Al-Biqa'iAr‑Rahman · 55:26–45

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:26–45

55:26Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَثَّ فِيهِما مِنَ المَنافِعِ [مِنَ الأعْيانِ] والمَعانِي، واسْتَوْفى الأرْضَ بِقِسْمَيْها بَرًّا وبَحْرًا، مُضَمِّنًا ذَلِكَ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ الَّتِي أسَّسَ عَلَيْها المُرَكَّباتِ، وكانَ أعْجَبَ ما لِلْمَخْلُوقِ مِنَ الصَّنائِعِ ما في البَحْرِ، وكانَ راكِبُهُ في حُكْمِ العَدَمِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِهَلاكِ الخَلْقِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِـ ”مَن“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّصْرِيحِ تَهْوِيلًا بِفَناءِ العاقِلِ [عَلى فَناءِ غَيْرِ العاقِلِ] بِطَرِيقِ الأوْلى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيِ: الأرْضِ بِقِسْمَيْها والسَّماءِ أيْضًا ﴿فانٍ﴾ أيْ: هالِكٌ ومَعْدُومٌ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ كانَ هو وغَيْرُهُ مِن سائِرِ ما [سِوى] إلَيْهِ، ولَيْسَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، فَهو فانٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ كانَ مَوْجُودًا فَوُجُودُهُ بَيْنَ عَدَمَيْنِ أوَّلُهُما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، [و]ثانِيهِما أنَّهُ يَزُولُ ثُمَّ هو فِيما [بَيْنَ] ذَلِكَ يَتَعاوَرُهُ الإيجادُ والإفْناءُ في حِينٍ مِن أحْوالِهِ وأعْراضِهِ وقُواهُ، وأسْبابُ الهَلاكِ مُحِيطَةٌ بِهِ حِسًّا ومَعْنًى وهو لا يَراها كَما أنَّها مُحِيطَةٌ بِمَن هو في السَّفِينَةِ مِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ ومِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.

55:27Page 532

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

ولَمّا كانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الوُجُودِ، وكانَ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا أُرِيدَ بِهِ صاحِبُ الوَجْهِ مَعَ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ بَقاءُ الوَجْهِ بِدُونِ صاحِبِهِ، فَكانَ (p-١٦٦)التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أعْظَمَ وأدَلَّ عَلى الكَمالِ، وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلا يَتَوَهَّمُ أحَدٌ [مِنهُمْ] مِنَ التَّعْبِيرِ بِهِ نَقْصًا قالَ: ﴿ويَبْقى﴾ أيْ: بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ، بَقاءً مُسْتَمِرًّا إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكَ بِالرِّسالَةِ والتَّرْقِيَةِ بِهَذا الوَحْيِ إلى ما لا يُحَدُّ مِنَ المَعارِفِ، وكُلُّ عَمَلٍ أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خالِصًا. ولَمّا ذَكَرَ مُبايَنَتَهُ لِلْمَخْلُوقاتِ، وصَفَهُ بِالإحاطَةِ الكامِلَةِ بِالنَّزاهَةِ والحَمْدِ، وقالَ واصِفًا الوَجْهَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الذّاتُ الَّذِي [هُوَ] أشْرَفُها مُعَبِّرًا بِهِ ولِأنَّها أبْلَغُ مِن ”صاحِبِ“ وبِما يُنَبِّهُ عَلى التَّنْزِيهِ عَمّا رُبَّما تَوَهَّمَهُ مِن ذِكْرِ الوَجْهِ بَلِيدٌ جامِدٌ مَعَ المَحْسُوساتِ يَقِيسُ الغائِبَ - الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ حاجَةٌ ولا يُلِمُّ بِجَنابِهِ الأقْدَسِ نَقْصٌ - بِالشّاهِدِ الَّذِي كُلُّهُ نَقْصٌ وحاجَةٌ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ أيِ: العَظَمَةِ الَّتِي لا تُرامُ وهو صِفَةُ ذاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي إجْلالَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ ﴿والإكْرامِ﴾ أيِ: الإحْسانِ العامِّ وهو صِفَةُ فِعْلِهِ.

55:28Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

ولَمّا كانَ المَوْتُ نَفْسُهُ فِيهِ نِعَمٌ لا تُنْكَرُ، وكانَ مَوْتُ ناسٍ نِعْمَةً عَلى ناسٍ، مَعَ ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ مِن وصْفِهِ بِالإنْعامِ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: [المُرَبِّي لَكُما عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي مَآلُهُ إلى العَدَمِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: أيُّها الثَّقَلانِ الإنْسُ والجانُّ، أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ الأمامِ أوْ غَيْرِها مِن إيجادِ الخَلْقِ ثُمَّ إعْدامِهِمْ وتَخْلِيفِ بَعْضِهِمْ في أثَرِ بَعْضٍ (p-١٦٧)وإيراثِ البَعْضِ ما في يَدِ البَعْضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُدْرِكُها عَلى جِهَتِها إلّا اللَّهُ تَعالى.

55:29Page 532

يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩

Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1

ولَمّا كانَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى العَدَمِ الحاجَةُ، وعَلى دَوامِ الوُجُودِ الغِنى، قالَ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ: ﴿يَسْألُهُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: كُلُّهم مِن ناطِقٍ أوْ صامِتٍ بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ [أوْ بِهِما]، ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ عِنْدَ السُّؤالِ، وكانَ أقَلَّ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ المَحْسُوسَةِ ”اليَوْمَ“ عَبَّرَ بِهِ عَنْ أقَلِّ الزَّمانِ كَما عَبَّرَ [بِهِ] عَنْ أخَفِّ المَوْزُوناتِ بِالذَّرَّةِ فَقالَ مُجِيبًا لِذَلِكَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أيْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِن يَوْمِ السَّبْتِ وعَلى اليَهُودِ لَعْنَةُ اللَّهِ وغَضَبُهُ حَيْثُ قالُوا في السَّبْتِ ما هو مُنافٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ أيْ: مِن إحْداثِ أعْيانٍ وتَجْدِيدِ مَعانٍ أوْ إعْدامِ ذَلِكَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [فِي] فُنُونِ أقْسامِ المَخْلُوقاتِ وما يُجْرِيهِ عَلَيْها مِنَ اخْتِلافِ الصِّفاتِ - انْتَهى.

وهُوَ شُؤُونٌ يُبْدِيها لا شُؤُونٌ يَبْتَدِئُها تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ عَلى ما تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ في الأزَلِ أنَّهُ يَكُونُ أوْ يُعْدَمُ في أوْقاتِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ قانِتٌ لَهُ خاضِعٌ لَدَيْهِ ساجِدٌ لِعَظَمَتِهِ شاهِدٌ لِقُدْرَتِهِ دالٌّ عَلَيْهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وذَلِكَ التَّعْبِيرُ - مَعَ أنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ - أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى (p-١٦٨)صِفاتِ الكَمالِ [لَهُ وصِفاتِ] النَّقْصِ لِلْمُتَغَيِّراتِ وأنَّها عَدَمٌ في نَفْسِها ولِأنَّها نِعَمٌ قالَ:

55:30Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ:المُرَبِّي لَكُما بِهَذا التَّدْبِيرِ العَظِيمِ لِكُلِّ ما يُصْلِحُكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن [جِهَةِ] الخَلْفِ أوْ غَيْرِها مِن تَصْرِيفِهِ إيّاكم فِيما خَلَقَكم لَهُ هو أعْلَمُ بِهِ مِنكم مِن مَعايِشِكم وجَمِيعِ تَقَلُّباتِكُمْ، وقَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذِهِ الآيَةِ المُقَرِّرَةِ عَلى النِّعَمِ مِن أوَّلِها إلى هُنا ثَمانِيَ مَرّاتٍ عَقِبَ النِّعَمِ إشارَةً - واللَّهُ أعْلَمُ - إلى أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا تُحْصى لِأنَّها تَزِيدُ عَلى السَّبْعَةِ الَّتِي هي العَدَدُ التّامُّ الواحِدُ هو مَبْدَأٌ لِدَوْرٍ جَدِيدٍ مِنَ العَدَدِ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما انْقَضى مِنها دَوْرٌ ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الأخِيرَةَ صَرَّحَ فِيها بِـ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] والسَّبْعُ الَّتِي قَبْلَها يَخْتَصُّ بِأهْلِ الأرْضِ إشارَةً إلى أنَّ أُمَّهاتِ النِّعَمِ سَبْعٌ كالسَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ السَّيّارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

55:31Page 532

سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١

We will attend to you, O prominent beings.1

ولَمّا انْقَضى عَدُّ النِّعَمِ العِظامِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ الإمْكانِ مِنَ البَيانِ، وكانَ تَغَيُّرُ سائِرِ المُمْكِناتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والمَلائِكَةِ والسَّماواتِ [والأرْضِ] وما حَوَتا مِمّا عَدا الثَّقَلَيْنِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ، وأمّا الثَّقَلانِ فَأحْوالُهُما لِأجْلِ تَنازُعِ العَقْلِ والشَّهَواتِ لا تَكادُ تَنْضَبِطُ، بَلْ تَغَيُّرُ حالِ الواحِدِ مِنهم في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ إلى ألْوانٍ كَثِيرَةٍ مُتَضادَّةٍ لِما فِيهِمْ مِنَ المَكْرِ وأحْوالِ المُغالَبَةِ والبَغْيِ والِاسْتِئْثارِ بِاللَّهْوِ (p-١٦٩)بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وكانَ أكْثَرُهم يَمُوتُ بِنارِهِ مِن غَيْرِ أخْذِ ثَأْرِهِ، واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ولابُدَّ أنَّهُ لابُدَّ لَهم مِن يَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ يَكُونُ بَيْنَهُما فِيهِ الفَصْلُ عَلى مِيزانِ العَدْلِ، خَصَّهُما بِالذِّكْرِ فَقالَ آتِيًا في النِّهايَةِ بِالوَعِيدِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْعُصاةِ بَعْدَ الإنْعامِ والبَيانِ إلّا التَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ لِلرُّجُوعِ إلى طاعَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ، والِالتِفاتُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ إلى التَّكَلُّمِ أشَدُّ تَهْدِيدًا مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى نَسَقِ ما مَضى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ قَرِيبٍ لا خُلْفَ فِيهِ مِن جَمِيعِ الشُّؤُونِ الَّتِي ذُكِرَتْ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: نَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَفْرُغُ لِلشَّيْءِ فَلا يَكُونُ لَهُ شُغْلٌ سِواهُ بِفَراغِ جُنُودِنا مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمّا أمَرْناهم بِهِ مِمّا سَبَقَتْ بِهِ كَلِمَتُنا ومَضَتْ بِهِ حِكْمَتُنا مِنَ الآجالِ والأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْتَهِي كُلُّهُ ولا يَكُونُ لَهم حِينَئِذٍ عَمَلٌ إلّا جَمْعَكم لِيَقْضِيَ بَيْنَكُمْ: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ بِالنَّصَفَةِ، والثِّقَلُ هو ما يَكُونُ بِهِ قِوامُ صاحِبِهِ، فَكَأنَّهُما سُمِّيا بِذَلِكَ تَمْثِيلًا لَهُما بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُما المَقْصُودانِ بِالذّاتِ مِنَ الخَلائِقِ، [و]قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وُصِفا بِذَلِكَ يُعَظِّمُ ذَلِكَ شَأْنَهُما، كَأنَّ ما عَداهُما لا وزْنَ لَهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِما - انْتَهى. وهَذا كَما قالَ ﷺ «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتِي» وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالذُّنُوبِ.

55:32Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

(p-١٧٠)ولَمّا كانَ هَذا مِن أجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها العِبادُ، ويَصْلُحُ بِها البِلادُ، وتَقُومُ بِها السَّماواتُ والأرْضُ، لِأنَّ مُطْلَقَ التَّهْدِيدِ يَحْصُلُ بِهِ انْزِجارُ النَّفْسِ عَمّا لَها مِنَ الِانْتِشارِ فِيما يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، فَكَيْفَ بِالتَّهْدِيدِ بِيَوْمِ الفَصْلِ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكُما بِهَذا الصُّنْعِ [المُحْكَمِ] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ عَنِ اليَمِينِ أوْ بِغَيْرِها مِن إثابَةِ أهْلِ طاعَتِهِ وعُقُوبَةِ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ، وسَمّى ابْنُ بُرْجانَ هَذا الإخْبارَ الَّذِي لا نُونَ جَمْعٍ فِيهِ خِطابَ القَبْضِ يُخْبِرُ فِيهِ عَنْ مَوْجُوداتِهِ وما هو خالِقُهُ، قالَ: وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ عَنْ مَحْضِ الوَحْدانِيَّةِ، وما قَبْلَهُ مِن ﴿سَنَفْرُغُ﴾ [الرحمن: ٣١] ونَحْوِهِ وما فِيهِ نُونُ الجَمْعِ إخْبارٌ عَنْ وصْفِ مَلَكُوتِهِ وجُنُودِهِ وهو خِطابُ البَسْطِ.

55:33Page 532

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣

O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].

ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ بِالفَراغِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُمُ الآنَ مَعْجُوزٌ عَنْهم أوْ عَنْ بَعْضِ أمْرِهِمْ، بَيَّنَ بِخِطابِ القَبْضِ المُظْهِرِ لِمَحْضِ الوَحْدانِيَّةِ أنَّهم في القَبْضَةِ، لا فِعْلَ لِأحَدٍ مِنهم بِدَلِيلِ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى جَمِيعِ مُرادِهِمْ مِمّا هو في مَقْدُورِهِمْ، ولَكِنَّهُ سَتَرَ ذَلِكَ بِالأسْبابِ الَّتِي يُوجِدُ التَّقَيُّدُ بِها إسْنادَ الأُمُورِ إلى مُباشَرَتِها فَقالَ بَيانًا لِلْمُرادِ بِالثَّقَلَيْنِ: ﴿يا مَعْشَرَ﴾ أيْ: يا جَماعَةً فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ والعِشْرَةُ والتَّصادُقُ ﴿الجِنِّ﴾ قَدَّمَهم لِمَزِيدِ قُوَّتِهِمْ ونُفُوذِهِمْ في المَسامِّ وقُدْرَتِهِمْ عَلى الخَفاءِ والتَّشَكُّلِ في الصُّوَرِ بِما ظُنَّ أنَّهم لا يُعْجِزُهم شَيْءٌ ﴿والإنْسِ﴾ أيِ: الخَواصِّ والمُسْتَأْنِسِينَ والمُؤانَسِينَ المَبْنِيِّ أمْرُهم عَلى الإقامَةِ والِاجْتِماعِ.

ولَمّا بانَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ المُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ، جَمَعَ دَلالَةً عَلى كَثْرَتِهِمْ فَقالَ: (p-١٧١)﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [أيْ] إنْ وُجِدَتْ لَكم طاعَةُ الكَوْنِ في ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾ أيْ: تَسْلُكُوا بِأجْسامِكم وتَمْضُوا مِن غَيْرِ مانِعٍ يَمْنَعُكم ﴿مِن أقْطارِ﴾ أيْ: نَواحِي ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الَّتِي يَتَخَلَّلُها القَطْرُ لِسُهُولَةِ انْفِتاحِها لِشَيْءٍ تُرِيدُونَهُ مِن هَرَبٍ مِنَ اللَّهِ مِن إيقاعِ الجَزاءِ بَيْنَكُمْ، أوْ عِصْيانٍ عَلَيْهِ في قَبُولِ أحْكامِهِ وجَرْيِ مُراداتِهِ وأقْضِيَتِهِ عَلَيْكم مِنَ المَوْتِ وغَيْرِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿فانْفُذُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُحِيطَةٌ بِالأُخْرى لِأنَّ النُّفُوذَ لا يَكُونُ حَقِيقَةً إلّا مَعَ الخَرْقِ.

ولَمّا كانَ نُفُوذُهم في حَدِّ ذاتِهِ مُمْكِنًا ولَكِنَّهُ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ في أحَدٍ مِنهم قُوَّتَهُ ولا سِيَّما وقَدْ مَنَعَهم مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمُورٍ مِنها إحْداقُ أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ [بِهِمْ] صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ وسُرادِقُ النّارِ قَدْ أحاطَ بِالكافِرِينَ ولا مَنفَذَ لِأحَدٍ إلّا عَلى الصِّراطِ ولا يَجُوزُهُ إلّا كُلُّ ضامِرٍ يَخِفُّ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ أيْ [مِن] شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ إلّا بِتَسْلِيطٍ عَظِيمٍ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قاهِرٍ وقُدْرَةٍ بالِغَةٍ وأنّى لَكم بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَ البَغْوِيُّ: وفي الخَبَرِ: يُحاطُ عَلى الخَلْقِ بِالمَلائِكَةِ وبِلِسانٍ مِن نارٍ ثُمَّ يُنادَوْنَ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ الآيَةُ - انْتَهى، وهَذا حِكايَةُ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ لا أنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ.

55:34Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤

So which of the favors of your Lord would you deny?

(p-١٧٢)ولَمّا كانَ هَذا نَظَرَهم فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ بَقِيَّةِ الحَيَواناتِ بِما أعْطاهم مِنَ القُوى الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ وما نَصَبَ لَهُمُ المَصاعِدَ العَقْلِيَّةَ والمَعارِضَ النَّقْلِيَّةَ الَّتِي يَنْفُذُونَ بِها إلى غايَةِ الكائِناتِ ويَتَخَلَّلُونَ بِما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ عِلْمُها إلى أعْلى المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ نَظَرَهم فِيما بَيْنَ الحَيَواناتِ وبَيْنَ النَّباتاتِ ثُمَّ بَيْنَها وبَيْنَ الجَماداتِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْطِي مَن يَشاءُ ما يَشاءُ، فَلَوْ أرادَ قَوّاهم عَلى النُّفُوذِ مِنها، ولَوْ قَوّاهم عَلى ذَلِكَ لَكانَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُمْ، فَلَوْ شاءَ أهْلَكَهم ولَكِنَّهُ يُؤَخِّرُهم إلى آجالِهِمْ حِلْمًا مِنهُ وعَفْوًا مِنهُ عَنْهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكُما المُرَبِّي لَكُما بِما تَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ اليَسارِ أوْ غَيْرِها مِن جَعْلِكم سَواءً في أنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى مُخالَفَةِ مُرادِهِ سَواءٌ كُنْتُمْ جَمْعًا أوْ فُرادى، أوْ مِن ضَمِّكم إلى يَوْمِ الجَمْعِ وقَدْ جَمَعَكم قَبْلُ حِينَ ابْتَدَأ بِخَلْقِكم أوِ اليَوْمِ المَشْهُودِ وقَدْ أشْهَدَكم قَبْلُ عَلى أنْفُسِكم وعَهِدَ إلَيْكم أوْ بِتَكْشِيطِ السَّماواتِ وقَدْ شاهَدْتُمْ تَكْشِيطَ السَّحابِ بَعْدَ بَسْطِهِ أوْ بِالجَزاءِ وقَدْ رَأيْتُمُ الجَزاءَ العاجِلَ وشاهَدْتُمْ ما أصابَ الأُمَمَ الماضِيَةَ.

55:35Page 532

يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥

There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.

ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى النُّفُوذِ المَذْكُورِ تَنْبِيهًا عَلى سَلْبِ جَمِيعِ القُدْرَةِ عَنْهم وعَلى أنَّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرِهِ لَهم نِعْمَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ مِنهم مَن بَلَغَ الغايَةَ في قَسْوَةِ القَلْبِ وجُمُودِ الفِكْرِ (p-١٧٣)فَهُوَ يُحِيلُ العَجْزَ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ إلى أنَّهُ لَمْ يَجْرِ بِذَلِكَ عادَةٌ، لا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المانِعُ مِن ذَلِكَ، فَعَمَّهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ سَطْوَتُهُ فَقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ أيْ أيُّها المُعانِدُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حِينَ [تُخْرَجُونَ مِنَ القُبُورِ] بِسَوْقِكم إلى المَحْشَرِ ﴿شُواظٌ﴾ أيْ: لَهَبٌ عَظِيمٌ مُنْتَشِرٌ مَعَ التَّضايُقِ مُحِيطٌ بِكم مِن كُلِّ جانِبٍ لَهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ كَهَيْئَةِ ذِي الخُلُقِ الضَّيِّقِ الشَّدِيدِ النَّفْسِ.

ولَمّا كانَ الشُّواظُ يُطْلَقُ عَلى اللَّهَبِ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ وعَلى دُخانِ النّارِ وحَرِّها وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ هو في غايَةِ الفَظاعَةِ فِيهِ شَرَرٌ مُتَطايِرٌ وقِطْرٌ مُذابٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخانَ نُحاسًا بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّها - انْتَهى. وجَرَّها أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ عَطْفًا عَلى ﴿نارٍ﴾ ورَفَعَهُ الباقُونَ عَطْفًا عَلى ﴿شُواظٌ﴾

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا عَقْلًا وعادَةً، وكانُوا عارِفِينَ بِأنَّهم لَوْ وقَعُوا في مِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يَتَخَلَّصُوا مِنهُ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: هَذا مِصْداقُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِن نارٍ فَيَقُولُ بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ فَيَلْتَقِطُهم مِن بَيْنِ الجَمْعِ لَقْطَ الحَمامِ حَبَّ السِّمْسِمِ، ويَغْشى المُجْرِمِينَ دُخانُ جَهَنَّمَ مِن بَيْنِ المُؤْمِنِينَ ولا يَضُرُّهُمْ، وآيَةُ الشُّواظِ (p-١٧٤)وعُنُقِ النّارِ هُنالِكَ صَواعِقُ ما هُنا وبُرُوقُهُ والنّارُ المَعْهُودَةُ» .

55:36Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ بِهَذا لُطْفًا بِهِمْ فَهو نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ والعَفْوُ عَنِ المُعالَجَةِ بِإرْسالِهِ لِذَلِكَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكُما بِدَفْعِ البَلايا وجَلْبِ المَنافِعِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن فَوْقٍ أوْ غَيْرِها، ألَمْ يَكُنْ لَكم فِيما شَهِدْتُمُوهُ في الدُّنْيا مِن دَلائِلِ ذَلِكَ وآياتِهِ ما يُوجِبُ لَكُمُ الإيمانَ.

55:37Page 532

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧

And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لَمْ تَجْرِ عادَةٌ بِعُمُومِهِ وإنِ اسْتَطْرَدَتْ بِجَرَيانِهِ مِنهُ في أشْياءَ مِنهُ في أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ كَأشْخاصٍ كَثِيرَةٍ، بَيَّنَ لَهم وقْتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَذا الإرْسالِ أنَّهُ إذا ﴿انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ مِن هَوْلِهِ وعَظَمَتِهِ فَكانَتْ أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴿فَكانَتْ﴾ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَرِّ ﴿ورْدَةً﴾ أيْ: حَمْراءَ مُشْرِقَةً مِن شِدَّةِ لَهِيبِهِ، وقالَ البَغْوِيُّ: كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ وهو الأبْيَضُ الَّذِي يَضْرِبُ إلى حُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ.

﴿كالدِّهانِ﴾ أيْ ذائِبَةً صافِيَةً كالشَّيْءِ الَّذِي يُدْهَنُ بِهِ أوْ كالأدِيمِ الأحْمَرِ والمَكانِ الزَّلِقِ، وآيَةُ ذَلِكَ في الدُّنْيا الشَّفَقانِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وعِنْدَ الغُرُوبِ، وجَوابُ ”إذا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلِمْتُمْ ذَلِكَ عِلْمًا شُهُودِيًّا أوْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ حِينَئِذٍ ونَحْوُ ذا أنْ يَكُونَ الجَوابُ شَيْئًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ الآتِيَةُ نَحْوَ: فَلا يَسْألُ أحَدٌ إذْ ذاكَ عَنْ ذَنْبِهِ، وحَذْفُهُ أفْخَمُ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

55:38Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨

So which of the favors of your Lord would you deny? -

(p-١٧٥)ولَمّا كانَ حِفْظُ السَّماءِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِتَأْخِيرِ إرْسالِ هَذا وغَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ وجَعْلِها مَحَلَّ الرُّوحِ والحَياةِ والرِّزْقِ مِن أعْظَمِ الفَواضِلِ قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكُما هَذا التَّدْبِيرَ المُتْقَنَ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ السَّمْعِ مِن تَحْتٍ أوْ غَيْرِها ولَيْسَ شَيْءٌ بِما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا قَدْ أقَمْتُ لَكم في الدُّنْيا ما تَهْتَدُونَ بِهِ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ.

55:39Page 532

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩

Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1

ولَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ذا ألْوانٍ كَثِيرَةٍ ومَواقِفَ مَهُولَةٍ طَوِيلَةٍ شَهِيرَةٍ تَكُونُ في كُلٍّ مِنها شُؤُونٌ عَظِيمَةٌ وأُمُورٌ كَبِيرَةٌ، ذَكَرَ بَعْضَ ما سَبَّبَهُ هَذا الوَقْتُ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالعاصِي والطّائِعِ بِآياتٍ جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا في عِلْمِها فَقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: فَسُبِّبَ عَنْ يَوْمِ انْشَقَّتِ السَّماءُ لِأنَّهُ ﴿لا يُسْألُ﴾ سُؤالَ تَعَرُّفٍ واسْتِعْلامٍ بَلْ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ وكَلامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لَهُ: هَلْ فَعَلْتَ كَذا؟ بَلْ يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، عَلى أنَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ طَوِيلٌ، وهو ذُو ألْوانٍ تارَةً يُسْألُ فِيهِ وتارَةً لا يُسْألُ، والأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ، وكُلُّ لَوْنٍ مِن تِلْكَ الألْوانِ يُسَمّى يَوْمًا، فَقَدْ مَضى في الفاتِحَةِ أنَّ اليَوْمَ عِبارَةٌ عَنْ وقْتٍ يَمْتَدُّ إلى انْقِضاءِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ فِيهِ ظاهِرٍ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ أوْ غَيْرِهِما لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: يَوْمَ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقِيَ وهو لا يَخْتَصُّ بِلَيْلٍ ولا نَهارٍ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ شَأْنَ المُعْتَرِفِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ خاصًّا بِعَهْدٍ دُونَ عَهْدٍ بَلْ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن أرادَ عِلْمَهُ، وأضْمَرَ قَبْلَ الذِّكْرِ لِما هو مُقَدَّمٌ في الرُّتْبَةِ لِيُفْهِمَ الِاخْتِصاصَ فَوَحَّدَ الضَّمِيرَ لِأجْلِ اللَّفْظِ فَقالَ: ﴿عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أيْ: خاصَّةً وقَدْ سُئِلَ المُحْسِنُ عَنْ حَسَنَتِهِ سُؤالَ تَشْرِيفٍ لَهُ وتَنْدِيمٍ لِمَن دُونَهُ. (p-١٧٦)ولَمّا كانَ الإنْسُ أعْظَمَ مَقْصُودٍ بِهَذا، ولِهَذا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنهُمْ، وكانَ التَّعْرِيفُ بِالشّاهِدِ المَأْلُوفِ أعْظَمَ في التَّعْرِيفِ، وكانَ عِلْمُ أحْوالِ الشَّيْءِ الظّاهِرِ أسْهَلَ، قَدَّمَهم فَقالَ: ﴿إنْسٌ﴾ ولَمّا كانَ لا يَلْزَمُ مِن عِلْمِ أحْوالِ الظّاهِرِ عِلْمُ أحْوالِ الخَفِيِّ، بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ هَيِّنٌ فَقالَ: ﴿ولا جانٌّ﴾

55:40Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

ولَمّا كانَ هَذا التَّمْيِيزُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ لِئَلّا يُؤَدِّيَ الِالتِباسُ إلى تَرْوِيعِ بَعْضِ المُطِيعِينَ عامِلًا أوْ نِكايَةً بِالسُّؤالِ عَنْهُ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: الَّذِي رَبّى كُلًّا مِنكم بِما لا مَطْمَعَ في إنْكارِهِ ولا خَفاءَ فِيهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ الأمامِ أمْ مِن غَيْرِها.

55:41Page 533

يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١

The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.

ولَمّا كانَ الكَلامُ عامًّا عَرَّفَ أنَّهُ خاصٌّ بِتَعَرُّفِ المُجْرِمِ مِن غَيْرِهِ دُونَ التَّعْزِيرِ بِالذَّنْبِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ السُّؤالِ: ﴿يُعْرَفُ﴾ أيْ: لِكُلِّ أحَدٍ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أيِ: العَلاماتِ الَّتِي صَوَّرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم فِيها فَجَعَلَها ظاهِرَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ باطِنَةً، وظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِمْ كَما يُعْرَفُ أنَّ اللَّيْلَ إذا جاءَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أصْلًا وكَذَلِكَ النَّهارُ ونَحْوُهُما لِغَيْرِ الأعْمى، وتِلْكَ السِّيما - واللَّهُ أعْلَمُ - زُرْقَةُ العُيُونِ وسَوادُ الوُجُوهِ والعَمى والصَّمَمُ والمَشْيُ عَلى الوُجُوهِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَما يُعْرَفُ المُحْسِنُونَ بِسِيماهم مِن بَياضِ الوُجُوهِ وإشْراقِها وتَبَسُّمِها، والغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسَبَّبَ عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ قَوْلَهُ مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى سُهُولَةِ الأخْذِ مِن أيِّ آخِذٍ كانَ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ أيْ مِنهم وهي مُقَدَّماتُ الرُّؤُوسِ ﴿والأقْدامِ﴾ بَعْدَ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما (p-١٧٧)كَما أنَّهم كانُوا [هُمْ] يَجْمَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُفَرَّقَ، ويُفَرِّقُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُجْمَعَ، فَيُسْحَبُونَ بِها سَحْبًا مِن كُلِّ ساحِبٍ أقامَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ بِوَجْهٍ فَيُلْقَوْنَ في النّارِ.

55:42Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

ولَمّا كانَ ذَلِكَ نِعْمَةً لا يُقامُ بِشُكْرِها لِكُلِّ مَن يَسْمَعُها لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنْتَفِي مِنَ الإجْرامِ ويَوَدُّ لِلْمُجْرِمِينَ عَظِيمَ الِانْتِقامِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ مِنَ الَّذِي دَبَّرَ مَصالِحَكم بَعْدَ أنْ أوْجَدَكم ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ الوَراءِ أمْ بِغَيْرِها مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ مِنَ الجَزاءِ في الآخِرَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ بِما كانَ يَعْمَلُ في الدُّنْيا أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ.

55:43Page 533

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣

This is Hell, which the criminals deny.

ولَمّا كانَ أخْذُهم عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤْذِنًا بِأنَّهُ [يَصِيرُ] إلى خِزْيٍ عَظِيمٍ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ، بانِيًا عَلى ما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ مِن نَحْوِ: أخْذًا مَقُولًا فِيهِ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى مَحَلِّ النَّكالِ عَلى الحالِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنَ الأخْذِ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ،

﴿هَذِهِ﴾ [أيِ] الحُفْرَةُ العَظِيمَةُ الكَرِيهَةُ المَنظَرِ ”القَرِيبَةُ مِنكُمُ“ [المُلازِمَةُ لِلْقُرْبِ لَكُمْ] ﴿جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ﴾ (p-١٧٨)أيْ ماضِيًا وحالًا ومَآلًا اسْتِهانَةً ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا - بَعْدَ إدْخالِهِمْ إيّاها - ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿بِها المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الإجْرامِ، وهو قَطْعُ ما مِن حَقِّهِ أنْ يُوصَلَ [وهُوَ] ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وخَصَّ هَذا الِاسْمَ إشارَةً إلى أنَّها تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والكَلاحَةِ والفَظاظَةِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ مَعَ الصّالِحِينَ عِنْدَ الإجْرامِ [المَذْكُورِ]، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبانِ فَتُصْلَيانِها لا تَمُوتانِ فِيها ولا تَحْيَيانِ“

55:44Page 533

يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤

They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فِيها فَقالَ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾ أيْ: بَيْنَ دَرَكَةِ النّارِ الَّتِي تَتَجَهَّمُهم ﴿وبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ حارٍّ هو مِن شِدَّةِ حَرارَتِهِ ذُو دُخانٍ.

ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلى البارِدِ، بَيَّنَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿آنٍ﴾ أيْ: بالِغٍ حَرُّهُ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وقِيلَ: حاضِرٌ، وبِهِ سُمِّيَ الحالُ بِالآنِ لِأنَّهُ الحاضِرُ المَوْجُودُ، فَإنَّ الماضِيَ لا تَدارُكَ لَهُ والمُسْتَقْبَلَ أمَلٌ ولَيْسَ لَنا إلّا الآنَ، ثُمَّ ”الآنَ“ لَيْسَ بِثابِتٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِأنَّ الآنَ هو الجُزْءُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ زَمانَيْنِ، فَهم دائِمًا يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ عَذابَيِ النّارِ المُذِيبَةِ لِلظّاهِرِ والماءِ المُقَطِّعِ بِحَرِّهِ لِلْباطِنِ لا يَزالُ حاضِرًا لَهم تَرَدُّدَ الطّائِفِ الَّذِي لا أوَّلَ لِتَرَدُّدِهِ ولا آخِرَ.

55:45Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

ولَمّا كانَ عَذابُ المُجْرِمِ - القاطِعِ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا - مِن أكْبَرِ النِّعَمِ وأسَرِّها لِكُلِّ أحَدٍ حَتّى لِمَن سِواهُ مِنَ المُجْرِمِينَ، سَبَّبَ (p-١٧٩)قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكُما أيُّها الثَّقَلانِ بِإهْلاكِ المُجْرِمِ في الدّارَيْنِ وإنْجاءِ المُسْلِمِ مِمّا أهْلَكَ بِهِ المُجْرِمَ لُطْفًا بِالمُهَدَّدِينَ لِيَرْتَدِعُوا ويَنْزَجِرُوا عَمّا يَكُونُ سَبَبَ إهْلاكِهِمْ هم ومَن والاهم ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ اليَمِينِ أمْ مِن غَيْرِها مِمّا أراكم مِن آياتِهِ، وظاهَرَ عَلَيْكم مِن بَيِّناتِهِ، في السَّماواتِ والأرْضِ، وما أراكم مِن مَطالِعِ الدُّنْيا مِنَ الشَّمْسِ الَّتِي هي آيَةُ النَّهارِ والقَمَرِ الَّذِي هو آيَةُ الزَّمْهَرِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ المُحْكَمَةِ المَرْئِيَّةِ المَسْمُوعَةِ، وقَدْ كُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها سَبْعَ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِدْفاعِ أبْوابِها السَّبْعَةِ كَما مَضى - واللَّهُ المُسْتَعانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском