Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:27–47
54:27Page 529
إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧
Indeed, We are sending the she-camel as trial for them, so watch them and be patient.1
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ فَصَلَ الأمْرَ بَيْنَهُمْ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى عِلْمِ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى مُسْتَأْنِفًا دالًّا بِأنَّهم طالَبُوهُ بِآيَةٍ دالَّةٍ عَلى صِدْقِهِ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ أيْ: مُوجِدُوها ومُخْرِجُوها كَما اقْتَرَحُوا مِن حَجَرٍ أهَّلْناهُ لِذَلِكَ وخَصَّصْناهُ مِن بَيْنِ الحِجارَةِ دَلالَةً عَلى إرْسالِنا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ: مُخَصِّصِينَ لَهُ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: نُرِيدُ أنْ نَعْرِفَ المُحِقَّ مِنّا بِأنْ نَدْعُوَ آلِهَتَنا وتَدْعُوَ إلَهَكَ فَمَن أجابَهُ إلَهُهُ عُلِمَ أنَّهُ المُحِقُّ، فَدَعَوْا أوْثانَهم فَلَمْ تُجِبْهُمْ، فَقالُوا: ادْعُ أنْتَ، فَقالَ: فَما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: تَخْرُجُ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةٌ تَبْعَرُ عُشَراءُ، فَأجابَهم إلى ذَلِكَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ وأكَّدُوا فَكَذَبُوا بَعْدَ ما كَذَبُوا في أنَّ آلِهَتَهم تُجِيبُهُمْ، وصَدَقَ هو ﷺ في كُلِّ ما قالَ فَأخْبَرَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُجِيبُهم إلى إخْراجِها ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيِ امْتِحانًا يُخالِطُهم بِهِ فَيُمِيلُهم عَنْ حالَتِهِمُ الَّتِي وعَدُوا بِها ويُجِيبُهم عَنْها، وسَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهُ بِانْتِظارِهِمْ فِيما يَصْنَعُونَ بَعْدَ إخْراجِهِمْ لِما تُوصِلُهم إلَيْهِ عَواقِبُ الفِتْنَةِ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ انْتِظارَهم فِيما يَكُونُ لَهم جَزاءً عَلى أعْمالِهِمُ انْتِظارَ مَن يَحْرُسُهم وهو عالِمٌ عَلِيمٌ فَإنَّهم واصِلُونَ بِأعْمالِهِمْ إلى الدّاهِيَةِ الَّتِي تُسَمّى بِأُمِّ العُرْقُوبِ (p-١٢١)لِيَكُونُوا كَمَن جُعِلَ في رَقَبَتِهِ، ودَلَّ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى أنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنهُ أذًى بالِغٌ قَبْلَ انْفِصالِ النِّزاعِ فَقالَ: ﴿واصْطَبِرْ﴾ أيْ: عالِجْ نَفْسَكَ واجْتَهِدْ في الصَّبْرِ عَلَيْهِمْ
54:28Page 530
وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨
And inform them that the water is shared between them,1 each [day of] drink attended [by turn].
﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ أيْ: أخْبِرْهم إخْبارًا عَظِيمًا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وهو أنَّ الماءَ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ وهو ماءُ بِئْرِهِمْ ﴿أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، غَلَبَ عَلَيْها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ، يَعْنِي: إذا بَعَثْناها كانَ لَهم يَوْمٌ لا تُشارِكُهم فِيهِ في الماءِ، ولَها يَوْمٌ لا تَدَعُ في البِئْرِ قَطْرَةً يَأْخُذُها أحَدٌ مِنهُمْ، وتُوسِعُ الكُلَّ بَدَلَ الماءِ لَبَنًا، ولَمّا أخْبَرَ بِتَوْزِيعِ الماءِ، أعْلَمَ أنَّهُ عَلى وجْهٍ غَرِيبٍ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ وحَظٍّ مِنهُ ومَوْرِدِ البُرُوكِ وقْتَ يُشْرَبُ فِيهِ ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ: أهْلٌ لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ العَجِيبِ أنْ يَحْضُرَهُ الحاضِرُونَ حُضُورًا عَظِيمًا، وتَتَكَلَّفَ أنْفُسُهم لِذَلِكَ لِأنَّهُ صارَ في كَثْرَتِهِ وحُسْنِهِ كَماءِ الحاضِرَةِ لِلْبادِيَةِ وتَأهَّلَ لِأنْ تَعارَضَهُ حاضِرُوهُ مِن حُسْنِهِ ويَرْجِعُوا إلَيْهِ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الكَثِيرُ ويُعَوِّدُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ.
54:29Page 530
فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩
But they called their companion,1 and he dared2 and hamstrung [her].
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا، واسْتَمَرَّ الأمَدُ الَّذِي ضَرَبْنا فافْتَتَنُوا [كَما] أخْبَرْنا ﴿فَنادَوْا﴾ بِسَبَبِ الفِتْنَةِ ﴿صاحِبَهُمْ﴾ قُذارَ بْنَ سالِفٍ الَّذِي انْتَدَبُوهُ بَطَرًا وأشَرًا لِقَتْلِ النّاقَةِ، وكُذِبْنا فِيها بِوَعْدِهِمُ الإيمانَ وإكْرامِها بِالإحْسانِ وهو أشْقى الأوَّلِينَ ﴿فَتَعاطى﴾ أيْ: أوْقَعَ بِسَبَبِ نِدائِهِمُ التَّعاطِيَ الَّذِي لا تَعاطِيَ مِثْلُهُ، فَتَناوَلَ ما لا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَتَناوَلَهُ بِسَبَبِ النّاقَةِ وهو سَيْفُهُ بِيَدِهِ قائِمًا في الأمْرِ النّاشِئِ عَنْ هَذا الأخْذِ عَلى كُلِّ حالٍ، ورَفَعَ رَأْسَهُ بِغايَةِ الهِمَّةِ ومَدَّ يَدَيْهِ مَدًّا عَظِيمًا ورَفَعَها وقامَ عَلى (p-١٢٢)أصابِعِ رِجْلَيْهِ حِينَ عاطَوْهُ ذَلِكَ أيْ: سَألُوهُ فِيهِ فَطاوَعَهم وتَناوَلَ النّاقَةَ بِذَلِكَ السَّيْفِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ولا مُبالٍ ﴿فَعَقَرَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الجِدِّ العَظِيمِ أنْ صَدَقَ فِيما أثْبَتَ لَهُمُ الكَذِبَ في الوَعْدِ بِالإحْسانِ إلَيْها والأشَرِ، وهو إيقاعُ العَقْرِ الَّذِي ما كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَقْرٌ مِثْلُهُ وهو عَقْرُ النّاقَةِ الَّتِي هي آيَةُ اللَّهِ وإهْلاكُها.
ولَمّا وقَعَ كَذِبُهم عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ المَبْنِيِّ عَلى غايَةِ الأشَرِ، حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى صِدْقَهُ في تَوَعُّدِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ، فَأوْقَعَ عَذابَهم سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ هو مِن عِظَمِهِ أهْلٌ لِأنْ يُتَساءَلَ عَنْهُ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عِظَمِهِ بِإيرادِهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ مُسَبَّبًا عَنْ فِعْلِ الأشْقى فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ وحافَظَ عَلى مَقامِ التَّوْحِيدِ كَما مَضى فَقالَ: ﴿عَذابِي﴾ أيْ كانَ عَلى حالٍ ووَجْهٍ هو أهْلٌ لِأنْ يُجْتَهَدَ في الإقْبالِ عَلى تَعَرُّفِهِ والسُّؤالِ عَنْهُ ﴿ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي.
54:31Page 530
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١
Indeed, We sent upon them one shriek [i.e., blast from the sky], and they became like the dry twig fragments of an [animal] pen.
ولَمّا عَلِمَ تَفَرُّغَ ذِهْنِ السّائِلِ الواعِي، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ عَذابَهم مِمّا يُسْتَلَذُّ ويُنْجَحُ بِهِ، وإرْغامًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ النَّصِيحَةَ الواحِدَةَ بِفِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ، وإعْلامًا بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى عَذابِ مَن كَذَّبَ مِن غَيْرِهِمْ كَهي عَلى عَذابِهِمْ فَلا مَعْنى لِلتَّكْذِيبِ: ﴿إنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أرْسَلْنا﴾ إرْسالًا عَظِيمًا، ودَلَّ عَلى كَوْنِهِ عَذابًا بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَيْحَةً﴾ وحَقَّرَ شَأْنَهم بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ عَذابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحِدَةً﴾ صاحَها عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ بِصَيْحَتِهِ هَذِهِ الَّتِي هي واحِدَةٌ طاقَةٌ، وتَلاشى عِنْدَها صِياحُهم حِينَ نادَوْا صاحِبَهم لِعَقْرِ النّاقَةِ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْها هَلاكُهم قالَ: ﴿فَكانُوا﴾ كَوْنًا (p-١٢٣)عَظِيمًا ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ أيْ: مُحَطَّمِينَ كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي جَعَلَهُ الرّاعِي ومَن في مَعْناهُ مِمَّنْ يَجْعَلُ شَيْئًا يَأْوِي إلَيْهِ ويَحْتَفِظُ بِهِ ويَحْفَظُ بِهِ ماشِيَتَهُ في وقْتِ ما لا يُقالُّهُ وهو حَظِيرُهُ أيْ شَيْءٌ مُسْتَدِيرٌ مانِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِمَن يَدْخُلُ إلَيْهِ فَهو يَتَهَشَّمُ ويَتَحَطَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ وهو يَعْمَلُهُ فَتَدُوسُهُ الغَنَمُ ثُمَّ تَتَحَطَّمُ أوَّلًا فَأوَّلًا، وكُلُّ ما سَقَطَ مِنهُ شَيْءٌ فَداسَتْهُ الغَنَمُ كانَ هَشِيمًا، وكَأنَّهُ الحَشِيشُ اليابِسُ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ.
54:32Page 530
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أبْلَغْنا في المَوْعِظَةِ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ هَذِهِ القِصَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُعْرِضُ عَنْ هَذا القُرْآنِ ويُعَلِّلُ إعْراضَهُ عَنْهُ بِصُعُوبَتِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ ﴿القُرْآنَ﴾ أيِ: الكِتابَ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، الفارِقَ بَيْنَ كُلِّ مُلَبَّسٍ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيِ: الحِفْظِ والتَّذْكِيرِ والتَّذَكُّرِ وحُصُولِ النَّباهَةِ بِهِ والشَّرَفِ إلى الدّارَيْنِ. ولَمّا كانَ هَذا غايَةً في وُجُوبِ الإقْبالِ عَلَيْهِ لِجَمِيعِ المُتَوَلِّينَ، قالَ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: ناظِرٍ فِيهِ بِسَبَبِ قَوْلِنا هَذا بِعَيْنِ الإنْصافِ والتَّجَرُّدِ عَنِ الهَوى لِيَرى كُلَّ ما أخْبَرْنا بِهِ فَنُعِينُهُ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ النَّذِيرُ: كَأنَّهُ قالَ لِلْمُنْذَرِينَ ما لَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ فَزادَ في وعْظِهِمْ، وكانَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ أعْظَمَ ما كانَ بَعْدَ ثَمُودَ مِمّا تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِالأخْبارِ ورُؤْيَةِ الآثارِ، ومَعَ ما في قِصَّتِهِمْ مِن تَصْوِيرِ السّاعَةِ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ أيْ: وهم في قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وإنْ كانُوا في تَكْذِيبِهِمْ هَذا في ضَعْفِ وُقُوعِ النِّساءِ عَنِ التَّجَرُّدِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ بِالتّاءِ وكَذا (p-١٢٤)ما قَبْلَها مِنَ القِصَصِ ﴿بِالنُّذُرِ﴾ أيِ: الإنْذارِ والإنْذاراتِ والمُنْذِرِينَ، ودَلَّ عَلى تَناهِي القَباحَةِ في مُرْتَكَبِهِمْ بِتَقْدِيمِ الإخْبارِ عَنْ عَذابِهِمْ فَقالَ:
54:34Page 530
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤
Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.
﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أرْسَلْنا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ إرْسالُ إهانَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ودَلَّ عَلى هَوانِهِمْ وبُلُوغِ أمْرِهِ كُلَّ ما يُرادُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي بِحِجارَةٍ هي دُونَ مَلْءٍ فَكانَتْ مُهْلِكَةً لَهم مُحْرِقَةً خاسِفَةً مُفَرِّقَةً ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ وهم مَن آمَنَ بِهِ وكانَ بِحَيْثُ إذا رَأيْتَهُ فَكَأنَّكَ رَأيْتَ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مِن أفْعالِهِ والمَشْيِ عَلى مِنوالِهِ في أقْوالِهِ وأحْوالِهِ وأفْعالِهِ.
ولَمّا كانَ اسْتِثْناؤُهم مُفْهِمًا إنْجاءَهم مَعَ التَّجْوِيزِ لِإرْسالِ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِما ذَكَرَ، قالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما حالُهُمْ: ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً بِالتَّدْرِيجِ، وذَكَرَ أوَّلَ الشُّرُوعِ لِإنْجائِهِمْ فَقالَ: ﴿بِسَحَرٍ﴾ أيْ: بِآخِرِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي وهي الَّتِي عُذِّبَ فِيها قَوْمُهُ، فَكَأنَّهُ تَنْكِيرُهُ لِأنّا لا نَعْرِفُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِعَيْنِها، ولَوْ قَصَدْتَ سَحَرَ اللَّيْلَةِ الَّتِي صُبِّحَتْ مِنها كانَ مَعْرِفَةً لا يَنْصَرِفُ، والسَّحَرُ: السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ: الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الإنْسانُ لا سِيَّما النِّساءُ والأطْفالُ في غايَةِ الغَفْلَةِ بِالِاسْتِغْراقِ في النَّوْمِ، ويَفْتَحُ اللَّهُ فِيها أبْوابَ السَّماءِ بِإذْنِ الدُّعاءِ لِيَحْصُلَ مِنهُ الإجابَةُ لِأنَّ المُلُوكَ إذا فَتَحُوا أبْوابَهم كانَ ذَلِكَ إذْنًا لِلنّاسِ في الدُّخُولِ لِقَضاءِ الحَوائِجِ، فالنُّزُولُ وفَتْحُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالٍ عَنْ حاجَةٍ إلى نُزُولٍ أوْ فَتْحِ بابٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
54:35Page 530
نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥
As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.
ولَمّا كانَ المُرادُ مِنَ المُوعَظِينَ الطّاعَةَ الَّتِي هي سَبَبُ النَّجاةِ، فَلِذا (p-١٢٥)قالَ ذاكِرًا لِلْإنْعامِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِغايَةِ المَقْصُودِ مِنهُ مُعَرِّفًا أنَّ انْتِقامَهُ عَدْلٌ ومُعافاتَهُ فَضْلٌ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يُكافِئَ نِعَمَهُ ولا نِعْمَةً مِنها، مُعَلِّلًا لِلنَّجاةِ: ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: عَظِيمَةً غَرِيبَةً جِدًّا لِشُكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ هَذا مُخْتَصٌّ بِهِمُ... الإنْجاءُ مِن بَيْنِ الظّالِمِينَ وهو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الإنْجاءِ العَظِيمِ الَّذِي جَعَلْنا جَزاءً لَهم ﴿نَجْزِي﴾ بِقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا ﴿مَن شَكَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ الشُّكْرَ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ فَآمَنَ وأطاعَ لَيْسَ. . . بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن سُوقَةٍ أوْ سُلْطانٍ جائِرٍ شُجاعٍ أوْ جَبانٍ، فَإنَّنا عَلَيْهِ بِالإنْجاءِ بَعْدَ هَلاكِ عَدُوِّهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والشُّكْرُ عَلى نِعَمِ الدَّفْعِ أتَمُّ مِنَ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ النَّفْعِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا كُلُّ مُوَفَّقٍ كَيِّسٍ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإنْعامَ أوَّلًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والشُّكْرَ ثانِيًا - لِأنَّهُ السَّبَبُ الظّاهِرُ - دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
54:36Page 530
وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦
And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ دَفْعًا لِعِنادٍ. . . اسْتِشْرافُ السّامِعِ إلى ما كانَ مِن حالِهِ ﷺ مَعَهم قَبْلَ العَذابِ: لَقَدْ بالَغَ في شُكْرِنا بِوَعْظِهِمْ ونُصْحِهِمْ ودُعائِهِمْ إلَيْنا صَرْفًا لِما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّسالَةِ في أتَمِّ مَواضِعِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ إيماءً إلَيْهِ قَوْلَهُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ تَمادِيَ المَحْذُورِ مِنَ العَذابِ عَلى الإقامَةِ في مُوجِبِهِ يَكادُ أنْ لا يُصَدَّقُ: ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ أيْ رَسُولُنا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أيْ: أخْذَتَنا لَهُمُ المَقْرُونَةَ بِشِدَّةِ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ووَحَّدَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُسْتَهانُ بِشَيْءٍ مِن عَذابِهِ سُبْحانَهُ بَلِ الأخْذَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى التَّثْنِيَةِ، (p-١٢٦)ودَلَّ عَلى أنَّ إنْذارَهُ كانَ جَدِيرًا بِالقَبُولِ لِكَوْنِهِ واضِحَ الحَقِيقَةِ بِما سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَمارَوْا﴾ أيْ: تَكَلَّفُوا الشَّكَّ الواهِيَ ﴿بِالنُّذُرِ﴾ أيِ: الإنْذارِ مَصْدَرًا والإنْذاراتِ أوِ المُنْذِرِينَ حَتّى أدّاهم إلى التَّكْذِيبِ، فَكانَ سَبَبًا لِلْأخْذِ.
54:37Page 530
وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧
And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."
ولَمّا كانَ تَرْكُ الِاحْتِياطِ في إعْمالِ الحِيلَةِ في وجْهِ الخَلاصِ مِن إنْذارِ النَّذِيرِ عَظِيمَ العَراقَةِ في السَّفَهِ دَلَّ عَلى أنَّهم تَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ النَّذِيرِ، فَقالَ مُقْسِمًا لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ فَلا يُصَدَّقُ مَن حَكاهُ: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ﴾ أيْ: زادُوا في التَّكْذِيبِ المُوجِبِ لِلتَّعْذِيبِ أنْ عالَجُوا مُعالَجَةً طَوِيلَةً تَحْتاجُ إلى فَتْلٍ ودَوَرانٍ ﴿عَنْ ضَيْفِهِ﴾ لِيُسَلِّمَهم إلَيْهِمْ وهم مَلائِكَةٌ في هَيْئَةِ شَبابٍ مُرْدٍ، وأُفْرِدُوا وإنْ كانَ المُرادُ الجِنْسَ اسْتِعْظامًا لِذَلِكَ لَوْ كانَ الضَّيْفُ واحِدًا ﴿فَطَمَسْنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ مُراوَدَتِهِمْ أنْ طَمَسْنا بِعَظَمَتِنا ﴿أعْيُنَهُمْ﴾ فَسَوَّيْناها مَعَ سائِرِ الوُجُوهِ فَصارَتْ بِحَيْثُ لا يُرى لَها شَقٌّ، قالَ البَغْوِيُّ: هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ بِصَفْقَةٍ صَفَقَها لَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: مَسَحَ بِجَناحَيْهِ عَلى وُجُوهِهِمْ فَعَمُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِلْخُرُوجِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: طَمَسَتِ الرِّيحُ الأعْلامَ إذا دَفَنَتْها بِما يُسْفى عَلَيْها مِنَ التُّرابِ، فانْطَلَقُوا هِرابًا مُسْرِعِينَ إلى البابِ لا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ ولا يَقَعُونَ عَلَيْهِ بَلْ يُصادِمُونَ الجُدْرانَ خَوْفًا مِمّا هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهم يَقُولُونَ: عِنْدَ لُوطٍ أسْحَرُ النّاسِ، وما أدَّتْهم عُقُولُهم أنْ يُؤْمِنُوا فَيُنَجُّوا أنْفُسَهم مِمّا حَلَّ بِهِمْ، قالَ القُشَيْرِيُّ: (p-١٢٧)وكَذَلِكَ أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ في أوْلِيائِهِ بِأنْ يَطْمِسَ عَلى قُلُوبِ أعْدائِهِمْ حَتّى يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ يُؤْذُونَ أوْلِياءَهُ ويُخَلِّصُهم مِن كَيْدِهِمْ. ولَمّا كانَ..... أوَّلَ عَذابِهِمْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ قائِلٌ عَنِ اللَّهِ بِلِسانِ القالِ أوِ الحالِ: أيُّها المُكَذِّبُونَ ذُوقُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم لِرُسُلِي في إنْذارِهِمْ ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: وعاقِبَةَ إنْذارِي عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي.
54:38Page 530
وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨
And there came upon them by morning an abiding punishment.
ولَمّا كانَ بَقاؤُهم بَعْدَ هَذا عَلى حالِ كُفْرِهِمْ عَجَبًا إذِ العادَةُ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن أُخِذَ ارْعَوى ولَوْ كانَ أفْجَرَ الخَلْقِ، وسَألَ العَفْوَ عَنْهُ صِدْقًا أوْ كَذِبًا خِداعًا ومَكْرًا لِيُخَلَّصَ مِمّا هو فِيهِ. . . بِثَباتِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ حَتّى عُذِّبُوا عَلى قُرْبِ العَهْدِ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ أيْ: أتاهم في وقْتِ الصَّباحِ، وحَقَّقَ المَعْنى [بِقَوْلِهِ]: ﴿بُكْرَةً﴾ أيْ في أوَّلِ النَّهارِ العَذابُ، ولَوْ كانَ أوَّلُ نَهارِكَ الَّذِي أنْتَ بِهِ كانَ مَعْرِفَةً فامْتَنَعَ. . .
﴿عَذابٌ﴾ أيْ قَلْعُ بِلادِهِمْ ورَفْعُها ثُمَّ قَلْبُها، وحَصْبُها بِحِجارَةٍ مِن نارٍ وخَسْفُها وغَمْرُها بِالماءِ المُنْتِنِ الَّذِي لا يَعِيشُ بِهِ حَيَوانٌ ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مُزايِلٍ بِخَيالٍ ولا سِحْرٍ كَما قالُوا عِنْدَ الطَّمْسِ فَإنَّهُ أهْلَكَهم فاتَّصَلَ بِعَذابِ البَرْزَخِ المُتَّصِلِ بِعَذابِ القِيامَةِ المُتَّصِلِ بِالعَذابِ الأكْبَرِ في الطَّبَقَةِ الَّتِي تُناسِبُ أعْمالَهم مِن عَذابِ النّارِ فَقالَ لَهم لِسانُ الحالِ إنْ لَمْ يَنْطَلِقْ لِسانُ القالِ:
﴿فَذُوقُوا﴾ بِسَبَبِ أعْمالِكم ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾
54:40Page 530
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
ولَمّا كَرَّرَ هَذا التَّكْرِيرَ، عُلِمَ مِنهُ أنَّ سَبَبَ العَذابِ التَّكْذِيبُ بِالإنْذارِ لِأيِّ رَسُولٍ كانَ، وكانَ اسْتِئْنافُ كُلِّ قِصَّةٍ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها أهْلٌ (p-١٢٨)عَلى حِدَّتِها لِأنْ يُتَّعَظَ [بِها]، عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ النِّهايَةَ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُذَكِّرًا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا عَدْلَ لَها: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ أيْ: تَعالى جَدُّنا وتَناهى مَجْدُنا ﴿القُرْآنَ﴾ الجامِعَ الفارِقَ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ ولَوْ شِئْنا لَأعْلَيْناهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إلى الحَدِّ حَتّى تَعْجِزَ القُوى عَنْ فَهْمِهِ، كَما أعْلَيْناهُ إلى رُتْبَةٍ وقَفَتِ القُوى عَنْ مُعارَضَتِهِ في نَظْمِهِ، أوْ مَطْلَعٍ لا يَتَشَبَّثُ بِأذْيالِ أدْنى عِلْمِهِ، إلّا الأفْرادُ مِن حُذّاقِ العِبادِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانُوا مَعَ ذَلِكَ واقِفِينَ عَنِ المُبادَرَةِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ، قالَ تَلَطُّفًا بِهِمْ وتَعَطُّفًا عَلَيْهِمْ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَهَلْ﴾ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿مِن مُدَّكِرٍ﴾ مُفْتِكٍ لِنَفْسِهِ مِن مِثْلِ هَذا الَّذِي أوْقَعَ فِيهِ هَؤُلاءِ أنْفُسَهم ظَنًّا مِنهم أنَّ الأمْرَ لا يَصِلُ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ جَهْلًا مِنهم وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالعَواقِبِ.
54:41Page 530
وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١
And there certainly came to the people of Pharaoh warning.
ولَمّا كانَ الآخِرُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَحْذَرَ ما وقَعَ لِلْأوَّلِ، وكانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَدْ [جاءَ] بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم لَمْ يُنْذَرُوا لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ العادَةَ جَرَتْ أنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ هَلَكَ أنْكَرَ أنْ يَحْصُلَ مِمَّنْ تَبِعَ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ، قالَ مُقْسِمًا: ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: مَلِكَ القِبْطِ بِمِصْرَ وأشْرافَهُ الَّذِينَ [إذا] رُؤُوا كانَ كَأنَّهُ رُئِيَ فِيهِمْ لِشِدَّةِ قُرْبِهِمْ مِنهُ وتَخَلُّقِهِمْ بِأخْلاقِهِ ﴿النُّذُرُ﴾ أيِ الإنْذاراتُ والمُنْذِرُونَ بِنِذارَةِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ نِذارَةَ بَعْضِ الأنْبِياءِ كَنِذارَةِ الكُلِّ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ مِنهم إلّا ولَهُ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ (p-١٢٩)عَلَيْهِ البَشَرُ، والمُعْجِزاتُ كُلُّها مُتَساوِيَةٌ في خَرْقِ العادَةِ، وكانَ قَدْ أنْذَرَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ،
54:42Page 530
كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢
They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلُوا عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، قالَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ تَكْذِيبًا عَظِيمًا مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي أتاهم بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِها لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِها عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ المُعَرِّفَةِ قَطْعًا [عَنْ] أنَّها مِن عِنْدِنا.
ولَمّا كانَتْ خَوارِقُ العاداتِ كَما مَضى مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الآتِي بِها، وكانُوا قَدْ صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ مَهْما أتاهم بِآيَةٍ كَذَّبُوا بِها، كانُوا كَأنَّهم قَدْ أتَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿كُلِّها﴾ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِنَحْوِ ما أخَذْنا بِهِ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ الإغْراقِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أيْ لا يُعَجِّلُ بِالأخْذِ لِأنَّهُ [لا] يَخافُ الفَوْتَ ولا يَخْشى مُعَقِّبًا لِحُكْمِهِ، بالِغِ القُدْرَةِ إلى حَدٍّ لا يُدْرِكُ الوَصْفُ كُنْهَهُ لِأنَّ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مَبْناها عَلى المُعاجَلَةِ ومَن عاجَلَ فِعْلًا أجْهَلَ نَفْسَهُ فِيهِ، فَكانَ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، وهَذِهِ الغايَةُ هي المُرادَةُ لَيْسَ غَيْرُها، فَهو تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُخاطِبُنا بِما نَعْبُدُهُ، وبِهَذِهِ المُبالَغَةِ فَلَمْ يَلْفِتْ مِنهم أحَدٌ، وقَدْ خُتِمَتِ القِصَصُ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ مِن عَذابِ المُفْسِدِينَ بِالإغْراقِ لِيُطابِقَ الخَتْمُ البَدْءَ، وكانَتْ نَجاةُ المُصْلِحِينَ مِنَ الأوَّلِينَ بِالسَّفِينَةِ، وكانَتْ نَجاةُ المُصْلِحِينَ مِنَ الآخِرِينَ بِأرْضِ البَحْرِ كانَتْ هي سَفِينَتَهُمْ، لِيَكُونَ الخَتْمُ أعْظَمَ مِنَ البَدْءِ كَما هو شَأْنُ أهْلِ الِاقْتِدارِ.
54:43Page 530
أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣
Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?
ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ الِانْتِهاءَ، وعَلَتْ أقْدامُها عَلى رُتْبَةِ السُّها، (p-١٣٠)ولَمْ يُبِنْ ذَلِكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ عَنْ شِرادِهِمْ، ولا فَتَّرَ مِن جُحُودِهِمْ وعِنادِهِمْ، كانَ لِسانُ حالِهِمْ قائِلًا: إنّا لا نَخافُ شَيْئًا مِن هَذا، فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ لَهم إلْزامًا بِالحُجَّةِ: ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ الرّاسِخُونَ مِنكم في الكُفْرِ الثّابِتُونَ عَلَيْهِ يا أيُّها المُكَذِّبُونَ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ السّاتِرُونَ لِشُمُوسِ دِينِهِ ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ أوِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ أوْ عِنْدَ النّاسِ ﴿مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ: الكُفّارِ العُظَماءِ الجَبابِرَةِ الأشِدّاءِ الَّذِينَ وعَظْناكم بِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِافْتِراقِ حالِهِمْ مِنهم فَيَأْمَنُوا العَذابَ مَعَ جامِعِ التَّكْذِيبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴿أمْ لَكُمْ﴾ أجْمَعِينَ دُونَهم كُفّارِكم وغَيْرِ كُفّارِكم ﴿بَراءَةٌ﴾ مِنَ العَذابِ مِنَ اللَّهِ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أيِ: الكُتُبِ الآتِيَةِ مِن عِنْدِهِ أأمِنتُمْ بِها مِنَ العَذابِ مَعَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكُمْ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الخَيْرِيَّةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، والبَراءَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا.
54:44Page 530
أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤
Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?
ولَمّا بَلَغُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ مَعَ المَواعِظِ البالِغَةِ والِاسْتِعْطافِ المَكِينِ، اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ الغَضَبِ، فَأعْرَضَ عَنْهُمُ الخِطابُ إيذانًا بِذَلِكَ وإهانَةً لَهم واحْتِقارًا وإقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أيَدَّعُونَ جَهْلًا ومُكابَرَةً شَيْئًا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ تُعامِلُهم بِاللِّينِ في القالِ والقِيلِ والصَّفْحِ الجَمِيلِ امْتِثالًا لِأمْرِنا تَعْظِيمًا لِقَدْرِكَ فاسْتَهانُوا بِكَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ: جَمْعٌ واحِدٌ مُبالِغٌ في اجْتِماعِهِ فَهو في الغايَةِ مِنَ الضَّمِّ فَلا افْتِراقَ لَهُ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ أيْ عَلى كُلِّ مَن (p-١٣١)يُناوِيهِ لِأنَّهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، فالإفْرادُ لِلَفْظِ ”جَمِيعٌ“ ولِإفْهامِ هَذا المَعْنى، أوْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَحْكُومٌ لَهُ بِالِانْتِصارِ.
54:45Page 530
سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥
[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1
ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ ناطِقًا بِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا كُلَّهُ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ونَحْوَها، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ بُعِثْنا لَأُوتِينا مالًا ووَلَدًا، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا في غايَةِ الِاسْتِحالَةِ لِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُهْزَمُ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِن أيِّ هازِمٍ كانَ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُفْهِمَةٌ لِلْعَظَمَةِ بِطَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ، فَهي أبْلَغُ مِن قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالنُّونِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ صَرِيحًا ﴿الجَمْعُ﴾ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ بُولِغَ في جَمْعِهِ فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ وهُزِمُوا في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ في الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، ولَمْ يَزالُوا يَضْعُفُونَ حَتّى اضْمَحَلَّ أمْرُهم وزالَ بِالكُلِّيَّةِ سِرُّهُمْ، وهي مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ البَيِّنَةِ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيْ: يَقَعُ تَوْلِيَتُهم كُلِّهِمْ بِهَذا الجِنْسِ بِأنْ يَكُونَ والِيًا لَها مَن مِنهم مَعَ الهَزِيمَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّهم في حالِ الهَزِيمَةِ نَوْعُ مَسْكَنَةٍ يَطْمَعُونَ بِها في الخَيارِ، وكُلٌّ مِن إفْرادِ الدُّبُرِ والمُنْتَصِرِ وجَمْعِ المُوَلِّينَ أبْلَغُ مِمّا لَوْ وُضِعَ غَيْرُهُ مَوْضِعَهُ وأقْطَعُ لِلتَّعَنُّتِ.
54:46Page 530
بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦
But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.
ولَمّا وقَعَ هَذا في الدُّنْيا، وكانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ هو النِّهايَةُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَوْعِدَ الأعْظَمَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ﴾ القِيامَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الجَمْعُ الأعْظَمُ والهَوْلُ الأكْبَرُ ﴿مَوْعِدُهُمْ﴾ أيِ الأعْظَمُ لِلْجَزاءِ المُتَوَعَّدِ بِهِ (p-١٣٢)﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ مِن كُلِّ ما يُفْرَضُ وُقُوعُهُ في الدُّنْيا، أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الدّاهِيَةِ وهي أمْرٌ هائِلٌ لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ ﴿وأمَرُّ﴾ لِأنَّ عَذابَها لِلْكافِرِ غَيْرُ مُفارِقٍ ومُزايِلٍ.
54:47Page 530
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧
Indeed, the criminals are in error and madness.1.
ولَمّا أخْبَرَ عَنِ السّاعَةِ بِهَذا الإخْبارِ الهائِلِ، عَلَّلَهُ مُقْسِمًا لِأهْلِها مُجْمِلًا بَعْضَ ما لَهم عِنْدَ قِيامِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما [أظْهَرُوا] مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُوصَلَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: عَمًى عَنِ القَصْدِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ مُحِيطٍ بِهِمْ مانِعٍ مِنَ الخَلاصِ مِن دَواهِي السّاعَةِ وغَيْرِها، ومِنَ الوُصُولِ إلى شَيْءٍ مِن مَقاصِدِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها الآنَ مُعْتَمِدُونَ ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ نِيرانٍ تَضْطَرِمُ وتَتَّقِدُ غايَةَ الِاتِّقادِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences