Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:23–26
57:23Page 540
لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣
In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -
ولَمّا بَيَّنَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الدّالَّ عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، بَيَّنَ ثَمَرَةَ أعْمالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا﴾ أيْ أعْلَمْناكم بِأنَّ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، لِأنَّ الحُزْنَ لا يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يا مُعاذُ لِيَقِلَّ هَمُّكَ ما قُدِّرَ يَكُنْ» لِأجْلِ أنْ لا ﴿تَأْسَوْا﴾ أيْ تَحْزَنُوا حُزْنًا كَبِيرًا زائِدًا ﴿عَلى﴾ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ، يُوصِلُ إلى المَبْلَغِ بِتَعاطِي أسْبابِهِ والتَّمادِي فِيها لِيَتَأثَّرَ عَنْها (p-٢٩٦)السُّخْطُ وعَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، فَرُبَّما جَرَّ ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ ﴿ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ المَحْبُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ أيْ تُسَرُّوا سُرُورًا يُوصِلُ إلى البَطَرِ بِالتَّمادِي مَعَ [ما] في أصْلِ الجِبِلَّةِ ﴿بِما آتاكُمْ﴾ أيْ جاءَكم مِنها عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالقَصْرِ، وأعْطاكُمُ [اللَّهُ] عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالمَدِّ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا بُدَّ في إيجادِها وإبْقائِها مِن حافِظٍ، ثُمَّ إنَّها لَوْ خُلِّيَتْ ونَفْسَها فاتَتْ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في تَقْدِيرِهِ هَذا وكَتْبِهِ مِنَ السِّرِّ أنَّ مَن وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى فَقْدِ ما لَدَيْهِ مِن أعْيانٍ ومَعانٍ قَبْلَ أنْ تَأْمُرَهُ بِالعَدَمِ والوِجْدانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ ذَلِكَ عَنِ المُسابَقَةِ المَذْكُورَةِ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ التَّمادِي مَعَ الحُزْنِ حَتّى يَخْرُجَ عَنِ الصَّبْرِ ومَعَ الفَرَحِ حَتّى يُلْهِيَ عَنِ الشُّكْرِ، لا أصْلُ المَعْنى لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ما لَكَ تَأْسَفُ عَلى مَفْقُودٍ ولا يَرُدُّهُ إلَيْكَ الفَوْتُ، وما لَكَ تَفْرَحُ بِوُجُودٍ ولا يَتْرُكُهُ في يَدِكَ المَوْتُ - انْتَهى، ولَقَدْ عَزّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةً لَهم في مَصائِبِهِمْ وزَهَّدَهم في رَغائِبِهِمْ بِأنَّ أسَفَهم عَلى فَوْتِ المَطْلُوبِ لا يُعِيدُهُ، وفَرَحَهم بِحُصُولِ المَحْبُوبِ لا يُفِيدُهُمْ، ولِأنَّ ذَلِكَ لا مَطْمَعَ في بَقائِهِ إلّا بِادِّخارِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ في المُصِيبَةِ: قَدَّرَ [اللَّهُ] وما شاءَ اللَّهُ فَعَلَ ويَصِيرَ في النِّعْمَةِ هَكَذا قَضى، وما أدْرِي ما مِثْلُهُ
﴿هَذا مِن فَضْلِ (p-٢٩٧)رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فَلا يَزالُ [خائِفًا] عِنْدَ النِّقْمَةِ راجِيًا أثَرَ النِّعْمَةِ، قائِلًا في الحالَيْنِ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأكْمَلُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَسْرُورًا بِذِكْرِ رَبِّهِ لَهُ في كِلْتَيِ الحالَتَيْنِ كَما قالَ [القائِلُ]:
؎سَقْيًا لِمَعْهَدِكَ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ ما كانَ قَلْبِي لِلصَّبابَةِ مَعْهَدا
وهَذِهِ صِفَةُ المُتَحَرِّرِينَ مِن رِقِّ النَّفْسِ، وقِيمَةُ الرِّجالِ إنَّما تُعْرَفُ بِالوارِداتِ المُغَيِّرَةِ، فَمَن لَمْ تُغَيِّرْهُ المَضارُّ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِالمَسارِّ فَهو سَيِّدُ وقْتِهِ، أشارَ إلَيْهِ القُشَيْرِيُّ. ولَمّا كانَ الإمْعانُ في اسْتِجْلابِ الأسى إنَّما هو مِنَ اليَأْسِ ونِسْيانِ النِّعَمِ وزِيادَةُ الفَرَحِ المُوصِلِ إلى المَرَحِ إنَّما يَجُرُّهُ الكِبْرُ والمَرَحُ، وكانَ في أوْصافِ أهْلِ الدُّنْيا التَّفاخُرُ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ سابِقًا التَّمادِي مَعَ الجِبِلَّةِ في الحُزْنِ والفَرَحِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلّ يئوس كَفُور“ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ بِأنْ يُكْرِمَ ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ مُتَكَبِّرٍ نَظَرَ إلى ما في يَدِهِ في الدُّنْيا ﴿فَخُورٍ﴾ قالَ القُشَيْرِيُّ: الِاخْتِيالُ مِن بَقايا النَّفْسِ ورُؤْيَتِها، والفَخْرُ [مِن] رُؤْيَةِ خَطَرِ ما بِهِ يَفْتَخِرُ.
57:24Page 540
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤
[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ صِفاتِ المُخْتالِ المُكاثِرِ بِالمالِ البُخْلُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ، وكانَ ما يُوجِبُهُ لَذَّةُ الفَخارِ والِاخْتِيالِ (p-٢٩٨)الَّتِي أوْصَلَ إلَيْها المالُ حامِلَةً عَلى البُخْلِ خَوْفًا مِنَ الإقْتارِ المُوجِبِ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا لِلصَّغارِ، قالَ تَعالى واصِفًا لِلْمُخْتالِ أوْ لِكُلّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ﴾ أيْ كُلَّ مَن يَعْرِفُونَهُ ﴿بِالبُخْلِ﴾ إرادَةَ أنْ يَكُونَ لَهم رُفَقاءُ يَعْمَلُونَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ فَيُحامُونَ عَنْهم أوْ أنَّهم يُوجِبُونَ بِأعْمالِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ والبَطَرِ في الأمْوالِ الَّتِي حَصَّلَها لَهُمُ البُخْلُ اسْتِدْراجًا مِنَ اللَّهِ لَهم بُخْلَ غَيْرِهِمْ لِأنَّهُ إذا رَآهم عُظِّمُوا بِالمالِ بَخِلَ لِيَكْثُرَ مالُهُ ويُعَظَّمَ، وذَلِكَ كُلُّهُ نَتِيجَةُ فَرَحِهِمْ بِالمَوْجُودِ وبَطَرِهِمْ عِنْدَ إصابَتِهِ، فَكانُوا آمِرِينَ بِالبُخْلِ لِكَوْنِهِمْ أسْبابًا لَهُ والسَّبَبُ كالآمِرِ في إيجادِ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أقْبَلَ عَلى ما نُدِبَ [إلَيْهِ] مِنَ الإقْراضِ الحَسَنِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ اللَّهَ شَكُورٌ حَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ] ذامًّا لِلْبُخْلِ مُحَذِّرًا مِنهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ [مِن] الإعْراضِ ضِدَّ ما في فِطْرَتِهِ مِن مَحَبَّةِ الخَيْرِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ مالِهِ وإنْفاقِهِ وكُلُّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ مُفْتَقِرٌ ﴿الحَمِيدُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وسَواءٌ حَمَدَهُ الحامِدُونَ أمْ لا، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِإسْقاطِ [هُوَ] مُفِيدَةٌ لِحَصْرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ لِلتَّعْرِيفِ وإنْ كانَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ آكَدَ.
57:25Page 541
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
(p-٢٩٩)ولَمّا ظَهَرَتِ الأدِلَّةُ [حَتّى] لَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عِلَّةٌ، وانْتَشَرَ نُورُها حَتّى مَلَأ الأكْوانَ، وعَلا عُلُوًّا تَضاءَلَ دُونَ عَلْيائِهِ كِيوانُ، وكانَ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ مَآلِ الدُّنْيا وبَيانُ حَقِيقَتِها، وأنَّ الآدَمِيَّ إذا خُلِّيَ ونَفْسَهُ ارْتَكَبَ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّفاخُرِ وما شاكَلَهُ وتَرَكَ ما يُرادُ بِهِ مِمّا دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ جَهْلًا مِنهُ وانْقِيادًا مَعَ طَبْعِهِ، وكانَ خَتْمُ الآيَةِ السّابِقَةِ رُبَّما أوْهَمَ المُشارَكَةَ، قالَ تَعالى نافِيًا ذَلِكَ في جَوابِ مَن تَوَقَّعَ الإخْبارَ عَنْ سائِرِ الأنْبِياءِ: هو أُوتُوا مِنَ البَيانِ ما أزالَ اللَّبْسَ، مُؤَكِّدًا لِإزالَةِ العُذْرِ بِإقامَةِ الحُجَجِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ الحاضِرَةِ والكُتُبِ الباقِيَةِ، مُعْلِمًا أنَّ مَن أعْرَضَ كُلِّفَ الإقْبالَ بِالسَّيْفِ، فَإنَّ الحَكِيمَ العَظِيمَ تَأْبى عَظْمَتُهُ وحِكْمَتُهُ أنْ يُخْلِيَ المُعْرِضَ عَنْ بَيِّنَةٍ تَرُدُّهُ عَمّا هو فِيهِ، وقَسْرٍ يَكْفِيهِ عَمّا يُطْغِيهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم نِهايَةُ الإجْلالِ بِما لَهم بِنا مِنَ الِاتِّصالِ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [والتَّحِيَّةِ] والإكْرامِ، ومِنَ الأنْبِياءِ إلى الأُمَمِ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ في الحالِ لِكَوْنِها لا لَبْسَ فِيها أصْلًا، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم لِعُلُوِّ مَقاماتِهِمْ بِالإرْسالِ كَأنَّهم أتَوْا إلى العِبادِ مِن مَوْضِعٍ عالٍ جِدًّا فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا (p-٣٠٠)الَّتِي لا شَيْءَ أعْلى مِنها ﴿مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ الحافِظَ في زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ في الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
ولَمّا كانَ فَهْمُ الكِتابِ رُبَّما أشْكَلَ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى ذِهْنٍ صَقِيلٍ وفِكْرٍ طَوِيلٍ، وصَبْرٍ كَبِيرٍ وعِلْمٍ كَثِيرٍ - قالَ الرّازِيُّ: وبِهَذا [قِيلَ]: لَوْلا الكِتابُ لَأصْبَحَ العَقْلُ [حائِرًا ولَوْلا العَقْلُ - ] لَمْ يُنْتَفَعْ بِالكِتابِ،- عَقَّبَهُ بِما يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِهِ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والجاهِلُ والنِّحْرِيرُ، وهو أقْرَبُ الأشْياءِ إلى الكِتابِ في العِلْمِ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِما يُرادُ فَقالَ: ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ العَدْلَ والحِكْمَةَ، ولَعَلَّهُ كُلُّ ما يَقَعُ بِهِ التَّقْدِيرُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، وتَعْقِيبُهُ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ زَيْغِهِ لِعَدَمِ حَظٍّ ونَحْوِهِ، فَمَن حَكَّمَ الكِتابَ خالِيًا عَنْ حَظِّ نَفْسٍ وصَلَ إلى المَقْصُودِ ﴿لِيَقُومَ النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ التَّحَرُّكِ إلى المَعالِي كُلُّهم ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ لِانْتِظامِ جَمِيعِ أحْوالِهِمْ،[ هَذا] لِمَن أذْعَنَ لِلْبَيِّناتِ لِذاتِ مَن أقامَها أوْ لِلرَّغْبَةِ فِيها عِنْدَهُ.
ولَمّا كانَ الإعْراضُ بَعْدَ الإبْلاغِ في الإيضاحِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ عَنِ الفَسادِ بِأنْواعِ الجِهادِ، قالَ مُهَدِّدًا ومُمْتَنًّا تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا مُعَبِّرًا عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ أيْ خَلَقْنا خَلْقًا عَظِيمًا بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ ﴿الحَدِيدَ﴾ أيِ المَعْرُوفَ عَلى وجْهٍ مِنَ القُوَّةِ والصَّلابَةِ (p-٣٠١)واللِّينِ والحِدَّةِ لِقَبُولِ التَّأْثِيرِ يُعَدُّ بِهِ كالبائِنِ لِما في الأرْضِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إيجادُهُ إنْزالًا، ولِأنَّ الأوامِرَ بِالإيجادِ والإعْدامِ تُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ عَلى أيْدِي المَلائِكَةِ لِأنَّ السَّماءَ مَحَلُّ الحَوادِثِ الكِبارِ، والبَدائِعِ والأسْرارِ، لِأنَّ الماءَ الَّذِي هو أصْلُهُ [وأصْلُ] كُلِّ نامٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَكُونُ الأرْضُ لَهُ بِمَنزِلَةِ الرَّحِمِ لِلنُّطْفَةِ.
ولَمّا وقَعَ التَّشَوُّفُ إلى سَبَبِ إنْزالِهِ، قالَ: ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ أيْ قُوَّةٌ وشِدَّةٌ وعَذابٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الصَّلابَةِ المُلائِمَةِ لِلْمَضاءِ والحِدَّةِ ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ بِما يُعْمَلُ مِنهُ مِن مَرافِقِهِمْ ومَعاوِنِهِمْ لِتَقُومَ أحْوالُهم بِذَلِكَ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَتُها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَعْصِيهِ ويَخْذُلُ أوْلِياءَهُ، بِوَضْعِ بَأْسِهِ في غَيْرِ ما أمَرَ بِهِ نُصْرَةً لِشَيْطانِهِ وهَواهُ وافْتِنانِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ عِلْمَ شَهادَةٍ لِأجْلِ إقامَةِ الحُجَّةِ بِما يَلِيقُ بِعُقُولِ الخَلْقِ فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ لا عَلى العِلْمِ، وأوْقَعَ ضَمِيرَ الدِّينِ [عَلَيْهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لَهُ لِأنَّهُ شارِعُهُ فَقالَ: ﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ أيْ يُقْبِلُ مُجِدًّا عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى نَصْرِ دِينِهِ ﴿ورُسُلَهُ﴾ بِالذَّبِّ عَنْهم والدُّعاءِ إلَيْهِمْ، كائِنًا ذَلِكَ النَّصْرُ ﴿بِالغَيْبِ﴾ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، [أيْ] بِسَبَبِ تَصْدِيقِ (p-٣٠٢)النّاصِرِ لِما غابَ عَنْهُ مِن ذَلِكَ، أوْ غائِبًا عَنْ كُلِّ ما أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ - انْتَهى. فَلَمْ يَدَعْ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ لِأحَدٍ عُذْرًا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ مَعَ تَأْيِيدِهِمْ بِما يَنْفِي عَنْهُمُ اللَّبْسَ، والكِتابِ العالِي عَنْ كَلامِ الخَلْقِ، والعَقْلِ الَّذِي عَرَفَ العَدْلَ، والسِّلاحِ الَّذِي يَرُدُّ أُولِي الجَهْلِ، كَما قالَ ﷺ:
«بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ بِالسَّيْفِ» فَبَيانُ الشَّرائِعِ بِالكِتابِ، وتَقْوِيمُ أبْوابِ العَدْلِ بِالمِيزانِ، وتَنْفِيذُ هَذِهِ المَعانِي بِالسَّيْفِ، فَإنَّ مَصالِحَ الدِّينِ مِن غَيْرِ هَيْبَةِ السُّلْطانِ لا يُمْكِنُ رِعايَتُها، فالمَلِكُ والدِّينُ تَوْأمانِ، فالدِّينُ بِلا مَلِكٍ ضائِعٌ، والمَلِكُ مِن غَيْرِ دِينٍ باطِلٌ، والسُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ، فَظَواهِرُ الكِتابِ لِلْعَوامِّ، ووَزْنُ مَعارِفِهِ لِأهْلِ الحَقائِقِ بِالمِيزانِ، ومَن خَرَجَ عَنِ الطّائِفَتَيْنِ فَلَهُ الحَدِيدُ وهو السَّيْفُ، لِأنَّ تَشْوِيشَ الدِّينِ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ
ولَمّا كانَ طَلَبُ النُّصْرَةِ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ الضَّعْفِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِتَعَنُّتِ المُتَعَنِّتِينَ مُظْهِرًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يُمْكِنُ أنْ تَطْرُقَهُ حاجَةٌ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا داعٍ إلى أكْثَرَ مِن هَذا التَّأْكِيدِ: بِخِلافِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ المَذْكُورَةِ في الحَجِّ ونَحْوِهِ، قالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُعَرِّيًا الخَبَرَ مِنَ اللّامِ: ﴿قَوِيٌّ﴾ أيْ فَهو قادِرٌ عَلى (p-٣٠٣)إهْلاكِ جَمِيعِ أعْدائِهِ وتَأْيِيدِ مَن يَنْصُرُهُ مِن أوْلِيائِهِ ﴿عَزِيزٌ﴾ فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى نَصْرِ أحَدٍ، وإنَّما دَعا عِبادَهُ إلى نَصْرِ دِينِهِ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَ مَن أرادَ بِامْتِثالِ المَأْمُورِ، ويُعَذِّبَ مَن يَشاءُ بِارْتِكابِ المَنهِيِّ، بِبِنائِهِ هَذِهِ الدّارَ عَلى حِكْمَةِ رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ.
57:26Page 541
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
ولَمّا عَمَّ الرُّسُلَ جامِعًا لَهم في البَيِّناتِ، فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَتَوَقَّعَ التَّعْيِينَ، وخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ مِن أُولِي العَزْمِ أبَوَيْنِ جامِعَيْنِ في الذُّرِّيَّةِ والرِّسالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ لِتَبْيِينِ فَضْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي عَمَّ بِرِسالَتِهِ عُمُومًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسِلَ لِأهْلِ الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا عَلى لِسانٍ واحِدٍ، وعُمُومُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأوْلادِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصَّ بَعْدَهُما عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِن عُمُومِ الرِّسالَةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالنَّسْخِ والتَّشْرِيعِ، ثُمَّ مِن نُزُولِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِالتَّقْرِيرِ والتَّجْدِيدِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ والجَلالِ ﴿نُوحًا﴾ الأبَ الثّانِيَ، وجَعَلْنا الأغْلَبَ عَلى رِسالَتِهِ مَظْهَرَ الجَلالِ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أبا العَرَبِ والرُّومِ وبَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِهِ، وجَعَلْنا الأغْلَبَ عَلى رِسالَتِهِ مَجْلى الإكْرامِ ﴿وجَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ﴾ المُقْتَضِيَةَ لِلْوَصْلَةِ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ لِتَنْفِيذِ الأوامِرِ (p-٣٠٤)﴿والكِتابَ﴾ الجامِعَ لِلْأحْكامِ الضّابِطَ لِلشَّرائِعِ بِأنِ اسْتَنْبَأْنا بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِما وأنْزَلْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ فَلا يُوجَدُ نَبِيٌّ ولا كِتابٌ إلّا وهو مُدْلٍ إلَيْهِما بِأمْتَنِ الأسْبابِ وأعْظَمِ الأنْسابِ.
ولَمّا كانَ مَظْهَرُ العَظَمَةِ مُقْتَضِيًا لِإشْقاءِ مَن أُرِيدَ إشْقاؤُهُ مَعَ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، كائِنًا مَن كانَ، سَواءٌ اتَّصَلَ بِالأوْلِياءِ أوِ الأعْداءِ لِئَلّا يَأْمَنَ أحَدٌ فَيَقَعَ في الخُسْرانِ أوْ يَيْأسَ أحَدٌ فَيَلْزَمَ الهَوانَ [قالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ ذُرِّيَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ﴿مُهْتَدٍ﴾ هو بِعَيْنِ الرِّضا مِنّا -] وهو مَن لَزِمَ طَرِيقَ الأصْفِياءِ واسْتَمْسَكَ بِعَهْدِهِمْ ولَمْ يَزُغْ أصْلًا وإنْ كانَ مِن أوْلادِ الأعْداءِ.
ولَمّا كانَ مَن زاغَ بَعْدَ تَذْكِيرِهِ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ، كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ ولَوْ أنَّهُ واحِدٌ فَكَيْفَ إذا كانَ كَثِيرًا، نَبَّهَ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ الأغْلَبَ الضَّلالُ فَقالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ أيِ الذُّرِّيَّةِ المَوْصُوفِينَ ﴿فاسِقُونَ﴾ هم بِعَيْنِ السُّخْطِ وإنْ كانُوا أوْلادَ الأصْفِياءِ وهم مَن خالَفَ الأوْلِياءَ بِمُنابَذَةٍ أوِ ابْتِداعٍ أوْ زَيْغٍ عَنْ سَبِيلِهِمْ بِما لَمْ يَنْهَجُوهُ مِن تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences