Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:46–75
55:46Page 533
وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦
But for he who has feared the position of his Lord1 are two gardens -
ولَمّا كانَ قَدْ عَرَّفَ ما لِلْمُجْرِمِ المُجْتَرِئِ عَلى العَظائِمِ، وقَدَّمَهُ لِما اقْتَضاهُ مَقامُ التَّكَبُّرِ مِنَ التَّرْهِيبِ وجَعَلَهُ سَبْعًا إشارَةً إلى أبْوابِ النّارِ السَّبْعَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِلْخائِفِ الَّذِي أدّاهُ خَوْفُهُ إلى الطّاعَةِ وجَعَلَهُ [ثَمانِيَةً] عَلى [عَدَدِ] أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ فَقالَ: ﴿ولِمَن﴾ [أيْ:] ولِكُلِّ [مَن،] ووَحَّدَ الضَّمِيرَ مُراعاةً لِلَفْظِ ”مَن“ إشارَةً إلى قِلَّةِ الخائِفِينَ ﴿خافَ﴾ أيْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ الخَوْفِ مِنَ الزَّمانِ المَضْرُوبِ لِلْحِسابِ [والتَّدْبِيرِ والمَكانِ المُعَدِّ لَهُما أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ مِنَ المَلِكِ المُحاسِبِ] المُدَبِّرِ، والخَوْفُ مَعَ ذِكْرِ وصْفِ الإكْرامِ أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الخَوْفِ عِنْدَ ذِكْرِ (p-١٨٠)أوْصافِ الجَلالِ، قالَ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ المَذْكُورَ رَأْسُ الخائِفِينَ: ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: مَكانَ قِيامِهِ الَّذِي يُقِيمُهُ وغَيْرَهُ فِيهِ المُحْسِنُ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ وزَمانِهِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُ وقِيامِهِ عَلَيْهِ وعَلى [غَيْرِهِ] بِالتَّدْبِيرِ، فَهو رَقِيبٌ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ إذا ذَكَرَ مَقامَ المُنْتَقِمِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ فَتَرَكَ لِهَذا ما يُغْضِبُهُ وفَعَلَ ما يُرْضِيهِ ﴿جَنَّتانِ﴾ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، واحِدَةٌ لِلْعِلْمِ والعَقْلِ وأُخْرى لِلْعَمَلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالتَّثْنِيَةِ المُبالَغَةُ إفْهامًا لِأنَّها جِنانٌ مُتَكَرِّرَةٌ ومُتَكَثِّرَةٌ مِثْلُ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ونَحْوِ ذَلِكَ.
55:47Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧
So which of the favors of your Lord would you deny? -
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ نِعْمَةً جامِعَةً، سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعْمَ المُرَبِّي لَكُما والمُحْسِنُ إلَيْكم بِإحْسانِهِ الكِبارِ الَّتِي لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى شَيْءٍ مِنها ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِنَ اليَسارِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القَلْبِ أوْ غَيْرِها مِن تُرْبَةِ جِنانِ الدُّنْيا بِنَفَسِ جَهَنَّمَ مِن حَرِّ الشَّمْسِ وحَرُورِها، فَجَعَلَ مِن ذَلِكَ جَمِيعَ الفَواكِهِ والزُّرُوعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَرافِقِ الَّتِي طَبَخَها بِها ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى.
ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ لا يَكْمُلُ مَدْحُها إلّا بِكَثْرَةِ الأنْواعِ [والألْوانِ] والفُرُوعِ المُشْتَبِكَةِ والأغْصانِ، قالَ واصِفًا لَهُما: ﴿ذَواتا﴾ أيْ صاحِبَتا (p-١٨١)بِرَدِّ عَيْنِ الكَلِمَةِ فَإنَّ أصْلَها ”ذَوُو“ ﴿أفْنانٍ﴾ أيْ: جَمْعِ فَنٍّ يَتَنَوَّعُ فِيهِ الثِّمارُ، وفَنَنٍ وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا الَّذِي تَكُونُ بِهِ الزِّينَةُ بِالوَرَقِ والثَّمَرِ وكَمالِ الِانْتِفاعِ، قالَ عَطاءٌ: في كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ؛ ولِهَذا سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:
55:49Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ [أيِ]: المُرَبِّي لَكُما والمُحْسِنِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِن جِهَةِ الفَوْقِ أوْ غَيْرِها مِمّا ذَكَرَهُ لَكم مِن وصْفِ الجَنَّةِ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِن أمْثالِهِ ما تَعْتَبِرُونَ بِهِ.
ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ إلّا بِالأنْهارِ قالَ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ﴾ أيْ: في كُلِّ واحِدَةٍ عَيْنٌ ﴿تَجْرِيانِ﴾ أيْ: في كُلِّ مَكانٍ شاءَ صاحِبُهُما وإنْ عَلا مَكانُهُ كَما تَصْعَدُ المِياهُ في الأشْجارِ في كُلِّ غُصْنٍ مِنها، وإنْ زادَ عُلُوُّها جَرى عَلى عَيْنَيْ دُمُوعِهِ الجارِيَتَيْنِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى مِثالِ جِنانِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ صاعِدَةٌ في البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ مِن تَكامُلِ المِياهِ وتَفَجُّرِها عُيُونًا في أيّامِ الرَّبِيعِ والصَّيْفِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالأمْطارِ
55:51Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ المالِكِ لَكُما والمُحْسِنِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الشَّمِّ مِن جِهَةِ التَّحْتِ [أوْ غَيْرِها] مِمّا ذَكَرَهُ وجَعَلَ لَهُ في الدُّنْيا أمْثالًا كَثِيرًا.
55:52Page 533
فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ ٥٢
In both of them are of every fruit, two kinds.
ولَمّا كانَ بِالمِياهِ حَياةُ النَّباتِ وزَكاؤُهُ، قالَ ذاكِرًا أفْضَلَ النَّباتِ: ﴿فِيهِما﴾ أيْ: هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ العالِيَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى جَمِيعِ كُلِّ ما يُعْلَمُ وزِيادَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ تَعْلَمُونَها أوْ لا تَعْلَمُونَها ﴿زَوْجانِ﴾ (p-١٨٢)أيْ صِنْفانِ يَكْمُلُ أحَدُهُما بِالآخَرِ كَما لا يُدْرَكُ كُنْهُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ العَمَلِ بِما يُرْضِي والآخَرِ بِالِانْتِهاءِ عَمّا يُسْخِطُ
55:53Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ الَّتِي رَبّاها المُوجِدُ لَكُما المُحْسِنُ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِنَ الأمامِ أوْ غَيْرِها مِن أنَّهُ أوْجَدَ لَكُما جِنانَ الدُّنْيا بِواسِطَةِ حَرِّ النّارِ الَّتِي هي أعْدى عَدُوِّكُما إشارَةً إلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنَّهُ يُوجِدُ بِرِضْوانِهِ ومَحَبَّتِهِ مِن مَوْضِعِ غَضَبِهِ وانْتِقامِهِ إكْرامًا، فَقَدْ جَعَلَ ما في الدُّنْيا مِثالًا لِما ذَكَرَ في الآخِرَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تُكَذِّبانِ، لا يَكْمُلُ الإيمانُ حَتّى يُصَدِّقَ المُؤْمِنُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ مِن جَهَنَّمَ جَنَّةً بِأنْ يَجْعَلَ مِن مَوْضِعِ سُخْطِهِ رَحْمَةً ويَشاءَ ذَلِكَ ويَعْتَبِرَ ذَلِكَ بِما أرانا مِن نَمُوذَجِهِ.
55:54Page 533
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ ٥٤
[They are] reclining on beds whose linings are of silk brocade, and the fruit of the two gardens is hanging low.
ولَمّا كانَ التَّفَكُّهُ لا يَكْمُلُ حُسْنُهُ إلّا مَعَ التَّنَعُّمِ مِن طِيبِ الفَرْشِ وغَيْرِهِ، قالَ مُخْبِرًا عَنِ الَّذِينَ يَخافُونَ مَقامَ رَبِّهِمْ مِن قَبِيلَيِ الإنْسِ والجِنِّ مُراعِيًا مَعْنى ”مِن“ بَعْدَ مُراعاةِ لَفْظِها تَحْقِيقًا لِلْواقِعِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ: لَهم ما ذَكَرَ في حالِ الِاتِّكاءِ وهو التَّمْكِينُ بِهَيْئَةِ المُتَرَبِّعِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الكَوْنِ عَلى جَنْبٍ، قالَ في القامُوسِ: تَوَكَّأ عَلَيْهِ: تَحَمَّلَ، واعْتَمَدَ كَأوْكَأ، والتُّكَأةُ كَهُمَزَةٍ: العَصا، وما يُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ، وضَرَبَهُ فَأتْكَأهُ: ألْقاهُ عَلى هَيْئَةِ المُتَّكِئِ أوْ عَلى جانِبِهِ الأيْسَرِ، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: وضَرَبْتُهُ حَتّى أتْكَأْتُهُ (p-١٨٣)أيْ سَقَطَ عَلى جانِبِهِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَمامِ التَّنَعُّمِ بِصِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ البالِ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلْمُكَلَّفِينَ بِما تَحْتَمِلُ عُقُولُهم وإلّا فَلَيْسَ في الجَنَّةِ ما يُشْبِهُهُ عَلى الحَقِيقَةِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا ﴿بَطائِنُها﴾ أيْ: فَما ظَنُّكَ بِظَواهِرِها ووُجُوهِها ﴿مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ثَخِينُ الدِّيباجِ يُوجَدُ فِيهِ مِن حُسْنِهِ بَرِيقٌ كَأنَّهُ [مِن] شِدَّةِ لَمَعانِهِ يَطْلُبُ إيجادَهُ حَتّى كَأنَّهُ نُورٌ مُجَرَّدٌ.
ولَمّا كانَ المُتَّكِئُ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيامُ لِتَناوُلِ ما يُرِيدُ قالَ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: مَجْنِيُّهُما اسْمٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيُفْهِمَ سُهُولَةَ نَفْسِ المَصْدَرِ الَّذِي هو الِاجْتِناءُ ﴿دانٍ﴾ أيْ: قَرِيبٌ مِن كُلِّ مَن يُرِيدُهُ مِن مُتَّكِئٍ وغَيْرِهِ لا يَخْرُجُ إلى صُعُودِ شَجَرَةٍ، ومَوْجُودٌ مِن كُلِّ حِينٍ يُرادُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ.
55:55Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
ولَمّا كانَ رُبَّما وُجِدَ مَثَلٌ مِن ذَلِكَ شاهِدٌ [لَهُ] مِن أغْصانٍ تَنْعَطِفُ بِجُمْلَتِها فَتَقْرُبُ وأُخْرى تَكُونُ قَرِيبَةً مِن ساقِ الشَّجَرَةِ فَيَسْهُلُ تَناوُلُها قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الكِبارِ المُلُوكِيَّةِ الَّتِي أوْجَدَها لَكُما هَذا المُرَبِّي لَكُما الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ الوَراءِ أمْ غَيْرِها مِن قُدْرَتِهِ [عَلى] عَطْفِ الأغْصانِ وتَقْرِيبِ الثِّمارِ.
55:56Page 533
فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦
In them are women limiting [their] glances,1 untouched2 before them by man or jinnī -
(p-١٨٤)ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ لا تَتِمُّ نِعْمَتُهُ إلّا بِالنِّسْوانِ الحِسانِ، قالَ دالًّا عَلى الكَثْرَةِ بَعْدَ سِياقِ الِامْتِنانِ بِالجَمْعِ الَّذِي هو أوْلى مِنَ التَّثْنِيَةِ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ في كُلِّ بُسْتانٍ جَماعَةً مِنَ النِّسْوانِ، لِما بِهِنَّ مِن عَظِيمِ اللَّذَّةِ وفَرْطِ الأُنْسِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ: الجِنانِ الَّتِي عُلِمَ مِمّا مَضى أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ مِنها جَنَّتَيْنِ. ولَمّا كانَ سِياقُ الِامْتِنانِ مُعَرِّفًا بِأنَّ جَمْعَ القِلَّةِ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ مَعَ ما ذُكِرَ مِن مُحَسِّناتِهِ في سُورَةِ ”ص“ قالَ مُعَبِّرًا بِهِ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: نِساءٌ مُخَدَّراتٌ هُنَّ في وُجُوبِ السَّتْرِ بِحَيْثُ يُضَنُّ مِن ذِكْرِهِنَّ بِغَيْرِ الوَصْفِ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ، قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ وهِمَمَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ ولَهُنَّ مِنَ الجَمالِ ما قَصَرْنَ بِهِ أزْواجَهُنَّ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِنَّ لِفُتُورِ الطَّرْفِ وسِحْرِهِ وشِدَّةِ أخْذِهِ لِلْقُلُوبِ جَزاءً لَهم عَلى قَصْرِ هِمَمِهِمْ في الدُّنْيا عَلى رَبِّهِمْ.
ولَمّا كانَ الِاخْتِصاصُ بِالشَّيْءِ لا سِيَّما المَرْأةُ مِن أعْظَمِ المُلَذَّذاتِ [قالَ:] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أيْ يُجامِعْهُنَّ ويَتَسَلَّطْ عَلَيْهِنَّ في هَذا الخَلْقِ الَّذِي أُنْشِئْنَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ السُّلْطَةِ سَواءٌ مِن إنْسِيّاتٍ أوْ جِنِّيّاتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: طَمَثَتِ المَرْأةُ كَضَرَبَ وفَرِحَ: حاضَتْ، وطَمَثَها الرَّجُلُ: افْتَضَّها وأيْضًا جامَعَها، والبَعِيرَ عَقَلْتَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُنَّ أبْكارٌ لَمْ يُخالِطْ مَوْضِعَ الطَّمْثِ مِنهُنَّ ﴿إنْسٌ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ تَعْمِيمَ الزَّمانِ أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيِ المُتَّكِئِينَ ﴿ولا جانٌّ﴾ وقَدْ جَمَعَ هَذا (p-١٨٥)كُلَّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ جِماعٌ مِن ظاهِرٍ وباطِنٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى الإنْسِيَّ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ
55:57Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الجِسامِ مِنَ المُرَبِّي الكامِلِ العِلْمِ الشّامِلِ القُدْرَةِ القَيُّومِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ اليُمْنى أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكم مِثالًا لِهَذا مِنَ الأبْكارِ الحِسانِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الإحْسانِ.
ولَمّا دَلَّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ المُسْتَمْتَعِ بِهِنَّ بِالعِزَّةِ والنَّفاسَةِ، زادَهُ عَلى وجْهٍ أفادَ أنَّهُ يَكُونُ بِهِنَّ غايَةُ ما يَكُونُ مِن سُكُونِ النَّفْسِ وقُوَّةِ القَلْبِ وشِدَّةِ البَدَنِ واعْتِدالِ الدَّمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَواصِّ ما شَبَّهَهُنَّ بِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ﴾ الَّذِي هو في صَفائِهِ بِحَيْثُ يَشِفُّ عَنْ سِلْكِهِ وهو جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ، قالَ في القامُوسِ: أجْوَدُهُ الأحْمَرُ الرُّمّانِيُّ نافِعٌ لِلْوَسْواسِ والخَفَقانِ وضَعْفِ القَلْبِ شُرْبًا ولِجُمُودِ الدَّمِ تَعْلِيقًا: ﴿والمَرْجانُ﴾ في بَياضِهِ، وصِغارُ الدُّرِّ أنْصَعُ بَياضًا، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: والمَرْجانُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهَذا الَّذِي يَخْرُجُ مِن نَباتِ البَحْرِ أحْمَرُ مَعْرُوفٌ - انْتَهى. وقَدْ يُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ أنَّ ألْوانَهُنَّ البَياضُ والحُمْرَةُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الإشْرابِ هو في غايَةِ الإعْجابِ مِنَ الشُّفُوفِ والصَّفاءِ، وهو مَعَ ذَلِكَ ثابِتٌ لا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّرٌ لِيُطابِقَ الحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ: «يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ سَبْعِينَ حُلَّةً» وقالَ أبُو حَيّانَ: شَبَّهَهُنَّ بِهِما فِيما يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ بِهِ فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ وشُفُوفِهِ والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ
55:59Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ (p-١٨٦)النِّعَمِ الغَرِيبَةِ البالِغَةِ في الحُسْنِ مِنَ المالِكِ المَلِكِ المُرَبِّي بِبَدائِعِ التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ اليُسْرى أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِما ذَكَرَ مِن وصْفِهِنَّ مِن تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْئَيْنِ لِبُلُوغِ الأمْرِ في الحُسْنِ إلى حَدٍّ لا يُساوِيهِ فِيهِ شَيْءٌ واحِدٌ لِيُشَبَّهَ بِهِ، فَهو [كَما] قِيلَ: بَيْضاءُ في دَعَجٍ صَفْراءُ في نَعَجٍ كَأنَّها فِضَّةٌ قَدْ شابَها ذَهَبُ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ الأشْياءَ الشَّفّافَةَ مَثَلًا لِذَلِكَ وأنْتَ تَرى بَعْضَ الأجْسامِ يَكادُ يُرى فِيهِ الوَجْهُ [بَلْ في سَوادِ العَيْنِ أعْظَمُ غُرَّةٍ حَيْثُ يُرى فِيهِ الوَجْهَ] فَإنَّ السَّوادَ مَنشَأُ الظَّلامِ.
55:60Page 533
هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠
Is the reward for good [anything] but good?
ولَمّا كانَ ألَذَّ ما أفادَهُ الإنْسانُ مِنَ النِّعَمِ ما كانَ تَسَبَّبَ مِنهُ، قالَ سارًّا لَهم بِذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِن لَذَّةِ المَدْحِ لا سِيَّما والمادِحُ المَلِكُ الأعْلى، مُعَظِّمًا لَهُ بِسِياقِ الِاسْتِفْهامِ المُفِيدِ لِلْإثْباتِ بَعْدَ النَّفْيِ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ الشَّدِيدِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ غَيْرَ ذَلِكَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ: في العَمَلِ [الكائِنِ] مِنَ الإنْسِ أوِ الجِنِّ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿إلا الإحْسانُ﴾ أيْ في الثَّوابِ، فَهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي أُعِيدَتْ فِيها المَعْرِفَةُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ، رَوى البَغْوِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةَ» وذَلِكَ جَزاءُ إحْسانِ العَبْدِ في العَمَلِ في مُقابَلَةِ إحْسانِ رَبِّهِ إلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ
55:61Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ (p-١٨٧)أيِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الحُسْنِ مِنَ السَّيِّدِ الكَرِيمِ العَظِيمِ الرَّحِيمِ الجامِعِ لِأوْصافِ الكَمالِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِثالًا في أنَّ مَن أحْسَنَ قُوبِلَ بِمِثْلِ إحْسانِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ خِتامُ ثَمانِ آياتٍ حاثَّةٍ عَلى العَمَلِ المُوصِلِ إلى الثَّمانِيَةِ الأبْوابِ الكائِنَةِ لِجَنَّةِ المُقَرَّبِينَ - واللَّهُ الهادِي.
55:62Page 533
وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢
And below them both [in excellence] are two [other] gardens -
ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِمّا ذُكِرَ أوَّلَ هَذا الكَلامِ مِنَ الخَوْفِ مَعَ ذِكْرِ وصْفِ الإكْرامِ، وآخِرَهُ مِن ذِكْرِ الإحْسانِ أنَّ هَذا الفَرِيقَ مُحْسِنُونَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العامِلِينَ طَبَقاتٌ، وأنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ أجْرُها عَلى مِقْدارِ أعْمالِها، اقْتَضى الحالُ بَيانَ ما أُعِدَّ لِمَن دُونَهُمْ: ﴿ومِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن أدْنى مَكانٍ، رُتْبَةً مِمّا تَحْتَ جَنَّتَيْ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ [المُقَرَّبِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ لِمَن دُونَ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ] مِنَ الخائِفِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دُونَهُما في الدَّرَجِ، وجَعَلَ ابْنُ بُرْجانَ الأرْبَعَ مُوَزَّعَةً بَيْنَ الكُلِّ، وأنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ العِدَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّها تَكُونُ جامِعَةً لِما في فُصُولِ الدُّنْيا الأرْبَعَةِ: الشِّتاءِ والرَّبِيعِ والصَّيْفِ والخَرِيفِ، وفَسَّرَ بِذَلِكَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «”جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ أُوتِيتُهُما وما فِيهِما وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ أُوتِيتُهُما وما فِيهِما“،» ثُمَّ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدُّونِ الأدْنى إلى الإنْسانِ، وهو البَرْزَخُ، فَتَكُونَ هاتانِ لِأهْلِ البَرْزَخِ كَما كانَ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] مِن عَذابِ القَبْرِ
55:63Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: المُحْسِنِ بِنِعَمِهِ السّابِغَةِ إلى الأعْلى ومَن دُونَهُ (p-١٨٨)﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ اللَّمْسِ مِن جِهَةِ التَّحْتِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا مِثالًا لِهَذا مِن أنَّ بَعْضَ البَساتِينِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا كانَ ما في هاتَيْنِ مِنَ الماءِ دُونَ ما في الباقِيَتَيْنِ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ ماءَهُما لا يَقُومُ بِأعْلى كِفايَتِهِما قالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ: خَضْراوانِ خُضْرَةً تَضْرِبُ مِن شِدَّةِ الرِّيِّ إلى السَّوادِ، مِنَ الدُّهْمَةِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: الغالِبُ عَلى هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وفي الأُولَيَيْنِ الأشْجارُ والفَواكِهُ
55:65Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُحْسِنِ إلى العالِي مِنكُما ومَن دُونَهُ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ الأمامِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِذَلِكَ مِن جِنانِ الدُّنْيا الكَثِيرَةِ الرِّيِّ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى رِيِّهِما، حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما﴾ أيْ: في كُلِّ جَنَّةٍ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنهم ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ: تَفُورانِ بِشِدَّةٍ تُوجِبُ لَهُما رَشّاشَ الماءِ بِحَيْثُ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرْ جَرْيَهُما فَكَأنَّهُما بِحَيْثُ يَرْوِيانِ جَنَّتَهُما ولا يَبْلُغانِ الجَرْيَ، والنَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ وفَوْقَ النَّضْحِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: وأصْلُ النَّضْخِ بِالمُعْجَمَةِ - انْتَهى. وكَأنَّهُما لِمَن تَغَرْغَرَ عَيْناهُ بِالدَّمْعِ فَتَمْتَلِئانِ مِن غَيْرِ جَرْيٍ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ إنَّ حَرَكَةَ عَدَمِ جَرْيِهِما لِكَوْنِهِما عَلى مِثالِ جَنَّةِ خَرِيفِ ما هَهُنا وشِتاءٍ [بِهِ] لِبُعْدِ عَهْدِهِما بِنُزُولِ الماءِ [و]سَكَنا في أعْماقِ الأرْضِ (p-١٨٩)لِيَنْعَكِسَ بِالنَّبْعِ والفَوَرانِ صاعِدًا مَعَ أنَّ الجَنَّةَ لا مَطَرَ فِيها
55:67Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُرَبِّي البَلِيغِ الحِكْمَةِ في التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ ما وراءَ اللِّسانِ أمْ غَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِذَلِكَ مِنَ الأعْيُنِ الَّتِي تَفُورُ ولا تَجْرِي والأنابِيبِ المَصْنُوعَةِ لِلْفَوَرانِ لِأنَّها بِحَيْثُ تَرُوقُ ناظِرَها لِصُعُودِها بِقُوَّةِ نَبْعِها وتَرْشِيشِها مِنَ النِّعَمِ الكِبارِ.
55:68Page 534
فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨
In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّيَّ والسَّبَبَ فِيهِ، [ذَكَرَ] ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ﴾ أيْ: مِن كُلِّ الفاكِهَةِ، وخَصَّ أشْرَفَها وأكْثَرَها وِجْدانًا في الخَرِيفِ والشِّتاءِ كَما في جِنانِ الدُّنْيا الَّتِي جُعِلَتْ مِثالًا لِهاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما فاكِهَةٌ وإدامٌ، فَلِذا خَصَّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فِيهِما مِنَ التَّفَكُّهِ وأُولاهُما أعَمُّ نَفْعًا وأعْجَبُ [خَلْقًا] فَلِذا قُدِّمَ
55:69Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ: نِعَمِ المُحْسِنِ إلَيْكُما أيُّها الثَّقَلانِ بِجَلِيلِ التَّرْبِيَةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِنَ اليَمِينِ أمْ مِن غَيْرِها مِمّا جُعِلَ مِثالًا لِهَذا مِن جِنانِ الدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ لا تَكْمُلُ لَذَّتُهُ إلّا بِالأنِيسِ، وكانَ قَدْ ورَدَ أنَّهُ يَكُونُ في بَعْضِ ثِمارِ الجَنَّةِ وحِمْلِ أشْجارِها نِساءٌ ووِلْدانٌ كَما أنَّ أمْثالَ ذَلِكَ في بَطْنِ مِياهِ الدُّنْيا ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] قالَ جامِعًا عَلى نَحْوِ ما مَضى مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الجَنَّتَيْنِ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أفْرادِ هَذا الصِّنْفِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ: الجِنانِ الأرْبَعِ أوِ الجِنانِ الَّتِي خُصَّتْ لِلنِّساءِ، وجَوَّزَ ابْنُ بُرْجانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفاكِهَةِ والنَّخْلِ والرُّمّانِ فَإنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنها نِساءٌ ووِلْدانٌ (p-١٩٠)فِي داخِلِ قِشْرِ الرُّمّانِ ونَحْوِهِ ﴿خَيْراتٌ﴾ أيْ: نِساءٌ بَلِيغٌ ما فِيهِنَّ مِنَ الخَيْرِ، أصْلُهُ خَيِّرٌ مُثَقَّلًا لِأنَّ ”خَيْرَ“ الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ لا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، ولَعَلَّهُ خُفِّفَ لِاتِّصافِهِنَّ بِالخِفَّةِ في وُجُودِهِنَّ وجَمِيعِ شَأْنِهِنَّ، ولِكَوْنِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ ما قَبْلَهُما ﴿حِسانٌ﴾ أيْ: في غايَةِ الجَمالِ خَلْقًا وخُلُقًا
55:71Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيْ نِعَمِ الكامِلِ الإحْسانِ [إلَيْكُما] ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ اليَسارِ أمْ مِن غَيْرِها مِمَّنْ جَعَلَهُ مِثالًا لِتَكْوِينِ النِّساءِ والوِلْدانِ والمَلابِسِ والحُلِيِّ مِن ثِمارِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ الَّتِي مِنَ المِياهِ الَّتِي بِها العَيْشُ، فَفِيها التَّوْلِيدُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تُظْهِرُهُ الفِكْرَةُ لِأهْلِ العِبْرَةِ لِأنَّ كُلَّ ما في الجَنَّةِ يَنْشَأُ عَنِ الكَلِمَةِ مِنَ الرِّزْقِ كَما يَنْشَأُ عَنْهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الدّارِ عَلى تَسْبِيبٍ... والحِكْمَةُ،
ثُمَّ بَيَّنَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿حُورٌ﴾ أيْ ذَواتُ أعْيُنٍ شَدِيدَةِ سَوادِ السَّوادِ وشَدِيدَةِ بَياضِ البَياضِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِيضٌ جُمْعٌ ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ ومَحْبُوساتٌ، صِيانَةً عَنِ التَّبَذُّلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَتِهِنَّ ﴿فِي الخِيامِ﴾ الَّتِي هي مِنَ الدُّرِّ المُجَوَّفِ الشَّفّافِ جَزاءً لِمَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَنْ. . . اللَّهِ فَكَفَّ جَوارِحَهُ عَنِ الزَّلّاتِ، وصانَ قَلْبَهُ عَنِ الغَفَلاتِ
55:73Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ الجَلِيلِ الإحْسانِ إلَيْكُما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ (p-١٩١)أمْ بِغَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِهَذا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ كَما خَلَقَنا مِن تُرابٍ ثُمَّ طَوَّرَنا في أطْوارِ الخِلْقَةِ بِحَسَبِ حِكْمَةِ الأسْبابِ كَذَلِكَ خَلَقَ أُولَئِكَ مِن أرْضِ الجَنَّةِ ورِياضِها وفَواكِهِها عَنْ كَلِمَةِ السُّكّانِ مِن غَيْرِ أسْبابٍ.
55:74Page 534
لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤
Untouched before them by man or jinnī -
ولَمّا كانَتْ أنْفُسُ الأخْيارِ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ الكِبارِ في الِالتِفاتِ إلى الأبْكارِ قالَ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أيْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِنَّ نَوْعَ سُلْطَةٍ ﴿إنْسٌ﴾ وعَمَّ الزَّمانَ بِحَذْفِ الجارِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيِ: انْتَفى الطَّمْثُ المَذْكُورُ في جَمِيعِ الزَّمانِ الكائِنِ قَبْلَ طَمْثِ أصْحابِ هَذِهِ الجِنانِ لَهُنَّ، فَلَوْ وُجِدَ في لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ القَبْلِ لَما صَدَقَ النَّفْيُ ﴿ولا جانٌّ﴾ فَهُنَّ في غايَةِ الِاخْتِصاصِ كُلٌّ بِما عِنْدَهُ
55:75Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥
So which of the favors of your Lord would you deny? -
﴿فَبِأيِّ﴾ [الرحمن: ٧٧] أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّعَدُّدِ لِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ أنّا نَقُولُ تَعْجِيبًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ تَوْبِيخًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ: بِأيِّ ﴿آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ: النِّعَمِ الجَلِيلَةِ مِنَ المُدَبِّرِ لَكُما بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ العامَّةِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أبِنِعْمَةِ الذَّوْقِ مِن تَحْتٍ أمْ بِغَيْرِها مِمّا جَعَلَهُ مِثالًا لِهَذا مِنَ الأبْكارِ المُخَدَّراتِ، وجَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ العامَّةِ الظّاهِرَةِ في كُلِّ حالَةٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخُتِمَ بِالتَّقْرِيرِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ثَمانٍ مِنها أوَّلَ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْياوِيَّةِ، وسِتَّ عَشْرَةَ جِنانٍ، وجَعَلَها عَلى هَذا العَدَدِ، إشارَةً إلى تَعْظِيمِها بِتَكْثِيرِها فَإنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ لِأنَّهُ جامِعٌ لِأكْثَرِ الكُسُورِ، ولِذا قُسِّمَ الدِّرْهَمُ وغَيْرُهُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قِيراطًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences