Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:17–22
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
ولَمّا كانَ المُوجِبَ الأعْظَمَ لِلْقَسْوَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وكانَ العَرَبُ يَزِيدُونَ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِن مُوجِباتِ القَسْوَةِ بِهِ، وكانَ عَمَلُ العامِلِ بِما يَدُلُّ عَلى القَسْوَةِ عَمَلَ مَن يُنْكِرُهُ، قالَ مُهَدِّدًا بِهِ مُقَرِّرًا لِما ابْتَدَأ بِهِ السُّورَةَ مِن أمْرِ الإحْياءِ مُشِيرًا إلى القُدْرَةِ عَلى إحْياءِ القُلُوبِ مُمَثِّلًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ عَنْها بِصَقْلِ الذِّكْرِ والتِّلاوَةِ تَرْغِيبًا في إدامَةِ ذَلِكَ: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيْ يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿يُحْيِي﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ كَما تُشاهِدُونَهُ ﴿الأرْضَ﴾ اليابِسَةَ بِالنَّباتِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ ثابِتًا دائِمًا بِالفِعْلِ وبِالقُوَّةِ أُخْرى، وكانَ الجارُّ هُنا مُقْتَضِيًا لِلتَّعْمِيمِ قالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الجارِّ وكَما أنَّهُ يُحْيِيها فَيُخْرِجُ بِها النَّباتَ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ تَفَتَّتَ وصارَ تُرابًا فَكَذَلِكَ يُحْيِي بِجَمْعِ أجْسامِهِمْ وإفاضَةِ الأرْواحِ عَلَيْها كَما فَعَلَ بِالنَّباتِ وكَما فَعَلَ بِالأجْسامِ أوَّلَ مَرَّةٍ سَواءً، لا فَرْقَ بِوَجْهٍ إلّا بِأنْ يُقالَ: الِابْتِداءُ أصْعَبُ في العادَةِ، فاحْذَرُوا سَطْوَتَهُ واخْشَوْا غَضَبَهُ وارْجُوا رَحْمَتَهُ لِإحْياءِ القُلُوبِ، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْيائِها بِرُوحِ الوَحْيِ كَما (p-٢٨٢)أحْيا الأرْضَ بِرُوحِ الماءِ لِتَصِيرَ بِإحْيائِها بِالذِّكْرِ خاشِعَةً بَعْدَ قَسْوَتِها كَما صارَتِ الأرْضُ بِالماءِ رابِيَةً بَعْدَ خُشُوعِها ومَوْتِها.
ولَمّا انْكَشَفَ الأمْرُ بِهَذا غايَةَ الِانْكِشافِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَمّا كانَ العَرَبُ يَفْهَمُونَ مِن لِسانِهِمْ ما لا يَفْهَمُ غَيْرُهم فَكانُوا يَعْرِفُونَ - مِن إعْجازِ القُرْآنِ بِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ وجَلالَةِ مَقاصِدِهِ ودِقَّةِ مَسالِكِهِ وعَظَمَةِ مَدارِكِهِ، وجَزالَةِ تَراكِيبِهِ ومَتانَةِ أسالِيبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ وأنْواعِهِ وفُنُونِهِ، المُنْتِجِ لِتَحَقُّقِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ - ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهم فَكَأنَّما كانُوا مَخْصُوصِينَ بِهَذا البَيانِ، فَقَدَّمَ الجارَّ فَقالَ: ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ العَلاماتِ المُنِيراتِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْبَعْثِ، وكانَ مِن دَعائِمِ أُصُولِ الدِّينِ، وكانَ العَقْلُ كافِيًا في قِياسِهِ عَلى النَّباتِ، وكانَ الفِعْلُ الَّذِي لا يَعُودُ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ ناقِصًا، وكانَ العَقْلُ الَّذِي لا يُنْجِي صاحِبَهُ مُساوِيًا لِلْعَدَمِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي بِخِلافِ ما سَبَقَ في آلِ عِمْرانَ فَإنَّهُ مِن مَصالِحِ النَّفْسِ الَّتِي اخْتَفَتْ، ودَواعٍ تَدْعُو إلى فَهْمِها، وتَبْعَثُ إلى إتْقانِ عِلْمِها ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عِنْدَ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَسْمَعُهُ مِنَ الخَلائِقِ عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ العَقْلِ لَكم بِما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن فَهْمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّواصُلِ الدّارِّ بِالِاسْتِمْرارِ.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
ولَمّا كانَتِ الصَّدَقَةُ كالبَذْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيهِ ويُضاعِفُهُ أضْعافًا كَثِيرَةً عَلى حَسَبِ زَكاءِ الأرْضِ، قالَ مُنْتِجًا مِمّا مَضى ما يُعَرِّفُ (p-٢٨٣)أنَّ مِن أعْظَمِ ما دَلَّ عَلى الخُشُوعِ المَحْثُوثِ عَلَيْهِ والبُعْدِ عَنْ حالِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ في القَسْوَةِ الصَّدَقَةَ بِالإنْفاقِ الَّذِي قَرَنَهُ في أوَّلِها بِالإيمانِ، وحَثَّ عَلَيْهِ في كَثِيرٍ مِن آياتِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ثَمَرَتُهُ الَّتِي لا تُخْلَفُ عَنْهُ، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِما يُرْشِدُ إلى أنَّهُ المُصَدِّقُ لِدَعْواهُ، وأكَّدَهُ لِمَن يَشُكُّ في البَعْثِ مِن إنْكارِ بَرَكَةِ الصَّدَقَةِ عاجِلًا أوْ آجِلًا تَقَيُّدًا بِالمَحْسُوساتِ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ مِنَ الرِّجالِ ﴿والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيْ مِنَ النِّساءِ بِأمْوالِهِمْ عَلى الضُّعَفاءِ الَّذِينَ إعْطاؤُهم يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ في الإيمانِ لِكَوْنِ المُعْطى لا يُرْجى مِنهُ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ، ولَعَلَّهُ أدْغَمَ إشارَةً إلى إخْفاءِ الصَّدَقاتِ، وقِراءَةُ [أُبَيٍّ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالإظْهارِ تُرْشِدُ إلى الإكْثارِ مِنَ الصَّدَقَةِ حَتّى تَصِيرَ ظاهِرَهُ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ تَدُلُّ مَعَ ذَلِكَ عَلى التَّصْدِيقِ بِالإيمانِ، فَكُلٌّ مِنَ القِراءاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، ومِنَ التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ النَّوْعَيْنِ تُعْرَفُ شِدَّةُ الِاعْتِناءِ.
ولَمّا كانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ حَثًّا عَلى حَمْلِ النَّفْسِ عَلى التَّطَبُّعِ بِذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ لَها خُلُقًا في غايَةِ الخِفَّةِ عَلَيْها فَقالَ عاطِفًا عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ في اسْمِ الفاعِلِ مُعَبِّرًا بِالماضِي بَعْدَ إفْهامِ الوَصْفِ الثَّباتَ دَلالَةً عَلى الإيقاعِ بِالفِعْلِ عَطْفًا عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ مَوْقِعًا ضَمِيرُ المُذَكَّرِ عَلى الصِّنْفَيْنِ تَغْلِيبًا الَّذِينَ صَدَقُوا إيمانَهم بِالتَّصَدُّقِ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ (p-٢٨٤)الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِتَصْدِيقِهِمْ سَواءٌ كانُوا مِنَ الذُّكُورِ أوِ الإناثِ، وإنْفاقِهِمْ في كُلِّ ما نَدَبَ [إلى الإنْفاقِ] فِيهِ، وأكَّدَ ووَصَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن طِيبِ النَّفْسِ وإخْلاصِ النِّيَّةِ في الصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وحُسْنُهُ أنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ إلى النَّظَرِ إلى فِعْلِهِ والِامْتِيازِ بِهِ وطَلَبِ العِوَضِ عَلَيْهِ، قالَ الرّازِيُّ: ﴿يُضاعَفُ﴾ أيْ ذاكَ القَرْضُ ﴿لَهُمْ﴾ ويُثابُونَ بِحَسَبِ تِلْكَ المُضاعَفَةِ لِأنَّ الَّذِي كانَ القَرْضُ لَهُ سُبْحانَهُ حَلِيمٌ كَرِيمٌ ولا يَرْضى في الخَيْرِ إلّا بِالفَضْلِ، وثَقَّلَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ [ويَعْقُوبَ] دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في التَّكْثِيرِ، وعَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِإفْهامِ أنَّ تِلْكَ الكَثْرَةَ مِمّا لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، وأنَّهُ عَمِلَ فِيهِ عَمَلَ مَن يُبارِي آخَرَ ويُغالِبُهُ، وبَنى لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى باهِرِ العَظَمَةِ اللّازِمِ عَنْهُ كَوْنُهُ بِغايَةِ السُّهُولَةِ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ المُضاعَفَةِ ﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ لا كَدَرَ فِيهِ بِانْقِطاعٍ ولا قِلَّةٍ ولا زِيادَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الصَّدَقَةَ كالبَذْرِ الَّذِي هو مِن أحْسَنِ الأرْباحِ وأبْهَجِها، بَيَّنَ الحامِلَ عَلَيْها تَرْغِيبًا فِيها، فَقالَ عاطِفًا بِالواوِ، إشارَةً إلى التَّمَكُّنِ في جَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ العَظِيمَةَ في أنْفُسِهِمْ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿ورُسُلِهِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ لِما لَهم مِنَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَمَن (p-٢٨٥)كَذَبَ بِشَيْءٍ عَلى أحَدٍ مِنهم أوَعَمِلَ عَمَلَ المُكَذِّبِ لَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهُمُ الرُّتَبُ العالِيَةُ والمَقاماتُ السّامِيَةُ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ لِما يَحِقُّ لَهُ أنْ يُصَدِّقَهُ مَن سَمِعَهُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: الصِّدِّيقُ مَنِ اسْتَوى ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، ويُقالُ: هو الَّذِي يَحْمِلُ الأمْرَ عَلى الأشَقِّ ولا يَنْزِلُ إلى الرُّخْصِ، ولا يَحْتاجُ لِلتَّأْوِيلاتِ، ولَمّا كانَ الصِّدِّيقُ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الصِّدِّيقِيَّةِ إلّا بِالتَّأْهِيلِ لِرُتْبَةِ الشَّهادَةِ قالَ تَعالى: ﴿والشُّهَداءُ﴾ مُعَبِّرًا بِما مُفْرَدُهُ شَهِيدٌ عاطِفًا بِالواوِ إشارَةً إلى قُوَّةِ التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ، [قالَ القُشَيْرِيُّ]: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِقُلُوبِهِمْ بَواطِنَ الوَصْلِ ويَعْتَكِفُونَ بِأسْرارِهِمْ في أوْطانِ القُرْبَةِ، وزادَ الأمْرَ عِظَمًا بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالقُرْبَةِ [بِمِثْلِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ] العالِيَةِ مِنَ الشَّهادَةِ لِلَّهِ بِكُلِّ ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ والأنْبِياءَ الماضِينَ عَلى أُمَمِهِمْ والحُضُورِ في جَمِيعِ المَلاذِّ بِالشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ - وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ المَوْصُوفِينَ [بِالخَيْرِ] ﴿أجْرُهُمْ﴾ أيِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهم [لَهُمْ] ﴿ونُورُهُمْ﴾ [أيِ] الَّذِي زادَهُمُوهُ مِن فَضْلِهِ بِرَحْمَتِهِ، أُولَئِكَ أصْحابُ النَّعِيمِ المُقِيمِ.
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ السَّعادَةِ جامِعًا لِأصْنافِهِمْ، أتْبَعَهم أهْلَ الشَّقاوَةِ لِذَلِكَ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ ومَرائِي (p-٢٨٦)فِكْرِهِمْ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا سَواءٌ كانُوا في ذَلِكَ مُساتِرِينَ أوْ مُجاهِرِينَ أوْ عَمِلَ العالِمُ بِها عَمَلَ المُكَذِّبِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُبْعَدُونَ مِنَ الخَيْرِ [خاصَّةً] ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي غايَةٌ في تَوَقُّدِها، خالِدُونَ فِيها مِن بَيْنِ العُصاةِ، وأمّا غَيْرُهم فَدُخُولُهم [لَها] إذا دَخَلُوها لَيْسَ عَلى [وجْهِ] الصُّحْبَةِ الدّالَّةِ عَلى المُلازَمَةِ، وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ الَّذِينَ لا تُقْبَلُ لَهم شَهادَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهم عِقابُهم و[عَلَيْهِمْ] ظَلامُهُمْ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الصِّدِّيقِيَّةَ وما مَعَها أوَّلًا دَلِيلًا عَلى أضْدادِها ثانِيًا، والجَحِيمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى النَّعِيمِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ الأوَّلَ أعْظَمُ في الكَرامَةِ، والثّانِي أعْظَمُ في الإهانَةِ.
57:20Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
ولَمّا ذَكَرَ [سُبْحانَهُ] حالَ الفَرِيقَيْنِ: الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، فَتَقَرَّرَ بِذَلِكَ أمْرُ الآخِرَةِ، فَعَلِمُوا أنَّها الحَيَوانُ الَّذِي لا انْقِضاءَ لَهُ مِن إكْرامٍ أوْ هَوانٍ، وكانَ المُوجِبَ لِلْهَوانِ فِيها إنَّما هو الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا لِحُضُورِها ونِسْيانِ الآخِرَةِ لِغِيابِها، قالَ مُنْتِجًا مِمّا مَضى مُبَيِّنًا لِحَقِيقَةِ ما يَرْغَبُ فِيهِ المُكَلَّفُ المُرَكَّبُ عَلى الشَّهْوَةِ مِنَ العاجِلَةِ بِما نَزَّهَهُ فِيهِ مُصَدِّرًا لَهُ بِما يُوجِبُ (p-٢٨٧)غايَةَ اليَقَظَةِ والحُضُورِ: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيْ أيُّها العِبادُ المُبْتَلَوْنَ، وأكَّدَ المَعْنى بِزِيادَةِ ”ما“ [لِما] لِلنّاسِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ فَقالَ قاصِرًا قَصْرَ قَلْبٍ: ﴿أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيِ الحاضِرَةُ الَّتِي رَغَّبْتُ في الزُّهْدِ فِيها والخُرُوجِ عَنْها بِالصَّدَقَةِ والقَرْضِ الحَسَنِ ﴿لَعِبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ لا ثَمَرَةَ لَهُ فَهو باطِلٌ كَلَعِبِ الصِّبْيانِ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِهِ فَيُلْهِيهِ ويَشْغَلُهُ عَمّا يَعْنِيهِ ثُمَّ يَنْقَضِي كَلَهْوِ الفِتْيانِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عِظَمَ ما يُلْهِي في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وزِينَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُبْهِجُ العَيْنَ ويَسُرُّ النَّفْسَ كَزِينَةِ النِّسْوانِ، وأتْبَعَها ثَمَرَتَها فَقالَ: ﴿وتَفاخُرٌ﴾ أيْ كَتَفاخُرِ الأقْرانِ يَفْتَخِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِأهْلِ الشَّهَواتِ قالَ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ يَجُرُّ إلى التَّرَفُّعِ الجارِّ إلى الحَسَدِ والبَغْضاءِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ بِهِ الفَخْرُ فَقالَ: ﴿وتَكاثُرٌ﴾ أيْ مِنَ الجانِبَيْنِ ﴿فِي الأمْوالِ﴾ أيِ الَّتِي لا يَفْتَخِرُ بِها إلّا أحْمَقٌ لِكَوْنِها مائِلَةً ﴿والأوْلادِ﴾ الَّذِينَ لا يَغْتَرُّ بِهِمْ إلّا سَفِيهٌ لِأنَّهُمُ الأعْداءُ، وأنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَ زائِلٌ وأنَّ الدُّنْيا آفاتُها هائِلَةٌ، وإنَّما هي فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ يَظْهَرُ بِها الشّاكِرُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ يَكُونُ ذَهابُهُ عَنْ قُرْبٍ فَتَكُونُ عَلى أضْدادِ ما كانَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أشَدَّ في الحَسْرَةِ، ومُطابَقَةُ ذَلِكَ لِما بَعْدَهُ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حِجْرِ ولِيِّهِ فَيَشِبُّ ويَقْوى ويَكْسَبُ المالَ والوَلَدَ وتَغْشاهُ النّاسُ فَيَكُونُ بَيْنَهم أُمُورٌ مُعْجِبَةٌ وأحْوالٌ مُلْهِيَةٌ مُطْرِبَةٌ، فَإذا تَمَّ شَبابُهُ وأطْفَأهُ مَجِيؤُهُ وذَهابُهُ (p-٢٨٨)وأشْكالُهُ وأتْرابُهُ، أخَذَ في الِانْحِطاطِ ولا يَزالُ حَتّى يَشِيبَ ويَسْقَمَ ويَضْعُفَ ويَهْرَمَ وتُصِيبَهُ النَّوائِبُ والقَوارِعُ والمَصائِبُ في مالِهِ وجِسْمِهِ وأوْلادِهِ وأصْحابِهِ، ثُمَّ في آخِرِ ذَلِكَ يَمُوتُ، فَإذا قَدِ اضْمَحَلَّ أمْرُهُ ونُسِيَ عَمّا قَلِيلٍ ذِكْرُهُ، وصارَ مالُهُ لِغَيْرِهِ وزِينَتُهُ مُتَمَتِّعًا بِها سِواهُ فالدُّنْيا حَقِيرَةٌ وأحْقَرُ مِنها طالِبُها وأقَلُّ مِنها خَطَرُ المُزاحِمِ فِيها، فَما هي إلّا جِيفَةٌ، وطُلّابُ الجِيفَةِ لَيْسَ لَهم خَطَرٌ، وأخَسُّهم مَن بَخِلَ بِها، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذِهِ الدُّنْيا المَذْمُومَةُ هي ما يَشْغَلُ العَبْدَ عَنِ الآخِرَةِ [فَكُلُّ ما يَشْغَلُهُ عَنِ الآخِرَةِ] فَهو الدُّنْيا - انْتَهى.
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّها ظِلٌّ زائِلٌ وعَرَضٌ هائِلٌ، وكانَ بَعْضُ النّاسِ يَتَنَبَّهُ فَيَشْكُرُ وبَعْضُهم يَعْمى فَيَكْفُرُ، وكانَ القِسْمُ الثّانِي أكْثَرَ لِأنَّ وُجُودَها وإقْبالَها يُعْمِي أكْثَرَ القُلُوبِ عَنْ حَقارَتِها، ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا مُقَرِّرًا لِما مَضى مِن وصْفِها لِأنَّ لِلْأمْثالِ في تَقْرِيرِ الأشْياءِ وتَصْوِيرِها ما لَيْسَ لِغَيْرِها فَقالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِن أمْرِها يُشْبِهُ مَثَلَ ﴿غَيْثٍ﴾ أيْ مَطَرٍ حَصَلَ بَعْدَ جَدْبٍ [و]سُوءِ حالٍ.
ولَمّا كانَ المَثَلُ في سِياقِ التَّحْقِيرِ لِلدُّنْيا والتَّنْفِيرِ عَنْها، عَبَّرَ عَنِ الزّارِعِ بِما يُنَفِّرُ فَقالَ: ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ الزُّرّاعَ الَّذِينَ حَصَلَ مِنهُمُ الحَرْثُ والبَذْرُ الَّذِي يَسْتُرُهُ الحارِثُ بِحَرْثِهِ كَما يَسْتُرُ الكافِرُ حَقِيقَةَ أنْوارِ الإيمانِ لِما يَحْصُلُ مِنَ الجَحْدِ والطُّغْيانِ ولا يَتَناهى إعْجابُ الزّارِعِ [إلى] (p-٢٨٩)حَدٍّ يُلْهِي عَنِ اللَّهِ إلّا مَعَ الكُفْرِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ المُؤْمِنَ وإنْ أعْجَبَهُ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَظَمَتَهُ وما أعَدَّ لِأهْلِ طاعَتِهِ في الآخِرَةِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالكُفّارِ الَّذِي هو بِمَعْنى الزُّرّاعِ دُونَهُ إشارَةٌ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ النَّباتِ فَإنَّهُ لا يُعْجِبُ العارِفِينَ بِهِ المُمارِسِينَ لَهُ الَّذِينَ لَهم غايَةُ الإقْبالِ عَلى تِلْكَ الحِرْفَةِ فالمُنافَسَةُ فِيها إلّا ما يَكُونُ مِنها نِهايَةً في الإعْجابِ، وإلى أنَّهُ لا يُعْجِبُ أحَدًا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إعْجابًا يَرْكَنُ ويَأْنَسُ بِهِ أُنْسًا يُؤَدِّي إلى ما في الآيَةِ مِنَ اللَّهْوِ وما مَعَهُ إلّا لِكُفْرٍ في نَفْسِهِ أقَلُّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَدْعُوَ إلى تَذَكُّرِ الخالِقِ وتَذَكُّرِ الجَمِيلِ عَلى الشُّكْرِ، وتَرْكُ الشُّكْرِ كُفْرٌ ﴿نَباتُهُ﴾ أيْ نَباتُ ذَلِكَ الغَيْثِ كَما يُعْجِبُ الكافِرَ في الكُفْرِ في الغالِبِ بَسْطُ الدُّنْيا لَهُ اسْتِدْراجًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ الزَّرْعُ يَشِيخُ بَعْدَ مُدَيْدَةٍ فَيَضْمَحِلُّ كَما هو شَأْنُ الدُّنْيا كُلِّها قالَ: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ يُسْرِعُ تَحَرُّكُهُ فَيَتِمُّ جَفافُهُ فَيَحِينُ حَصادُهُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ عَقِبَ ذَلِكَ بِالقُرْبِ مِنهُ عَلى حالَةٍ لا ثَمَرَ مَعَها [بَلْ] ولا نَباتَ، ولِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِالكَوْنِ لِأنَّ السِّياقَ لِلتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا وأنَّها ظِلٌّ زائِلٌ لا حَقِيقَةَ لَها: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ تَناهِي جَفافِهِ وابْيِضاضِهِ ﴿يَكُونُ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ، وأبْلَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ اضْمِحْلالِهِ بِالإتْيانِ مَعَ فِعْلِ الكَوْنِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ السِّياقَ لِتَقْرِيرِ (p-٢٩٠)أنَّ الدُّنْيا عَدَمٌ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الكَثْرَةِ والإقْبالِ والمُؤاتاةِ بِخِلافِ ما مَضى في الزُّمَرِ فَقالَ: ﴿حُطامًا﴾ كَأنَّ الحُطامِيَّةَ كانَتْ في جِبِلَّتِهِ وأصْلِ طَبْعِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الظِّلَّ الزّائِلَ، ذَكَرَ أثَرَهُ الثّابِتَ الدّائِمَ مُقَسِّمًا لَهُ عَلى قِسْمَيْنِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ هَذا حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ زَوالِها وتَحَقُّقِ فَنائِها [واضْمِحْلالِها]: ﴿وفِي﴾ أيْ هَذا الَّذِي غَرَّ مِن حالِ الدُّنْيا وهو في ﴿الآخِرَةِ﴾ عَلى أحَدِهِما ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أيْ لِمَن أخَذَها بِغَيْرِ حَقِّها مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّ الِاغْتِرارَ بِها سَبَّبَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ هو.
ولَمّا قَدَّمَ ما هو السَّبَبُ الأغْلَبُ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ، أتْبَعَهُ الصِّنْفَ النّاجِيَ. فَقالَ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِأهْلِ الدَّرَجَةِ الأُولى في الإيمانِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِمَن يَذْكُرُ بِما صَنَعَهُ لَهُ في الدُّنْيا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ وجَلالَهُ فَتابَ مِن ذُنُوبِهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ في التَّطْهِيرِ مِن عُيُوبِهِ ﴿ورِضْوانٌ﴾ لِأهْلِ الدَّرَجَةِ العُلْيا وهم مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَشَكَرَهُ حَقَّ شُكْرِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَآخِرُ الآيَةِ تَقْسِيمٌ لِلدُّنْيا عَلى الحَقِيقَةِ لِئَلّا يُظَنَّ مِن حَصْرِها فِيما ذَكَرَ أوَّلَ الآيَةِ أنَّها لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، فالمَعْنى أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا هو الأغْلَبُ لِأحْوالِها وعاقِبَتُهُ النّارُ، وما كانَ مِنها مِن إيمانٍ وطاعَةٍ ونَظَرِ تَوْحِيدٍ لِلَّهِ وتَعْظِيمٍ ومَعْرِفَةٍ تُؤَدِّي إلى (p-٢٩١)أخْذِها تَزَوُّدًا ونَظَرِها اعْتِبارًا وتَعَبُّدًا، فَهو آخِرَةٌ لا دُنْيا، وقَدْ تَحَرَّرَ أنَّ مِثْلَ الغَيْثِ المَذْكُورِ الحُطامُ وتارَةً يَعْقُبُهُ نَكَدٌ لازِمٌ وأُخْرى سُرُورٌ دائِمٌ، فَمَن عَمِلَ في ذَلِكَ عَمَلَ الحُزْمَةِ فَحَرَسَ الزَّرْعَ مِمّا يُؤْذِيهِ وحَصَدَهُ في وقْتِهِ وعَمِلَ فِيهِ ما يَنْبَغِي ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ سَرَّهُ أثَرُهُ وحُمِدَتْ عاقِبَتُهُ، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ [أعْقَبَهُ الأسَفَ، وذَلِكَ هو مَثَلُ الدُّنْيا: مَن عَمِلَ فِيها بِأمْرِ اللَّهِ أعْقَبَتْهُ حُطامِيَّتُها سُرُورًا دائِمًا، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ] أوْرَثَتْهُ حُزْنًا لازِمًا، وكَما كانَ التَّقْدِيرُ: فَما الآخِرَةُ لِمَن سَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ إلّا حَقٌّ مَشْهُورٌ وسَعْيٌ مَشْكُورٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ لِكَوْنِها تَشْغَلُ بِزِينَتِها مَعَ أنَّها زائِلَةٌ ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ أيْ لَهْوٌ في نَفْسِهِ [غُرُورٌ] لا حَقِيقَةَ لَهُ إلّا ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِمَن أقْبَلَ عَلى التَّمَتُّعِ إلّا ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَسُرُّ بِقَدْرِ ما يَضُرُّ.
57:21Page 540
سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١
Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا خَيالٌ ومِحالٌ لِيَصْرِفَ الكَمَلَةَ مِنَ العِبادِ عَنْها لِسُفُولِها وحَقارَتِها، وأنَّ الآخِرَةَ بَقاءٌ وكَمالٌ لِيَرْغَبُوا غايَةَ الرَّغْبَةِ فِيها ولِيَشْتاقُوا كُلَّ الِاشْتِياقِ لِكَمالِها وشَرَفِها وجَلالِها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سابِقُوا﴾ أيِ افْعَلُوا في السَّعْيِ لَها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ حَقَّ السَّعْيِ فِعْلَ (p-٢٩٢)مَن يُسابِقُ شَخْصًا فَهو يَسْعى ويَجْتَهِدُ غايَةَ الِاجْتِهادِ في سَبْقِهِ، ولَكِنْ رُبَّما كانَ قَرِينُهُ بَطِيئًا فَسارَ هُوَيْنًا، وأمّا المُسارَعَةُ فَلا تَكُونُ إلّا بِجُهْدِ النَّفْسِ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ السُّرْعَةِ في العُرْفِ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ الآمِرَةُ بِالمُسارَعَةِ الأخَصِّ مِنَ المُسابَقَةِ أبْلَغُ لِأنَّها لِلْحَثِّ عَلى التَّجَرُّدِ عَنِ النَّفْسِ والمالِ وجَمِيعِ الحُظُوظِ أصْلًا ورَأْسًا، ولِذَلِكَ كانَتْ جَنَّتُها لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ، وأمّا هَذِهِ فَفي سِياقِ التَّصْدِيقِ الَّذِي هو تَجَرُّدٌ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ ولِذَلِكَ كانَتْ [جَنَّتُهُ] لِلَّذِينَ آمَنُوا.
ولَمّا كانَ المَقامُ عَظِيمًا، والإنْسانُ - وإنْ بِذَلِكَ الجُهْدِ - ضَعِيفًا، لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ سَواءٌ كانَ سابِقًا أوْ لاحِقًا مِنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في السّابِقِينَ؛ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ سَتْرٍ لِذُنُوبِكم عَيْنًا وأثَرًا ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم بِأنْ رَبّاكم وطَوَّرَكم بَعْدَ الإيجادِ بِأنْواعِ الأسْبابِ بِأنْ تَفْعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ واجْتِنابِ زَواجِرِهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَغْفِرَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن نَتِيجَتِها قالَ: ﴿وجَنَّةٍ﴾ أيْ وبُسْتانٍ هو مِن عِظَمِ أشْجارِها واطِّرادِ أنْهارِها بِحَيْثُ يَسْتُرُ داخِلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِالسَّعَةِ قالَ: ﴿عَرْضُها﴾ أيْ فَما ظَنُّكَ بِطُولِها. ولَمّا كانَ السِّياقُ كَما بَيَّنَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ فُضُولِ الأمْوالِ فَقَطْ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهِ دُونَ ما في آلِ عِمْرانَ فَأفْرَدَهُ وصَرَّحَ بِالعَرْضِ فَقالَ: ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَآيَةُ آلِ عِمْرانَ تَحْتَمِلُ الطُّولَ وجَمِيعُ السَّماواتِ والأرْضُ عَلى هَيْئَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٢٩٣)يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُقَدَّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ويُوصَلَ [رَأْسُ] كُلِّ قِدَةٍ بِرَأْسِ الأُخْرى، وتَمْتَدَّ جَمِيعُ القِداتِ إلى نِهايَتِها عَلى مِثْلِ الشِّراكِ، وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُها عَرْضٌ واحِدٌ وأرْضٌ واحِدَةٌ ﴿أُعِدَّتْ﴾ أيْ هُيِّئَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها وفُرِغَ مِن أمْرِها بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ وهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إيقاعًا لا رَيْبَ مَعَهُ ولَوْ أنَّهُ عَلى أدْنى الوُجُوهِ فَكانُوا مِنَ السّابِقِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأنَّ الإيمانَ كافٍ في اسْتِحْقاقِها، وأحادِيثُ الشَّفاعَةِ مُؤَيِّدَةٌ لِذَلِكَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ لِأجْلِ ذاتِهِ مُخْلِصِينَ لَهُ بِالإيمانِ ﴿ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، فَهَذِهِ الجَنَّةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في آلِ عِمْرانَ، وإنْ قِيلَ: إنَّ السَّماءَ هُنا لِلْجِنْسِ لِكَوْنِ السِّياقِ فِيهِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ كانَتْ أبْلَغَتْهُ تِلْكَ بِالتَّصْرِيحِ بِالجَمْعِ وعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالعَرْضِ لِكَوْنِها في سِياقٍ صَرَّحَ فِيهِ بِالجِهادِ، وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِإعْظامٍ لِلْمُجاهِدِينَ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في أمْرِ النَّفْسِ وصُعُوبَةِ الخُرُوجِ عَنْها وعَنْ جَمِيعِ المَأْلُوفاتِ.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ والجَنَّةِ عَظِيمًا لا سِيَّما لِمَن آمَنَ ولَوْ كانَ إيمانُهُ عَلى أعْلى الدَّرَجاتِ ومَعَ التَّجَرُّدِ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلى مَن يُوجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ (p-٢٩٤)فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا خاصٌّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي أقَلُّ عَمَلًا وأكْثَرُ أجْرًا، فَإذا حَسَدَهم أهْلُ الكِتابِ قالَ تَعالى: [هَلْ] ظَلَمْتُكم مِن أمْرِكم شَيْئًا، فَإذا قالُوا: لا، لِأنَّ المَصْرُوفَ مِنَ الأجْرِ لِجَمِيعِ الطَّوائِفِ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ، قالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ.
﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ المُخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيِ الَّذِي جَلَّ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهِ العُقُولُ.
57:22Page 540
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢
No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -
ولَمّا كانَتِ الدُّنْيا مانِعَةً عَنِ العُكُوفِ إلى الآخِرَةِ بِلَذّاتِها وآلائِها، وكانَتْ كَما أنَّها مَنزِلُ رَخاءٍ هي دارُ [بَلاءٍ]، وكانَ قَدِ اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْإنْفاقِ والتَّرْغِيبِ في مَعالِي الأخْلاقِ وجَعْلِ المُسابَقَةِ إلى السَّعادَةِ نَتِيجَةَ الزُّهْدِ فِيها، تَحَرَّكَتِ النَّفْسُ إلى السُّؤالِ عَمّا يَعُوقُ عَنِ الخَيْرِ مِنَ الضَّرْبِ بِسِياطِ البَلاءِ فَقالَ مُسَلِّيًا عَنْهُ لِأنَّ النُّفُوسَ أشَدُّ تَأثُّرًا بِالمَكارِهِ وأسْرَعُ انْفِعالًا بِالمَقارِعِ ومُحَقِّقًا ومُغْرِيًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها خَيْرٌ ولا شَرٌّ إلّا بِقَضاءٍ حُتِّمَ في الأزَلِ وقَدَرٍ أُحْكِمَ ووَجَبَ حِينَ لَمْ يَكُنْ [غَيْرَهُ] شَيْءٌ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ فِعْلَ المُؤَنَّثِ الجائِزَ التَّذْكِيرِ لِكَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ إشارَةً إلى عِظَمِ وقْعِ الشَّرِّ: ﴿ما أصابَ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهي في الأصْلِ لِكُلِّ آتٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلّا أنَّ العُرْفَ خَصَّها بِالشَّرِّ، وعَمَّ السّاكِنَ (p-٢٩٥)والمُتَحَرِّكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ مِن مَنابِتِها ومِياهِها ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ [أيْ ]بِمَوْتٍ ومَرَضٍ وعَيْنٍ وعَرَضٍ ﴿إلا﴾ هي كائِنَةٌ ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ مَكْتُوبٍ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ مَفْرُوغٌ مِنَ القِدَمِ، وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَةَ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ كانَ هو سُبْحانَهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ نَخْلُقَ ونُوجِدَ ونُقَدِّرَ المُصِيبَةَ والأرْضَ والأنْفُسَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اكْتِسابَ العِبادِ يَجْعَلُهُ سُبْحانَهُ وتَقْدِيرَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا عَلى المَخْلُوقِ فَهو أشَدُّ شَيْءٍ تَكَرُّهًا لَهُ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ الجَلِيلَ وهو عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ وكَتْبُهُ لَهُ عَلى تَفاصِيلِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ، ثُمَّ سَوْقُهُ النُّفُوسَ والأسْبابَ إلى إخْراجِهِ بَعْدَ التَّكْوِينِ عَلى مِقْدارِ ما سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ وكَتْبُهُ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالكَمالِ ﴿يَسِيرٌ﴾ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وقُدْرَتَهُ شامِلَةٌ لا يُعْجِزُها شَيْءٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences