Al-Biqa'iAr‑Rahman · 55:76–78

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:76–78

55:76Page 534

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦

Reclining on green cushions and beautiful fine carpets.

ولَمّا تَمَّ التَّقْرِيرُ بِالنِّعَمِ المُحِيطَةِ بِالجِهاتِ السِّتِّ والحَواسِّ الخَمْسِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ مِن دَرْءِ المَفاسِدِ وجَلْبِ المَصالِحِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِمُدَّكِرٍ، (p-١٩٢)بِقَوْلِهِ: ”فَهَلْ مِن مُدَّكِر“ في القَمَرِ، بِالحُسْنِ فِيها إلى الحَواسِّ الخَمْسِ وبِتَكْرارِها، وتَكْرارِ ”فكَيْفَ كانَ عَذابِي ونَذْر“ سِتًّا إلى الجِهاتِ السِّتِّ مِن جِهَةِ الوَراءِ والخَلْفِ، أوْتَرَها بِنِعْمَةٍ أُخْرى واحِدَةٍ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ في هَذا اعْتِقادُ وحْدانِيَّةِ الواحِدِ تَعالى اعْتِقادًا أدّى الخُضُوعَ لِأمْرِ مُرْسَلٍ كُلَّما جاءَ مِن عِنْدِهِ تَعالى فَلِذَلِكَ كانَتْ نِعْمَةً لا تَنْقَطِعُ أصْلًا، بَلْ كُلَّما تَمَّ دَوْرٌ مِنها ابْتَدَأ دَوْرٌ آخَرُ جَدِيدٌ، وهَكَذا عَلى وجْهٍ لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا كَما أنَّ الواحِدَ الَّذِي هو أصْلُ العَدَدِ لا انْتِهاءَ لَهُ أصْلًا، وهَذِهِ النِّعْمَةُ الدّالَّةُ عَلى الرّاحَةِ الدّائِمَةِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ عَلى وجْهٍ لا يُرى أغْرَبُ مِنهُ ولا أشْرَفُ، فَقالَ تَعالى مُبَيِّنًا حالَ المُحْسِنِينَ ومَن دُونَهم مُشْرِكًا لَهم في الرّاحَةِ عَلى ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ لَهم ذَلِكَ في حالِ الِاتِّكاءِ دَيْدَنًا لِأنَّهم لا شُغْلَ لَهم بِوَجْهٍ إلّا التَّمَتُّعَ ﴿عَلى رَفْرَفٍ﴾ أيْ ثِيابٍ ناعِمَةٍ وفُرُشٍ رَقِيقَةِ النَّسْجِ مِنَ الدِّيباجِ لَيِّنَةٍ ووَسائِدَ عَظِيمَةٍ [و]رِياضٍ باهِرَةٍ وبُسُطٍ لَها أطْرافٌ فاضِلَةٌ، ورَفْرَفُ السَّحابِ هُدْبُهُ أيْ ذَيْلُهُ المُتَدَلِّي.

ولَمّا كانَ الأخْضَرُ أحْسَنَ الألْوانِ وأبْهَجَها قالَ: ﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾ أيْ: مَتاعٍ كامِلٍ مِنَ البُسُطِ وغَيْرِها هو في كَمالِهِ وغَرابَتِهِ كَأنَّهُ مِن عَمَلِ الجِنِّ لِنِسْبَتِهِ إلى بَلَدِهِمْ، قالَ في القامُوسِ: عَبْقَرُ مَوْضِعٌ كَثِيرُ الجِنِّ، وقَرْيَةٌ بِناؤُها في غايَةِ الحُسْنِ، والعَبْقَرِيُّ الكامِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والسَّيِّدُ والَّذِي [لَيْسَ] فَوْقَهُ شَيْءٌ، وقالَ الرّازِيُّ: هو الطَّنافِسُ المُخَمَّلَةُ، (p-١٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الطَّنافِسُ الثِّخانُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: العَبْقَرِيُّ عِنْدَ العَرَبِ كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشًّى، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ فاخِرٍ مِنَ الرِّجالِ وغَيْرِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» وقالَ قُطْرُبُ: لَيْسَ هو مِنَ المَنسُوبِ بَلْ هو بِمَنزِلَةِ كُرْسِيٍّ وبُخْتِيٍّ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ، دَلَّ عَلى كَثْرَتِهِ بِالجَمْعِ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالمُفْرِدِ إشارَةً إلى وحْدَةِ تَكامُلِهِ بِالحُسْنِ فَقالَ: ﴿حِسانٍ﴾ أيْ هي في غايَةٍ مِن كَمالِ الصَّنْعَةِ وحُسْنِ المَنظَرِ لا تُوصَفُ

55:77Page 534

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ أيِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ مِنَ المُحْسِنِ الواحِدِ الَّذِي لا مُحْسِنَ غَيْرُهُ [و]لا إحْسانَ إلّا مِنهُ ولا تُعَدُّ نِعَمُهُ ولا تُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ ﴿تُكَذِّبانِ﴾ وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَّتِ النِّعَمُ الثَّمانِي المُخْتَصَّةُ بِجَنَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ إشارَةً إلى العَمَلِ لِأبْوابِها الثَّمانِيَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

55:78Page 534

تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٧٨

Blessed is the name of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

ولَمّا دَلَّ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ عَلى إحاطَةِ مُبْدِعِها بِأوْصافِ الكَمالِ، ودَلَّ بِالإشارَةِ بِالنِّعْمَةِ الأخِيرَةِ عَلى أنَّ نِعَمَهُ لا نِهايَةَ لَها لِأنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ مُتَعالٍ عَنْ شائِبَةِ نَقْصٍ، فَكانَتْ تَرْجَمَةُ ذَلِكَ قَوْلَهُ في خِتامِ نِعَمِ الآخِرَةِ مُناظَرَةً لِما تَقَدَّمَ مِن خِتامِ نِعَمِ الدُّنْيا مُعَبِّرًا هُناكَ بِالبَقاءِ لِما ذَكَرَ قَبْلَهُ، مِنَ الفَناءِ، وهَذا [بِما] مِنَ البَرَكَةِ إشارَةً (p-١٩٤)إلى [أنَّ نِعَمَهُ لا انْقِضاءَ [لَها]: ﴿تَبارَكَ﴾ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، ولا يَكادُ يَذْكُرُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إلّا عِنْدَ أمْرٍ مُعْجِبٍ - انْتَهى، ومَعْناهُ ثَبَتَ ثَباتًا لا يَسَعُ العُقُولَ جَمْعُ وصْفِهِ لِكَوْنِهِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُفِيدَةِ لِبَذْلِ الجُهْدِ إذا كانَتْ مِمَّنْ تُمْكِنُ مُنازَعَتُهُ، وذَلِكَ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ والإحْسانِ. ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الِاسْمِ أقْعَدَ وأبْلَغَ في تَعْظِيمِ المُسَمّى قالَ: ﴿اسْمُ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا القُرْآنِ الَّذِي جَبَلَكَ عَلى مُتابَعَتِهِ فَصِرْتَ مَظْهَرًا لَهُ وصارَ خُلُقًا لَكَ فَصارَ إحْسانُهُ إلَيْكَ فَوْقَ الوَصْفِ، ولِذَلِكَ قالَ واصِفًا لِلرَّبِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿ذِي الجَلالِ﴾ أيِ العَظَمَةِ الباهِرَةِ فَهو المُنْتَقِمُ مِنَ الأعْداءِ ﴿والإكْرامِ﴾ أيِ الإحْسانِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِهِ فَهو المُتَّصِفُ بِالجَمالِ الأقْدَسِ المُقْتَضِي لِفَيْضِ الرَّحْمَةِ عَلى جَمِيعِ الأوْلِياءِ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ”ذُو“ صِفَةً لِلِاسْمِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والوَصْفانِ الأخِيرانِ مِن شِبْهِ الِاحْتِباكِ لِأنَّهُ حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ وهو النِّقْمَةُ لِلْأعْداءِ، ومِنَ الثّانِي أثَرَ الإكْرامِ وهو الرَّحْمَةُ لِلْأوْلِياءِ، فَإثْباتُ الصِّفَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّها ثانِيًا، وإثْباتُ الفِعْلِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: كَأنَّهُ يُرِيدُ بِالِاسْمِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ وقَدِ انْعَطَفَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها عَلى وجْهٍ أعَمَّ، فَيَشْمَلُ الإكْرامَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ والِانْتِقامَ بِإدْخالِ النِّيرانِ وغَيْرِها - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском