Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:60–74
56:60Page 536
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
ولَمّا كانَ الجَوابُ: أنْتَ الخالِقُ وحْدَكَ، وكانَ الطَّبِيعِيُّ رُبَّما قالَ: اقْتَضى ذَلِكَ الحَرارَةَ المُخَمِّرَةَ لِلنُّطْفَةِ، وكانَتِ المُفاوَتَةُ لِلْآجالِ مَعَ المُساواةِ في اسْمِيَّةِ الحَياةِ مِنَ الدَّلائِلِ العَظِيمَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى الإفْناءِ والإبْداءِ بِالِاخْتِيارِ مُبْطِلَةً لِقَوْلِ أهْلِ الطَّبائِعِ دافِعَةً لَهُمْ، أكَّدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لا غَيْرُنا ﴿قَدَّرْنا﴾ أيْ تَقْدِيرًا (p-٢٢١)عَظِيمًا، لا يَقْدِرُ سِوانا عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيْ كُلِّكم لَمْ نَتْرُكْ أحَدًا مِنكم بِغَيْرِ حِصَّةٍ مِنهُ ﴿المَوْتَ﴾ أيْ أوْجَبْناهُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَتَعَدّاهُ، فَقَصَّرْنا عُمْرَ هَذا ورُبَّما كانَ في الأوْجِ مِن قُوَّةِ البَدَنِ وصِحَّةِ المِزاجِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى إطالَةِ عُمْرِهِ ما قَدَرُوا أنْ يُؤَخِّرُوهُ لَحْظَةً، وأطَلْنا عُمْرَ هَذا وقَدْ يَكُونُ في الحَضِيضِ مِن ضَعْفِ البَدَنِ واضْطِرابِ المِزاجِ لَوْ تَمالَؤُوا عَلى تَقْصِيرِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَعَجَزُوا، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ أفْعالَهُ عَلى مُقْتَضى الكَمالِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ، فَلَوْ كانَتْ فائِدَةُ المَوْتِ مُجَرَّدَ القَهْرِ لَكانَتْ نَقْصًا لِكَوْنِهِ يَعُمُّ الغَنِيَّ والفَقِيرَ والظّالِمَ والمَظْلُومَ، ولَكانَ جَعْلُ الإنْسانِ مُخَلَّدًا أوْلى وأحْكَمَ، فَفائِدَتُهُ غَيْرُ مُجَرَّدِ القَهْرِ وهي الحَمْلُ عَلى إحْسانِ العَمَلِ لِلْقاهِرِ خَوْفًا مِنَ العَرْضِ عَلَيْهِ والمُحاسَبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ النَّقْلَةِ إلى دارِ الجَزاءِ،والتَّرْقِيَةُ إلى العُلُومِ الَّتِي البَدَنُ حِجابُها مِن تَمْيِيزِ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ والعِلْمِ بِمَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُبْصِرُهُ أُولُو الألْبابِ.
ولَمّا كانَ حاصِلُ المَوْتِ أنَّهُ تَغْيِيرُ الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ إلى غَيْرِها، وكانَ مَن قَدَرَ عَلى تَحْوِيلِ صُورَةٍ إلى شَيْءٍ قَدَرَ عَلى تَحْوِيلِها إلى شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ قالَ: ﴿وما نَحْنُ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ ولا عاجِزِينَ ولا مَغْلُوبِينَ
56:61Page 536
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ تَبْدِيلًا عَظِيمًا ﴿أمْثالَكُمْ﴾ أيْ صُوَرَكم وأشْخاصَكم لِما تَقَدَّمَ في الشُّورى مِن أنَّ المِثْلَ في الأصْلِ هو الشَّيْءُ نَفْسُهُ ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ أيْ إنْشاءً جَدِيدًا بَعْدَ تَبْدِيلِ ذَواتِكم ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-٢٢٢)فَإنَّ بَعْضَهم تَأْكُلُهُ السِّباعُ أوِ الحِيتانُ أوِ الطُّيُورُ فَتَنْشَأُ أبْدانُها مِنهُ، بَعْضُهم يَصِيرُ تُرابًا فَرُبَّما نَشَأ مِنهُ نَباتٌ فَأكَلَتْهُ الدَّوابُّ، فَنَشَأ مِنهُ أبْدانُها، ورُبَّما صارَ تُرابُهُ مِن مَعادِنِ الأرْضِ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والحَجَرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ لَمَّحَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا﴾ [الإسراء: ٥١] إلى آخِرِها، أوْ يَكُونُ المَعْنى كَما قالَ البَغْوِيُّ: نَأْتِي بِخَلْقٍ مِثْلِكم بَدَلًا مِنكم ونَخْلُقُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الصُّوَرِ. أيْ: بِتَغْيِيرِ أوْصافِكم وصُوَرِكم في صُوَرٍ أُخْرى بِالمَسْخِ، ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ.
56:62Page 536
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الثّانِيَةَ النُّطْفِيَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ بِخِلافِ ما يَعْلَمُونَ كانُوا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِهَذا العِلْمِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أيْ أيُّها العَرَبُ ﴿النَّشْأةَ الأُولى﴾ التُّرابِيَّةَ لِأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أوِ اللَّحْمِيَّةَ لِأُمِّكم حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وإلّا لَوُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، والنُّطْفِيَّةُ لَكُمْ، وكُلٌّ مِنها تَحْوِيلٌ مِن شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ، فالَّذِي شاهَدْتُمْ قُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْوِيلِكم بَعْدَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلًا مِنَ الصُّورَةِ؟ ولِهَذا سَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَهَلّا ولِمَ لا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا عَظِيمًا تُكْرِهُونَ أنْفُسَكم وإنْ كانَ فِيهِ خَفاءٌ ما -مِمّا أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ مِن أنَّ المَلُومَ عَلَيْهِ غَيْبٌ، وكَذا (p-٢٢٣)بَعْضُ ما قِيسَ بِهِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الإبْداءاتِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ، بَلْ هي أهْوَنُ في مَجارِي عاداتِكم.
ولَمّا كانَ عِلْمُهم بِأمْرِ النَّباتِ الَّذِي هو الآيَةُ العُظْمى لِإعادَةِ الأمْواتِ أعْظَمَ مِن عِلْمِهِمْ بِجَمِيعِ ما مَضى، وكانَ أمْرُهُ في الحَرْثِ وإلْقاءِ البَذْرِ [فِيهِ] أشْبَهَ شَيْءٍ بِالجِماعِ وإلْقاءِ النُّطْفَةِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ المَرْأةُ حَرْثًا، وصَلَ بِما مَضى مُسَبِّبًا عَنْهُ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ ما نَبَّهْناكم عَلَيْهِ وفِيما تَقَدَّمَ فَتَسَبَّبَ عَنْ تَنَبُّهِكم لِذَلِكَ أنَّكم رَأيْتُمْ ﴿ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ حَرْثَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِتَهْيِئَةِ أرْضِهِ لِلْبَذْرِ وإلْقاءِ البَذْرِ فِيهِ.
56:64Page 536
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
ولَمّا كانُوا لا يَدَّعُونَ القُدْرَةَ عَلى الإنْباتِ بِوَجْهٍ، وكانَ القادِرُ عَلَيْهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهم يَعْتَقِدُونَ في أمْرِ البَعْثِ ما يُؤَدِّي إلى الطَّعْنِ في قُدْرَتِهِ، كَرَّرَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أيْ تُنْبِتُونَهُ بَعْدَ طَرْحِكُمُ البَذْرَ فِيهِ وتَحْفَظُونَهُ إلى أنْ يَصِيرَ مالًا ﴿أمْ نَحْنُ﴾ خاصَّةً، وأكَّدَ لِما مَضى بِذِكْرِ الخَبَرِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ فَقالَ: ﴿الزّارِعُونَ﴾ أيِ المُنْبِتُونَ لَهُ والحافِظُونَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في أُخْتِها قَرِيبًا سَواءٌ.
56:65Page 536
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: أنْتَ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَكَ؟ [قالَ] مُوَضِّحًا لِأنَّهُ ما زَرَعَهُ غَيْرُهُ بِأنَّ الفاعِلَ الكامِلَ مَن يَدْفَعُ عَمّا صَنَعَهُ ما (p-٢٢٤)يُفْسِدُهُ، ومَن إذا أرادَ إفْسادَهُ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مَنعِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ لَوْ عامَلْناكم بِصِفَةِ العَظَمَةِ، وأكَّدَ لِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُ الآمِنِ [مِن] ذَلِكَ مَعَ أنَّهم في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَهْلِكَ زَرْعُهم كَما زَرَعُوهُ أوْ لِأنَّ المَطْعُومَ أهَمُّ مِنَ المَشْرُوبِ وأعْظَمُ، فَإنَّهُ الأصْلُ في إقامَةِ البَدَنِ والمَشْرُوبُ تَبَعٌ لَهُ فَقالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿حُطامًا﴾ أيْ مُكَسَّرًا مُفَتَّتًا لا حَبَّ فِيهِ قَبْلَ النَّباتِ حَتّى لا يَقْبَلَ الخُرُوجَ أوْ بَعْدَهُ بِبَرْدٍ مُفْرِطٍ أوْ حَرٍّ مُهْلِكٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ ﴿فَظَلْتُمْ﴾ أيْ: فَأقَمْتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَهارًا في وقْتِ الأشْغالِ العَظِيمَةِ وفي كُلِّ وقْتٍ وتَرَكْتُمْ كُلَّ ما يُهِمُّكم ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قالَ في القامُوسِ: فَكَّهَهم بِمُلَحِ الكَلامِ: أطْرَفَهم بِها وفَكِهَ - كَفَرِحَ فَكَهًا فَهو فَكِهٌ وفاكِهٌ-: طَيِّبُ النَّفْسِ أوْ يُحَدِّثُ صَحْبَهُ فَيُضْحِكُهم ومِنهُ تَعَجَّبَ كَتَفَكَّهَ، والتَّفاكُهُ: التَّمازُحُ، وتَفَكَّهَ: تَنَدَّمَ: والأُفْكُوكَةُ: الأُعْجُوبَةُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: الفَكِهُ هو المُتَرَدِّدُ في القَوْلِ الذّاهِبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ - انْتَهى.
فَأقَمْتُمْ دائِمًا تَنْدَمُونَ عَلى إلْعاقِكم أوْ مَعاصِيكُمُ الَّتِي سَبَّبَتْ ذَلِكَ التَّلَفَ أوْ تَتَعَجَّبُونَ أوْ تُحَدِّثُونَ في ذَلِكَ ولَمْ تُعَرِّجُوا عَلى شَغْلِ غَيْرِهِ كَما تَفْعَلُونَ عِنْدَ الأشْياءِ السّارَّةِ الَّتِي هي في غايَةِ الإعْجابِ والمَلاحَةِ والمُلاءَمَةِ، ولِهَذا عَبَّرَ عَمّا المُرادُ بِهِ الإقامَةُ مَعَ الدَّوامِ بِـ ”ظِلّ“ الَّذِي مَعْناهُ أقامَ نَهارًا إشارَةً [إلى تَرْكِ الأشْغالِ الَّتِي تَهُمُّ ومَحَلُّها النَّهارُ ويُمْنَعُ الإنْسانُ مِن أكْثَرِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الكَلامِ لِهَذا النّازِلِ الأعْظَمِ، وحَذَفَ إحْدى لامَيْ ظَلَّ وتاءَ التَّفَعُّلِ مِن تَفَكَّهَ إشارَةً] (p-٢٢٥)إلى ضَعْفِ المُصابِينَ عَنِ الدِّفاعِ في بَقائِهِمْ وفي كَلامِهِمْ حالَ بَقائِهِمُ الضَّعِيفِ، وكَوْنُ المَحْذُوفِ عَيْنَ الفِعْلِ وهو الوَسَطُ، إشارَةٌ إلى خَلْعِ القَلْبِ واخْتِراقِ الجَوْفِ والقَهْرِ العَظِيمِ، فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ مِنهم عَلى مُمانَعَةِ هَذا النّازِلِ بِوَجْهٍ ولا عَلى تَبْرِيدِ ما اعْتَراهُ مِنهُ مِن حَرارَةِ الصَّدْرِ وخَوْفِ الفَقْرِ بِغَيْرِ الشِّكايَةِ إلى آمالِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا ضُرَّ في يَدِهِ ولا نَفْعَ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى [أنَّهُ] عادَتُهُ سُبْحانَهُ قُرْبَ الفَرَجِ في شَدائِدِ الدُّنْيا لِيَكُونَ الإنْسانُ مُتَمَكِّنًا مِنَ الشُّكْرِ لا عُذْرَ لَهُ في تَرْكِهِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّكم مَعَ [كَثْرَةِ] اعْتِيادِكم لِلْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ عَنْ قُرْبٍ تَيْأسُونَ أوَّلَ ما يَصْدِمُكُمُ البَلاءُ، فَتُقْبِلُونَ عَلى كَثْرَةِ الشِّكايَةِ، ولا يَنْفَعُكم كَثْرَةُ التَّجارِبِ لِإدْرارِ النِّعَمِ أبَدًا.
ولَمّا ذَكَرَ تَفَكُّهَهُمْ، وكانَ التَّفَكُّهُ يُطْلَقُ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّعَجُّبِ والتَّنَدُّمِ وعَلى التَّنَعُّمِ، قالَ الكِسائِيُّ: هو مِنَ الأضْدادِ، تَقُولُ العَرَبُ: تَفَكَّهْتُ أيْ تَنَعَّمْتُ، وتَفَكَّهْتُ، أيْ حَزِنْتُ، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً لِتَفَكُّهِهِمْ: ﴿إنّا﴾ وأكَّدَ إعْلامًا بِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ [فَقالَ]: ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ أيْ مُولَعٌ بِنا ومُلازِمُونَ بِشَرٍّ دائِمٍ وعَذابٍ وهَلاكٍ لِهَلاكِ رِزْقِنا، أوْ مُكْرَمُونَ بِغَرامَةِ ما أنْفَقْنا ولَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ هَذا الواقِعِ والِاسْتِعْظامِ لَهُ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، وهي مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّهم لِشِدَّةِ اضْطِرابِهِمْ مِن ذَلِكَ الحادِثِ مُذَبْذَبُونَ تارَةً يَجْزِمُونَ بِاليَأْسِ والشَّرِّ وتارَةً يَشُكُّونَ فِيهِ ويَنْسُبُونَ الأمْرَ إلى سُوءِ تَصَرُّفِهِمْ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ (p-٢٢٦)إضْرابُهُمْ:
﴿بَلْ نَحْنُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مَحْرُومُونَ﴾ أيْ: حَرَمَنا غَيْرُنا وهو مَن لا يُرَدُّ قَضاؤُهُ، فَلا حَظَّ لَنا في الِاكْتِسابِ، فَلَوْ كانَ الزّارِعُ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ لَأفْلَحَ زَرْعُهُ، قالَ في القامُوسِ: الغَرامُ: الوَلُوعُ والشَّرُّ الدّائِمُ والهَلاكُ والعَذابُ، والغَرامَةُ ما يَلْزَمُ أداؤُهُ، وحَرَمَهُ: مَنَعَهُ، والمَحْرُومُ، المَمْنُوعُ عَنِ الخَيْرِ ومَن لا يُنَمّى لَهُ مالٌ والمُحارَفُ - [أيْ] بِفَتْحِ الرّاءِ - وهو المَمْنُوعُ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي لا يَكادُ يَكْتَسِبُ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والمَحْرُومُ ضِدُّ المَرْزُوقِ، أيْ والمَرْزُوقُ المَجْرُودُ بِالجِيمِ وهو المَحْظُوظُ.
56:68Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
ولَمّا وقَفَهم عَلى قُدْرَتِهِ في الزَّرْعِ مَعَ وُجُودِ أسْبابِهِ، وقَدَّمَهم بِشِدَّةٍ إلَيْهِ، وكانَ رُبَّما ألْبَسَ نَوْعَ لَبْسٍ لِأنَّ لَهم فِيهِ سَبَبًا في الجُمْلَةِ، أتْبَعَهُ التَّوْقِيفَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ في سَبَبِهِ الَّذِي هو الماءُ الَّذِي لا سَبَبَ لَهم في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ أصْلًا، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا أفادَهم هَذا التَّنْبِيهُ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةِ الشُّرْبِ الَّذِي يُحْوِجُ إلَيْهِ الغِذاءُ:﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ ما نَبَّهْنا عَلَيْهِ مِمّا مَضى في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ، أفَرَأيْتُمُ ﴿الماءَ﴾ ولَمّا كانَ مِنهُ ما لا يُشْرَبُ، وكانَتِ النِّعْمَةُ في المَشْرُوبِ أعْظَمَ، قالَ واصِفًا لَهُ بِما أغْنى عَنْ وصْفِهِ بِالعُذُوبَةِ، وبَيَّنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ عَنْها فَقالَ: ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾
56:69Page 536
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
ولَمّا كانَ عُنْصُرُهُ في جِهَةِ العُلُوِّ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُقَرِّرًا لَهُمْ: ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ﴾ ولَمّا كانَ الإنْزالُ (p-٢٢٧)قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ إيجادِ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وكانَ السَّحابُ مِن عادَتِهِ المُرُورُ مَعَ الرِّيحِ لا يَكادُ يَثْبُتُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ تَحْقِيقًا لِجِهَةِ العُلُوِّ وتَوْقِيفًا عَلى مَوْضِعِ النِّعْمَةِ في إثْباتِهِ إلى أنْ يَتِمَّ حُصُولُ النَّفْعِ بِهِ: ﴿مِنَ المُزْنِ﴾ أيِ السَّحابِ المَمْلُوءِ المَمْدُوحِ الَّذِي شَأْنُهُ الإسْراعُ في المُضِيِّ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ، [و]قِيلَ: السَّحابُ الأبْيَضُ خاصَّةً، وهو أعْذَبُ ماءً ﴿أمْ نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً، وأكَّدَ بِذِكْرِ الخَبَرِ وهو لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ في أصْلِ المَعْنى فَقالَ: ﴿المُنْـزِلُونَ﴾ أيْ لَهُ، رَحْمَةً [لَكُمْ] وإحْسانًا إلَيْكم بِتَطْيِيبِ عَيْشِكم عَلى ما لَنا مِن مَقامِ العَظَمَةِ الَّذِي شَأْنُهُ الكِبْرُ والجَبَرُوتُ وعَدَمُ المُبالاةِ بِشَيْءٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ سَواءٌ.
56:70Page 536
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
ولَمّا كانَ الجَوابُ: أنْتَ وحْدَكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ عَلى غِناكَ عَنِ الخَلْقِ بِما لَكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وكَمالِ الذّاتِ والصِّفاتِ، قالَ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةٍ أُخْرى: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ: حالَ إنْزالِهِ وبُعْدِهِ قَبْلَ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِ. ولَمّا كانَتْ صَيْرُورَةُ الماءِ [مِلْحًا] أكْثَرَ مِن صَيْرُورَةِ النَّبْتِ حُطامًا، لَمْ يُؤَكِّدْ لِذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ السّامِعِينَ لَمّا مَضى التَّوْقِيفُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ صارُوا في حَيِّزِ المُعْتَرِفِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿جَعَلْناهُ﴾ أيْ بِما تَقْتَضِيهِ صِفاتُ العَظَمَةِ ﴿أُجاجًا﴾ أيْ: مِلْحًا مُرًّا مُحْرِقًا كَأنَّهُ في الأحْشاءِ لَهِيبُ النّارِ المُؤَجَّجُ فَلا يُبْرِدُ عَطَشًا ولا يُنْبِتُ نَبْتًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يُساغُ لِإنْكارِهِ، (p-٢٢٨)سَبَّبَ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّحْضِيضِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أيْ فَهَلّا ولِمَ لا تُجَدِّدُونَ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِاسْتِعْمالِ ما أفادَكم ذَلِكَ مِنَ القُوى في طاعَةِ الَّذِي أوْجَدَهُ لَكم ومَكَّنَكم مِنهُ وجَعَلَهُ مُلائِمًا لِطِباعِكم مُشْتَهًى لِنُفُوسِكم نافِعًا لَكم في كُلِّ ما تَرَوْنَهُ.
ولَمّا كانَتِ النّارُ سَبَبًا لِعُنْصُرِ ما فِيهِ الماءُ فَيَتَحَلَّبُ فَيَتَقاطَرُ كَما كانَ الماءُ سَبَبًا لِتَشْقِيقِ الأرْضِ بِالزَّرْعِ، ولَمْ يَكُنْ لِمَخْلُوقٍ قُدْرَةٌ عَلى التَّوَصُّلِ بِنَوْعِ سَبَبٍ، أتْبَعَهُ بِها كَما أتْبَعَ الزَّرْعَ بِالماءِ لِذَلِكَ ولِبَيانِ القُدْرَةِ عَلى ما لا سَبَبَ فِيهِ لِمَخْلُوقٍ في السُّفْلِ كَما كانَ إنْزالُ الماءِ عَرِيًّا عَنْ سُنَّتِهِمْ في العُلُوِّ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَّلَهم لِلتَّأمُّلِ في مَصْنُوعاتِهِ والتَّبَصُّرِ في عَجائِبِ آياتِهِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي هَلْ رَأيْتُمْ بِالأبْصارِ والبَصائِرِ ما تَقَدَّمَ فَرَأيْتُمُ ﴿النّارَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ نارًا مَخْصُوصَةً تُوقِفُهم عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وتَكْشِفُ لَهم ذَلِكَ كَشْفًا بَيِّنًا بِإيجادِ الأشْياءِ مِن أضْدادِها فَقالَ: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَسْتَخْرِجُونَ مِنَ الزَّنْدِ فَتُوقِدُونَ بِهِ سَواءٌ كانَ الزَّنْدُ يابِسًا أوْ أخْضَرَ بَعْدَ أنْ كانَتْ خَفِيَّةً فِيهِ لا يَظُنُّ مَن لَمْ يُجَرِّبْ ذَلِكَ أنَّ فِيهِ نارًا أصْلًا، فَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ التَّوْرِيَةِ الَّتِي يُظْهَرُ فِيها شَيْءٌ ويُرادُ غَيْرُهُ، ثُمَّ صارَ بَعْدَ ذَلِكَ الخَفاءِ إلى ظُهُورٍ عَظِيمٍ وسُلْطَةٍ مُتَزايِدَةٍ وعَظَمَةٍ ظاهِرَةٍ تُحْرِقُ كُلَّ ما لابَسَها حَتّى ما خَرَجَتْ مِنهُ، والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِأمْرِ الزَّنْدِ، وذَلِكَ أنَّهم يَقْطَعُونَ (p-٢٢٩)غُصْنًا مِن شَجَرِ المَرْخِ وآخَرَ مِنَ العَفارِ، ويَحُكُّونَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ فَتَتَقَدَّحُ مِنها النّارُ عَلى أنَّ النّارَ في كُلِّ شَجَرٍ، وإنَّما خُصَّ المَرْخُ والعَفارُ لِسُهُولَةِ القَدْحِ مِنهُما، وقَدْ قالُوا: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ.
56:72Page 536
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
ولَمّا كانَ هَذا مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ، كَرَّرَ التَّقْرِيرَ والإنْكارَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ﴾ أيِ: اخْتَرَعْتُمْ وأوْجَدْتُمْ وأوْدَعْتُمْ وأحْيَيْتُمْ ورَبَّيْتُمْ وأوْقَعْتُمْ ﴿شَجَرَتَها﴾ أيِ المَرْخَ والعَفارَ الَّتِي تَتَّخِذُونَ مِنها الزِّنادَ الَّذِي يُخْرَجُ مِنهُ، وأسْكَنْتُمُوها النّارَ مُخْتَلِطَةً بِالماءِ الَّذِي هو ضِدُّها وخَبَّأْتُمُوها في تِلْكَ الشَّجَرَةِ لا يَعْدُو واحِدٌ مِنها عَلى الآخَرِ مَعَ المُضادَّةِ فَيَغْلِبُهُ حَتّى يَمْحَقَهُ ويَعْدَمَهُ ﴿أمْ نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿المُنْشِئُونَ﴾ أيْ لَها بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ، فَمَن قَدَرَ عَلى [إيجادِ] النّارِ الَّتِي هي أيْبَسُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها في كَيْفِيَّتِها، كانَ أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الطَّراوَةِ والغَضاضَةِ في تُرابِ الجَسَدِ الَّذِي كانَ غَضًّا طَرِيًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِمِثْلِ ما مَضى في أخَواتِها سَواءٌ.
56:73Page 536
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: أنْتَ وحْدَكَ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ هَذا الخَبَرِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿جَعَلْناها﴾ بِما اقْتَضَتْهُ عَظَمَتُنا، وقَدَّمَ مِن مَنافِعِها ما هو أوْلى بِسِياقِ البَعْثِ الَّذِي هو مَقامُهُ فَقالَ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ أيْ شَيْئًا تَتَذَكَّرُونَهُ وتَتَذَكَّرُونَ بِهِ تَذَكُّرًا عَظِيمًا جَلِيلًا عَنْ (p-٢٣٠)كُلِّ ما أخْبَرْنا بِهِ مِنَ البَعْثِ وعَذابِ النّارِ الكُبْرى وما يَنْشَأُ فِيها مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نُنِيرُهُ لِأُولِي البَصائِرِ والفُهُومِ مِنَ العُلُومِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَوِزانٌ قَدْحُ الزِّنادِ مِنَ الشَّجَرِ، والزِّنادُ وِزانُ الصَّيْحَةِ بِهِمْ ووِزانُ إنْشائِهِ الأجْسامَ وِزانُ إنْشائِهِ الشَّجَرَةَ النّارَ، ويُتَذَكَّرُ بِإنْشائِها في الشَّجَرِ إنْشاءُ الحَياةِ في الأجْسامِ وبِإنْشائِها مِن غَيْبِها أنَّ النّارَ الكُبْرى في غَيْبِ ما نُشاهِدُهُ، وهَذا مِن آثارِ كَوْنِها في الجَوِّ - انْتَهى. وعَلَّقَ بِها سُبْحانَهُ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَعاشِ الَّتِي لا غِنى عَنْها لِيَكُونَ مُذَكِّرًا لَهم بِما أوْقَدُوا بِهِ حاضِرًا دائِمًا فَيَكُونَ أجْدَرَ بِاتِّعاظِهِمْ ﴿ومَتاعًا﴾ أيْ إنْشاءً وبَقاءً وتَعْمِيرًا ونَفْعًا وإيصالًا إلى غايَةِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِضاءَةِ والِاصْطِلاءِ والإنْضاجِ والتَّحْلِيلِ والإذابَةِ والتَّعْقِيدِ والتَّكْلِيسِ، وهُرُوبِ السِّباعِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّها سَبَبٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أيِ الجِياعِ الَّذِينَ أقْوَتْ بُطُونُهم - أيْ خَلَتْ - مِنَ الفَقْرِ والإغْناءِ مِنَ النّازِلِينَ بِالأرْضِ القَواءِ، والقَواءُ بِالكَسْرِ والمَدِّ أيِ القَفْرُ الخالِيَةُ المُتَباعِدَةُ الأطْرافِ البَعِيدَةُ مِنَ العُمْرانِ، وكُلُّ آدَمِيٍّ مُهَيَّأٍ لِلْقَواءِ فَهو مَوْصُوفٌ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حالَ الوَصْفِ كَذَلِكَ، وقالَ الرّازِيُّ: أقْوى مِنَ الأضْدادِ: اغْتَنى وافْتَقَرَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ الأرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى ووَقَّفَهم عَلَيْها مِن أمْرِ خَلْقِهِمْ وما بِهِ قِوامُ عَيْشِهِمْ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، والنّارِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى البَعْثِ إذْ فِيها انْتِقالٌ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ وإحْداثُ (p-٢٣١)شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ولِذَلِكَ أمَرَ في آخِرِها بِتَنْزِيهِهِ - انْتَهى.
ولَمّا دَلَّ [سُبْحانَهُ] في هَذِهِ الآياتِ عَلى عَجائِبِ القُدْرَةِ وغَرائِبِ الصُّنْعِ، فَبَدَأ بِالزَّرْعِ وخَتَمَ بِالنّارِ والشَّجَرِ، وأوْجَبَ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنَ التَّذَكُّرِ لِأمْرِها والتَّبَصُّرِ في شَأْنِها [أنَّها] مِن أسْبابِ ما قَبْلَها، وأنَّهُ سَبَبٌ لَها لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَها لِإثْباتِ ما هي لَهُ، وكانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ إشارَةً إلى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: إلّا أنَّ الماءَ والأرْضَ لِخَلْقِ الأرْكانِ، والأخْلاقَ والصِّفاتِ لِلْهَواءِ والنّارِ، وكانَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ أمْرًا باهِرًا، أشارَ إلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِالأمْرِ بِالتَّنْزِيهِ مُسَبِّبًا عَمّا أفادَ ذَلِكَ، فَقالَ مُعْرِضًا عَمَّنْ قَدْ يُلِمُّ بِهِ الإنْكارُ مُقْبِلًا عَلى أشْرَفِ خَلْقِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا المَقامَ حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ ولا يَعْمَلُ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ غَيْرُهُ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ العَظِيمَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن تَرْكِ البَعْثِ وغَيْرِهِ ولا سِيَّما بَعْدَ بُلُوغِ هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى حَدِّ المَحْسُوسِ تَسْبِيحَ مُتَعَجِّبٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَسْبِيحَ شُكْرٍ لَهُ وتَعْظِيمٍ لَهُ وإكْبارٍ وتَنْزِيهٍ عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ وتَعْجِيبٍ مِنهم مُقْتَدِيًا بِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن أعْجَبِ ذَلِكَ أنَّهُ سَخَّرَ لَنا في هَذِهِ الدّارِ جَهَنَّمَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: جَعَلَ مِنها بِحَرارَةِ الشَّمْسِ جَنّاتٍ وثَمَراتٍ وفَواكِهَ وزُرُوعًا ومَعايِشَ. (p-٢٣٢)ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الِاسْمِ أقْعَدَ في تَعْظِيمِ المُسَمّى قالَ: ﴿بِاسْمِ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِذِكْرِ اسْمِ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ بَعْدَ التَّرْبِيَةِ إلَيْكَ بِهَذا البَيانِ الأعْظَمِ بِما خَصَّكَ بِهِ مِمّا لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَكَ، وأثْبَتُوا ألِفَ الوَصْلِ هُنا لِأنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ دَوْرُهُ كَثْرَتَهُ في البَسْمَلَةِ مِنها وحَذَفُوهُ مِنها لِكَثْرَةِ دَوْرِها وهم شَأْنُهُمُ الإيجازُ وتَقْلِيلُ الكَثِيرِ إذا عُرِفَ مَعْناهُ، وهَذا مَعْرُوفٌ لا يُجْهَلُ، وإثْباتُ ما أُثْبِتَ مِن أشْكالِهِ مِمّا لا يَكْثُرُ دَلِيلٌ عَلى الحَذْفِ مِنهُ، وكَذا لا تُحْذَفُ الألِفُ مَعَ غَيْرِ الباءِ في اسْمِ اللَّهِ ولا مَعَ الباءِ في غَيْرِ الجَلالَةِ مِنَ الأسْماءِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ العِلَّةِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْظِيمِ قالَ: ﴿العَظِيمِ﴾ الَّذِي مَلَأ الأكْوانَ كُلَّها عَظَمَةً، فَلا شَيْءَ مِنها إلّا وهو مَمْلُوءٌ بِعَظَمَتِهِ تَنَزُّهًا عَنْ أنْ تَلْحَقَهُ شائِبَةُ نَقْصٍ أوْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِن كَمالٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذِهِ الآياتُ الَّتِي عَدَّدَها سُبْحانَهُ تَمْهِيدٌ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ وكَما في الخَبَرِ ”تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً“ هَذِهِ الفِكْرَةُ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences