Al-Biqa'iAl‑Mujadila · 58:3–6

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mujadila 58:3–6

58:3Page 542

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣

And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.

ولَمّا هَجَّنَ سُبْحانَهُ الظِّهارَ، وأثْبَتَ تَحْرِيمَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وكانَ ما مَضَتْ عَلَيْهِ العَوائِدُ لا بُدَّ أنْ يَبْقى مِنهُ بَقايا، أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ حُكْمِ هَذِهِ الواقِعَةِ وما لَعَلَّهُ يَقَعُ مِن نَظائِرِها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ الحُكْمِ، أسْقَطَ التَّقْيِيدَ إعْلامًا بِعُمُومِهِ الكافِرَ كَعُمُومِهِ المُسْلِمَ لِيُفِيدَ تَغْلِيظَ العِقابِ [عَلَيْهِ] لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ يَخُصُّ العَرَبَ الَّذِينَ قَصَدَ تَهْجِينَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ سائِرِ النّاسِ فَقالَ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ بِدُونِ ”مِنكم“ .

ولَمّا كانَ مُقْتَضى اللَّفْظِ المُباعَدَةَ مِمَّنْ قِيلَ ذَلِكَ فِيها، فَكانَ إمْساكُها بَعْدَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في غايَةِ البُعْدِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ [بِأداةِ] (p-٣٤٩)البُعْدِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا القَوْلِ ﴿لِما قالُوا﴾ بِالفِعْلِ بِأنْ يُعادَ هَذا القَوْلُ مَرَّةً أُخْرى أوْ بِالقُوَّةِ بِأنْ يُمْسِكُوا المَقُولَ ذَلِكَ لَها زَمَنًا يُمْكِنُ أنْ يُعادَ فِيهِ هَذا القَوْلُ مَرَّةً ثانِيَةً مِن غَيْرِ مُفارَقَةٍ بِلَفْظٍ مِمّا ناطَ اللَّهُ الفُرْقَةَ بِهِ مِن طَلاقٍ [أوْ] سَراحٍ أوْ نَحْوِهِما، فَيَكُونُ المُظاهِرُ عائِدًا إلى هَذا القَوْلِ بِالقُوَّةِ لِإمْكانِ [هَذا] القَوْلِ في ذَلِكَ الزَّمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن قالَ قَوْلًا [ولَمْ يَبُتَّهُ] ويُنْجِزْهُ ويُمْضِهِ بِأنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرى وهَلُمَّ جَرّا، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ لِنَقْضِ ما قالُوا: فَيُحِلُّوا ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ البَتِّ بِالطَّلاقِ، فَإنْ كانَ الظِّهارُ مُعَلَّقًا لَمْ يُلْزَمْ حُكْمَهُ إلّا بِالحِنْثِ، فَإنْ طَلَّقَ في الحالِ وإلّا لَزِمَتْهُ [الكَفّارَةُ]، وحَقُّ العِبارَةِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ لِدَلالَتِها عَلى الِاتِّصالِ كَما يَقْتَضِيهِ الحالُ بِخِلافِ ”إلى“ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى مُهْلَةٍ وتَراخٍ، هَذا في الظِّهارِ المُطْلَقِ، وأمّا المُوَقَّتُ بِيَوْمٍ أوْ شَهْرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عائِدًا فِيهِ إلّا بِالوَطْئِ في الوَقْتِ المُظاهَرِ فِيهِ، وأمّا مُجَرَّدُ إمْساكِها فَلَيْسَ بِعَوْدٍ لِأنَّهُ إنَّما أمْسَكَها لِما [لَهُ] فِيها مِنَ الحِلِّ بَعْدَ وقْتِ الظِّهارِ.

ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ المَوْصُولُ مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، أدْخَلَ الفاءَ في خَبَرِهِ لِيُفِيدَ السَّبَبِيَّةَ فَيَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ (p-٣٥٠)أيْ فَعَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الظِّهارِ والعَوْدِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ أيْ سَلِيمَةٍ عَنْ عَيْبٍ يُخِلُّ بِالعَمَلِ كامِلَةِ الرِّقِّ مُقَيَّدَةٍ [أيْضًا] بِمُؤْمِنَةٍ لِأنَّها قُيِّدَتْ [بِذَلِكَ] في كَفّارَةِ القَتْلِ، فَيُحْمَلُ هَذا عَلى ذاكَ، ولِأنَّ «مُعاوِيَةَ بْنَ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ أفَأعْتِقُها، فَسَألَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ فَأخْبَرَتْهُ بِما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِها فَقالَ: مَن أنا؟ فَقالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ-» رَواهُ مالِكُ ومُسْلِمٌ، فَعَلَّلَ الإجْزاءَ بِالإيمانِ ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ سَبَبِ الوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ واجِبٍ وواجِبٍ، والمُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ [الظِّهارُ] والعَوْدُ جَمِيعًا كَما أنَّ المُوجِبَ في اليَمِينِ [اليَمِينُ] والحِنْثُ مَعًا.

ولَمّا كانَ التَّحْرِيرُ لا يَسْتَغْرِقُ زَمَنَ القَبْلِ بَلْ يَكُونُ في بَعْضِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَسَّ بَعْدَ المُظاهَرَةِ لا مُطْلَقًا قالَ: ﴿أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ مِنهُما مَسٌّ وهو الجِماعُ سَواءٌ كانَ ابْتِداءُ المُباشَرَةِ مِنهُ أوْ مِنها بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ التَّفاعُلِ، وهو حَرامٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّماسِّ وأخْفاها بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ ولَوْ كانَ بِإيلاجِ الحَشَفَةِ فَقَطْ مَعَ الإنْزالِ أوْ بِدُونِهِ، وأمّا (p-٣٥١)مُقَدِّماتُ الجِماعِ فَهي فِيها كالحائِضِ لا تَحْرُمُ عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ جامَعَ عَصى ولَمْ تَجِبْ كَفّارَةٌ أُخْرى، لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، قالَ: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ» .

ولَمّا كانَ الوَعْظُ هو الزَّجْرَ عَنِ الفِعْلِ المَوْعُوظِ لِأجْلِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الزَّجْرُ العَظِيمُ جِدًّا الَّذِي هو عامٌّ لَكم مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ يَكُونُ بِمَشَقَّةٍ زاجِرًا لَكم عَنِ العَوْدِ إلى مُقارَبَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ مُقارَفَتِهِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ مِن أجْلِها اللَّهُ تَحْرِيمًا مُتَأبِّدًا عَلى زَعْمِهِ [كانَ] كَأنَّهُ قَدْ قَتَلَها، ولِكَوْنِ [ذَلِكَ] بِلَفْظٍ اخْتَرَعَهُ وانْتَهَكَ فِيهِ حُرْمَةَ أُمِّهِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ عَصى مَعْصِيَةً أوْبَقَ بِها نَفْسَهُ كُلَّها إيباقًا أخْرَجَهُ إلى [أنْ] يَقْتُلَها عُضْوًا عُضْوًا بِإعْتاقِ [رَقَبَةٍ] تُماثِلُ رَقَبَتَهُ ورَقَبَةَ مَن كانَ قَتَلَها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِما يَرْدَعُكم بَصِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إشارَةً إلى إرادَةِ المُبالَغَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِإلْزامِ الِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ فِعْلَهُ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَهو عالِمٌ بِما يُكَفِّرُهُ، فافْعَلُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [والظِّهارُ -] وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في (p-٣٥٢)الحَقِيقَةِ أصْلٌ ولا بِتَصْحِيحِهِ نُطْقٌ ولا لَهُ شَرْعٌ، بَعْدَ ما رُفِعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرُهُ ولَوَّحَ بِشَيْءٍ ما وقالَ: إنَّهُ حُكْمُهُ لَمْ يُخْلِ اللَّهُ مِن بَيانٍ ساقَ إلَيْهِ شَرْعَهُ فَقَضى فِيهِ بِما انْتَظَمَ فِيهِ الجَوابُ ارْتِفاعَ شَكْواها.

58:4Page 542

فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.

ولَمّا كانَتِ الكَفّارَةُ مَرْتَبَةً، وكانَ المُظاهِرُ كَأنَّهُ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ المُظاهَرِ عَنْها كَما مَضى، فَكانَ مُفْتَقِرًا إلى ما يُحْيِي نَفْسَهُ فَشُرِعَ لَهُ العِتْقُ الَّذِي هو كالإحْياءِ، شُرِعَ لَهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ ما يُمِيتُ نَفْسَهُ الَّتِي إماتَتُها لَهُ إحْياؤُها، وكانَ الشَّهْرانِ نِصْفَ المُدَّةِ الَّتِي يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ، فَكانَ صَوْمُها كَنِصْفِ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَها إحْياءُ الرُّوحِ وإنْعاشُ العَقْلِ، فَكانَ كَأنَّهُ إماتَتُها فَجَعَلَهُ سُبْحانَهُ بَدَلًا عَنِ القَتْلِ الَّذِي هو كالإحْياءِ فَقالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ الرَّقَبَةَ المَأْمُورَ بِها بِأنْ كانَ فَقِيرًا، فَإنْ كانَ غَنِيًّا ومالُهُ غائِبٌ فَهو واجِدٌ ﴿فَصِيامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ صِيامُ ﴿شَهْرَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ كَسْرَ النَّفْسِ كَما مَضى، وكانَتِ المُتابَعَةُ أنْكا ولِذَلِكَ سُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَتابِعَيْنِ﴾ أيْ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِ التَّتابُعِ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَلَوْ قَطَعَ التَّتابُعَ بِشَيْءٍ ما ولَوْ كانَ بِنِسْيانِ النِّيَّةِ وجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنافُ والإغْماءُ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُسْعِ وكَذا الإفْطارُ بِحَيْضٍ أوْ نِفاسٍ أوْ جُنُونٍ بِخِلافِ الإفْطارِ بِسَفَرٍ أوْ مَرَضٍ أوْ خَوْفٍ (p-٣٥٣)عَلى حَمْلٍ أوْ رَضِيعٍ لِأنَّ الحَيْضَ مَعْلُومٌ فَهو مُسْتَثْنًى شَرْعًا، وغَيْرُهُ مُغَيِّبٌ [لِلْعَقْلِ -] مُزِيلٌ لِلتَّكْلِيفِ، وأمّا المَرَضُ ونَحْوُهُ فَفِيهِ تَعَمُّدُ الإفْطارِ مَعَ وُجُودِ العَقْلِ.

ولَمّا كانَ الإمْساكُ عَنِ المَسِيسِ قَدْ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ الشَّهْرَيْنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ وحَلَّ المَصْدَرُ إفادَةً لِمَن يَكُونُ بَعْدَ المُظاهَرَةِ فَقالَ: ﴿أنْ يَتَماسّا﴾ فَإنْ جامَعَ لَيْلًا عَصى ولَمْ يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ. ولَمّا كانَ إطْعامُ نَفْسٍ قُوتَ نِصْفِ يَوْمٍ كَإماتَةِ نَفْسِهِ بِالصِّيامِ يَوْمًا قالَ تَعالى /: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ يَقْدِرْ عَلى الصِّيامِ قُدْرَةً تامَّةً - بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ التّاءِ لِهَرَمٍ أوْ مَرَضٍ أوْ شَبَقٍ مُفْرِطٍ يُهَيِّجُهُ الصَّوْمُ ﴿فَإطْعامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ إطْعامُ ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ما يَقُوتُهُ نِصْفَ يَوْمٍ، وهو مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ نَحْوُ نِصْفِ قَدَحٍ بِالمِصْرِيِّ، وهو مَلْءُ حَفْنَتَيْنِ بِكَفَّيْ مُعْتَدِلِ الخَلْقِ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ، وهو كَما في الفِطْرَةِ سَواءٌ، وحَذَفَ قَيْدَ المُماسَّةِ لِذِكْرِهِ في الأوَّلَيْنِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في تَخْصِيصِ هَذا بِهِ أنَّ ذِكْرَهُ في أوَّلِ الخِصالِ لا بُدَّ مِنهُ، وإعادَتَهُ في الثّانِي لِطُولِ مُدَّتِهِ فالصَّبْرُ عَنْهُ فِيها مَشَقَّةٌ، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يُفْعَلَ في لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ لا مَشَقَّةَ لِلصَّبْرِ فِيها عَنِ المُماسَّةِ، هَذا إذا عادَ، فَإنْ وصَلَ الظِّهارَ بِالطَّلاقِ أوْ ماتَ أحَدُهُما في الحالِ قَبْلَ إمْكانِ الطَّلاقِ فَلا (p-٣٥٤)كَفّارَةَ، قالَ البَغْوِيُّ: لِأنَّ العَوْدَ في القَوْلِ هو المُخالَفَةُ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما العَوْدَ بِالنَّدَمِ فَقالَ: يَنْدَمُونَ ويَرْجِعُونَ إلى الأُلْفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإنْ ظاهَرَ [عَنِ] الرَّجْعِيَّةِ انْعَقَدَ ظِهارُهُ فَإنْ راجَعَها لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ لِأنَّ الرَّجْعَةَ عَوْدٌ.

ولَمّا ذَكَرَ الحُكْمَ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ تَرْغِيبًا فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّرْخِيصُ العَظِيمُ لَكم والرِّفْقُ بِكم والبَيانُ الشّافِي مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو مُوافِقٌ لِلْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ [أيْ] وهَذا الفِعْلُ العَظِيمُ الشّاقُّ لِيَتَجَدَّدَ إيمانُكم ويَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَتُطِيعُوهُ بِالِانْسِلاخِ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي تَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِهِ وقَدْ بُعِثَ بِمِلَّةِ [أبِيهِ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ تَرَكَ هَذا الحُكْمَ الشَّدِيدَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ لَكانَ مُشَكِّكًا في البَعْثِ بِتِلْكَ المِلَّةِ السَّمْحَةِ.

ولَمّا رَغَّبَ في هَذا الحُكْمِ، رَهَّبَ مِنَ التَّهاوُنِ بِهِ فَقالَ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ هَذِهِ الأفْعالُ المُزَكِّيَةُ وكُلُّ ما سَلَفَ مِن أمْثالِها في هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ أوامِرُ المَلِكِ الأعْظَمِ ونَواهِيهِ وأحْكامُهُ الَّتِي يَجِبُ امْتِثالُها والتَّقَيُّدُ بِها لِتُرْعى حَقَّ رِعايَتِها فالتَزِمُوها وقِفُوا (p-٣٥٥)عِنْدَها ولا تَعْتَدُوها فَإنَّهُ لا يُطاقُ انْتِقامُهُ إذا تَعَدّى نَقْضُهُ أوْ إبْرامُهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلِلْمُؤْمِنِينَ بِها جَنّاتُ النَّعِيمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ [بِها] أوْ بِشَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِما آلَمُوا المُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ.

58:5Page 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment

ولَمّا ذَكَرَ حُدُودَهُ، ولَوَّحَ بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ إلى بِشارَةِ حافِظِها، وصَرَّحَ بِتَهْدِيدِ مُتَجاوِزِيها أتْبَعَ ذَلِكَ تَفْصِيلَ عَذابِهِمُ الَّذِي مِنهُ بِشارَةُ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِأنْ يُغْلَبُوا عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وضَعْفِ حِزْبِهِ وقِلَّتِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ يُغالِبُونَ المَلِكَ الأعْلى عَلى حُدُودِهِ لِيَجْعَلُوا حُدُودًا غَيْرَها، وذَلِكَ صُورَتُهُ صُورَةُ العَداوَةِ، مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ بِأيِّ مُحادَّةٍ [كانَتْ] ولَوْ كانَتْ خَفِيَّةً - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ كَمُحادَّةِ أهْلِ الِاتِّحادِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ فَيُجْرُونَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَيُخِلُّونَ بِهِ المُحْكَمَ لِتَخِلَّ الشَّرِيعَةُ بِأسْرِها، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ السُّورَةِ نَزَلَ في المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُهادِنِينَ كَما يَأْتِي في النَّجْوى وغَيْرِها ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عِزُّهُ مِن عِزِّهِ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ صُرِعُوا وكُبُّوا لِوُجُوهِهِمْ وكُسِرُوا وأُذِلُّوا وأُخْزَوْا فَلَمْ يَظْفَرُوا (p-٣٥٦)ورُدُّوا بِغَيْظِهِمْ في [كُلِّ] أمْرٍ يَرُومُونَهُ مِن أيِّ كابِتٍ كانَ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ والفَراغِ مِن قَضائِهِ كَما فَرَغَ مِمّا مَضى، فَلِذا قالَ لِتَكُونَ الدَّعْوى مَقْرُونَةً بِدَلِيلِها: ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُحادُّونَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا جَمِيعَ الأزْمانِ الماضِيَةِ والأماكِنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ المُحادِّينَ كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ أصَرَّ عَلى العِصْيانِ، ولَمْ يَنْقَدْ لِدَلِيلٍ ولا بُرْهانٍ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن ضَيَّعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً وأحْدَثَ في دِينِهِ بِدْعَةً انْخَرَطَ في هَذا السِّلْكِ، ووَقَعَ في هَذا الذُّلِّ.

ولَمّا اسْتَوْفى المَقامُ حَظَّهُ بَيانًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، عَطَفَ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ أوْ عَلى ما يُقَدَّرُ مِن نَحْوِ: فَقَدْ كانَ لَكم فِيما مَضى مِن أوَّلِ الإسْلامِ إلى هَذا الأوانِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مُعْتَبَرٌ، قَوْلَهُ: ﴿وقَدْ أنْـزَلْنا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلَيْكم وعَلى مَن قَبْلَكم ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَظِيمَةً هي في غايَةِ البَيانِ لِذَلِكَ ولِكُلِّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الإيمانُ بِتَرْكِ المُحادَّةِ ويَحْصُلُ الإذْعانُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلِلْمُؤْمِنِينَ بِها نَعِيمٌ مُقِيمٌ في مَقامٍ أمِينٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ [أيِ] (p-٣٥٧)الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ بِها وبِغَيْرِها مِن أمْرِ اللَّهِ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِما تَكَبَّرُوا واغْتَرُّوا عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ، يُهِينُهم ذَلِكَ العَذابُ ويُذْهِبُ عِزَّهم وشَماخَتَهم ويَتْرُكُونَ بِهِ مُحادَّتَهم.

58:6Page 542

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1

ولَمّا ذَكَرَ عَذابَهُمْ، [ذَكَرَ] وقْتَهُ عَلى وجْهٍ مُقَرِّرٍ لِما مَضى مِن شُمُولِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في وقْتِ إعادَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِلْكافِرِينَ المُصَرَّحِ بِهِمْ والمُؤْمِنِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ أحْياءً كَما كانُوا ﴿جَمِيعًا﴾ في حالِ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في البَعْثِ. ولَمّا كانَ لا أوْجَعَ مِنَ التَّبْكِيتِ بِحَضْرَةِ بَعْضِ النّاسِ فَكَيْفَ إذا كانَ بِحَضْرَتِهِمْ كُلِّهِمْ فَكَيْفَ إذا كانَ بِمَرْأًى مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ ومَسْمَعٍ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ [أيْ] يُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما عَمِلُوا﴾ إخْزاءً لَهم وإقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَ ضَبْطُ ذَلِكَ أمْرًا عَظِيمًا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِهَوانِهِ عَلَيْهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ أحاطَ بِهِ عَدَدًا كَمًّا وكَيْفًا وزَمانًا ومَكانًا بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ. ولَمّا ذَكَرَ إحْصاءَهُ لَهُ، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ في العادَةِ إحْصاؤُهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَسُوهُ﴾ أيْ كُلُّهم مُجْتَمِعِينَ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ في الكَثْرَةِ فَكَيْفَ بِكُلِّ واحِدٍ عَلى انْفِرادِهِ ونَسُوا ما فِيهِ مِنَ المَعاصِي تَهاوُنًا بِها، وذَلِكَ عَيْنُ التَّهاوُنِ بِاللَّهِ والِاجْتِراءِ عَلَيْهِ، (p-٣٥٨)قالَ القُشَيْرِيُّ: إذا حُوسِبَ أحَدٌ في القِيامَةِ عَلى عَمَلٍ عَمِلَهُ تَصَوَّرَ لَهُ ما فَعَلَهُ ثُمَّ يَذْكُرُ حَتّى كَأنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ قامَ مِن بِساطِ الزَّلَّةِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الخَجَلِ والنَّدَمِ ما يَنْسى في جَنْبِهِ كُلَّ عُقُوبَةٍ، فَسَبِيلُ المُسْلِمِ أنْ لا يُخالِفَ أمْرَ مَوْلاهُ ولا يَحُومَ حَوْلَ مُخالَفَةِ أمْرِهِ، فَإنْ جَرى المَقْدُورُ ووَقَعَ في هُجْنَةِ التَّقْصِيرِ فَلْيَكُنْ مِن زَلَّتِهِ عَلى بالٍ، ولْيَتَضَرَّعْ إلى اللَّهِ بِحُسْنِ الِابْتِهالِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ عَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ والعِلْمِ المُحِيطِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ أصْلًا ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ حَفِيظٌ حاضِرٌ لا يَغِيبُ، ورَقِيبٌ لا يَغْفُلُ، حِفْظُهُ لَهُ ورَقْبُهُ وحُضُورُهُ إيّاهُ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ قاهِرٌ لَهُ بِإحاطَةِ قَهْرِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِيُمْكِنَ حِفْظُهُ لَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ يُرِيدُهُ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ [بْنُ] الزُّبَيْرِ: لَمّا نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ تَقَوُّلِ المُلْحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ يُنَزِّهُهُ عَنْ ذَلِكَ بِألْسِنَةِ أحْوالِهِمْ لِشَهادَةِ العَوالِمِ عَلى أنْفُسِها بِافْتِقارِها لِحَكِيمٍ أوْجَدَها، لا يُمْكِنُ [أنْ] يُشْبِهَ شَيْئًا مِنها بَلْ يَتَنَزَّهُ مِن أوْصافِها ويَتَقَدَّسُ عَنْ سِماتِها، فَقالَ (p-٣٥٩)﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ١] ومَضَتْ أيْ تَعَرَّفَ بِعَظِيمِ سُلْطانِهِ وعَلِيِّ مُلْكِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الخِطابُ إلى عِبادِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الآيِ، وكانَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الِالتِفاتِ، والواقِعُ [هُنا] مِنهُ أشْبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ تَفْصِيلِ حالِ المُتَّقِينَ وحالِ مَن جُعِلَ في طَرَفٍ مِنهم وحالِ مَن يُشَبَّهُ بِظاهِرِهِ بِالمُتَّقِينَ وهو مَعْدُودٌ في شِرارِ الكافِرِينَ، فَلَمّا تَمَّ هَذا النَّمَطُ عَدَلَ بَعْدَهُ إلى دُعاءِ الخَلْقِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ عَدَلَ بِالكَلامِ جُمْلَةً وصَرَفَ الخِطابَ إلى تَعْرِيفِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أيْدِي الخَلْقِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَجاءَ ضَرْبًا مِنَ الِالتِفاتِ فَكَذا الواقِعُ هُنا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مُشْرِكِي العَرَبِ وقَبَّحَ عِنادَهم وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم في عِدَّةِ سُوَرٍ غالِبُ آيِها جارٍ عَلى ذَلِكَ ومُجَدِّدٌ لَهُ أوَّلُها سُورَةُ ”ص“ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ في سُورَةِ القَمَرِ، وإلى الغايَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها إلى أنْ ورَدَتْ سُورَةُ القَمَرِ مُنْبِئَةً بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، وانْجَرَّ فِيها الإعْذارُ المُنَبَّهُ عَلَيْهِ وكَذا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ بَعْدَها، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيفِ بِحالِ النُّزُلِ الأُخْراوِيِّ في سُورَةِ الواقِعَةِ مَعَ زِيادَةِ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ عَلى مُرْتَكَباتٍ اسْتَدْعَتْ تَسْبِيحَهُ تَعالى وتَقْدِيسَهُ عَنْ شَنِيعِ افْتِرائِهِمْ فَأُتْبِعَتْ بِسُورَةِ الحَدِيدِ، ثُمَّ صَرَفَ فِيها (p-٣٦٠)الخِطابَ إلى المُؤْمِنِينَ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى آخِرِ السُّورَةِ، جَرَتْ سُورَةُ المُجادِلَةِ عَلى هَذا القَصْدِ مَصْرُوفًا خِطابُها إلى نازِلَةِ تَشَوُّفِ المُؤْمِنِينَ إلى تَعَرُّفِ حُكْمِها، وهو الظِّهارُ المُبَيَّنُ أمْرُهُ فِيها، فَلَمْ يَعُدْ في الكَلامِ بَعْدُ كَما كانَ قَدْ صَرَفَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] بِأكْثَرَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِبَيانِ حُكْمٍ يَقَعُ مِنهُمْ، ثُمَّ أنَّ السُّوَرَ الوارِدَةَ بَعْدُ إلى آخِرِ الكِتابِ اسْتَمَرَّ مُعْظَمُها عَلى هَذا الغَرَضِ لِانْقِضاءِ ما قَصَدَ مِنَ التَّعْرِيفِ بِأخْبارِ القُرُونِ /السّالِفَةِ والأُمَمِ الماضِيَةِ، وتَقْرِيعِ مَن عانَدَ وتَوْبِيخِهِ، وذِكْرِ مِثالِ الخَلْقِ واسْتِقْرارِهِمُ الأُخْراوِيِّ، وذِكْرِ تَفاصِيلِ التَّكالِيفِ والجَزاءِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وما بِهِ اسْتِقامَةُ مَنِ اسْتَجابَ وآمَنَ وما يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَهُ عَلى دَرَجاتِ التَّكالِيفِ وتَأْكِيدِها، فَلَمّا كَمَّلَ ذَلِكَ صَرَفَ الكَلامَ إلى ما يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ في أحْكامِهِمْ وتَعْرِيفِهِمْ بِما فِيهِ مِن خَلاصِهِمْ، فَمُعْظَمُ آيِ سُورَةٍ بَعْدُ هَذا شَأْنُها، وإنِ اتَّجَرَ غَيْرُها فَلِاسْتِدْعاءٍ مُوجِبٍ وهو الأقَلُّ كَما بَيَّنّا - انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском