْسِيِّهِ وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: هي أحَدُ كَوْكَبَيْ ذِراعَيِ الأسَدِ، وقالَ ابْنُ القاصِّ في كِتابِ دَلائِلِ القِبْلَةِ: وتُرى عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ نَيِّرَةً زائِدًا نُورُها عَلى نُورِ سائِرِ الكَواكِبِ حَوْلَها، وقَدْ طَمَسَ الصُّبْحُ نُورَ سائِرِ الكَواكِبِ، وأمّا الشِّعْرى الأُخْرى فَهي الغُمَيْصاءُ - بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والصّادِ المُهْمَلَةِ - فَهي أقَلُّ نُورًا مِنها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الغُمَيْصاءَ، وقالَ القَزّازُ في جامِعِهِ: وقِيلَ: بَكَتْ عَلى أُخْتِها فَغَمِصَتْ عَيْنُها، أيْ غارَتْ وذَهَبَتْ.
53:50Page 528
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِأُمُورِ الخافِقَيْنِ: العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا إلى الإقْبالِ عَلى ما يُرْضِيهِ، وناهِيًا عَنِ الإلْمامِ بِما يُسْخِطُهُ، شَرَعَ في التَّهْدِيدِ لِمَن وقَفَ عَنْ ذَلِكَ بِما وقَعَ في مَصارِعِ الأوَّلِينَ مِن عَجائِبِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا﴾ ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِأنَّهُ لَمْ يُدَّعَ في أحَدٍ غَيْرِهِ إهْلاكُهُمْ، وهَوَّلَ أمْرَهم بِقَوْلِهِ: (p-٧٨)﴿الأُولى﴾ أيِ القُدَماءَ في الزَّمانِ جِدًّا دَلالَةً عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وقَدَّمَهم لِأنَّ الشَّرَّ أتاهم مِن حَيْثُ ظَنُّوهُ خَيْرًا وجَزَمُوا بِأنَّهُ مِنَ الأنْواءِ النّافِعَةِ الَّتِي كانَتْ عادَتُهُمُ اسْتِمْطارَها، وقِيلَ: إنَّ عادًا قَبِيلَتانِ: والأُولى قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأُخْرى إرَمُ ذاتُ العِمادِ - قالَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ القُشَيْرِيُّ، قالَ البَغْوِيُّ: وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وعادًا الأُولى هُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] وإنَّما قِيلَ لَهم عادًا الأُولى لِأنَّ بَنِي لُقْيَمِ بْنِ هَزّالٍ هَزِيلِ بْنِ عَنْبَلَ بْنِ عادٍ كانُوا أيّامَ أرْسَلَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ عَذابَهُ سُكّانًا بِمَكَّةَ مَعَ إخْوانِهِمْ مِنَ العَمالِقَةِ ولَدِ عِمْلِيقِ بْنِ لاوِذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُصِبْهم مِنَ العَذابِ ما أصابَ قَوْمَهُ وهم عادٌ الأُخْرى، ثُمَّ هَلَكُوا بَعْدَ بَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَتَفانَوْا، وقالَ غَيْرُ ابْنِ جَرِيرٍ: إنَّ إرَمَ هم عادٌ الأُخْرى، وعَطَفَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ:
﴿وثَمُودَ﴾ أيْ أهْلَكَهم ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الإهْلاكِ قَوْلَهُ: ﴿فَما أبْقى﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أحَدًا، ومَن قالَ: إنَّ عادًا قَبِيلَتانِ جَعَلَ عَدَمَ الإبْقاءِ خاصًّا بِثَمُودَ، وقِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ ويَعْقُوبَ بِمَنعِ الصَّرْفِ نَصٌّ في أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالصَّرْفِ أنْسَبُ لِلْإهْلاكِ والإعْدامِ.
53:52Page 528
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
ولَمّا قَدَّمَ مَن كانَ إهْلاكُهم بِنَفْسِ الرِّيحِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الأمْطارِ الآتِيَةِ لَهم في السَّحابِ، وأتْبَعَهم مَن إهْلاكُهم بِها بِحَمْلِها لِلصَّيْحَةِ وإرْجافِها (p-٧٩)بِهِمْ، أتْبَعَهم مَن كانَ إهْلاكُهم بِالماءِ الَّذِي هو غايَةُ السَّحابِ فَقالَ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ أهْلَكَهم لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ، ولَمّا كانَ إهْلاكُهم في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ الفَرِيقَيْنِ فَصارَ في الكَلامِ تَهْوِيلانِ يَهُزّانِ القَلْبَ ويَفْعَلانِ في النَّفْسِ: وصْفُ هَؤُلاءِ بِالقَبِيلَتَيْنِ وأُولَئِكَ بِالأُولى، ولَوْلا تَقْدِيمُهم ما كانَ هَذا، وعَلَّلَ هَلاكَهم بِما يُؤْذِنُ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ وقَلِيلٍ وكَثِيرٍ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ما اشْتَهَرَ مِن طُغْيانِ عادٍ يُوجِبُ أنَّهم أطْغى النّاسِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما لَهم مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي هي كالجِبالِ الَّتِي لا انْفِكاكَ عَنْها ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أظْلَمَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ ﴿وأطْغى﴾ أيْ وأشَدَّ تَجاوُزًا في الظُّلْمِ وعُلُوًّا وإسْرافًا في المَعاصِي وتَجَبُّرًا وعُتُوًّا لِتَمادِي دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأنَّهم أطْوَلُ أعْمارًا وأشَدُّ أبْدانًا، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ مِلْءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفِرَقِ الثَّلاثَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ الهَلاكَ بِالرِّيحِ العاصِفَةِ النّاشِئَةِ عَنْها ثُمَّ بِالماءِ النّاشِئِ عَنِ السَّحابِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ، ذَكَرَ الإهْلاكَ بِالرِّيحِ والنّارِ والماءِ إعْلامًا بِأنَّهُ الفاعِلُ وحْدَهُ بِما أرادَ مِنَ العَذابِ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي سَبَبُ الحَياةِ مُجْتَمِعَةً ومُنْفَرِدَةً، فَقالَ مُقَدِّمًا عَنِ العامِلِ إعْلامًا بِالتَّخْصِيصِ بِما ذَكَرَ مِنَ العَذابِ إفادَةً بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعَذِّبْ فِرْقَةً بِما عَذَّبَ بِهِ الأُخْرى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ أيِ المُدُنَ المُقَلَّبَةَ عَنْ وُجُوهِها إلى أقْفائِها بِقُدْرَةٍ جَعَلَتْها مِن شِدَّتِها وعَظَمَتِها كَأنَّها انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها مِن غَيْرِ قالِبٍ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَتَّقَها مِنَ الأرْضِ فَفَتَقَها ثُمَّ دَفَعَها في الهَواءِ إلى عَنانِ السَّماءِ ثُمَّ (p-٨٠)قَلَبَها وأتْبَعَها حِجارَةَ النّارِ الكِبْرِيتِيَّةَ وغَمَرَها بِالماءِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مِياهِ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْوى﴾ أيْ رَفَعَ وحَطَّ وأنْزَلَ، فَكانَ الإنْزالُ إهْواءً حَقِيقِيًّا، والرَّفْعُ مَجازِيًّا لِأنَّهُ سَبَبُهُ وهي مُدُنُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى الحِجارَةِ والماءِ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الإهْواءِ ومُعَقِّبًا لَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences