Al-Biqa'iAl‑Hadid · 57:9–16

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:9–16

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

ولَمّا وصَفَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ [لا غَيْرُهُ] ﴿الَّذِي يُنَـزِّلُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ والمُوالاةِ بِحَسَبِ الحاجَةِ. ولَمّا كانَ الخِطابُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلْمُخْلَصِ، قالَ مُضِيفًا إلى ضَمِيرِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِما يَدُلُّ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ أيِ الَّذِي هو أحَقُّ النّاسِ بِحَضْرَةِ جَمالِهِ وإكْرامِهِ لِأنَّهُ ما تَعَبَّدَ لِغَيْرِهِ قَطُّ ﴿آياتٍ﴾ أيْ عَلاماتٍ هي مِن ظُهُورِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُرْجَعَ إلَيْها ويُتَقَيَّدَ [بِها] ﴿بَيِّنَتٍ﴾ [فاطر: ٤٠] جِدًّا عَلى ما لَهُ مِنَ النُّعُوتِ الَّتِي هي في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ اللَّهُ أيْ عَبْدُهُ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، والجِنْسُ إلى جِنْسِهِ أمْيَلُ ومِنهُ أقْبَلُ، ولا سِيَّما إنْ كانَ قَرِيبًا ولَبِيبًا أرِيبًا ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الَّتِي أنْتُمْ مُنْغَمِسُونَ فِيها مِنَ الحُظُوظِ والنَّقائِصِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها الإنْسانُ والغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، الحامِلَةِ عَلى تَراكُمِ الجَهْلِ، فَمَن آتاهُ سُبْحانَهُ العِلْمَ والإيمانَ فَقَدْ أخْرَجَهُ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ الَّتِي طَرَأتْ عَلَيْهِ ﴿إلى النُّورِ﴾ الَّذِي كانَ وصْفًا لِرُوحِهِ وفِطْرَتِهِ الأُولى السَّلِيمَةِ. (p-٢٦٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ بِهِ لَلَطِيفٌ خَبِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ زِلْزالِ مَن يَطُولُ بِهِ البَلاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإنْكارِ الكُفّارِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِكُمْ﴾ قَدَّمَ الجارَّ لِأنَّ عَظِيمَ رَحْمَتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مُوجِبٌ لِعَدِّ نِعْمَتِهِ عَلى غَيْرِنا عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى نِعْمَتِهِ عَلَيْنا ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كُنْتُمْ بِالنَّظَرِ إلى رَحْمَتِهِ الخاصَّةِ الَّتِي هي لِإتْمامِ النِّعْمَةِ صِنْفَيْنِ: مِنكم مَن كانَ لَهُ بِهِ وصْلَةٌ بِما يَفْعَلُ في أيّامِ جاهِلِيَّتِهِ مِنَ الخَيْراتِ كالإنْفاقِ في سَبِيلِ المَعْرُوفِ، وعَبَّرَ بِالإنْفاقِ لِكَوْنِهِ [خَيْرًا[ لا رِياءَ ونَحْوَهُ [فِيهِ] كالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعادَ عَلَيْهِ، بَعْدَ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِالبَيانِ، بِخُصُوصِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ أوْصَلَتْهُ إلى أعْظَمِ دَرَجاتِ العِرْفانِ، ومِنكم مَن كانَ بالِغًا في اتِّباعِ الهَوى فابْتَدَأهُ بَعْدَ عُمُومِ رَحْمَةِ البَيانِ بِخُصُوصِ رَحْمَةٍ هَداهُ بِها إلى أعْمالِ الجِنانِ، وهي دُونَ ما قَبْلَها في المِيزانِ. وفَوْقَها مِن حَيْثُ إنَّها بِدُونِ سَبَبٍ مِنَ المَرْحُومِ.

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

ولَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ والإنْفاقِ، وكانَ الإيمانُ مَعَ كَوْنِهِ الأساسَ الَّذِي لا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خُسْرانٍ أوْ نُقْصانٍ، فَبَدَأ بِهِ لِذَلِكَ، ورَغَّبَ بِخَتْمِ الآيَةِ بِالإشارَةِ بِالرَّأْفَةِ إلى أنَّ [مَن] تَوَصَّلَ (p-٢٦٧)إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ أوْ غَيْرِهِ زادَهُ مِن فَضْلِهِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا - إلى قَوْلِهِ: ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» عَطَفَ عَلَيْهِ التَّرْغِيبَ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالإنْفاقِ مُنْكِرًا عَلى مَن تَرَكَهُ مُوَبِّخًا لِمَن حادَ عَنْهُ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ فانٍ، مُفْهِمًا بِزِيادَةِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ اللَّوْمَ عَلى تَرْكِهِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ﴿لَكُمْ﴾ في ﴿ألا تُنْفِقُوا﴾ أيْ تُوجِدُوا الإخْراجَ لِلْمالِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في كُلِّ ما يُرْضِي المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ لِتَكُونَ لَكم بِهِ وصْلَةٌ فَيَخُصَّكم بِالرَّأْفَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ الرَّحْمَةِ، فَإنَّهُ ما بَخِلَ [بِهِ] أحَدٌ عَنْ وجْهِ خَيْرٍ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَرامَةً في وجْهِ شَرٍّ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ باعِثًا عَلى الإنْفاقِ بِأبْلَغِ بَعْثٍ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾ تَأْكِيدًا لِلْعَظَمَةِ بِالنَّدْبِ إلى ذَلِكَ بِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما صِفَةُ الإرْثِ المُقْتَضِيَةُ لِلزُّهْدِ في المَوْرُوثِ ﴿مِيراثُ﴾ [أيِ] الإرْثُ والمَوْرُوثُ والمَوْرُوثُ عَنْهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جَمِيعًا لا شَيْءَ فِيهِما أوْ مِنهُما إلّا هو كَذَلِكَ يَزُولُ عَنِ المُنْتَفِعِ بِهِ ويَبْقى لِلَّهِ بَقاءَ الإرْثِ، ومَن تَأمَّلَ أنَّهُ زائِلٌ هو وكُلُّ ما في يَدِهِ والمَوْتَ مِن ورائِهِ، ويَدَ طَوارِقِ الحَوادِثِ مُطْبِقَةٌ بِهِ، وعَمّا قَلِيلٍ يُنْقَلُ ما في يَدِهِ إلى غَيْرِهِ (p-٢٦٨)هانَ عَلَيْهِ الجُودُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ.

ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ عَلى الإطْلاقِ، رَغَّبَهم في المُبادَرَةِ إلَيْهِ، مادِحًا أهْلَهُ خاصًّا مِنهم أهْلَ السِّباقِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أهْلَ الإسْلامِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ أيْ أوْجَدَ الإنْفاقَ في مالِهِ وجَمِيعِ قُواهُ وما يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإنْفاقَ في زَمانِ الإيمانِ لا مُطْلَقَ الزَّمانِ، خَصَّ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ أيِ الَّذِي هو فَتْحُ جَمِيعِ الدُّنْيا في الحَقِيقَةِ وهو فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِظُهُورِ الدِّينِ [عَلى الدِّينِ] كُلِّهِ لِما نالَ المُنْفِقَ إذْ ذاكَ بِالإنْفاقِ مِن كَثْرَةِ المَشاقِّ لِضِيقِ المالِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ المُنْفِقِ أنْفَذَ بَصِيرَةً ونَفَقَتِهِ أعْظَمَ غِنًى وأشَدَّ نَفْعًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ أوَّلُ مَن أنْفَقَ ولَمْ يَسْبِقْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ - كَما حَكاهُ البَغْوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإيمانِ خِدْمَةَ الرَّحْمَنِ، وكانَ الإنْفاقُ وإنْ كانَ مُصَدِّقًا لِلْإيمانِ لا يَكْمُلُ تَصْدِيقُهُ إلّا بِبَذْلِ النَّفْسِ قالَ: ﴿وقاتَلَ﴾ أيْ سَعْيًا في إنْفاقِ نَفْسِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وحَذَفَ المَنفِيَّ لِلتَّسْوِيَةِ بِهِ وهو [مَن] لَمْ يُنْفِقْ مُطْلَقًا أوْ بِقَيْدِ القَبْلِيَّةِ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ السّابِقِينَ.

ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ لا يُعْرَفُ مِنها الفاضِلُ مِن غَيْرِهِ، وقَدْ كانَ (p-٢٦٩)حَذْفُ قَسِيمِ مَن أنْفَقَ لِوُضُوحِهِ والتَّنْفِيرِ مِنهُ ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، نَفى اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْفِقُونَ المُقاتِلُونَ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، المُقَرَّبُونَ مِن أهْلِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ لِمُبادَرَتِهِمْ إلى الجُودِ بِالنَّفْسِ والمالِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ وبِعِظَمِ الدَّرَجَةِ يَكُونُ عِظَمُ صاحِبِها ﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ التَّفْضِيلَ عَلى مَن أوْجَدَ الإنْفاقَ والقِتالَ [فِي زَمانٍ بَعْدَ ذَلِكَ، لا عَلى مَنِ اسْتَغْرَقَ كُلَّ زَمانٍ بَعْدَهُ بِالإنْفاقِ والقِتالِ] أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ مُفْهِمًا اشْتِراكَ الكُلِّ في الفَضْلِ، صَرَّحَ بِهِ تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنَ القِسْمَيْنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الجَلالُ والكَمالُ والإكْرامُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الدَّرَجَةَ الَّتِي هي غايَةُ الحُسْنِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها مُتَفاوِتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وكُلّ“ وهو أوْفَقُ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ زَكاءُ الأعْمالِ إنَّما هو بِالنِّيّاتِ، وكانَ التَّفْضِيلُ مَناطَ العِلْمِ، قالَ مُرَغِّبًا في إحْسانِ النِّيّاتِ مُرَهِّبًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِيها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إعْلامًا بِمَزِيدِ اعْتِناءٍ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ عَلى مَرِّ الأوْقاتِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِباطِنِهِ وظاهِرِهِ عِلْمًا لا مَزِيدَ (p-٢٧٠)عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، فَهو يَجْعَلُ جَزاءَ الأعْمالِ عَلى قَدْرِ النِّيّاتِ الَّتِي هي أرْواحُ صُوَرِها.

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

ولَمّا فَضَّلَ السّابِقِينَ بِالإنْفاقِ، ووَعَدَ بِالحُسْنى اللّاحِقِينَ بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، وأشارَ إلى أنَّهُ رُبَّما ألْحَقَهم بِبَعْضِهِمْ بِصَفاءِ الإخْلاصِ فَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى البَذْلِ، أثْمَرَ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُسَمِّيًا الصَّدَقَةَ الَّتِي صُورَتُها [صُورَةُ] إخْراجٍ مِن غَيْرِ عِوَضٍ بِاسْمِ القَرْضِ الَّذِي هو إخْراجٌ بِعِوَضٍ تَرْغِيبًا فِيها لِما أعَدَّ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ المُحَقَّقِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُضاعَفًا: ﴿مَن﴾ وأكَّدَ بِالإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذا﴾ لِأجْلِ ما لِلنُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ ﴿الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ أيْ يُعْطِي الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ بِإعْطاءِ المُسْتَحِقِّ لِأجْلِهِ عَطاءً مِن مالِهِ هو عَلى صُورَةِ القَرْضِ لِرَجائِهِ الثَّوابَ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ طَيِّبًا خالِصًا فِيهِ مُتَحَرِّيًا بِهِ أفْضَلَ الوُجُوهِ طَيِّبَةً بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَنٍّ ولا كَدَرٍ بِتَسْوِيفٍ ونَحْوِهِ.

ولَمّا كانَ ما يُعْطِي اللَّهُ المُنْفِقَ مِنَ الجَزاءِ مُسَبَّبًا عَنْ إنْفاقِهِ، رَبَطَهُ بِالفاءِ فَقالَ عَطْفًا عَلى ﴿يُقْرِضُ﴾ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ مُرَغِّبًا فِيهِ بِجَعْلِهِ مُبالَغًا بِالتَّضْعِيفِ أوَّلًا وجَعْلِهِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ ثانِيًا، وكَذا التَّفْضِيلُ (p-٢٧١)فِي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ ”فَيُضْعِفُهُ“ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ [ويَعْقُوبُ]بِالنَّصْبِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ والتَّسْبِيبِ. ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا هو قالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيِ المُقْرِضِ مِن بَعْدِ ما تَعْقِلُونَهُ مِنَ المُضاعَفَةِ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ ﴿أجْرٌ﴾ لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ، وهو مَعْنى وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ حَسَنٌ طَيِّبٌ زاكٍ نامٍ.

57:12Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

ولَمّا بَيَّنَ ما لِهَذا المُقْرِضِ، بَيَّنَ بَعْضَ وصْفِهِ بِالكَرَمِ بِبَيانِ وقْتِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ لَهم ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي ﴿تَرى﴾ فِيهِ [بِالعَيْنِ]، وأشارَ إلى أنَّ المَحْبُوبَ مِنَ المالِ لا يَخْرُجُ عَنْهُ ولا سِيَّما [مَعَ] الإقْتارِ إلّا مَن وقَرَ الدِّينُ في قَلْبِهِ بِتَعْبِيرِهِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ الَّذِي صارَ الإيمانُ لَهم صِفَةً راسِخَةً ﴿يَسْعى﴾ شِعارًا لَهم وأمارَةً عَلى سَعادَتِهِمْ ﴿نُورُهُمْ﴾ الَّذِي يُوجِبُ إبْصارَهم لِجَمِيعِ ما يَنْفَعُهم فَيَأْخُذُوهُ وما يَضُرُّهم فَيَتْرُكُوهُ، وذَلِكَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها بِنُورِ العِلْمِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كَما أنَّهم قَدَّمُوا المالَ الَّذِي إنَّما يَقْتَنِيهِ الإنْسانُ لِمِثْلِ ذَلِكَ جَزاءً وِفاقًا.

ولَمّا كانَ مَن يُرادُ تَعْظِيمُهُ يُعْطى ما يَجِبُ وما بَعْدَهُ شَرِيفًا في الأماكِنِ الَّتِي يُحِبُّها قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ حَيْثُ ما تَوَجَّهُوا، ولِذَلِكَ (p-٢٧٢)حَذَفَ الجارَّ ﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ [أيْ] وتَلْتَصِقُ بِتِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ أشْرَفُ جِهاتِهِمْ، وهم إمّا مِنَ السّابِقِينَ، وإمّا مِن أهْلِ اليَمِينِ، ويُعْطَوْنَ صَحائِفَهم مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، والشَّقِيُّ بِخِلافِ ذَلِكَ لا نُورَ لَهُ ويُعْطى صَحِيفَتَهُ بِشِمالِهِ ومِن وراءِ ظَهْرِهِ، فالأوَّلُ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ والأعْمالِ المَقُولَةِ، والثّانِي نُورُ الإنْفاقِ لِأنَّهُ بِالإيمانِ - [نَبَّهَ] - عَلَيْهِ الرّازِيُّ

ولَمّا ذَكَرَ نُفُوذَهم فِيما يُحِبُّونَ مِنَ الجِهاتِ وتَيْسِيرَهُ لَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُقالُ لَهم مِنَ المَحْبُوبِ في سُلُوكِهِمْ لِذَلِكَ المَحْبُوبِ فَقالَ: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ بِشارَتُكُمُ العَظِيمَةُ في جَمِيعِ ما يَسْتَقْبِلُكم مِنَ الزَّمانِ.

ولَمّا تَشَوَّفُوا لِذَلِكَ أُخْبِرُوا بِالمُبَشَّرِ بِهِ بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا إشارَةً إلى أنَّ المُخْبَرَ بِهِ يُحْسَدُ مِنَ البُشْرى لِكَوْنِهِ مَعْدِنَ السُّرُورِ ﴿جَنّاتٌ﴾ أيْ كائِنَةٌ لَكم تَتَصَرَّفُونَ فِيها أعْظَمَ تَصَرُّفٍ، والخَبَرُ في الأصْلِ دُخُولُ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِما ذَكَرَ مِنَ المُبالَغَةِ ثُمَّ وصَفَها بِما لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ إلّا بِهِ فَقالَ؛ ﴿تَجْرِي﴾ وأفْهَمَ القُرْبَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ مَعَ خَوْفِ الِانْقِطاعِ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خُلُودًا لا آخِرَ لَهُ لِأنَّ اللَّهَ أوْرَثَكم ذَلِكَ ما لا يُورَثُ عَنْكم كَما كانَ حُكّامُ الدُّنْيا لِأنَّ الجَنَّةَ لا مَوْتَ فِيها. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا سارًّا في ذَلِكَ المَقامِ الضَّنْكِ مُحَبًّا بِأمْرٍ اسْتَأْنَفَ مَدْحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ (p-٢٧٣)﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ الَّذِي مَلَأ بِعَظَمَتِهِ جَمِيعَ الجِهاتِ مِن ذَواتِكم وأبْدانِكم ونُفُوسِكم وأرْواحِكم.

57:13Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

ولَمّا عَظَّمَ هَذا الأجْرَ الكَرِيمَ بِبَيانِ ما لِأهْلِهِ في الوَقْتِ الكائِنِ فِيهِ، عَظَّمَهُ بِما لِأضْدادِهِمْ مِنَ النَّكالِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ أيْ قَوْلًا مُجَدَّدًا لِما يُلْجِئُ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الشّاقَّةِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ أيْ بِالعَراقَةِ في إظْهارِ الإيمانِ وإبْطانِ الكُفْرانِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا، وأمّا مَن عَلا مِن هَذا السِّنِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومَن فَوْقَهم فالظّاهِرُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم لِيَطْمَعُوا في مُناداتِهِمْ ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ“ ﴿انْظُرُونا﴾ أيِ انْظُرُونا بِأنْ تَمْكُثُوا في مَكانِكم لِنَلْحَقَ بِكُمْ، وكَأنَّ الفِعْلَ جُرِّدَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ الإيجازَ بِغايَةِ [ما] تُوصِلُ المَقْدِرَةُ إلَيْهِ خَوْفَ الفَوْتِ، لِأنَّ المَسْؤُولِينَ يُسْرِعُونَ إلى الجَنَّةِ كالبَرْقِ الخاطِفِ، وقَدْ حَقَّقَتِ المَعْنى قِراءَةُ حَمْزَةَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الظّاءِ أيْ أخِّرُونا في المَشْيِ وتَأنَّوْا عَلَيْنا وأمْهِلُوا عَلَيْنا، لا تَطْلُبُوا مِنّا السُّرْعَةَ فِيهِ بَلِ امْكُثُوا في مَكانِكم لِنَنْظُرَ في أمْرِنا كَيْفَ نَلْحَقُ بِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهم عَدُّوا تَأنِّيَهم في المَشْيِ وتَلَبُّثَهم لِيَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم ﴿نَقْتَبِسْ﴾ أيْ نَأْخُذْ ونُصِبْ ونَسْتَصْبِحْ ﴿مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ هَذا الَّذِي نَراهُ لَكم ولا يَلْحَقُنا مِنهُ بِشَيْءٍ كَما كُنّا في الدُّنْيا نَرى إيمانَكم بِما نَرى مِن ظَواهِرِكم (p-٢٧٤)ولا نَتَعَلَّقُ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ جَزاءً وِفاقًا، وسَبَبُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يُعْطَوْنَ مَعَ المُؤْمِنِينَ نُورًا خَدِيعَةً لَهم بِما خادَعُوا في الدُّنْيا لِتَعْظُمَ عَلَيْهِمُ المَشَقَّةُ بِفَقْدِهِ لِأنَّهُ لا يَلْبَثُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا وظُلْمَةً فَتُطْفِئُ نُورَهم ويَبْقَوْنَ في الظُّلْمَةِ، وإلى ذَلِكَ يَنْظُرُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ ﴿أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] أيْ [لا] تُطْفِئْهُ كَما أطْفَأْتَ نُورَ المُنافِقِينَ.

ولَمّا كانَ المُنْكِئُ لَهم إنَّما هو الرَّدُّ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿قِيلَ﴾ أيْ لَهم جَوابًا لِسُؤالِهِمْ قَوْلَ رَدٍّ وتَوْبِيخٍ وتَهَكُّمٍ وتَنْدِيمٍ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ أيْ في جَمِيعِ جِهاتِ الوَراءِ الَّتِي هي أبْعَدُ الجِهاتِ عَنِ الخَيْرِ كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا لا تَزالُونَ مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِكم عَمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ عَلَيْهِ ويُسْعى إلَيْهِ ﴿فالتَمِسُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الرُّجُوعِ ﴿نُورًا﴾ ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالوَراءِ الدُّنْيا لِأنَّ هَذا النُّورَ إنَّما هو مِنها بِسَبَبِ ما عَمِلُوا فِيها مِنَ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ والمَعارِفِ الصّافِيَةِ، ولِهَذا قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْوارَ لا بُدَّ أنْ يَتَجَدَّدَ أصْلُها في الدُّنْيا ثُمَّ يَزْدادَ في الآخِرَةِ إشْراقًا [فَأمّا] أنْ يَتَجَدَّدَ ثَمَّ نُورٌ فَلا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَجَعُوا أوْ فَأقامُوا في الظُّلْمَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَضُرِبَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى نَحْوِ الأوَّلِ، ولِإفادَةِ أنَّ الضَّرْبَ كانَ في غايَةِ السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ مُعَقِّبَةً عَلى ما (p-٢٧٥)قَبْلَهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ في [جَمِيعِ] المَسافَةِ الَّتِي بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وأضْدادِهِمْ في وقْتِ قَوْلِهِمْ هَذا.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ أنَّ ضَرْبَهُ كانَ في غايَةِ السُّرْعَةِ، لَمْ يُوقِعِ الفِعْلَ وأتى بِالفاءِ لِيُفِيدَ أنَّهُ كانَ كَأنَّهُ عَصًا ضُرِبَتْ بِهِ الأرْضُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَقالَ: ﴿بِسُورٍ﴾ أيْ جِدارٍ مُحِيطٍ مُحِيلٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا يَشِذُّ عَنْهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَقْدِرُ أحَدٌ مِمَّنْ سِواهم أنْ يَتَجاوَزَهُ إلَيْهِمْ ﴿لَهُ بابٌ﴾ مُوكَلٌ بِهِ حِجابٌ لا يَفْتَحُونَ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ مِن نُورِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِشَفاعَةٍ أوْ نَحْوِها ﴿باطِنُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّورِ والبابِ وهو الَّذِي مِن جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَزاءً لِإيمانِهِمُ الَّذِي هو غَيْبٌ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ وهي ما لَهم مِنَ الكَرامَةِ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي ساتِرَةٌ بِبَطْنِ مَن فِيها بِأشْجارِها وبِأسْبابِها كَما كانَتْ بَواطِنُهم مِلاءً رَحْمَةً ﴿وظاهِرُهُ﴾ أيِ السُّورِ أوِ البابِ الَّذِي يَظْهَرُ لِأهْلِ النّارِ، مُبْتَدِئٌ ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أيْ تُجاهَ ذَلِكَ الظّاهِرِ وناحِيَتَهُ وجِهَتَهُ وعِنْدَهُ ﴿العَذابُ﴾ مِنَ النّارِ ومُقَدِّماتِها لِاقْتِصارِ أهْلِهِ عَلى الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم نُفُوذٌ إلى باطِنٍ وعَكْسُ ما أرادُوا مِن حِفْظِ ظَواهِرِهِمْ في الدُّنْيا مَعَ فَسادِ بَواطِنِهِمْ، ودَلَّ عَلى ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُ“ مِنَ التَّكْرِيرِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا:

57:14Page 539

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

﴿يُنادُونَهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ، يُواصِلُونَ النِّداءَ وهم في الظُّلْمَةِ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَتَرَفَّقُونَ لَهم في مُدَّةِ هَذا القَوْلِ والضَّرْبِ: ﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ أيْ بِكُلِّيَّتِنا (p-٢٧٦)﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ فَنَسْتَحِقُّ المُشارَكَةَ فِيما صِرْتُمْ إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ [الدِّينِ] الَّذِي كُنّا مَعَكم فِيهِ ﴿قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بَلى﴾ قَدْ كُنْتُمْ مَعَنا ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ﴾ أيْ كُنْتُمْ بِما كانَ لَكم مِنَ الذَّبْذَبَةِ تَخْتَبِرُونَ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ فَتُخالِطُونَها بِاخْتِبارِ أحْوالِ الدِّينِ مُخالَطَةً مُحِيلَةً لَها مُمِيلَةً عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ، تُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَظْهَرَ لَكم فِيهِ أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ لِتُخَلَّصُوا فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ فَتُخْلِصُوا، فَما آمَنتُمْ بِالغَيْبِ فَأهْلَكْتُمُوها وتَبِعْتُمْ أيْضًا الأُمُورَ الَّتِي كُنْتُمْ تُفْتَنُونَ بِها [مِنَ]الشَّهَواتِ، فَأوْجَبْتُمْ لَكُمُ الإعْراضَ عَنِ المَعالِي الباطِناتِ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ أيْ كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم أنْ أخْرَجْتُمُوها عَنِ الفِطْرَةِ الأُولى فَأمْهَلْتُمْ وانْتَظَرْتُمْ لِتَرَوُا الأمْرَ عِيانًا أوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَما فَعَلْنا مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ وتَرْكِ التَّجْرِبَةِ ونِسْبَةِ ما يَحْصُلُ لَنا مِمّا فِيهِ فِتْنَةٌ إلى أنْفُسِنا بِتَقْصِيرِنا، وكُنّا كُلَّما حَصَلَ لَنا ما يُزَلْزِلُ نَقُولُ: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَزِيدُنا ذَلِكَ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، وانْتَظَرْتُمْ أيْضًا الدَّوائِرَ بِأهْلِ الإيمانِ لِتُظْهِرُوا النِّفاقَ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ بِتَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الشَّكَّ بِذَلِكَ التَّرَبُّصِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ أيْ تُرِيدُونَ وتُقَدِّرُونَ مِنَ الإراداتِ الَّتِي مَعَها شَهْوَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأطْماعِ الفارِغَةِ الَّتِي لا سَبَبَ لَها غَيْرُ شَهْوَةِ النَّفْسِ إيّاها بِما كُنْتُمْ تَتَوَقَّعُونَ لَنا مِن دَوائِرِ السُّوءِ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءُ المَلِكِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلا كُفْؤَ لَهُ ولا خُلْفَ لِقَوْلِهِ مِنَ المَوْتِ، ومُقَدِّماتٌ مِنَ الأُمُورِ الدَّهِشَةِ، (p-٢٧٧)فَكَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا مُقَصِّرِينَ كُنْتُمْ في هَذا المَوْطِنِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ، فَهو بِحَيْثُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ وهو الوَلِيُّ الوَدُودُ ﴿الغَرُورُ﴾ أيْ مَن [لا] صُنْعَ لَهُ إلّا الكَذِبَ وهو الشَّيْطانُ وهو العَدُوُّ الحَسُودُ، فَإنَّهُ يُنَوِّعُ لَكم بِغُرُورِهِ التَّسْوِيفَ ويَقُولُ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [و]عَفُوٌّ كَرِيمٌ، وماذا عَسى أنْ تَكُونَ ذُنُوبُكم عِنْدَهُ وهو عَظِيمٌ ومُحْسِنٌ وحَلِيمٌ ونَحْوُ هَذا، فَلا يَزالُ حَتّى يُوقِعَ الإنْسانَ، فَإذا أوْقَعَ واصَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتّى يَتَمادى، فَإذا تَمادى صارَ الباعِثَ لَهُ حِينَئِذٍ مِن قَبْلِ نَفْسِهِ فَصارَ طَوْعَ يَدِهِ.

57:15Page 539

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

ولَمّا أقَرُّوا لَهم بِالكَوْنِ الجامِعِ، وذَكَرُوا ما حَصَلَ بِهِ والفَرْقَ المانِعَ فَظَهَرَ أنْ لا كَوْنَ، سَبَّبُوا عَنْهُ قَوْلَهُمْ: ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ بِسَبَبِ أفْعالِكم تِلْكَ ﴿لا يُؤْخَذُ﴾ بِناءً لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الضّارَّ عَدَمُ الأخْذِ ”لا كَوْنُهُ“ مِن آخِذٍ مُعَيَّنٍ ولِيُفِيدَ سَدَّ بابِ الأخْذِ مُطْلَقًا ﴿مِنكم فِدْيَةٌ﴾ أيْ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفِداءِ وهو البَدَلُ والعُضْوُ لِلنَّفْسِ عَلى أيِّ حالٍ مِن قِلَّةٍ أوْ كَثْرَةٍ أوْ حُسْنٍ أوْ غَيْرِهِ لِأنَّ الإلَهَ غَنِيٌّ وقَدْ فاتَ مَحَلُّ العَمَلِ الَّذِي شَرَعَهُ لِإنْقاذِ أنْفُسِكم. ولَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ أكَّدَ فَقالَ: ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أظْهَرُوا كَفْرَهم ولَمْ يَسْتُرُوهُ كَما سَتَرْتُمُوهُ أنْتُمْ لِمُساواتِكم لَهم في الكُفْرِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأيْنَ نَكُونُ؟ قالَ: ﴿مَأْواكُمُ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَسْكَنُكم ومَجْمَعُكُمُ ﴿النّارُ﴾ لا مَقَرَّ لَكم غَيْرُها، تَحْرُقُكم كَما كُنْتُمْ تَحْرُقُونَ قُلُوبَ الأوْلِياءِ بِإقْبالِكم عَلى الشَّهَواتِ، وإضاعَتِكم حُقُوقَ ذَوِي الحاجاتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ (p-٢٧٨)بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ﴾ أيْ لا غَيْرُها ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيْ قَرِينَتُكم ومَوْضِعُ قُرْبِكم ومَصِيرُكم وناصِرُكم عَلى نَحْوِ ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ“ فَهي أوْلى لَكُمْ، لا قُرْبَ لَكم إلى غَيْرِها، ولا غَيْرُها مَوْلًى ولا مَصِيرَ [إلى] سِواها ولا ناصِرَ إلّا هي. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ المَوْلى هِيَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ هَذِهِ النّارُ الَّتِي صِرْتُمْ إلَيْها.

57:16Page 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ هَذا وعْظًا شافِيًا لِسَقامِ القُلُوبِ، وكاشِفًا لِغِطاءِ الكُرُوبِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى الإقْبالِ عَلى كِتابِهِ الَّذِي رَحِمَ بِهِ عِبادَهُ بِإنْزالِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِإعْجازِهِ أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَعْطِفًا لَهم إلى جَنابِهِ زاجِرًا لَهم عَمّا سَألَ بَعْضُهم فِيهِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنْ يُحَدِّثَهم عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانُوا كُلَّما سَألُوهُ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلَ سُبْحانَهُ آيَةً يَزْجُرُهم بِها ويُنَبِّهُهم عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ فِيهِ [كُلُّ ما] يُطْلَبُ إلى أنْ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ زاجِرَةً هَذا الزَّجْرَ العَظِيمَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ كافٍ، مُخَوِّفًا لَهم بِما وقَعَ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ كِتابِهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ أيْ يَحِنْ ويَنْتَهِ ويُدْرِكْ إلى غايَةٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ صِدْقًا أوْ كَذِبًا ﴿أنْ تَخْشَعَ﴾ أيْ أنْ يَكُونَ لَهم رُتْبَةٌ عالِيَةٌ في الإيمانِ بِأنْ تَلِينَ وتَسْكُنَ وتَخْضَعَ وتَذِلَّ وتَطْمَئِنَّ فَتُخْبِتَ فَتُعْرِضَ عَنِ الفانِي وتُقْبِلَ عَلى الباقِي ﴿قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (p-٢٧٩)أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا خَيْرَ إلّا مِنهُ فَيَصْدُقُ في إيمانِهِ مَن كانَ كاذِبًا ويَقْوى في الدِّينِ مَن كانَ ضَعِيفًا، فَلا يَطْلُبُ لِذَلِكَ دِينُهُ دَواءً ولا لِمَرَضِ قَلْبِهِ شِفاءٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، فَإنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَجْلُو أصْداءَ القُلُوبِ ويَصْقُلُ مَرائِيَها.

ولَمّا كانَ الذِّكْرُ وحْدَهُ كافِيًا في الخُشُوعِ والإنابَةِ والخُضُوعِ لِأنَّهُ مَجْمَعٌ لِكُلِّ رَغْبَةٍ ومَنبَعٌ لِكُلِّ رَهْبَةٍ، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن لا نُفُوذَ لَهُ فِيما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَلالِ والإكْرامِ قالَ: ﴿وما نَـزَلَ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى بِالتَّدْرِيجِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وما وُجِدَ إنْزالُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ ﷺ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ بِخِلْفٍ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى نَبِيِّكم ﷺ مِنَ القُرْآنِ إشارَةً إلى أنَّ غَيْرَ هَذا الذِّكْرِ دَخَلَهُ الدَّخِيلُ، وأمّا هَذا فَثابِتٌ ثَباتًا لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَتِهِ.

ولَمّا كانَ لِلْمُسابَقَةِ والمُنافَسَةِ أمْرٌ عَظِيمٌ في تَحْرِيكِ الهِمَمِ لِأهْلِ الأنَفَةِ وأُولِي المَعالِي قالَ: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ بِمُجَرَّدِهِ كافِيًا في إعْلاءِ الهِمَّةِ فَكَيْفَ [إذا] كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَيْفَ إذا كانَ بِكِتابٍ، إشارَةً إلى ذَلِكَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ لَوْ كانَ الإتْيانُ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَكانَ جَدِيرًا بِالهِدايَةِ فَكَيْفَ وهو مِن عِنْدِهِ. ولَمّا كانَ إنْزالُ الكُتُبِ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ (p-٢٨٠)فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ الماضِي أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ ما نَزَلَ إلَيْكم وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

ولَمّا كانُوا في كُلِّ قَلِيلٍ يَعْبُرُونَ قالَ عاطِفًا عَلى ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ الزَّمانُ الَّذِي ضَرَبْناهُ لِشَرَفِهِمْ ومَدَدْناهُ لِعُلُوِّهِمْ مِن أوَّلِ إيتائِهِمُ الكِتابَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ تَرْقِيقُ القُلُوبِ، والأمَدُ الأجَلُ، وكُلٌّ مِنهُما يُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كُلِّها وعَلى آخِرِها، وكَذا الغايَةُ بِقَوْلِ النُّحاةِ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ و”إلى“ لِانْتِهائِها، والمُرادُ جَمِيعُ المُدَّةِ ﴿فَقَسَتْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الطُّولِ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ واعْوَجَّتْ حَتّى كانَتْ بِحَيْثُ لا تَنْفَعِلُ لِلطّاعاتِ والخَيْرِ فَكانُوا كُلَّ القَلِيلِ في تَعَنُّتٍ شَدِيدٍ عَلى أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْألُونَهُمُ المُقْتَرَحاتِ، وأمّا بَعْدَ إيتائِهِمْ فَأبْعَدُوا في القَساوَةِ، فَمالُوا إلى دارِ الكَدَرِ بِكُلِّيّاتِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ دارِ الصَّفاءِ فانْجَرُّوا إلى الهَلاكِ بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَسْوَةُ القَلْبِ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اتِّباعِ الشَّهْوَةِ وإنَّ الشَّهْوَةَ والصَّفْوَةَ لا تَجْتَمِعانِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبَعْضُهم ثَبَتَ عَلى تَزَلْزُلٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ أخْرَجَتْهُ قَساوَتُهُ عَنِ الدِّينِ أصْلًا ورَأْسًا فَهم ﴿فاسِقُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في وصْفِ الإقْدامِ عَلى الخُرُوجِ مِن دائِرَةِ الحَقِّ الَّتِي عَداها لَهُمُ الكِتابُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ (p-٢٨١)بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ“ - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ مُوسى بْنُ يَعْقُوبَ الرَّبْعِيُّ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ وضَعَّفَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ- . انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском