Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:48–55
54:48Page 530
يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨
The Day they are dragged into the Fire on their faces [it will be said], "Taste the touch of Saqar."1
﴿يَوْمَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أيْ: في السّاعَةِ دائِمًا بِأيْسَرِ وجْهِ إهانَةٍ لَهم مِن أيِّ ساحِبٍ كانَ ﴿فِي النّارِ﴾ أيِ الكامِلَةِ في النّارِيَّةِ ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ لِأنَّهم في غايَةِ الذُّلِّ والهَوانِ جَزاءً بِما كانُوا يُذِلُّونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، مَقُولًا لَهم مِن أيِّ قائِلٍ اتَّفَقَ: ﴿ذُوقُوا﴾ أيْ: لِأنَّهم لا مَنَعَةَ لَهم ولا حَمِيَّةَ عِنْدَهم بِوَجْهٍ ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ أيْ: ألَمَ مُباشَرَةِ الطَّبَقَةِ النّارِيَّةِ الَّتِي تَلْفَحُ بِحَرِّها فَتَلُوحُ الجِسْمَ وتُذِيبُهُ فَيَسِيلُ دُهْنُهُ. . . وعُصارًا كَما يَسِيلُ الدِّبْسُ وعُصارَةُ الرُّطَبِ فَتُسَمّى النَّخْلَةُ بِذَلِكَ مِسْقارًا.
54:49Page 530
إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩
Indeed, all things We created with predestination.
ولَمّا أخْبَرَ بِقِيامِ السّاعَةِ وما يَتَّفِقُ لَهم فِيها جَزاءً لِأعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّرَها عَلَيْهِمْ وهي سَتْرٌ فَرَضُوا بِها لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ واحْتَجُّوا عَلى رِضاهُ بِها، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ تَمادِيَهم عَلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، عَلَّلَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ الكُلَّ فِعْلُهُ، وإنَّما نِسْبَتُهُ إلى العِبادِ بِأُمُورٍ ظاهِرِيَّةٍ، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ (p-١٣٣)العَظَمَةِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها.
ولَمّا كانَ هَذا التَّعْمِيمُ في الخَلْقِ أمْرًا أفْهَمَهُ النَّصْبُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَفْسِيرًا لِلْعامِلِ المَطْوِيِّ وإخْبارًا بِجَعْلِ ذَلِكَ الخَلْقِ كُلِّهِ عَلى نِظامٍ مُحْكَمٍ وأمْرٍ مُقَدَّرٍ مُبْرَمٍ ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: قَضاءٍ وحِكَمٍ وقِياسٍ مَضْبُوطٍ وقِسْمَةٍ مَحْدُودَةٍ وقَوْدَةٍ بالِغَةٍ وتَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ ومَكانٍ مَحْدُودٍ مَكْتُوبٍ في ذَلِكَ اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَقِيسُهُ المَلائِكَةُ بِالزَّمانِ وغَيْرِهِ مِنَ العَدِّ وجَمِيعِ أنْواعِ الأقْيِسَةِ - فَلا يَخْرِمُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ لِأنَّهُ لا مُنازِعَ لَنا مَعَ ما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَهَذا العَذابُ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا فاصْبِرُوا عَلَيْهِ وارْضَوْا بِهِ كَما كُنْتُمْ تَرْضَوْنَ أعْمالَكُمُ السَّيِّئَةَ ثُمَّ تَحْتَجُّونَ عَلى عِبادِنا بِأنَّها مَشِيئَتُنا بِنَحْوِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَقَدْ أوْصَلَكم إلى ما تَرَوْنَ وانْكَشَفَ أتَمَّ انْكِشافٍ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ عَلى خِلافِ مُرادِنا، ولا يُقالُ لِشَيْءٍ قَدَّرْناهُ: لِمَ؟ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الكَمِّيَّةُ ساقِطَةٌ عَنْ أفْعالِهِ كَما أنَّ الكَيْفِيَّةَ والكَمِّيَّةَ ساقِطَتانِ عَنْ ذاتِهِ وصِفَتِهِ - انْتَهى.
ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ إلّا ما هو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ، ولَوْ كانَ الخَلْقُ لا يُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِيَقَعَ القِصاصُ والقِياسُ العَدْلُ لِيَكُونَ القِياسُ جُزافًا لا بِقَدْرٍ وعَدْلٍ، لِأنَّ المُشاهَدَ أنَّ الفَسادَ في هَذِهِ الدّارِ مِنَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الصَّلاحِ أضْعافٌ مُضاعَفَةٌ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِرَفْعِ ”كُلَّ“ وجَعَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ أقْوى مِنَ النَّصْبِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ لا يُفِيدُ ما ذَكَرْتُهُ، وما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ، والنَّصْبُ عَلى [ما] قَدَّرْتُهُ قاصِمٌ لِأهْلِ الِاعْتِزالِ.
54:50Page 531
وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠
And Our command is but one, like a glance of the eye.
(p-١٣٤)ولَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِفِعْلِهِ، بَيَّنَ يُسْرَ ذَلِكَ وسُهُولَتَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وما أمْرُنا﴾ أيْ كُلُّ شَيْءٍ أرَدْناهُ وإنْ عَظُمَ أثَرُهُ، وعَظَّمَ القَدْرَ وحَقَّرَ المَقْدُوراتِ بِالتَّأْنِيثِ فَقالَ: ﴿إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ فَعْلَةً يَسِيرَةً لا مُعالَجَةَ فِيها ولَيْسَ هُناكَ إحْداثُ قَوْلٍ لِأنَّهُ قَدِيمٌ بَلْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ، ثُمَّ مَثَّلَ لَنا ذَلِكَ بِأسْرَعِ ما يَعْقِلُهُ وأخَفِّهِ فَقالَ؛ ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ فَكَما أنَّ لَمْحَ أحَدِكم بِبَصَرِهِ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ أيْسَرُ مِن ذَلِكَ.
54:51Page 531
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١
And We have already destroyed your kinds,1 so is there any who will remember?
ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ، وكانَ إهْلاكُ مَن ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ وإنْجاءُ مَن ذَكَرَ مِنَ الأبْرارِ في هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوًا مِمّا ذَكَرَ مِن أمْرِ السّاعَةِ في السُّهُولَةِ والسُّرْعَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإنْجاءِ أوْلِيائِهِ وإهْلاكِ أعْدائِهِ فَذَكَّرَ بِهِمْ جُمْلَةً وبِما كانَ مِن أحْوالِهِمْ بِأيْسَرِ أمْرٍ لِأنَّ ذَلِكَ أوْعَظُ لِلنُّفُوسِ وأزْجَرُ لِلْعُقُولِ، فَقالَ مُقْسِمًا تَنْبِيهًا عَلى عادَتِهِمْ في الكُفْرِ مَعَ هَذا الوَعْظِ فِعْلَ المُكَذِّبِ بِهَلاكِهِمْ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أنْجَيْنا رُسُلَنا وأشْياعَهم مِن كُلِّ شَيْءٍ خَطِرٍ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أشْياعَكُمْ﴾ الَّذِينَ أنْتُمْ وهم شَرْعٌ واحِدٌ في التَّكْذِيبِ، والقُدْرَةُ عَلَيْكم كالقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فاحْذَرُوا أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهُمْ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: بِما وقَعَ لَهم أنَّهُ مِثْلُ مَن مَضى بَلْ أضْعافٌ. . .، وأنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعَ عَنْ غَيِّهِ خَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ سُبْحانَهُ.
54:52Page 531
وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢
And everything they did is in written records.
ولَمّا تَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى إحاطَةِ القُدْرَةِ بِما شُوهِدَ مِنَ الأفْعالِ الهائِلَةِ (p-١٣٥)الَّتِي لا تَسَعُها قُدْرَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أحْوالَهُ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ ضَبْطُها ولا يَسَعُها عِلْمُ عالِمٍ ولا سِيَّما إذا ادَّعى أنَّهُ واحِدٌ، شَرَعَ في إتْمامِ الإخْبارِ بِعَظَمَةِ القُدْرَةِ بِالإخْبارِ بِأنَّ أفْعالَهم كُلَّها مَكْتُوبَةٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها مَحْفُوظَةً فَقالَ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أيِ الأشْياعُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، كائِنٌ بِالكِتابَةِ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أيْ كُتُبِ الحَفَظَةِ فَلْيَحْذَرُوا مِن أفْعالِهِمْ فَإنَّها غَيْرُ مَنسِيَّةٍ، هَذا ما أطْبَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ مِمّا أدّى إلى هَذا المَعْنى مِن رَفْعِ ”كُلُّ“، لِأنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَأوْهَمَ تَعَلُّقَ الجارِّ بِالفِعْلِ فَيُوهِمُ أنَّهم فَعَلُوا في الزُّبُرِ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وهو فاسِدٌ.
54:53Page 531
وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣
And every small and great [thing] is inscribed.
ولَمّا خَصَّهُمْ، عَمَّ بِقَوْلِهِ واعِظًا ومُخَوِّفًا ومُحَذِّرًا بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَحْفُوظٌ فَمَكْتُوبٌ فَمَعْرُوضٌ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ الجَمْعِ: ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الجَواهِرِ والمَعانِي مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أيْ مَكْتُوبٌ عَلى وجْهٍ عَظِيمٍ مِنَ اجْتِهادِ الحَفَظَةِ في كِتابَتِهِ وتَحْرِيرِهِ مَعَ يُسْرِ ذَلِكَ وسُهُولَتِهِ.
54:54Page 531
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤
Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أحْوالِ الكَفَرَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واعِظًا بِها وإعْلامًا بِعَظَمَتِهِ وعَلِيِّ صِفاتِهِ وسَعَةِ مَمْلَكَتِهِ وشامِلِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، خَتَمَ بِأحْوالِ القِسْمِ الآخَرِ مِن أهْلِ السّاعَةِ وهم أهْلُ طاعَتِهِ تَتْمِيمًا لِذَلِكَ وإشارَةً وبِشارَةً لِلسّالِكِ في أحْسَنِ المَسالِكِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى المُنْكِرِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أدّاهم إلى أنْ لا يَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ. ولَمّا كانَ مِنَ البَساتِينِ والمِياهِ وما هو ظاهِرٌ بِكُلِّ مُرادٍ عَلى عَكْسِ ما عَلَيْهِ الضّالُّ البَعِيدُ عَنِ القَصْدِ (p-١٣٦)الواقِعُ في الهَلاكِ والنّارِ [قالَ]: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ في بَساتِينَ ذاتِ أشْجارٍ تَسُرُّ داخِلَها، قالَ القُشَيْرِيُّ: والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ فالآحادُ تُقابِلُ الآحادَ. ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ وتَدُومُ إلّا بِالماءِ قالَ: ﴿ونَهَرٍ﴾ وأفْرَدَهُ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”فِي“ مُفْهِمٌ لِعُمُومِهِمْ بِهِ عُمُومَ ما كَأنَّهُ ظَرْفٌ وهم مَظْرُوفُونَ لَهُ، ولِكَثْرَةِ الأنْهارِ وعِظَمِها حَتّى أنَّها لِقُرْبِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ واتِّصالِ مَنابِعِها وتَهَيُّؤِ جَمِيعِ الأرْضِ لِجَرْيِ الأنْهارِ مِنها كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ، وما وُعِدَ بِهِ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ في تِلْكَ الدّارِ فَرَقائِقُهُ مُعَجَّلَةٌ لَهم في هَذِهِ الدّارِ، فَلَهُمُ اليَوْمَ جَنّاتُ العُلُومِ وأنْهارُ المَعارِفِ، وفي الآخِرَةِ الأنْهارُ الجارِيَةُ والرِّياضُ والأشْجارُ والقُصُورُ والزَّخارِفُ، وهو يَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِأنْ يَكُونَ مِمّا مِنهُ النَّهارُ فَيَكُونَ المَعْنى: أنَّهم في ضِياءٍ وسَعَةٍ لا يُزايِلُونَهُ أصْلًا بِضِدِّ ما عَلَيْهِ المُجْرِمُ مِنَ العَمى النّاشِئِ عَنِ الظَّلامِ، [و]لِمِثْلِ هَذِهِ الأغْراضِ أفْرَدَ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ لا لِلْفاصِلَةِ فَقَطْ.
54:55Page 531
فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥
In a seat of honor near a Sovereign, Perfect in Ability.1
ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ لا تُسْكَنُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها جَمِيعُ ما يَحْتاجُهُ الإنْسانُ، بَيَّنَ أنَّ حالَ تِلْكَ غَيْرُ حالِ هَذِهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِمّا قَبْلَهُ: ﴿فِي مَقْعَدِ﴾ أيْ تِلْكَ الجِنانُ مَحَلُّ إقامَتِهِمُ الَّتِي تُرادُ لِلْقُعُودِ ﴿صِدْقٍ﴾ أيْ: فِيما أرادَهُ الإنْسانُ صَدَقَ وُجُودُهُ الإرادَةَ ولا يَقْعُدُ فِيهِ إلّا أهْلُ الصِّدْقِ، ولا يَكُونُ فِيهِ إلّا صِدْقُهُ، لا لَغْوَ فِيهِ ولا تَأْثِيمَ، والتَّوْحِيدُ لِإرادَةِ الجِنْسِ مَعَ أنَّ الإبْدالَ يُفْهِمُ أنَّهُ لا مَوْضِعَ في تِلْكَ الجِنانِ إلّا وهو الصّالِحُ لِلتَّسْمِيَةِ بِهَذا الِاسْمِ ولِأنَّهم لِاتِّحادِ قُلُوبِهِمْ ورِضاهم (p-١٣٧)كَأنَّهم في مَقْعَدٍ واحِدٍ عَلى أنَّهُ قُرِئَ بِالجَمْعِ.
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ مَعْهُودٍ، بَيَّنَ أنَّ سَبَبَهُ تَمْكِينُ اللَّهِ لَهم مِنهُ لِاخْتِصاصِهِ لَهم وتَقْرِيبِهِ إيّاهم لِإرْضائِهِ لَهُمْ، فَقالَ مُقَيِّدًا لِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّ عِنْدِيَّتَهُ سُبْحانَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنْ قُرْبِ الأجْسامِ والجِهاتِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أيْ مَلِكٍ تامِّ المِلْكِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أيْ شامِلِ القُدْرَةِ بالِغِها إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ إدْراكُهُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَهو يُوصِلُهم إلى كُلِّ خَيْرٍ ويَدْفَعُ عَنْهم كُلَّ ضَيْرٍ، وكَما أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدِيَّةَ الإشْهادِ فَلَهم في الدُّنْيا عِنْدِيَّةُ الإمْدادِ، ولِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ سِرٌّ في الِانْتِصارِ عَلى الظّالِمِينَ، ولَقَدْ خُتِمَتِ السُّورَةُ كَما تَرى كَما ابْتُدِئَتْ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وكانَتِ البِدايَةُ لِلْبِدايَةِ والنِّهايَةُ لِلنِّهايَةِ، وزادَتِ النِّهايَةُ بَيانَ السَّبَبِ المُوجِدِ لَها، وهو قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ وعَظُمَتْ رَحْمَتُهُ وإحْسانُهُ، وعَفْوُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورِضْوانُهُ، ولِتَصْنِيفِ النّاسِ فِيها إلى كافِرٍ مُسْتَحِقٍّ لِلِانْتِقامِ، ومُؤْمِنٍ مُؤَهَّلٍ لِغايَةِ الإكْرامِ، لَمْ يَذْكُرِ الِاسْمَ الأعْظَمَ الجامِعَ الَّذِي يَذْكُرُ في سِياقِ مُقْتَضى جَمْعِ الجَلالِ والإكْرامِ لِصِنْفٍ واحِدٍ وهو مَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ و[لا] يَتَدَنَّسُ بِالعِصْيانِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، ولِمُشارَكَتِها لِلسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها في هَذا العَرْضِ، وهو الكَلامُ في حَقِّ الصِّنْفَيْنِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ عارِضٍ مِمَّنْ آمَنَ، أشْرَكَ الثَّلاثَةَ في الخُلُوِّ عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ. فَلَمْ يَذْكُرْ في واحِدَةٍ مِنها وجاءَ فِيها مِنَ الصِّفاتِ ما يَقْتَضِي العَظَمَةَ عَلى أهْلِ الكُفْرانِ، وما يُنْبِئُ عَنِ الإكْرامِ والإحْسانِ لِأهْلِ الإيمانِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ولِهَذا خُتِمَتْ هَذِهِ بِصِفَةِ المُلْكِ المُقْتَضِي لِلسَّطْوَةِ التّامَّةِ (p-١٣٨)والإكْرامِ البالِغِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، لِأنَّ المَلِكَ مِن حَيْثُ هو مَلِكٌ إمّا يَقْتَضِي مَقامُهُ إهانَةَ العَدُوِّ وإكْرامَ الوَلِيِّ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ أيْضًا، كُلُّ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ تَصْرِيفَهُ سُبْحانَهُ لِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما قُصِدَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَصْرِيفِهِ في أحْوالِ الدُّنْيا مِن إهْلاكِ الأعْداءِ وإنْجاءِ الأوْلِياءِ، وكَأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ هَكَذا لِأنَّها جاءَتْ عَقِبَ النَّجْمِ الَّتِي شَرَحَ فِيها الإسْراءَ وكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَظَمَةِ بِخَرْقِ العَوائِدِ بِاخْتِراقِ السَّماواتِ، والوُصُولِ إلى أنْهى الغايَةِ مِنَ المُناجاةِ، وغَيْرِها مِن سِرِّ المَلَكُوتِ ومَحَلِّ الجَبَرُوتِ، بَعْدَ أنْ لَوَّحَ بِمَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالطُّورِ لِيُعْلَمَ الفَرْقُ ويُوصَفَ كُلٌّ بِما هو الحَقُّ، فَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَكُونَ بَعْدَهُ مِنَ النّاسِ إلّا مُؤْمِنٌ خالِصٌ، فَإنْ كانَ غَيْرَهُ فَهو مُعانِدٌ شَدِيدُ الكُفْرِ، وكَأنَّها جُعِلَتْ ثَلاثًا لِإرادَةِ غايَةِ التَّأْكِيدِ لِهَذا المَعْنى الشَّدِيدِ، فَلَمّا انْقَضَتِ الثَّلاثَةُ كانَ مُتَبَرَّكًا بِهِ في مُعْظَمِ آياتِ الحَدِيدِ ثُمَّ تُوِّجَتْ كُلُّ آيَةٍ مِن آياتِ المُجادِلَةِ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ غايَةُ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ تَرْهِيبًا لِمَن يَعْصِي ولا سِيَّما مَن يُظاهِرُ، وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ لِلْمَلِكِ الغافِرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِما يُرِيدُ إنَّهُ قَوِيٌّ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences