Al-Biqa'iAl‑Mujadila · 58:7–10

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mujadila 58:7–10

58:7Page 543

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧

Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

ولَمّا كانَ هَذا الإخْبارُ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ مَعَ أنَّهُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ - يَحْتاجُ عِنْدَ مَن جَرَّهُ الهَوى إلى الشِّرْكِ المُقْتَضِي لِلنَّقْصِ إلى دَلِيلٍ [مَعَهُ] فَقَدْ كانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَ أنْ يَسَعَ النّاسَ كُلَّهم إلَهٌ (p-٣٦١)واحِدٌ، قالَ تَعالى دالًّا عَلى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ لِيُفِيدَ الإنْسانُ بِما يَراهُ مِنَ المَحْسُوساتِ، قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ ذَلِكَ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو في وُضُوحِهِ كالرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ كُلِّها. ولَمّا كانَ الخِطابُ لِأعْلى الخَلْقِ، وكانَ المَقامُ لِإحاطَةِ العِلْمِ، وكانَ خِطابُهُ ﷺ بِذَلِكَ إشارَةً لِلسّامِعِينَ إلى وُعُورَةِ هَذا المَقامِ وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ ولا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ إلّا هو ﷺ ومَن أُلْحِقَ بِهِ مِمَّنْ صَفا فَهْمُهُ وسَوِيَ ذِهْنُهُ وانْخَلَعَ مِنَ الهَوى والعَوائِقِ، جَمَعَ وأكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، فَإفْرادُهُ ﷺ بِالخِطابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَعَ المُظاهِرِينَ ثُمَّ المُحادِّينَ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ وتَأْكِيدُهُ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَقامِ بِالتَّعْمِيمِ لِيُرْعى حَقَّ الرَّعْيِ تَوْفِيَةً بِحَقِّ التَّعْلِيمِ كَما رَعَتْهُ الصِّدِّيقَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قَوْلِها (سُبْحانَ مَن وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ) يَعْنِي في سَماعِهِ مُجادَلَةَ المَرْأةِ وهو في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ كُلِّيّاتِ ذَلِكَ وجُزْئِيّاتِهِ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ، بِدَلِيلِ أنَّ تَدْبِيرَهُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ، وهو يُخْبِرُ مَن يَشاءُ مِن أنْبِيائِهِ وأصْفِيائِهِ بِما يَشاءُ مِن أخْبارِ ذَلِكَ، القاصِيَةِ والدّانِيَةِ، الحاضِرَةِ والغائِبَةِ، الماضِيَةِ (p-٣٦٢)والآتِيَةِ، فَيَكُونُ كَما أخْبَرَ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ وإنْ كانَ مَعْلُومًا يَتَعَذَّرُ إحاطَةُ الإنْسانِ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ مِنهُ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما هو أقْرَبُ [مِنهُ] فَقالَ: ”ما تَكُونُ“ بِالفَوْقانِيَّةِ في قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ لِتَأْنِيثِ النَّجْوى إشارَةً إلى العِلْمِ بِها ولَوْ ضَعُفَتْ إلى أعْظَمِ حَدٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِلْحائِلِ، ولِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وهي عَلى كُلِّ حالٍ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ، وعَمَّمَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَجْوى﴾ أيْ تَناجِي مُتَناجِينَ، جُعِلُوا نَجْوى مُبالَغَةً، والنَّجْوى: السِّرُّ والمُسارُّونَ، اسْمٌ ومَصْدَرٌ - قالَهُ في القامُوسِ، وقالَ عَبْدُ الحَقِّ في الواعِي: النَّجْوى /الكَلامُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ كالسِّرِّ والتَّشاوُرِ - انْتَهى. [و]أصْلُهُ مِنَ النَّجْوى - لِلْمُرْتَفِعِ مِنَ الأرْضِ، والنَّجْوُ: الخُلُوصُ والقَطْعُ وكَشْطُ الجِلْدِ والحَدَثُ والكَشْفُ، لِأنَّ المُسارِرَ يَرْفَعُ ما كانَ في ضَمِيرِهِ إلى صاحِبِهِ ويُخَلِّصُهُ بِمُسارَرَتِهِ لَهُ ويَقْطَعُهُ مِن ضَمِيرِهِ ويَكْشِطُهُ مِنهُ ويُحَدِّثُهُ ويَكْشِفُهُ.

ولَمّا كانَتِ النَّجْوى لا تَكْمُلُ إلّا بِثالِثٍ يَحْفَظُ الأُنْسَ بِإدامَةِ الِاجْتِماعِ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ يَنْفَرِدانِ عِنْدَ عُرُوضِ حاجَةٍ لِأحَدِهِما ويَكُونانِ [فِي] التَّناجِي والتَّشاوُرِ كالمُتَنازِعَيْنِ، والثّالِثُ وسَطٌ بَيْنَهُما مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-٣٦٣)وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، والثَّلاثَةُ أوَّلُ أوْتارِ العَدَدِ، كَما كانَ حافِظًا لَها في أزَلِ الأزَلِ قالَ: ﴿ثَلاثَةٍ﴾ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا هو رابِعُهُمْ﴾ أيْ مُصَيِّرُهم أرْبَعَةً، فَهو اسْمُ فاعِلٍ والمَعْنى بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ كَما يَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُتَناجِينَ عالِمًا بِنَجْوى البَعْضِ، فَرُوحُ النَّجْوى العِلْمُ بِالسِّرِّ.

ولَمّا كانَ الثَّلاثَةُ قَدْ يُرِيدُ أحَدُهم أنْ يَنْفَرِدَ بِآخَرَ مِنهُمْ، فَيَصِيرُ الثّالِثُ وحْدَهُ، فَإذا كانُوا أرْبَعَةً دامَ الأُنْسُ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَكْمُلُ إلّا بِخامِسٍ يَحْفَظُ الِاجْتِماعَ إذا عَرَضَتْ لِأحَدِ الِاثْنَيْنِ حاجَةٌ قالَ: ﴿ولا خَمْسَةٍ﴾ أيْ مِن نَجْواهم ﴿إلا هو سادِسُهُمْ﴾ كَذَلِكَ، فالحاصِلُ أنَّهُ ما يَكُونُ مِن وِتْرٍ إلّا كانَ هو سُبْحانَهُ شافِعَ وتَرِيَّتِهِ، وأمّا وتَرِيَّتُهُ [هُوَ] سُبْحانَهُ فَقَدْ كانَتْ ولا شَيْءَ مَعَها أصْلًا، وسَتَكُونُ ولا حَيَّ مَعَها، فَلا وِتْرَ في الوُجُودِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ.

ولَمّا عُلِمَ بِالتَّكْرِيرِ أنَّ ما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ لا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ مِن جِهَةٍ بِالعِلْمِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أدْنى﴾ فَبَدَأ بِالقَلِيلِ لِأنَّهُ قَبْلَ الكَثِيرِ و[هُوَ] أخْفى مِنهُ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ وهو الواحِدُ والِاثْنانِ والأرْبَعَةُ الَّذِي بَعِيدٌ عَنْ رُتْبَتِهِ وإنْ كانَ قَدْ شَرَّفَهُ سُبْحانَهُ بِإطْلاقِ مَعِيَّتِهِ بَعْدَ أنْ لا نِسْبَةَ لَهُ مِنها.

ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالكَثِيرِ أعْسَرَ مِن أجْلِ انْتِشارِهِ [قالَ]: (p-٣٦٤)﴿ولا﴾ أيْ يَكُونُ مِن نَجْوى ﴿أكْثَرَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ كالسِّتَّةِ فَما فَوْقَها لا إلى نِهايَةٍ - هَذا التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالجَرِّ بِفَتْحَةِ الرّاءِ ورَفَعَ يَعْقُوبُ عَلى مَحَلِّ مِن ﴿نَجْوى﴾ ﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما يَجْرِي مِنهم وبَيْنَهُمْ، ويَلْزَمُ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ إحاطَةُ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ في طَهَ لِتَكْمُلَ شَهادَتُهُ.

ولَمّا كانَ العُمُومُ في المَكانِ يَسْتَلْزِمُ [العُمُومَ] في الزَّمانِ، وكانَ المَكانُ أظْهَرَ في الحِسِّ قالَ: ﴿أيْنَ ما﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ ﴿كانُوا﴾ فَإنَّهُ لا مَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ المَسافَةَ، وعِلْمُهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبِ مَكانٍ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ ولا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ غَيْرِ وُجُودِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، قالَ الرّازِيُّ: ما فارَقَ الأكْوانَ الحَقُّ ولا قارَنَها، كَيْفَ يُفارِقُها وهو مُوجِدُها وحافِظُها ومُظْهِرُها، وكَيْفَ يُقارِنُ الحَدَثَ القِدَمُ وهو بِهِ قِوامُ الكُلِّ، وهو القَيُّومُ عَلى الكُلِّ - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العالَمِ وإنْ بَلَغَ في دِقَّتِهِ إلى ما لا يَنْقَسِمُ، وهو شاهِدٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ حِفْظًا وعِلْمًا وإحاطَةً وحُضُورًا، وآيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ أنَّ جُمْلَةَ الجِسْمِ يَحْيى بِالرُّوحِ، فَلا يَبْقى جُزْءٌ مِنهُ إلّا وهو مَحْفُوظٌ بِالرُّوحِ (p-٣٦٥)يُحِسُّ بِسَبَبِها وهو سُبْحانَهُ لا يَحْجُبُ عِلْمَهُ ولا شَيْئًا مِن صِفاتِهِ حِجابٌ، فَقَدْ صَحَّتِ المَعِيَّةُ وهو بِحَيْثُ لا يَحْوِيهِ المَكانُ ولا يَحْصُرُهُ العَدُّ، يَقْبِضُ المَخْلُوقَ ويَبْسُطُهُ، لا يَصْعَدُ المَخْلُوقُ ولا صِفَتُهُ ولا فِعْلُهُ ولا مَعْنًى مِن مَعانِيهِ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، إنَّما لَهُ مِنَ المَكانِ المَكانَةُ، ومِنَ العِلْمِ العُلا، ومِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ مُقْتَضاها - أشارَ إلى ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ وقالَ: ومَن تَدَبَّرَ ما قَرَأهُ وتَفَهَّمَ ما تَعَلَّمَهُ أدْرَكَ مِنَ التَّحْقِيقِ ما نَحْنُ بِسَبِيلِ تِبْيانِهِ ما قُدِّرَ لَهُ، ألا تَرى إلى الجِنِّ أيْنَ مَكانُهم وإنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهِ ثُمَّ المَلائِكَةُ أرْفَعُ قَدْرًا ومَكانَةً، بَلْ إنَّ الرُّوحَ مِن جَمِيعِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَحْمِلُهُ، بِهِ حَيِيَتْ وبِهِ تَدْبِيرُها وبِهِ قِيامُها بِإذْنِ اللَّهِ خالِقِهِ،

"قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خُطْبَتِهِ الكُبْرى وهي آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَها أخْرَجَها الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ: رَقِيَ المِنبَرَ وقالَ: «أيُّها النّاسُ ادْنُوا وأوْسِعُوا لِمَن خَلْفَكم - ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَدَنا النّاسُ وانْضَمَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، والتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم بَعْدَ الثّالِثَةِ: لِمَن نُوَسِّعُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألِلْمَلائِكَةِ؟ فَقالَ: لا إنَّهم إذْ كانُوا مَعَكم لَمْ يَكُونُوا بَيْنَ أيْدِيكم [ولا مِن خَلْفِكُمْ] ولَكِنْ عَنْ أيْمانِكم وعَنْ شَمائِلِكم» [وعَلى ذَلِكَ] فَلَيْسُوا في مَكانِ (p-٣٦٦)الأيْمانِ هُنا والشَّمائِلِ بَلْ في المَكانِ مِن ذَلِكَ، فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ أعْلى وأجَلُّ وأنْزَهُ مَكانَةً وأكْرَمُ اسْتِواءً - انْتَهى.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ نَسّاءً ولا سِيَّما إنْ تَمادى [بِهِ] الزَّمانُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَضْبِطُ عَلَيْهِمْ حَرَكاتِهِمْ وسَكَناتِهِمْ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، ويَحْفَظُها عَلى طُولِ الزَّمانِ كَما كانَ حافِظًا لَها قَبْلَ خَلْقِها ثُمَّ أزَلِ الأزَلِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ يُخْبِرُ أصْحابَها إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِما عَمِلُوا﴾ دَقِيقَةً وجَلِيلَةً ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو المُرادُ الأعْظَمُ مِنَ الوُجُودِ لِإظْهارِ الصِّفاتِ العُلى فِيهِ أتَمَّ إظْهارٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ، عَلَّلَهُ بِما هو دَلِيلٌ عَلى الشَّهادَةِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لَهم [مِنَ الإنْكارِ] قَوْلًا أوْ فِعْلًا بِالِاشْتِراكِ الَّذِي [يَلْزَمُ] مِنهُ النَّقْصُ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْإبْلاغِ في إحاطَةِ العِلْمِ، قَدَّمَ الجارَّ كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ قالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا ذَكَرَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ الأقْدَسِ إلى الأشْياءِ كُلِّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا فَرْقَ أصْلًا بَيْنَ شَيْءٍ وآخَرَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مَعِيَّةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ عَلى العُمُومِ بِالعِلْمِ والرُّؤْيَةِ وعَلى الخُصُوصِ بِالفَضْلِ والنُّصْرَةِ، فَلِهَذا الخِطابِ في قُلُوبِ أهْلِ المَعْرِفَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ بِهِمْ (p-٣٦٧)إلى التَّأْوِيلِ، فَلِلْوَلِهِ والهَيْمانِ في خِمارِ سَماعِ هَذا عَيْنُ رَغَدٍ.

58:8Page 543

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨

Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.

ولَمّا كانَ هَذا الدَّلِيلُ [أيْضًا] تَتَعَذَّرُ الإحاطَةُ بِهِ، قالَ دالًّا عَلَيْهِ بِأمْرٍ جُزْئِيٍّ واقِعٍ بِعِلْمِ المُحَدَّثِ عَنْهُ حَقِيقَةً، فَإنْ عانَدَ بَعْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ الكَلامُ إلّا بِحَدِّ الحُسامِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ، ودَلَّ عَلى سُفُولِ رُتْبَةِ المَرْئِيِّ بِإبْعادِهِ عَنْ أعْلى النّاسِ قَدْرًا بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن إذا زُجِرَ عَنْ شَيْءٍ انْزَجَرَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ في فِعْلِ ما زُجِرَ عَنْهُ، [عَبَّرَ] بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿نُهُوا﴾ أيْ مِن ناهٍ ما لا يَنْبَغِي لِلْمَنهِيِّ مُخالَفَتُهُ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ مَأْمُونُ الغائِلَةِ ﴿عَنِ النَّجْوى﴾ أيِ الإسْرارِ لِإحْلالِ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ في مَحَلِّ التُّهْمَةِ بِما لا يُرْضى [مِن] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - كَما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:

؎والخِلُّ كالماءِ يُبْدِي لِي ضَمائِرَهُ ∗∗∗ مَعَ الصَّفاءِ ويُخْفِيها مِنَ الكَدَرِ

ولَمّا كانَ النّاهِي هو اللَّهَ، فَكانَ هَذا لِلنَّهْيِ أهْلًا لِأنْ يُبْعَدَ مِنهُ غايَةَ البُعْدِ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ لِأنَّهُ إذا وقَعَتْ مَرَّةً بادَرُوا إلى التَّوْبَةِ مِنها أوْ فَلْتَةً وقَعَتْ مَعْفُوًّا عَنْها ﴿لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُعِدُّوا لِما يُتَوَقَّعُ مِن جِهَةِ النّاهِي مِنَ (p-٣٦٨)الضَّرَرِ عُدَّةً ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ أيْ يُقْبِلُ جَمِيعُهم عَلى المُناجاةِ إقْبالًا واحِدًا، فَيَفْعَلُ كُلٌّ مِنهم ما يَفْعَلُهُ الآخَرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ ”ويُنْتِجُونَ“ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ يَدُلُّ عَلى التَّعَمُّدِ والمُعانَدَةِ ﴿بِالإثْمِ﴾ [أيْ] بِالشَّيْءِ الَّذِي يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ بِهِ الإثْمُ بِالذَّنْبِ وبِالكَذِبِ وبِما لا يَحِلُّ. ولَمّا ذَكَرَ المُطْلَقَ أتْبَعَهُ المُقَيَّدَ بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾ أيِ العَدُوِّ الَّذِي هو نِهايَةٌ في قَصْدِ الشَّرِّ بِالإفْراطِ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَرًّا في نَفْسِهِ أتْبَعَهُ الإشارَةَ إلى أنَّ الشَّيْءَ يَتَغَيَّرُ وصْفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُفْعَلُ مَعَهُ فَيَكْبُرُ بِكِبَرِ المَعْصِيِّ فَقالَ: ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيِ الَّذِي جاءَ إلَيْهِمْ مِنَ المَلِكِ الأعْلى، وهو كامِلُ الرُّسْلِيَّةِ، لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا إلى جَمِيعِ الخَلْقِ وفي كُلِّ الأزْمانِ، فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَهو لِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ غايَةَ الإكْرامِ.

ولَمّا أنْهى تَعْظِيمَ الذَّنْبِ إلى غايَتِهِ آذَنَ بِالغَضَبِ بِأنْ لَفَتَ الكَلامَ إلى الخِطابِ فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ﴾ أيُّها الرَّسُولُ الأعْظَمُ الَّذِي يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِمَّنْ أرْسَلَهُ ولَمْ يَغِبْ أصْلًا عَنْهُ لِأنَّهُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿حَيَّوْكَ﴾ أيْ واجَهُوكَ بِما يُعِدُّونَهُ تَحِيَّةً مِن قَوْلِهِمُ: السّامُّ عَلَيْكَ ونَحْوِهِ، وعَمَّ كَلَّ لَفْظٍ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ (p-٣٦٩)لِأحَدٍ مَعَهُ فَمَن تَجاوَزَ ما شَرَعَهُ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِسُخْطِهِ، ومِمّا دَخَلَ فِيهِ قَوْلُ بَعْضِ النّاسِ لِبَعْضٍ ”صَباحُ الخَيْرِ“ ونَحْوُهُ مُعْرِضًا عَنِ السَّلامِ. ولَمّا كانَ المَشْهُورُ عَنْهم أنَّهم يُخْفُونَ ذَلِكَ جُهْدَهم ويُعْلِنُونَ بِإمْلاءِ اللَّهِ لَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وإنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهُمْ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ عِنْدَ الِاسْتِدْراجِ بِالإمْلاءِ مُجَدِّدِينَ قَوْلَهم مُواظِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُطْلِعُوا عَلَيْهِ أحَدًا: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿يُعَذِّبُنا اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى زَعْمِ مَن باهانا ﴿بِما نَقُولُ﴾ مُجَدِّدِينَ مَعَ المُواظَبَةِ إنْ كانَ يَكْرَهُهُ - كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ.

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذِهِ الجُزْئِيَّةِ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ ما في الكَوْنِ، لِأنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَإذا ثَبَتَ عِلْمُهُ بِالبَعْضِ ثَبَتَ عِلْمُهُ بِالكُلِّ [فَثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلى الكُلِّ] فَكانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا، [قالَ] مُهَدِّدًا لَهم مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذا إلّا إنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ عَذابٌ، أوْ يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ ما لا يُبالِي بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ بِقُوَّتِهِ: ﴿حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كِفايَتُهم في الِانْتِقامِ مِنهم وفي عَذابِهِمْ ورَشْقِهِمْ بِسِهامِ لَهِيبِها ومَنكَأِ شَرَرِها وتَصْوِيبِ صَواعِقِها ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ والفَظاظَةِ. فَإنْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا عَذابٌ كانَ (p-٣٧٠)زِيادَةً عَلى الكِفايَةِ، فاسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مَحْضُ رُعُونَةٍ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُقاسُونَ عَذابَها دائِمًا فَإنِّي أعْدَدْتُها لَهم. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ فَإنَّهم [يَصِيرُونَ] إلَيْها ولا بُدَّ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ مَصِيرُهُمْ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم يَنْظُرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ ويَتَغامَزُونَ يُوهِمُونَهم أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم فَيَظُنُّونَ أنَّهُ بَلَغَهم شَيْءٌ مِن إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا في السَّرايا غُزاةً في سَبِيلِ اللَّهِ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ فَيُحْزِنُهم ذَلِكَ، فَشَكَوْا [ذَلِكَ] إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهاهم عَنِ التَّناجِي في هَذِهِ الحالَةِ فَلَمْ يَنْتَهُوا، [و]رَوى أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ - قالَ الهَيْثَمِيُّ في المَجْمَعِ إنَّهُ جَيِّدٌ لِأنَّ حَمّادًا سَمِعَ مِن عَطاءِ بْنِ السّائِبِ في حالَةِ الصِّحَّةِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سامٌ عَلَيْكَ. ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ فَنَزَلَتْ». ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ فَقُولُوا”وعَلَيْكَ»“ .

58:9Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩

O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.

ولَمّا نَهى عَنِ النَّجْوى وذَمَّ عَلى فِعْلِها وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ (p-٣٧١)مَوْضِعَ أنْ يُظَنَّ أنَّ النَّهْيَ عامٌّ لِكُلِّ نَجْوى وإنْ كانَتْ بِالخَيْرِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُنادِيًا بِالأداةِ الَّتِي لا يَكُونُ ما بَعْدَها لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، مُعَبِّرًا بِأوَّلِ أسْنانِ الإيمانِ بِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا أنَّهم أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿إذا تَناجَيْتُمْ﴾ أيْ قَلَعَ كُلٌّ مِنكُمُ الكَلامَ مِن نَفْسِهِ فَرَفَعَهُ وكَشَفَهُ لِصاحِبِهِ سِرًّا ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾ أيْ تُوجِدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ظاهِرَةً كَتَناجِي المُنافِقِينَ ﴿بِالإثْمِ﴾ أيِ الذَّنْبِ وكُلِّ فِعْلٍ يُكْتَبُ بِسَبَبِهِ عُقُوبَةٌ.

ولَمّا عَمَّ خَصَّ فَقالَ: ﴿والعُدْوانِ﴾ أيِ الَّذِي هو العَدُوُّ الشَّدِيدُ بِما يُؤْذِي وإنْ كانَ العادِيُّ يَظُنُّ أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِ بِهِ إثْمٌ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإجْلالِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أنَّهُ لا تُعْرَفُ حَقِيقَةُ الإثْمِ إلّا مِنهُ قالَ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيِ الكامِلِ في الرُّسْلِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُشَوِّشُ فِكْرَهُ فَلا يَدَعُهُ يُبَلِّغُ رِسالاتِ رَبِّهِ وهو مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ طَيِّبُ النَّفْسِ.

ولَمّا عُلِمَ أنَّ نَهْيَهم إنَّما هو عَنْ شَرٍّ يُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ هو ما لا يُرِيدُونَ إطْلاعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ [عَلَيْهِ] وسَلَّمَ، صَرَّحَ بِقَوْلِهِ حَثًّا عَلى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ لِأنَّ خَيْرَ الأُمُورِ ما عادَ [بِإصْلاحِها، وشَرَّ الأُمُورِ ما عادَ] بِإفْسادِها: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ بِالخَيْرِ الواسِعِ الَّذِي فِيهِ [حُسْنُ] (p-٣٧٢)التَّرْبِيَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُعْمَلُ طَبْعًا، حَثَّ عَلى القَصْدِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَّقْوى﴾ وهي ما يَكُونُ في نَفْسِهِ ظاهِرًا أنَّهُ يَكُونُ سُتْرَةً تَقِي مِن عَذابِ اللَّهِ بِأنْ يَكُونَ مُرْضِيًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

ولَمّا كانَتِ التَّقْوى أُمَّ المَحاسِنِ، أكَّدَها ونَبَّهَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اقْصُدُوا قَصْدًا يَتْبَعُهُ العَمَلُ أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِ المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً. ولَمّا كانَتْ ذِكْرى الآخِرَةِ هي مَجْمَعَ المَخاوِفِ ولا سِيَّما فَضائِحُ الأسْرارِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ قالَ: ﴿الَّذِي إلَيْهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ بِقَهْرٍ وكُرْهٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَيَتَجَلّى فِيهِ سُبْحانَهُ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الخَلْقِ والإنْصافِ بَيْنَهم بِالعَدْلِ ومُحاسَبَتِهِمْ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ولا تَقِي مِنهُ واقِيَةٌ، تَنْكَشِفُ فِيهِ سُرادِقاتُ العَظَمَةِ، ويَظْهَرُ [ظُهُورًا] تامًّا نُفُوذُ الكَلِمَةِ، ويَتَجَلّى في مَجالِي العِزِّ سَطَواتُ القَهْرِ، وتَنْبَثُّ لَوامِعُ الكِبْرِ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مُسْتَحْضِرِينَ لِذَلِكَ لَمْ تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ تُرِيدُونَ إخْفاءَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقَرَّ لِعَيْنِهِ وأطْهَرَ لَكم.

58:10Page 543

إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠

Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

ولَمّا شَدَّدَ سُبْحانَهُ في أمْرِ النَّجْوى وكانَ لا يَفْعَلُها إلّا أهْلُ النِّفاقِ، فَكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ يَحْدُثُ عَنْها ضَرَرٌ لِأهْلِ الدِّينِ، قالَ سارًّا لِلْمُخْلِصِينَ (p-٣٧٣)[و]غامًّا لِلْمُنافِقِينَ ومُبَيِّنًا أنَّ ضَرَرَها إنَّما يَعُودُ عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما النَّجْوى﴾ أيِ المَعْهُودَةُ وهي المَنهِيُّ عَنْها، وهي ما كَرِهَ صاحِبُهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: ما خَيَّلَهُ الشَّيْطانُ مِنَ الأحْكامِ المَكْرُوهَةِ لِلْإنْسانِ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٌ مِنَ المُحْتَرِقِ بِطَرْدِهِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ الحامِلُ عَلَيْها بِتَزْيِينِها فَفاعِلُها تابِعٌ لِأعْدى أعْدائِهِ مُخالَفَةً لِأوْلِيائِهِ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّها مِنهُ، بَيَّنَ الحامِلَ لَهُ عَلى تَزْيِينِها فَقالَ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ لِيُوقِعَ الحُزْنَ في قُلُوبِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يَتَوَهَّمُهم أنَّهم بِسَبَبِ شَيْءٍ وقَعَ ما يُؤْذِيهِمْ، والحُزْنُ: هَمٌّ غَلِيظٌ وتَوَجُّعٌ يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ بِمَعْنًى، وقالَ في القامُوسِ: أوْ أحْزَنَهُ: جَعْلُهُ حَزِينًا، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فِيهِ حُزْنًا، فَعَلى هَذا قِراءَةُ نافِعٍ مِن أحْزَنَ أشَدُّ في المَعْنى مِن قِراءَةِ الجَماعَةِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما خَيَّلَ هَذا مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ أنَّ في يَدِ الشَّيْطانِ شَيْئًا [مِنَ الأشْياءِ]، سَلَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وما حَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّناجِي، وأكَّدَ النَّفْيَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿بِضارِّهِمْ﴾ أيِ (p-٣٧٤)الَّذِينَ آمَنُوا ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ وإنْ قَلَّ وإنْ خَفِيَ - بِما أفْهَمَهُ الإدْغامُ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ تَمْكِينِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ».

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يُخْشى أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يُنَفَّذُ إلّا ما أرادَهُ، فَإيّاهُ فَلْيَخْشَ المَرْبُوبُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ، لا عَلى أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَإنَّهُ القادِرُ وحْدَهُ عَلى إصْلاحِها وإفْسادِها، ولا يَحْزَنُوا مِن أحَدٍ أنْ يَكِيدَهم بِسِرِّهِ ولا بِجَهْرِهِ، فَإنَّهُ إذا تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وفَوَّضُوا أُمُورَهم إلَيْهِ، لَمْ يَأْذَنْ في حُزْنِهِمْ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا أحْزَنَهُمْ، وخَصَّ الرّاسِخِينَ لِإمْكانِ ذَلِكَ مِنهم في العادَةِ، وأمّا أصْحابُ البِداياتِ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِنهم إلّا خَرْقَ عادَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском