Al-Biqa'iAl‑Hadid · 57:27–29

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:27–29, continued

قالَ مَتّى: والجَمْعُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ والَّذِي تَبِعُوا صَرَخُوا قائِلِينَ: أوْصِنا يا ابْنَ داوُدَ مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، قالَ مَرْقَسُ: ومُبارَكَةٌ المَمْلَكَةُ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ لِأبِينا داوُدَ أوْصِنا في العَلاءِ، وقالَ لُوقا: وكانَ لَمّا قَرُبَ مِن مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ بَدَأ جَمْعُ المَلَأِ والتَّلامِيذِ (p-٣٢١)[يَفْرَحُونَ و] يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُمَجِّدُونَهُ بِجَمِيعِ الأصْواتِ مِن أجْلِ جَمِيعِ القُوّاتِ الَّتِي نَظَرُوا قائِلِينَ: تَبارَكَ المَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ والسَّلامَةُ في السَّماءِ والمَجْدُ في العُلا، وقَوْمٌ مِنَ الفَرِيسِيِّينَ مِن بَيْنِ الجَمْعِ قالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمُ انْتَهِرْ تَلامِيذَكَ، فَقالَ لَهُمْ: إنْ سَكَتَ التَّلامِيذُ نَطَقَتِ الحِجارَةُ، فَلَمّا قَرُبَ نَظَرَ المَدِينَةَ وبَكى عَلَيْها وقالَ: لَوْ عَلِمْتِ في هَذا اليَوْمِ ما لَكِ فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ، فَأمّا الآنَ فَإنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ، وسَوْفَ تَأْتِي أيّامٌ تَلْقى أعْداؤُكِ مَعْلَمَكِ ويُحِيطُونَ بِكِ ويُضَيِّقُونَ عَلَيْكِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ ويَقْتُلُونَكِ وبَنِيكِ فِيكِ ولا يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا، وقالَ مَتّى: فَلَمّا دَخَلَ إلى يَرُوشَلِيمَ ارْتَجَّتِ المَدِينَةُ كُلُّها قائِلِينَ: مَن هَذا؟ فَقالَ الجَمْعُ: هَذا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي هو مِن ناصِرَةِ الجَلِيلِ، فَدَخَلَ يَسُوعُ إلى هَيْكَلِ اللَّهِ وأخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ في الهَيْكَلِ وقَلَبَ مَوائِدَ الصَّيارِفِ وكَراسِيَّ باعَةِ الحَمامِ وقالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ أنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاةِ يُدْعى، وأنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغارَةً لِلُّصُوصِ. وقالَ يُوحَنّا: فَصَعِدَ يَسُوعُ إلى يَرُوشَلِيمَ فَوَجَدَ في الهَيْكَلِ باعَةَ البَقَرَةِ والكِباشِ والحَمامِ وصَيارِفَ جُلُوسًا، فَصَنَعَ (p-٣٢٢)مُحَضَّرَةً مِن حَبْلٍ وأخْرَجَ جَمِيعَهم مِنَ الهَيْكَلِ فَطَرَدَ البَقَرَ والخِرافَ وبَدَّدَ دَراهِمَ الصَّيارِفِ وقَلَبَ مَوائِدَهُمْ، [و]قالَ مَتّى: وقَدِمَ [إلَيْهِ] عُمْيانٌ وعُرْجٌ في الهَيْكَلِ فَشَفاهُمْ، فَرَأى رُؤَساءُ الكَهَنَةِ العَجائِبَ الَّتِي صَنَعَ والصِّبْيانُ يَصِيحُونَ في الهَيْكَلِ ويَقُولُونَ: أوْصِنا يا ابْنَ داوُدَ، مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، فَتَقَمْقَمُوا وقالُوا: ما تَسْمَعُ ما يَقُولُ هَؤُلاءِ، فَقالَ لَهم يَسُوعُ: نَعَمْ، أما قَرَأْتُمْ قَطُّ أنَّ مِن فَمِ الأطْفالِ والمُرْضَعِينَ أعْدَدْتُ سُبَحًا، وتَرَكَهم وخَرَجَ خارِجَ المَدِينَةِ وباتَ هُناكَ في بَيْتِ عَنْيا وفي غَدٍ عَبَرَ إلى المَدِينَةِ فَجاعَ ونَظَرَ إلى شَجَرَةِ تِينٍ عَلى الطَّرِيقِ فَجاءَ إلَيْها فَلَمْ يَجِدْ فِيها شَيْئًا إلّا الوَرَقَ، فَقالَ لَها: لا يَخْرُجُ مِنكِ ثَمَرَةٌ إلى الأبَدِ، فَيَبِسَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ لِلْوَقْتِ، فَنَظَرَ التَّلامِيذُ وتَعَجَّبُوا وقالُوا: كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ لِلْوَقْتِ، أجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُمُ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنْ كانَ لَكم إيمانٌ ولا تَشُكُّونَ لَيْسَ مِثْلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ التِّينِ [فَقَطْ] تَصْنَعُونَ ولَكِنْ تَقُولُونَ لِهَذا الجَبَلِ: تَعالَ واسْقُطْ في البَحْرِ، فَيَكُونُ، وقالَ مَرْقَسُ: إنْ كانَ لَكم إيمانٌ بِاللَّهِ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ مَن قالَ لِهَذا (p-٣٢٣)الجَبَلِ: انْتَقِلْ واسْقُطْ في هَذا البَحْرِ، ولا يَشُكُّ في قَلْبِهِ بَلْ يُصَدِّقُ فَيَكُونُ لَهُ الَّذِي قالَ، مِن [أجْلِ] هَذا أقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ ما تَسْألُونَهُ في الصَّلاةِ بِإيمانٍ أنَّكم تَنالُونَهُ فَيَكُونُ لَكُمْ، وقالَ مَتّى: وكُلُّ ما تَسْألُونَهُ في الصَّلاةِ بِإيمانٍ تَنالُونَهُ، وقالَ مَرْقَسُ: فَقالَ لَهُ يُوحَنّا، يا مُعَلِّمُ! رَأيْنا واحِدًا يُخْرِجُ الشَّياطِينَ بِاسْمِكَ فَمَنَعْناهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْنا، قالَ لَهم يَسُوعُ: لا تَمْنَعُوهُ لَيْسَ يَصْنَعُ أحَدٌ قُوَّةً بِاسْمِي، ويَقْدِرُ سَرِيعًا أنْ يَقُولَ عَلى الشَّرِّ، كُلُّ مَن لَيْسَ [هُوَ] عَلَيْكم فَهو مَعَكم ومَن سَقاكم كَأْسَ ماءٍ بِاسْمِ أبِيكُمُ المَسِيحِ [الحَقَّ] أقُولُ لَكُمْ: إنَّ أجْرَهُ لا يَضِيعُ.

وفِيهِ مِمّا لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ و[إطْلاقُ] الرَّبِّ عَلى غَيْرِهِ [بِلا قَيْدٍ]، وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

57:28Page 541

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨

O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرُّسُلَ دُعاةٌ لِلْحَقِّ إلى سَيِّدِهِمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا بِالكِتابِ والحَدِيدِ، وقَرَّرَ أنَّ السَّعادَةَ كُلَّها في اتِّباعِهِمْ، وأنَّ البِدَعَ لا تَأْتِي بِخَيْرٍ وإنْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ أمْرَها وخَيَّلَ أنَّهُ خَيْرٌ، وأنَّ أصْحابَ الَّذِي كانَ نَسَخَ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَهُ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً حَسَنَةً فَوُكِلُوا إلَيْها فَفَسَقَ أكْثَرُهُمْ، فاقْتَضى ذَلِكَ إرْسالَ مَن يَنْسَخُ كُلَّ شَرِيعَةٍ تَقَدَّمَتْهُ نَسْخًا لا زَوالَ (p-٣٢٤)لَهُ لِأنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ ونَهى عَنِ البِدَعِ نَهْيًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أحَدٌ إلى مِثْلِهِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِذَلِكَ إقْرارًا صَحِيحًا بِنَبِيٍّ مِمّا تَقَدَّمَ أوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا عِقابَهُ فاجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ - لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ - وِقايَةً بِحِفْظِ الأدَبِ مَعَهُ ولا تَأْمَنُوا مَكْرَهُ، فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ [مِن] أنْ يَسْلُبَكم ما وهَبَكُمْ، فاتَّبِعُوا الرَّسُولَ تَسْلَمُوا، وحافِظُوا عَلى اتِّباعِهِ لِئَلّا تَهْلِكُوا ﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ أيِ الَّذِي لا رَسُولَ لَهُ الآنَ غَيْرُهُ، إيمانًا مَضْمُومًا إلى إيمانِكم بِاللَّهِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ بِهِ إلّا مَعَ الإيمانِ بِرَسُولِهِ، وبِأنْ تَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ، وتَضُمُّوا الإيمانَ بِهِ إلى الإيمانِ بِمَن تَقَدَّمَهُ يا أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّ رِسالَتَهُ عامَّةٌ، لَقَدْ نَسَخَ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأدْيانِ فَإيّاكم أنْ يُمِيلَكم عَنْهُ مَيْلٌ مِن حَسَدٍ أوْ غَيْرِهِ، فَبادِرُوا إلى إجابَتِهِ والزَمُوا جَمِيعًا حَذَرَهُ فَلا تَمِيلُوا إلى بِدْعَةٍ أصْلًا ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ثَوابًا عَلى اتِّباعِهِ ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ ضَخْمَيْنِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ تَحْصِينًا لَكم مِنَ العَذابِ كَما يُحَصِّنُ الكِفْلُ الرّاكِبَ مِنَ الوُقُوعِ، وهو كِساءٌ يُعْقَدُ عَلى ظَهْرِ البَعِيرِ فَيُلْقى مُقَدَّمُهُ عَلى الكاهِلِ ومُؤَخَّرُهُ عَلى العَجُزِ، وهَذا التَّحْصِينُ لِأجْلِ إيمانِكم بِهِ ﷺ وإيمانِكم بِمَن تَقَدَّمَهُ مَعَ خِفَّةِ العَمَلِ ورَفْعِ الآصارِ وهو [أعْلى] بِالأجْرِ مِنَ الَّذِي عَمِلَ الخَيْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ النَّبِيُّ (p-٣٢٥)ﷺ لِمَن سَألَهُ عَنْهُ "أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ

ودَلَّ عَلى أنَّ الكِفْلَيْنِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وإفاضَةِ خَواصٍّ مِنَ الخَيْراتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿نُورًا﴾ مَجازِيًّا في الأُولى بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ مِنَ المَعْلُومِ والمَعارِفِ القَلْبِيَّةِ وحِسِّيًّا في الآخِرَةِ بِسَبَبِ العَمَلِ ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ أيْ مَجازًا في الأُولى بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وحَقِيقَةً في الآخِرَةِ بِسَبَبِ العَمَلِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَخْلُو مِن نُقْصانٍ، فَلا يَبْلُغُ جَمِيعَ ما يَحِقُّ لِلرَّحْمَنِ، قالَ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ [ما] فَرَطَ مِنكم مِن سَهْوٍ وعَمْدٍ وهَزْلٍ وجِدٍّ. ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّ الغُفْرانَ وما يَتْبَعُهُ صِفَةٌ لَهُ شامِلَةٌ لِمَن يُرِيدُهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ المَحْوِ لِلذَّنْبِ عَيْنًا وأثَرًا ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يَغْفِرُ لَهُ ويُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ.

57:29Page 541

لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

[This is] so that the People of the Scripture may know that they are not able [to obtain] anything from the bounty of Allāh1 and that [all] bounty is in the hand2 of Allāh; He gives it to whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ تابَعُوا أهْوِيَتَهم عَلى بُغْضِ الأُمِّيِّينَ، وأُشْرِبَتْ قُلُوبُهم أنَّ النُّبُوَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لِأنَّهم أوْلادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنَةِ عَمِّهِ، والعَرَبُ - وإنْ كانُوا أوْلادَهُ - فَإنَّهم مِنَ الأمَةِ وما دَرَوْا [أنَّ] كَوْنَهم مِن أوْلادِهِ مُرَشِّحٌ لِنُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ وكَوْنَهم مِنَ الأمَةِ، مُهَيِّئٌ لِعُمُومِ الرِّسالَةِ لِأجْلِ عُمُومِ النَّسَبِ، قالَ دالًّا عَلى أنَّهم صارُوا (p-٣٢٦)كالبَهائِمِ لا يُبْصِرُونَ إلّا المَحْسُوساتِ مُعَلِّقًا الجارَّ بِـ ”آمَنُوا“ و”يُؤْتِكم“ وما بَعْدَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ عِلْمًا عَظِيمًا [يُثْبِتُ] مَضْمُونَ خَبَرِهِ ويَنْتَفِي ضِدُّهُ - بِما أفادَهُ زِيادَةُ النّافِي ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلى كِتابِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الخاتَمِ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ألا﴾ أيْ أنَّهم لا ﴿يَقْدِرُونَ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ [أيْ وإنْ قَلَّ] ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي خَصَّكم [بِما خَصَّكُمْ] بِهِ لا يُمْنَعُ ولا بِإعْطائِكم [حَيْثُ] نَزَعَ النُّبُوَّةَ مِنهم ووَضَعَها في بَنِي عَمِّهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا لا يُقِيمُونَ لَهم وزْنًا فَيَقُولُونَ: إنَّهم بَنُو الأمَةِ، وإنَّهم أُمِّيُّونَ، وإنَّهم لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنهم سَبِيلٌ، وجَعَلَ النُّبُوَّةَ الَّتِي خَصَّكم بِها عامَّةً - كَما أشارَ إلَيْهِ ما في ابْنِ الأمَةِ مِن شُمُولٍ بِنِسْبَتِهِ وانْشِعابِهِ وحَيْثُ عَمِلُوا كَثِيرًا وأعْطَوْا قَلِيلًا: «”اليَهُودُ مِن أوَّلِ النَّهارِ عَلى قِيراطٍ قِيراطٍ، والنَّصارى مِنَ الظُّهْرِ عَلى قِيراطٍ قِيراطٍ، وهَذِهِ الأُمَّةُ مِن صَلاةِ العَصْرِ عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، فَقالَ الفَرِيقانِ: ما لَنا أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا، قالَ: هَلْ ظَلَمْتُكم مِن حَقِّكم شَيْئًا، قالُوا: لا، قالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ».

وذَكَرَ ابْنُ بُرْجانَ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ - كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ قَرِيبًا - مِنَ الإنْجِيلِ وطَبَّقَهُ عَلَيْهِ وذَكَرْتُهُ [أنا] في الأعْرافِ، رَوى الإمامُ [أحْمَدُ] في (p-٣٢٧)مَواضِعَ مِنَ المُسْنَدِ والبُخارِيُّ في سَبْعَةِ مَواضِعَ في الصَّلاةِ والإجارَةِ وذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ وفَضائِلِ القُرْآنِ والتَّوْحِيدِ، والتِّرْمِذِيُّ في الأمْثالِ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - مِن وُجُوهٍ شَتّى جَمَعْتُ بَيْنَ ألْفاظِها عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]:“مَثَلُكُمْ”- وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ: مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وفي رِوايَةٍ: مَثَلُ أُمَّتِي وفي رِوايَةٍ: إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارى كَرَجُلٍ، وفي رِوايَةٍ: مَثَلُكم ومَثَلُ أهْلِ الكِتابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَلاءَ، وفي رِوايَةٍ: اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ فَقالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن صَلاةِ الصُّبْحِ[ و]فِي رِوايَةٍ [أُخْرى]: مِن غُدْوَةٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ عَلى قِيراطٍ، ألا فَعَمِلَتِ اليَهُودُ“ - وفي رِوايَةٍ: ”قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ - فَعَمِلُوا، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى صَلاةِ العَصْرِ عَلى قِيراطٍ، ألا فَعَمِلَتْهُ النَّصارى، وفي رِوايَةٍ: قالَتِ النَّصارى: نَحْنُ، فَعَمِلُوا، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ لِي مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ -وفِي رِوايَةٍ: إلى أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ - عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، ألا فَأنْتُمُ الَّذِينَ عَمِلْتُمْ، وفي رِوايَةٍ: تَعْمَلُونَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْتُمُ المُسْلِمُونَ تَعْمَلُونَ مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ، وفي رِوايَةٍ إلى مَغارِبَ، وفي رِوايَةٍ: مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلى قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ ألا لَكُمُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ، فَغَضِبَتِ (p-٣٢٨)اليَهُودُ والنَّصارى وقالُوا: نَحْنُ - وفي رِوايَةٍ: ما لَنا - أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ عَطاءً، وفي رِوايَةٍ:أجْرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى هَلْ - وفي رِوايَةٍ: وهَلْ - نَقَصْتُكم - وفي رِوايَةٍ: هَلْ ظَلَمْتُكم - مِن حَقِّكم شَيْئًا - وفي رِوايَةٍ: أجْرِكم شَيْئًا، قالُوا: لا، قالَ: فَإنَّهُ - وفي رِوايَةٍ: فَإنَّما - هو فَضْلٌ، وفي رِوايَةٍ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ، وفي رِوايَةٍ: أُعْطِيهِ مَن شِئْتُ.

وفِي رِوايَةٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو قائِمٌ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: ألا إنَّ بَقاءَكم، وفي رِوايَةٍ: إنَّما بَقاؤُكم، وفي رِوايَةٍ: إنَّما أجَلُكم في أجَلِ مَن خَلا مِنَ الأُمَمِ - وفي رِوايَةٍ:“فِيما سَلَفَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ والمَغْرِبِ - وفي رِوايَةٍ: إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وفي رِوايَةٍ: ألا إنَّ مَثَلَ آجالِكم في آجالِ الأُمَمِ قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى مُغَيْرِبانِ، وفي رِوايَةٍ: إلى مَغْرِبٍ، وفي رِوايَةٍ: إلى مَغارِبِ الشَّمْسِ، أُعْطِيَ - وفي رِوايَةٍ: أُوتِيَ - أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ، فَعَمِلُوا بِها حَتّى انْتَصَفَ النَّهارُ فَعَجَزُوا، فَأُعْطَوْا قِيراطًا [قِيراطًا]، وأُعْطِيَ - وفي رِوايَةٍ: ثُمَّ أُوتِيَ - أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتّى - وفي رِوايَةٍ: إلى - صَلاةِ العَصْرِ، وفي رِوايَةٍ: حَتّى صُلِّيَتِ العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطَوْا قِيراطًا قِيراطًا، ثُمَّ أُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وفي رِوايَةٍ: [حَتّى غُرُوبِ الشَّمْسِ] (p-٣٢٩)فَأُعْطِيتُمْ قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، وفي رِوايَةٍ: ثُمَّ أُوتِينا القُرْآنَ فَعَمِلْنا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينا قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ، فَقالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ - وفي رِوايَةٍ: أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ - رَبَّنا هَؤُلاءِ أقَلُّ مِنّا عَمَلًا وأكْثَرُ أجْرًا، وفي رِوايَةٍ: جَزاءً، وفي رِوايَةٍ: أيْ رَبَّنا أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ وأعْطَيْتَنا قِيراطًا قِيراطًا، ونَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا مِنهُمْ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: [هَلْ] وفي رِوايَةٍ: فَهَلْ ظَلَمْتُكم مِن أجْرِكم - وفي رِوايَةٍ: مِن أُجُورِكم - مِن شَيْءٍ؟ فَقالُوا: لا، فَقالَ: فَهو فَضْلِي، وفي رِوايَةٍ فَذَلِكَ فَضْلِي، أُوتِيهِ مَن أشاءُ وقَدْ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذا الحَدِيثِ ما قَبْلَ هَذِهِ الأُمَمِ وتَرَكَ عَلى ذَلِكَ أحْوالَهم فَقالَ: إنَّهُ دالٌّ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كانَ لَهُمُ اللَّيْلُ، فَكانَ قَوْمُ نُوحٍ في أوَّلِهِ في ظَلامٍ صِرْفٍ طَوِيلٍ لَمْ يَلُحْ لَهم شَيْءٌ مِن تَباشِيرِ الضِّياءِ ولا أماراتِ الصُّبْحِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخْبِرُهم بِهِ ويَأْمُرُهم بِالتَّهَيُّؤِ لَهُ، فَلِذَلِكَ طالَ بَلاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ، وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، وأمّا قَوْمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانُوا كَأنَّهم في أواخِرِ اللَّيْلِ، قَدْ لاحَتْ لَهم تَباشِيرُ الصَّباحِ وأوْمَضَتْ لَهم بَوارِقُ الفَلاحِ، فَلِذَلِكَ آمَنَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا سارَّةُ زَوْجَتُهُ وأوْلادُهُ مِنها ومِن غَيْرِها كُلُّهُمْ، واسْتَمَرَّ الإسْلامُ في أوْلادِهِ والنُّبُوَّةُ حَتّى جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَ وقْتُهُ كَما بَيْنَ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فَكانَ قَوْمُهُ تارَةً وتارَةً، تارَةً يَحْسَبُونَ أنَّهم في ضِياءٍ كَيْفَما كانُوا، فَيَرُوغُونَ يَمِينًا وشِمالًا (p-٣٣٠)فَيَكُونُونَ كَمَن دَخَلَ غِيرانًا وكُهُوفًا وأسْرابًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنها فَيَرْجِعُونَ إلى الضِّياءِ، فَكانَتْ غَلَطاتُهم تارَةً كِبارًا وتارَةً صِغارًا، وأمّا قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانُوا كَمَن هو في الظَّهِيرَةِ في شِدَّةِ الضِّياءِ فالغَلَطُ مِنهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمًى عَظِيمٍ، فَلِذَلِكَ كانَ غَلَطُهم أفْظَعَ الغَلَطِ وأفْحَشَهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ - ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولْتَعْلَمُوا أنَّ ﴿الفَضْلَ﴾ [أيِ] الَّذِي لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَن هو عِنْدَهُ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ [نُبُوَّةً كانَتْ أوْ غَيْرَها].

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ لا يَخُصُّ بِهِ إلّا لِأنَّهُ لا يَسَعُ جَمِيعَ النّاسِ دَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيْ مالِكُهُ مِلْكًا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ ولا مِلْكَ لِأحَدٍ [فِيهِ] مَعَهُ ولا تَصَرُّفَ بِوَجْهٍ أصْلًا، فَلِذَلِكَ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِما شاءَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى اعْتِراضٍ بِوَجْهٍ، فَقَدْ نَزَّهَ لَهُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الَّذِي لا عَزِيزَ غَيْرُهُ ولا حَكِيمَ سِواهُ، فَقَدِ انْطَبَقَ كَما تَرى آخِرُها عَلى أوَّلِها، ورَجَعَ مُفْصَلُها عَلى مُوصَلِها - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском