Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:92–96
56:92Page 537
وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢
But if he was of the deniers [who were] astray,
(p-٢٤٧)ولَمّا ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ النّاجِيَيْنِ، أتْبَعَهُما الهالِكِينَ جامِعًا لَهم في صِنْفٍ واحِدٍ لِأنَّ مَن أُرِيدَتْ لَهُ السَّعادَةُ يَكْفِيهِ ذَلِكَ، ومَن خُتِمَ بِشَقائِهِ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الإغْلاظُ والإكْثارُ فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أخَذْناهُ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ وأنْتُمْ حَوْلَهُ تَنْقَطِعُ أكْبادُكم لَهُ ولا تَقْدِرُونَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾
ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ تارَةً يَكُونُ مُعانِدًا، وتارَةً [يَكُونُ] جاهِلًا مُقْتَصِرًا، قالَ: ﴿الضّالِّينَ﴾ أيْ أصْحابِ الشِّمالِ الَّذِينَ وُجِّهُوا وِجْهَةَ هُدًى فَزاغُوا عَنْها لِتَهاوُنِهِمْ في البَعْثِ
﴿فَنُـزُلٌ﴾ أيْ لَهم وهو ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عَلى ما لاحَ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ ماءٍ مُتَناهٍ في [الحَرارَةِ] بَعْدَ ما نالُوا مِنَ العَطَشِ كَما يَرِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ الحَوْضَ كَما يُبادَرُ بِهِ القادِمُ لِيُبْرِدَ بِهِ غُلَّةَ عَطَشِهِ ويَغْسِلَ بِهِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ
﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أيْ لَهم بَعْدَ النُّزُلِ يُصْلَوُا النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدِ صَلْيًا عَظِيمًا.
ولَمّا تَمَّ ما أُرِيدَ مِن إثْباتِ البَعْثِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ البَيِّنِ، وكانُوا مَعَ البَيانِ يُكَذِّبُونَ بِهِ، لَفَتَ الخِطابَ عَنْهم إلى أكْمَلِ الخَلْقِ، وأكَّدَ تَسْمِيعًا لَهم فَقالَ سائِقًا لَهُ مَساقَ النَّتِيجَةِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ومِن قِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مِنَ الظُّهُورِ في حَدٍّ لا يُساوِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ. زادَ في التَّأْكِيدِ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ فَقالَ: (p-٢٤٨)﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ لِكَوْنِهِ -لِما عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ المُشاهَدَةِ- كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مُباشَرٌ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ قَتادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ تارِكًا أحَدًا مِنَ النّاسِ حَتّى يُوقِفَهُ عَلى اليَقِينِ مِن هَذا القُرْآنِ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَأيْقَنَ في الدُّنْيا فَنَفَعَهُ ذَلِكَ، وأمّا المُنافِقُ فَأيْقَنَ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ - انْتَهى.
ولَمّا تَحَقَّقَ لَهُ هَذا اليَقِينُ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهُ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ سُبْحانَهُ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ مِمّا يَلْزَمُ مِنهُ وصْفُهُ بِالعَجْزِ بَعْدَ تَقْسِيمِهِ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ كَما أمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الفَراغِ مِن تَقْسِيمِهِمْ عَلى طَرِيقِ الإطْنابِ إشارَةً إلى أنَّ المُفاوَتَةَ بَيْنَهم مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ وعَلى فَسادِ القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ كُلَّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ بِالِاعْتِقادِ والقَوْلِ والفِعْلِ والصَّلاةِ وغَيْرِها بِأنْ تَصِفَهُ بِكُلِّ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى وتُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ ما نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ، ولِقَصْرِهِ الفِعْلَ لِإفادَةِ العُمُومِ أثْبَتَ الجارَّ بِقَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما خَصَّكَ بِهِ مِمّا لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَكَ عَمّا وصَفَهُ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالواقِعَةِ، وإذا كانَ هَذا لِاسْمِهِ فَكَيْفَ بِما لَهُ وهو ﴿العَظِيمِ﴾ الَّذِي مَلَأتْ عَظَمَتُهُ جَمِيعَ الأقْطارِ والأكْوانِ، وزادَتْ عَلى ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ العِلْمِ سِواهُ لِأنَّ مَن لَهُ هَذا الخَلْقُ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ، وهَذا الكَلامُ [الأعَزُّ الأكْرَمُ]، لا يَنْبَغِي (p-٢٤٩)لِشائِبَةِ نَقْصٍ أنْ تُلِمَّ بِجَنابِهِ، أوْ تَدْنُوَ مِن فِناءِ بابِهِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها في الإخْبارِ بِالبَعْثِ وتَصْنِيفِ الخَلائِقِ فِيهِ إلى الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِها أيَّ انْطِباقٍ، وزادَ هَذا الآخِرُ بِأنِ اعْتَنَقَ بِدَلِيلِهِ أيَّ اعْتِناقٍ، واتَّفَقَ مَعَ أوَّلِ الَّتِي بَعْدَها أيَّ اتِّفاقٍ، وطابَقَهُ أجَلَّ طِباقٍ، وخُتِمَتْ بِصِفَتَيِ الرَّحْمَةِ والعَظَمَةِ، وجَلَتْ عَنِ الِاسْمِ الجامِعِ كاللَّتَيْنِ قَبْلَها لِما ذَكَرَهُ في أواخِرِ القَمَرِ مِن أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ أحَدٌ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ المُصاحِبَةِ لِلْإيمانِ، لِيُخاطَبَ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِلْإهانَةِ والإحْسانِ، وإنَّما ذُكِرَ أهْلُ الكُفْرانِ المُسْتَوْجِبِينَ لِلْهَوانِ بِالخُلُودِ في النِّيرانِ، وأهْلُ الإيمانِ المُتَأهِّلِينَ لِلْإحْسانِ بِتَأْبِيدِ الإمْكانِ في أعْلى الجِنانِ - انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences