Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:30–59
ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَكُونُ إلّا في البِلادِ الحارَّةِ قالَ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ مُسْتَوْعِبٍ لِلزَّمانِ والمَكانِ فَهو دائِمُ الِاسْتِمْدادِ كَما بَيْنَ الإسْفارِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ لا فَناءَ لَهُ ولا نِهايَةَ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِنَ الرِّيِّ لا يَسْتَلْزِمُ الجَرْيَ قالَ: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أيْ جارٍ في مَنازِلِهِمْ مِن غَيْرِ أُخْدُودٍ ولا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى جَلْبٍ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ، ولا الإدْلاءِ في بِئْرٍ كَما لِأهْلِ البَوادِي.
ولَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ أجْناسِها وأنْواعِها وأشْخاصِها.
ولَمّا كانَتْ لا تَكُونُ عِنْدَنا إلّا في أوْقاتٍ يَسِيرَةٍ، بَيَّنَ أنَّ أمْرَ الجَنَّةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ ولَمّا كانَتْ في الدُّنْيا قَدْ يَعُزُّ التَّوَصُّلُ إلَيْها مَعَ وُجُودِها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أقَلُّهُ صُعُودُ الشَّجَرَةِ أوِ التَّحَجُّزُ بِجِدارٍ أوْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾
ولَمّا كانَ التَّفَكُّهُ لا يَكْمُلُ الِالتِذاذُ بِهِ إلّا مَعَ الرّاحَةِ قالَ: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ هي رَفِيعَةُ القَدْرِ وعالِيَةٌ بِالفِعْلِ لِكَثْرَةِ الحَشْوِ ولِتَراكُمِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ (p-٢٠٩)ولِأنَّها عَلى السُّرُرِ، ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ارْتِفاعُها كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ»
56:35Page 535
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
ولَمّا كانَتِ النِّساءُ يُسَمَّيْنَ فُرُشًا، قالَ تَعالى مُعِيدًا لِلضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ ما يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِنَ الظّاهِرِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ: ﴿إنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي لا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ أيِ الفُرُشَ الَّتِي مَعْناها النِّساءُ مِن أهْلِ الدُّنْيا بَعْدَ المَوْتِ ولَوْ عَنِ الهَرَمِ والعَجْزِ بِالبَعْثِ، وزادَ في التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿إنْشاءً﴾ أيْ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ، بَلْ جَمَعْناهُنَّ مِنَ التُّرابِ كَما فَعَلْنا في سائِرِ المُكَلَّفِينَ لِيَكُونُوا كَأبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، فَتَكُونَ الإعادَةُ كالبُداءَةِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ الكُلُّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلى شَكْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِنَّ الحُورَ العِينَ فَيَكُونَ إنْشاءً مُبْتَدَعًا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وُجُودٌ.
ولَمّا كانَ لِلنَّفْسِ أتَمُّ التِفاتٍ إلى الِاخْتِصاصِ، وكانَ الأصْلُ في الأُنْثى المُنْشَأةِ أنْ تَكُونَ بِكْرًا، نَبَّهَ عَلى أنَّ المُرادَ بَكارَةٌ لا تَزُولُ إلّا حالَ الوَطْئِ ثُمَّ تَعُودُ، فَكُلَّما عادَ إلَيْها وجَدَها بِكْرًا، فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ أيِ الفُرُشَ الثَّيِّباتِ وغَيْرَهُنَّ بِعَظَمَتِنا المُحِيطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أبْكارًا﴾ أيْ (p-٢١٠)بَكارَةً دائِمَةً لِأنَّهُ لا تَغْيِيرَ في الجَنَّةِ ولا نَقْصَ.
ولَمّا كانَ مِمّا جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ البِكْرَ تَتَضَرَّرُ مِنَ الزَّوْجِ لِما يَلْحَقُها مِنَ الوَجَعِ بِإزالَةِ البَكارَةِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا نَكَدَ هُناكَ أصْلًا بِوَجَعٍ ولا غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ جَمْعَ عَرُوبٍ، وهي الغَنِجَةُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الفَطِنَةُ بِمُرادِ الزَّوْجِ كَفِطْنَةِ العَرَبِ. ولَمّا كانَ الِاتِّفاقُ في السِّنِّ أدْعى إلى المَحَبَّةِ ومَزِيدِ الأُلْفَةِ قالَ: ﴿أتْرابًا﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ وقَدٍّ واحِدٍ، بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ. قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أُخِذَ مِن لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالتُّرابِ - انْتَهى، ”ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ: قالَ «أتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، فَقالَ:“ يا أُمَّ فُلانٍ! إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ، فَوَلَّتْ تَبْكِي، قالَ: أخْبِرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهي عَجُوزٌ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنّا أنْشَأْناهُنَّ،» الآيَةَ "رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ في الشَّمائِلِ هَكَذا مُرْسَلًا، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ البَعْثِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن وجْهٍ عَنْها، ومِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ شَيْخُنا حافِظُ عَصْرِهِ ابْنُ حَجَرٍ: وكُلُّ طُرُقِهِ ضَعِيفَةٌ، ورَوى البَغْوِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ (p-٢١١)قالَ:«عَجائِزُكُنَّ في الدُّنْيا عُمْشًا رُمْصًا فَجَعَلَهُنَّ أبْكارًا».
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ البَدِيعُ مُقْتَضِيًا لِما يَزْدَهِي عَنْهُ النَّفْسُ لِأنْ يُقالَ: لِمَن هَؤُلاءِ؟ وإنْ كانَ قَدْ عُلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] نَصًّا عَلى أنَّهُنَّ في أسْنانِ أزْواجِهِنَّ.
ولَمّا أنْهى وصْفَ ما فِيهِ أهْلُ هَذا الصِّنْفِ عَلى أنْهى ما يَكُونُ لِأهْلِ البادِيَةِ بَعْدَ أنْ وصَفَ ما لِلسّابِقِينَ بِأعْلى ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ الحاضِرَةِ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ المُقايَسَةَ في السّابِقِينَ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، فَعَلَ هُنا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مِن أصْحابِ اليَمِينِ
﴿وثُلَّةٌ﴾ أيْ مِنهم ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَلَمْ يُبَيِّنْ فِيهِمْ قِلَّةً ولا كَثْرَةً، والظّاهِرُ أنَّ الآخِرِينَ أكْثَرُ، فَإنَّ وصْفَ الأوَّلِينَ بِالكَثْرَةِ لا يُنافِي كَوْنَ غَيْرِهِمْ أكْثَرَ لِيَتَّفِقَ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ ثُلُثا أهْلِ الجَنَّةِ، فَإنَّهم عِشْرُونَ ومِائَةُ صَفٍّ، هَذِهِ الأُمَّةُ مِنهم ثَمانُونَ صَفًّا» .
56:41Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
ولَمّا أتَمَّ وصْفَ ما فِيهِ الصِّنْفانِ المَحْمُودانِ، وبِهِ تَمَّتْ أقْسامُ أصْحابِ المَيْمَنَةِ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ هم أصْحابُ القَلْبِ واليَمِينِ، أتْبَعَهُ أضْدادَهم فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيِ الجِهَةِ الَّتِي تَتَشاءَمُ العَرَبُ بِها وعَبَّرَ بِها عَنِ الشَّيْءِ الأخَسِّ والحَظِّ الأنْقَصِ، والظّاهِرُ أنَّهم أدْنى أصْحابِ المَشْأمَةِ كَما (p-٢١٢)كانَ أصْحابُ اليَمِينِ دُونَ السّابِقِينَ مِن أصْحابِ المَيْمَنَةِ، ثُمَّ عَظَّمَ ذَمَّهم ومُصابَهم فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ أيْ إنَّهم بِحالٍ مِنَ الشُّؤْمِ هو جَدِيرٌ بِأنْ يُسْألَ عَنْهُ.
ولَمّا ذَمَّهم وعابَهُمْ، ذَكَرَ عَذابَهم لِيُعْلَمَ أنَّ القِسْمَ الأشَدَّ مِنهم في الشُّؤْمِ أشَدُّ عَذابًا فَقالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أيْ ظَرْفُهُمُ المُحِيطُ بِهِمْ لَفْحٌ مِن لَفْحِ النّارِ شَدِيدٌ يَتَخَلَّلُ المَسامَّ ﴿وحَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ حارٍّ بالِغٍ في الحَرارَةِ إلى حَدٍّ يُذِيبُ اللَّحْمَ.
ولَمّا كانَ لِلتَّهَكُّمِ في القَلْبِ مِن شَدِيدِ الوَقْدِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ والحَدِّ قالَ: ﴿وظِلٍّ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما صَرَّحَ بِأنَّهُ تَهَكُّمٌ فَقالَ: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ أيْ دُخانٍ أسْوَدَ كالحُمَمِ أيِ الفَحْمِ شَدِيدِ السَّوادِ بِما أفْهَمَتْهُ الزِّيادَةُ وشِبْهُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ:
ولَمّا كانَ المَعْهُودُ مِنَ الظِّلِّ البَرْدَ والإراحَةَ، نَفى ذَلِكَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ لِيَرُوحَ النَّفْسَ ﴿ولا كَرِيمٍ﴾ لِيُؤْنَسَ بِهِ ويُلْجَأ إلَيْهِ ويُرْجى خَيْرُهُ ويُعَوَّلَ في حالٍ عَلَيْهِ بِأنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ الواسِعُ الخُلُقِ الصَّفُوحُ مِنَ الإكْرامِ، بَلْ هو مُهِينٌ، سَمّاهُ ظِلًّا لِتَرْتاحَ النَّفْسُ إلَيْهِ ثُمَّ نَفى عَنْهُ نَفْعَ الظِّلِّ وبَرَكَتَهُ لِيَنْضَمَّ حَرْقانِ: اليَأْسُ بَعْدَ الرَّجاءِ إلى إحْراقِ اليَحْمُومِ فَتَصِيرَ الغُصَّةُ غُصَّتَيْنِ.
56:45Page 535
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّهُ عَلى خُلُقِ اللَّئِيمِ فَهو مَوْضِعُ الحَرارَةِ والضِّيقِ والخِسَّةِ والشِّدَّةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ أكَّدَهُ وإنْ كانَ فِيهِمْ أهْلُ (p-٢١٣)الضُّرِّ لِاجْتِماعِهِمْ في الِاسْتِرْواحِ إلى مُنابَذَةِ الدِّينِ بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ولِأنَّ ما مَضى لَهم بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا العَذابِ حالٌ ناعِمٌ، وعَبَّرَ بِالكَوْنِ دَلالَةً عَلى العَراقَةِ في ذَلِكَ ولَوْ بِتَهَيُّئِهِمْ لَهُ جِبِلَّةً وطَبْعًا فَقالَ: ﴿كانُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلازِمًا لِلِاسْتِغْراقِ في الزَّمانِ بِمَيْلِ الطِّباعِ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ ﴿مُتْرَفِينَ﴾ أيْ في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ مُسْتَمْتِعِينَ بِها مُتَمَكِّنِينَ فِيها لِتَرامِي طِباعِهِمْ إلَيْها فَأعْقَبَهم ما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الإخْلادِ إلى التَّرَفِ عَدَمَ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ في الدُّنْيا والتَّكَبُّرَ عَلى الدُّعاةِ إلى اللَّهِ، وفي الآخِرَةِ شِدَّةَ الألَمِ لِرِقَّةِ أجْسامِهِمُ المُهَيَّأةِ لِلتَّرَفِ بِتَعَوُّدِها بِالرّاحَةِ بِإخْلادِها إلَيْها وتَعْوِيلِها عَلَيْها
56:46Page 535
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
﴿وكانُوا﴾ أيْ مَعَ التَّرَفِ ﴿يُصِرُّونَ﴾ أيْ يُقِيمُونَ ويَدُومُونَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مِمّا لَهم مِنَ المَيْلِ الجِبِلِّيِّ إلى ذَلِكَ ﴿عَلى الحِنْثِ﴾ أيِ الذَّنْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَلَغَ الغُلامُ الحِنْثَ، أيِ الحُلُمَ الَّذِي هو وقْتُ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ، ويُطْلَقُ الحِنْثُ عَلى الكَذِبِ والمَيْلِ إلى الأباطِيلِ واليَمِينِ الغَمُوسِ ونَقْضِ العَهْدِ المُؤَكَّدِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنَ المَعْهُودِ مِمّا يُغْتَفَرُ بِكَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ في وقْتٍ يَسِيرٍ قالَ: ﴿العَظِيمِ﴾ دالًّا عَلى أنَّهم يَسْتَهِينُونَ العَظائِمَ مِنَ القَبائِحِ والفَواحِشِ.
56:47Page 535
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
ولَمّا وصَفَهم بِالتَّرَفِ والإصْرارِ عَلى السَّرَفِ، وكانَ ذَلِكَ يُلازِمُ (p-٢١٤)البِطالَةَ، وكانَ يَلْزَمُ عَنْها الغَباوَةُ والفَسادُ المُوجِبُ لِلشَّقاوَةِ، ذَكَرَ إنْكارَهم لِما لا أبْيَنَ مِنهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ عَنِ الإثْمِ بِالحِنْثِ مِن نَحْوِ: فَكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ وأنَّ الرُّسُلَ كاذِبُونَ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ أيْ إنْكارًا مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ دائِمًا جَلافَةً أوْ عِنادًا: ﴿أإذا﴾ أيْ أنُبْعَثُ إذًا، وحَذَفَ العامِلَ لِدَلالَةِ ”مَبْعُوثُونَ“ عَلَيْهِ، ولا يَعْمَلُ هو لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ وحَرْفَ التَّأْكِيدِ اللَّذَيْنِ لَهُما الصَّدْرُ مَعْناهُ ﴿مِتْنا﴾ أيْ فَلَمْ يَبْقَ في رَدِّ أرْواحِنا طِبٌّ بِوَجْهٍ ﴿وكُنّا﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾ ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُهم هَذا لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِن إقامَةِ أبْدانِهِمْ أوْ رَدِّ أرْواحِهِمْ طِبٌّ، أعادَ الِاسْتِفْهامَ تَأْكِيدًا لِإنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ كائِنٌ وثابِتٌ بَعْثُنا ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ، وأكَّدُوا لِيَكُونَ إنْكارُهم لِما دُونَ المُؤَكَّدِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
ولَمّا كانَتْ أفْهامُهم واقِفَةً مَعَ المَحْسُوساتِ لِجُمُودِهِمْ. وكانَ البِلى كُلَّما كانَ أقْوى كانَ ذَلِكَ البالِي في زَعْمِهِمْ مِنَ البَعْثِ أبْعَدَ، قالُوا مُخْرِجِينَ في جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَطْفًا عَلى الواوِ مِن ”مَعْبُوثُونَ“ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِضَمِيرِ الفَصْلِ بِالِاسْتِفْهامِ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ أيْ يُبْعَثُ آباؤُنا أيْ يُوجَدُ بَعْثُهم مِن حِينٍ، وزادُوا الِاسْتِبْعادَ عَلى ما أفْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿الأوَّلُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدْ بَلِيَتْ مَعَ لُحُومِهِمْ عِظامُهُمْ، فَصارُوا كُلُّهم تُرابًا ولا سِيَّما إنْ حَمَلَتْهُمُ السُّيُولُ فَفَرَّقَتْ تُرابَهم في كُلِّ أوْبٍ، وذَهَبَتْ بِهِ في كُلِّ صَوْبٍ، وسَكَّنَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ الواوَ عَلى أنَّ العاطِفَ ”أوْ“ ويَجُوزُ أنْ (p-٢١٥)يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ“ واسْمِها.
56:49Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
ولَمّا كانُوا في غايَةِ الجَلافَةِ، رَدَّ إنْكارَهم بِإثْباتِ ما نَفَوْهُ، وزادَهُمُ الإخْبارَ بِإهانَتِهِمْ ثُمَّ دَلَّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِمَن يَفْهَمُهُ، فَقالَ مُخاطِبًا لِأعْلى الخَلْقِ وأوْقَفِهِمْ بِهِ لِأنَّ هَذا المَقامَ لا يَذُوقُهُ حَقَّ ذَوْقِهِ إلّا هو كَما أنَّهُ لا يَقُومُ بِتَقْرِيرِهِ لَهم والرِّفْقِ بِهِمْ إلّا هُوَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم ولِكُلِّ مَن كانَ مِثْلَهُمْ، وأكَّدَ لِإنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ جَعَلْتُمُ الِاسْتِبْعادَ فِيهِمْ أوَّلِيًّا، ونَصَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿والآخِرِينَ﴾ ودَلَّ عَلى سُهُولَةِ بَعْثِهِمْ وأنَّهُ في غايَةِ الثَّباتِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ نَقْلَهم بِالمَوْتِ والبِلى تَحْصِيلٌ لا تَفْوِيتٌ:
56:50Page 535
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، في المَكانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الحِسابُ. ولَمّا كانَ جَمْعُهم بِالتَّدْرِيجِ، عَبَّرَ بِالغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى مِيقاتِ﴾ أيْ زَمانِ ومَكانِ ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ بِما عِنْدَهُ مِنَ الأماراتِ، والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ مِن زَمانِ أوْ مَكانِ أيِّ حَدٍّ.
56:51Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
ولَمّا كانَ زَمانُ البَعْثِ مُتَراخِيًا عَنْ نُزُولِ القُرْآنِ، عَبَّرَ بِأداتِهِ وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ البَعْثِ بَعْدَ الجَمْعِ المُدَرَّجِ ﴿إنَّكُمْ﴾ وأيَّدَ ما فَهَّمَهُ مِن أصْحابِ الشِّمالِ هُمُ القِسْمُ الأدْنى مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ أيِ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الغَباوَةُ فِيهِمْ لا يَفْهَمُونَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما أوْجَبَ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ فَقالَ: ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تَكْذِيبًا ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ والتَّقَيُّدِ بِما لا يُكَذِّبُ (p-٢١٦)بِهِ إلّا عَرِيقٌ في التَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ
﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ﴾ مَنبَتُهُ النّارُ.
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ مَعْدِنَ الثِّمارِ الشَّهِيَّةِ كالسِّدْرِ والطَّلْحِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن زَقُّومٍ﴾ أيْ شَيْءٍ هو في غايَةِ الكَراهَةِ والبَشاعَةِ في المَنظَرِ ونَتْنِ الرّائِحَةِ والأذى، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ وعَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: الزَّقْمُ: شُرْبُ اللَّبَنِ والإفْراطُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَزْقُمُ اللَّبَنَ زَقْمًا، ومِن هَذا الزَّقُّومُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وقالا: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ غَبْراءُ صَغِيرَةُ الوَرَقِ لا شَوْكَ لَها ذَفِرَةٌ لَها كَعابِرُ في رُؤُوسِها ولَها ورْدٌ تَجْرُشُهُ النَّحْلُ، ونَوْرُها أبْيَضُ ورَأْسُ ورَقِها قَبِيحٌ جِدًّا، وهي مَرْعًى، ومَنابِتُها السَّهْلُ، وقالَ في القامُوسِ: في الدَّفْرِ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ، الدَّفَرُ - بِالتَّحْرِيكِ: وُقُوعُ الدُّودِ في الطَّعامِ والذُّلُّ والنَّتْنُ، ويُسَكَّنُ، وقالَ في المُعْجَمَةِ: الذَّفَرُ - مُحَرَّكَةً: شِدَّةُ ذَكاءِ الرِّيحِ كالذَّفَرَةِ أوْ يُخَصُّ بِرائِحَةِ الإبِطِ المُنْتِنِ، والنَّتْنُ وماءُ الفَحْلِ، والذَّفْراءُ مِنَ الكَتائِبِ: السَّهِكَةُ مِنَ الحَدِيدِ، والكُعْبُرَةُ بِضَمَّتَيْنِ وعَيْنٍ وراءٍ مُهْمَلَتَيْنِ: عُقْدَةُ أُنْبُوبِ الزَّرْعِ، وعَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذَكَرَ في النَّباتِ أنَّ شَجَرَةً بِاليَمَنِ يُقالُ لَها الزَّقُّومُ لا ورَقَ لَها، وفُرُوعُها أشْبَهُ شَيْءٍ بِرُؤُوسِ الحَيّاتِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: شَجَرَةٌ صَغِيرَةُ الوَرَقِ ذَفِرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِتِهامَةَ، وفي القامُوسِ: والزَّقْمَةُ: الطّاعُونُ وقالَ في النِّهايَةِ: فَعُّولٌ مِنَ الزَّقْمِ: اللَّقْمُ الشَّدِيدُ (p-٢١٧)والشُّرْبُ المُفْرِطُ، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: زَقَمَ زَقْمًا: بَلِعَ، وقَدْ عُلِمَ مِن مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ تَفْسِيرُهُ بِالطّاعُونِ تارَةً والشُّرْبِ المُفْرِطِ أُخْرى، ومِنَ الِاشْتِراطِ والشَّجَرَةِ المُنْتِنَةِ والبَشِعَةِ المَنظَرِ أنَّهُ شَيْءٌ كَرِيهٌ يُضْطَرُّ آكِلُهُ إلى التَّمَلُّؤِ مِنهُ بِنَهْمَةٍ وهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى هَذا مَعَ هَذِهِ الكَراهَةِ لا يَكُونُ إلّا في أعْلى طَبَقاتِ الكَراهَةِ، ولِذَلِكَ حَسُنَ جِدًّا مَوْقِعُ قَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الأكْلِ:
﴿فَمالِئُونَ﴾ أيْ مَلْأً هو في غايَةِ الثَّباتِ وأنْتُمْ في غايَةِ الإقْبالِ عَلَيْهِ مَعَ ما هو عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الكَراهَةِ ﴿مِنها﴾ أيِ الشَّجَرِ، أنَّثَهُ لِأنَّهُ جَمْعُ شَجَرٍ أوْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وهم يَكْرَهُونَ الإناثَ فَتَأْنِيثُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - زِيادَةٌ في تَنْفِيرِهِمْ مِنهُ ﴿البُطُونَ﴾ أيْ لِشَيْءٍ عَجِيبٍ يَضْطَرُّكم إلى تَناوُلِ هَذا الكَرِيهِ مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ كَراهَةً بِطَبَقاتٍ مِن جُوعٍ أوْ غَيْرِهِ، وإنْ فُسِّرَتْ بِما قالُوا مِن أنَّهُ مَعْرُوفٌ لَهم أنَّهُ الزُّبْدُ بِالتَّمْرِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهم يَتَمَلَّؤُونَ مِنها تَمَلُّؤَ مَن يَأْكُلُ مِن هَذا في الدُّنْيا مَعَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا شَيْءَ في النّارِ المُعَدَّةِ لِلْعَذابِ لِمَن أُعِدَّتْ لِعَذابِهِ حَسَنٌ.
ولَمّا كانَ مَن يَأْكُلُ كَثِيرًا يَعْطَشُ عَطَشًا شَدِيدًا فَيَشْرَبُ ما قَدَرَ عَلَيْهِ رَجاءَ تَبْرِيدِ ما بِهِ مِن حَرارَةِ العَطَشِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى هَذا المَلِيءِ أوِ الأكْلِ ﴿مِنَ الحَمِيمِ﴾ أيِ الماءِ الَّذِي هو في غايَةِ الحَرارَةِ بِحَيْثُ ضُوعِفَ إحْماؤُهُ وإغْلاؤُهُ.
ولَمّا كانَ شُرْبُهم لِأدْنى قَطْرَةٍ مِن ذَلِكَ في غايَةِ العَجَبِ، (p-٢١٨)أتْبَعَهُ ما هو أعْجَبُ مِنهُ وهو شِدَّةُ تَمَلُّئِهِمْ مِنهُ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى: ﴿فَشارِبُونَ﴾ أيْ مِنهُ ﴿شُرْبَ﴾ بِالفَتْحِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وبِالضَّمِّ لِنافِعٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وقُرِئَ شاذًّا بِالكَسْرِ والثَّلاثَةُ مَصادِرُ، قالَ في القامُوسِ: وشَرِبَ كَسَمِعَ شُرْبًا ويُثَلَّثُ أوِ الشَّرابُ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ والكَسْرِ اسْمانِ، وبِالفَتْحِ القَوْمُ: يَشْرَبُونَ، وبِالكَسْرِ: الماءُ والحَظُّ مِنهُ، والمَوْرِدُ ووَقْتُ الشُّرْبِ، والكُلُّ يَصْلُحُ هُنا ﴿الهِيمِ﴾ أيِ الإبِلِ العِطاشِ لِأنَّ بِها الهَيامَ وهو داءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْقاءَ جَمْعِ أهْيَمَ، وقالَ القَزّازُ: جَمْعُ هَيْماءَ وهو أيِ - الهُيامُ - بِالضَّمِّ: داءٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى - انْتَهى. وقالَ: ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَأصْبَحَتْ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ ∗∗∗ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها
ويُقالُ: الهِيمُ: الرَّمْلُ، يَنْصَبُّ فِيهِ كُلُّ ما صُبَّ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى الأكْلِ ثُمَّ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى الشُّرْبِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ.
56:56Page 536
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا عَذابُهم كُلُّهُ، قِيلَ تَهَكُّمًا بِهِمْ ونِكايَةً لَهُمْ: ﴿هَذا نُـزُلُهُمْ﴾ أيْ ما يُعَدُّ لَهم أوَّلَ قُدُومِهِمْ مَكانَ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ حُلُولِهِ كَرامَةً لَهُ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي هو حِكْمَةُ القِيامَةِ، وإذا كانَ هَذا نُزُلَهم فَما ظَنُّكَ بِما يَأْتِي بَعْدَهُ عَلى طَرِيقِ مَن يُعْتَنى بِهِ فَما ظَنُّكَ بِما يَكُونُ لِمَن هو أغْنى مِنهم مِنَ المُعانِدِينَ وهو في طَرِيقِ التَّهَكُّمِ مِثْلُ قَوْلِ أبِي الشُّعَراءِ الضَّبِّيِّ:
؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالسَّيْفِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
56:57Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
(p-٢١٩)ولَمّا ذَكَرَ الواقِعَةَ وما يَكُونُ فِيها لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وخَتَمَ بِها عَلى وجْهٍ بَيَّنَ فِيهِ حِكْمَتَها وكانُوا يُنْكِرُونَها، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ لا غَيْرُنا ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَعَلَّ هَذا الخِطابَ لِلدَّهْرِيَّةِ المُعَطِّلَةِ مِنَ العَرَبِ. ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ عُدُّوا مُنْكِرِينَ لِلِابْتِداءِ وإنْ كانُوا مِنَ المُخَلِّصَةِ بِالمُقِرِّينَ بِالخالِقِ لِأنَّهُما لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلازَمَةِ لا انْفِكاكَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: هَلّا ولِمَ لا ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ بِالخَلْقِ الَّذِي شاهَدْتُمُوهُ ولا مُنازِعَ لَنا فِيما فِيهِ فَتُصَدِّقُوا بِما لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَقَّ مِنهُ في مَجارِي عاداتِكُمْ، وهو الإعادَةُ فَتَعْمَلُوا عَمَلَ العَبِيدِ لِساداتِهِمْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مُصَدِّقٍ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ.
ولَمّا حَضَّضَهم عَلى التَّصْدِيقِ بِالِاسْتِدْلالِ بِإيجادِهِمْ، وكانَ البَعْثُ إنَّما هو تَحْوِيلُهم مِن صُورَةٍ بالِيَةٍ إلى الصُّورَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن قَبْلُ، سَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ مَعَ تَصْدِيقِهِمْ بِالخَلْقِ عَدَمَ النَّظَرِ في تَبْدِيلِ الصُّوَرِ في تَفاصِيلِهِ، أوْ سَبَّبَ عَنْ قَوْلِ مَن عَساهُ يَقُولُ مِن أهْلِ الطَّبائِعِ: إنَّما خُلِقْنا مِن نُطْفَةٍ حَدَثَتْ بِحَرارَةٍ كامِنَةٍ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ أنّا خَلَقْناكم فَيَهْدِيكم ذَلِكَ أنّا نَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرْنا عَلى البُداءَةِ فَرَأيْتُمْ ﴿ما تُمْنُونَ﴾ أيْ تُرِيقُونَ - مِنَ النُّطَفِ الَّتِي هي مَنِيٌّ - في الأرْحامِ بِالجِماعِ.
56:59Page 536
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
ولَمّا كانَتِ العِبْرَةُ بِالمُسَبِّبِ لا بِالسَّبَبِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ الإنْكارِ (p-٢٢٠)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَفَرُّدِهِ بِالإبْداعِ، فَإنَّ إنْكارَهم لِلْبَعْثِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِهِمْ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أيْ تُوجِدُونَهُ مُقَدَّرًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِواءِ والحِكْمَةِ بَعْدَ خَلْقِهِ مِن صُورَةِ النُّطْفَةِ إلى صُورَةِ العَلَقَةِ ثُمَّ مِن صُورَةِ العَلَقَةِ إلى صُورَةِ المُضْغَةِ ثُمَّ مِنها إلى صُورَةِ العِظامِ والأعْصابِ ﴿أمْ نَحْنُ﴾ خاصَّةً. ولَمّا كانَ المَقامُ لِتَقْرِيرِ المُنْكِرِينَ ذَكَرَ الخَبَرَ المَفْهُومَ مِنَ السِّياقِ عَلى وجْهٍ أفْهَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: أوَ أنْتُمُ الخالِقُونَ لَهُ أمْ نَحْنُ؟ فَقالَ: بَلْ نَحْنُ ﴿الخالِقُونَ﴾ أيِ الثّابِتُ لَنا ذَلِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا ”تَخْلُقُونَ“ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ لَهُ سُبْحانَهُ ثانِيًا، وذَكَرَ الِاسْمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ لَهم أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ ما هو الأوْفَقُ لِأعْمالِهِمْ مِمّا يَدُلُّ عَلى وقْتِ التَّجَدُّدِ ولَوْ وقْتًا ما، وما هو الأوْلى بِصِفاتِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences