Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:9–15
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
ولَمّا مَدَحَ المُهاجِرِينَ وأعْطاهم فَطابَتْ نُفُوسُ الأنْصارِ بِذَلِكَ وكانُوا في كُلِّ حالٍ مَعَهُ ﷺ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغاسِلِ، مَهْما شاءَ فَعَلَ، ومَهْما أرادَ مِنهم صارَ إلَيْهِ ووَصَلَ، أتْبَعَهُ مَدْحَهم جَبْرًا لَهم وشُكْرًا لِصَنِيعِهِمْ فَقالَ عاطِفًا عَلى مَجْمُوعِ القِصَّةِ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ أيْ جَعَلُوا بِغايَةِ جُهْدِهِمُ ﴿الدّارَ﴾ الكامِلَةَ في الدُّورِ وهي الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ في الأزَلِ لِلْهِجْرَةِ وهَيَّأها لِلنُّصْرَةِ وجَعَلَها دائِرَةً عَلى جَمِيعِ البُلْدانِ مُحِيطَةً بِها غالِبَةً عَلَيْها مَحَلَّ إقامَتِهِمْ ومُلابَسَتِهِمْ وصُحْبَتِهِمْ ومُلازَمَتِهِمْ لِكَوْنِها أهْلًا لِأنْ يَعُودَ إلَيْها مَن خَرَجَ مِنها فَلا يَهْجُرُها أصْلًا، فَهي مَحَلُّ مُناهُ ولَيْسَتْ (p-٤٣٨)مَوْضِعًا يُهاجَرُ مِنهُ لِبَرَكَتِها أوْ خَيْرِها.
ولَمّا كانَ المُرادُ الإبْلاغَ في مَدْحِهِمْ، قالَ مُضَمِّنًا ”تَبَوَّؤُا“ مَعْنى لازَمَ: ﴿والإيمانَ﴾ أيْ [و]لابَسُوهُ وصَحِبُوهُ وخَصُّوهُ بِالصُّحْبَةِ ولَزِمُوهُ لُزُومًا هو كَلُزُومِ المَنزِلِ الَّذِي لا غِنى لِنازِلِهِ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ [الإيمانُ] وصْفًا لِلدّارِ بِإعادَةِ العاطِفِ لِلْإشارَةِ إلى التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ فَيَكُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: تَبَوَّؤُاالمَدِينَةَ الَّتِي هي الدّارُ وهي الإيمانُ لِأنَّها مَحَلُّ تَمَكُّنِ الإيمانِ وانْتِشارِهِ وظُهُورِهِ في سائِرِ البُلْدانِ فَلِشِدَّةِ مُلابَسَتِها [لَهُ] سُمِّيَتْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَحَلَّ الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّهم ما أقامُوا بِها لِأجْلِ أنَّ أمْوالَهم بِها بَلْ مَحَبَّةً في الإيمانِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا يَتِمُّ بَدْرُهُ، ويَكْمُلُ شَرَفُهُ وقَدْرُهُ، وتُنْشَرُ أعْلامُهُ ويَقْوى ذِكْرُهُ إلّا بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَهَجَرُوها وهاجَرُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ في أيِّ مَكانٍ حَلَّهُ، فَهو مَدْحٌ لَهم بِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالهِجْرَةِ بِالقُوَّةِ مَعَ اتِّصافِهِمْ بِالنُّصْرَةِ بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ انْفِرادُهم بِإقامَةِ الإيمانِ في الدّارِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ قُدُومِ المُهاجِرِينَ عَلَيْهِمْ مَدْحًا تامًّا، قالَ مادِحًا لَهم بِذَلِكَ دالًّا بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهم لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ مِن حِينِ إرْسالِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ (p-٤٣٩)عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالأمْرَيْنِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ قَبْلَ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ لِأنَّ وصْفَهم بِالهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ إيجادِها فالأنْصارُ جَمَعُوا التَّمَكُّنَ في الإيمانِ إلى التَّمَكُّنِ في الدّارِ مِن قَبْلِ أنْ يَجْمَعَ المُهاجِرُونَ بَيْنَهُما بِالهِجْرَةِ.
ولَمّا ابْتَدَأ ذِكْرَهم هَذا الِابْتِداءَ الجَلِيلَ، أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ، وقِيلَ العَطْفُ عَلى المُهاجِرِينَ، وهَذِهِ حالٌ فَيَكُونُ هَذا حُكْمًا بِالمُشارَكَةِ ﴿مَن هاجَرَ﴾ وزادَهم مَحَبَّةً فِيهِمْ وعَطْفًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ القَصْدَ إلى الإنْسانِ يُوجِبُ حَقَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَوْلا كَمالُ مَحَبَّتِهِ لَهُ ما خَصَّهُ بِالقَصْدِ إلَيْهِ، والدَّلِيلُ الشُّهُودِيُّ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ أنَّهم شاطَرُوا المُهاجِرِينَ في أمْوالِهِمْ وعَرَضُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُشاطِرُوهم نِساءَهم عَلى شِدَّةِ غَيْرَتِهِمْ، فَأبى المُهاجِرُونَ المُشاطَرَةَ في النِّساءِ وقَبِلُوا مِنهُمُ الأمْوالَ.
ولَمّا أخْبَرَهم بِالمَحَبَّةِ ورَغَّبَهم في إدامَتِها، عَطَفَ عَلى هَذا الخَبَرِ ما هو مِن ثَمَراتِهِ فَقالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ﴾ [أيْ] أصْلًا ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الَّتِي هي مَساكِنُ قُلُوبِهِمْ فَتَصْدُرُ مِنها أوامِرُ القُلُوبِ فَضْلًا عَنْ [أنْ] تَنْطِقَ ألْسِنَتُهم. ولَمّا كانَ المُرادُ نَفْيَ الطَّلَبِ مِنهم لِما خَصَّ بِهِ المُهاجِرِينَ، وكانَ الحامِلُ عَلى طَلَبِ ذَلِكَ الحاجَةَ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَكْرَهُ أنْ يُنْسَبَ (p-٤٤٠)إلى الحاجَةِ وإنْ أخْبَرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ في وقْتٍ ما لِغَرَضٍ قالَ: ﴿حاجَةً﴾ مُوقِعًا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيِ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وغَيْرِهِمْ مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ فَكَيْفَ إذا كانَ المُؤْتِي هو اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ، وإذا لَمْ يَجِدُوا حاجَةً تَدْعُوهم إلى الطَّلَبِ فَلِأنْ لا يَجِدُوا حَسَدًا ولا غَيْظًا مِن بابِ الأوْلى، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ حاثٍّ عَلى حُسْنِ الإخاءِ مُحَذِّرٍ مِنَ الحَسَدِ والِاسْتِياءِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ تَخَلِّيهِمْ عَنِ الرَّذائِلِ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِتَحَلِّيهِمْ بِالفَضائِلِ فَقالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ﴾ عَظَّمَ ذَلِكَ بِقَصْرِ الفِعْلِ فَصارَ المَعْنى: يُوقِعُونَ الأثَرَةَ وهي اخْتِيارُ الأشْياءِ الحَسَنَةِ لِغَيْرِهِمْ تَخْصِيصًا لَهم بِها لا عَلى أحِبّائِهِمْ مَثَلًا بَلْ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَيَبْذُلُونَ لِغَيْرِهِمْ[ كائِنًا ] مَن كانَ ما في أيْدِيهِمْ، وذِكْرُ النَّفْسِ دَلِيلٌ عَلى [أنَّهم فِي] غايَةِ النَّزاهَةِ مِنَ الرَّذائِلِ لِأنَّ النَّفْسَ إذا طَهُرَتْ كانَ القَلْبُ أطْهَرَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو في غايَةِ المَكِنَةِ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً لا بِالمُؤْثَرِ ﴿خَصاصَةٌ﴾ أيْ فَقْرٌ وخَلَلٌ في الأحْوالِ وحاجَةٌ شَدِيدَةٌ تُحِيطُ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، مِن خَصائِصِ البِناءِ و[هِيَ] فُرَجُهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مِنَ الصّادِقِينَ، عَطَفَ [عَلَيْهِ] قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ النَّزاهَةَ عَنِ الرَّذِيلَةِ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. وكانَ عِلاجُ الرَّذائِلِ صَعْبًا جِدًّا، لا يُطِيقُهُ الإنْسانُ (p-٤٤١)إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدَةٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ يَحْصُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخْلاقِهِ الذَّمِيمَةِ المُشارِ إلَيْها بِالنَّفْسِ وِقايَةً تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَلا يَكُونُ مانِعًا لِما عِنْدَهُ، حَرِيصًا عَلى ما عِنْدَ غَيْرِهِ حَسَدًا، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الشُّحُّ أنْ تَطْمَحَ عَيْنُ الرَّجُلِ فِيما لَيْسَ لَهُ، قالَ ﷺ: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّهُ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهم عَلى أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهم» .
ولَمّا كانَ النَّظَرُ [إلى] التَّطْهِيرِ مِن سَفْسافِ الأخْلاقِ عَظِيمًا، سَبَّبَ عَنْهُ إفْهامًا لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ما سَبَّبَهُ عَنْهُ بِدُونِهِ قَوْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَنزِلَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [أيِ] الكامِلُونَ في الفَوْزِ بِكُلِّ مُرادٍ، [قالَ القُشَيْرِيُّ: وتَجَرُّدُ القَلْبِ مِنَ الأعْراضِ والأمْلاكِ صِفَةُ السّادَةِ] والأكابِرِ، ومَن أسَرَتْهُ الأخْطارُ وبَقِيَ في شُحِّ نَفْسِهِ فَهو في مُصارَفَةِ مُعامَلَتِهِ ومُطالَبَةِ النّاسِ في اسْتِيفاءِ حَظِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِن مَذاقاتِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ شَيْءٌ.
وشَرْحُ الآيَةِ [أنَّ] الأنْصارَ كانُوا لَمّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ المُهاجِرُونَ قَسَّمُوا دُورَهم وأمْوالَهم بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، فَلَمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ ما صَنَعُوا بِالمُهاجِرِينَ مِن إنْزالِهِمْ إيّاهم (p-٤٤٢)وأثَرَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قالَ إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَّمْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضِيرِ، وكانَ المُهاجِرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنى في مَنازِلِكم وأمْوالِكُمْ، وإنْ أحْبَبْتُمْ أعْطَيْتُهم وخَرَجُوا مِن دِيارِكُمْ، فَقالَ السَّعْدانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَ المُهاجِرِينَ خاصَّةً ويَكُونُونَ في دُورِنا كَما كانُوا، وقالَتِ الأنْصارُ: رَضِينا وسَلَّمْنا، وفي رِوايَةٍ [أنَّهُمْ] قالُوا: اقْسِمْ فِيها هَذِهِ خاصَّةً واقْسِمْ لَهم مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَتْ،
﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ - الآيَةُ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وأبْناءَ الأنْصارِ،» وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَزاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، فَواللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُكم إلّا كَما قالَ العَنْزِيُّ:
؎جَزى اللَّهُ عَنّا جَعْفَرًا حِينَ أزْلَقَتْ ∗∗∗ بِنا نَعْلُنا في الواطِئِينَ فَزَلَّتِ
؎أبَوْا أنْ يَمَلُّونا ولَوْ أنَّ أُمَّنا ∗∗∗ ∗∗∗ تُلاقِي الَّذِي يَلْقَوْنَ مِنّا لَمَلَّتِ
فَهم لَعَمْرِي الحَقِيقُونَ بِاسْمِ إخْوانِ الصَّفاءِ، وخِلّانِ المُرُوءَةِ والوَفاءِ، والكَرامَةِ والِاصْطِفاءِ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وعَنْ تابِعِيهِمْ مِنَ الكِرامِ الخُلَفاءِ والسّادَةِ والحُنَفاءِ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
(p-٤٤٣)ولَمّا أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِما هم أهْلُهُ، عَقَّبَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ ما يُوجِبُ لَهُمُ الثَّناءَ فَقالَ عاطِفًا عَلى المُهاجِرِينَ فَيَقْتَضِي التَّشْرِيكَ مَعَهُمْ، أوْ عَلى أصْلِ القِصَّةِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا﴾ أيْ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا، [ولَمّا كانَ المُرادُ] المَجِيءَ ولَوْ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم مَن آمَنَ بَعْدَ انْقِطاعِ الهِجْرَةِ بِالفَتْحِ وبَعْدَ إيمانِ الأنْصارِ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَبَرَ أوِ الحالَ عَلى [نَحْوِ] ما مَضى في الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ بِدُعائِهِمْ لِمَن سَنَّهُ لَهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ [أيُّها] المُحْسِنُ إلَيْنا بِإيجادِ مَن مَهَّدَ الدِّينَ قَبْلَنا. ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ مَوْضِعًا لِلنُّقْصانِ قالَ مُلَقِّنًا لَنا: ﴿اغْفِرْ﴾ أيْ أوْقِعِ السَّتْرَ [عَلى] النَّقائِصِ أعْيانِها وآثارِها ﴿لَنا﴾ ولَمّا بَدَؤُوا بِأنْفُسِهِمْ، ثَنَّوْا بِمَن كانَ السَّبَبَ في إيمانِهِمْ فَقالُوا: ﴿ولإخْوانِنا﴾ أيْ في الدِّينِ فَإنَّهُ أعْظَمُ أُخُوَّةٍ، وبَيَّنُوا العِلَّةَ بِقَوْلِهِمُ: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ ولَمّا لَقَّنَهم سُبْحانَهُ حُسْنَ الخِلافَةِ لِمَن مَهَّدَ لَهم ما هم فِيهِ، أتْبَعَهُ تَلْقِينَ ما يُعاشِرُونَ بِهِ أعْضادَهُمُ الَّذِينَ هم (p-٤٤٤)مَعَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ مَن قَبْلَهُمْ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ حَثًّا عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ مِن أخْطارِ النَّفْسِ الَّتِي هي أعْدى الأعْداءِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وأفْهَمَ قَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِنا﴾ أنَّ رَذائِلَ النَّفْسِ قَلَّ أنْ تَنْفَكَّ وأنَّها إنْ كانَتْ مَعَ صِحَّةِ القَلْبِ أوْشَكَ أنْ [لا] تُؤَثِّرَ ﴿غِلا﴾ أيْ ضِغْنًا وحَسَدًا وحِقْدًا وهو [حَرارَةٌ و]غَلَيانٌ يُوجِبُ الِانْتِقامَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ وإنْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا دُعاءً جامِعًا لِلْخَيْرِ، لَقَّنَهم ما يُجِيبُهم في لُزُومِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَلُّقِ لِلْإلَهِ والتَّعْرِيضِ لَهُ بِقُوَّةِ الرَّجاءِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِتَعْلِيمِ ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وأكَّدُوا إعْلامًا بِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ ما يَقُولُونَهُ وإنْ ظَهَرَ مِن أفْعالِهِمْ ما يَقْدَحُ في اعْتِقادِهِمْ ولَوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ رَءُوفٌ﴾ أيْ راحِمٌ أشَدَّ الرَّحْمَةِ لِمَن كانَتْ لَهُ بِكَ وصْلَةٌ بِفِعْلٍ مِن أفْعالِ الخَيْرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُكْرِمٌ غايَةَ الإكْرامِ لِمَن أرَدْتَهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وصْلَةٌ، فَأنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تُجِيبَنا لِأنّا بَيْنَ أنْ يَكُونَ لَنا وصْلَةٌ فَنَكُونَ مِن أهْلِ الرَّأْفَةِ، أوْ لا فَنَكُونَ مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ، فَقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ مَن كانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ عَلى أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (p-٤٤٥)فَلَيْسَ مِمَّنْ عَنى اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
ولَمّا دَلَّ عَلى [أنَّ] هَذا الثَّناءَ لِلصّادِقِينَ في الإيمانِ بِإقامَةِ السُّنَّةِ بِالهِجْرَةِ والإيثارِ والِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ لِمَن تَبَيَّنَ الإيمانَ فَسَهُلَ بِهِ طَرِيقُ الأمانِ، فَأخْرَجَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ وأفْهَمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا رُسُوخَ لَهم في الإيمانِ الحامِلِ عَلى ذَلِكَ، دَلَّ عَلى نِفاقِهِمُ المُوجِبِ لِكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَمِّمًا لِلْقِصَّةِ مُخاطِبًا لِأعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى نِفاقِهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِن دِقَّةِ المَكْرِ حَقَّ الِاطِّلاعِ غَيْرُهُ ﷺ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ في عَدَمِ رُسُوخِهِمْ مَعَ ما يَرَوْنَ مِنَ المُعْجِزاتِ والآياتِ البَيِّناتِ ويَرَوْنَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ مِن إسْباغِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْهِيلِ الأُمُورِ والنُّصْرَةِ عَلى الجَبابِرَةِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا مَعَ الإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ والِاجْتِهادِ في الدِّينِ [الَّذِي] هو وحْدَهُ داعٍ إلى الإيمانِ ومُرَقِّقٌ لِلْقُلُوبِ ومُبَيِّنٌ لِلْحَقائِقِ غايَةَ البَيانِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ عِلْمًا هو في قُوَّةِ الجَزْمِ [بِهِ] كالمُشاهَدِ يا أعْلى الخَلْقِ، وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنْ جَنابِهِ العالِي ومَنصِبِهِ الشَّرِيفِ الغالِي بِأداةِ الِانْتِهاءِ فَقالَ تَعالى: (p-٤٤٦)﴿إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ أظْهَرُوا غَيْرَ ما أضْمَرُوا، أظْهَرُوا الخَيْرَ وبالَغُوا في إخْفاءِ عَقائِدِهِمْ بِالشَّرِّ مُبالَغَةَ مَن ساجَلَ غَيْرَهُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قالُوا: والنِّفاقُ لَفْظٌ إسْلامِيٌّ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَبْلَهُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن فِعْلِ الضَّبِّ في نافِقائِهِ وقاصِعائِهِ، وصَوَّرَ حالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ﴾ أيْ مِنَ المُوالاةِ بِالضَّلالَةِ.
ولَمّا جَمَعَهم في الكُفْرِ وإنِ افْتَرَقُوا في المُساتَرَةِ والمُجاهَرَةِ، وصَفَ المُجاهِرِينَ بِنَوْعِ مُساتَرَةٍ تُوجِبُ النَّفْرَةَ مِنهم وتَقْضِي بِهَلاكِ مَن صادَقَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا أنْوارَ المَعارِفِ الَّتِي دَلَّتْهم عَلى الحَقِّ، وعَيَّنَهم بِما أبْلَغَ في ذَمِّهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو النَّضِيرِ هَؤُلاءِ، وبَكَّتَهم بِكَذِبِهِمْ فِيما أكَّدُوا المَوْعِدَ بِهِ لِأنَّهُ في حَيِّزِ ما يُنْكَرُ مِن جِهَةِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُجاهَرَةِ بِكُفْرِهِمْ فَكَيْفَ بِالمُبارَزَةِ بِالخِلافِ لِقَوْمِهِمُ الأنْصارِ والنَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ [أيْ] مِن مُخْرِجٍ ما مِن بَلَدِهِمُ الَّذِي في المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فَخَرَجْتُمْ مِن غَيْرِ أنْ تُقاتِلُوا ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ فَكانَ ما قُضِيَ بِهِ عَلى إخْوانِهِمْ مِنَ الإخْراجِ فَأْلًا وُكِلَ بِمَنطِقِهِمْ. (p-٤٤٧)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ [أنَّ لِلْمُنافِقِينَ أقارِبَ مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ -] أنَّهم يَقُومُونَ عَلَيْهِمْ في مَنعِهِمْ مِنَ القِيامِ مَعَهم نَصِيحَةً لَهم وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وكانَ تَجْوِيزُ بَنِي النَّضِيرِ مُوهِنًا لِذَلِكَ، قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِلْكَوْنِ مَعَهُمْ: ﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ في خِذْلانِكُمْ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّهُ صارَ أحَدٌ في القُرْبِ مِنكم مِثْلَ قُرْبِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ ما أطَعْناهُ في التَّقْصِيرِ فِيما يَسُرُّكم ﴿أحَدًا﴾ أيْ يَسْألُنا خِذْلانَكم مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أبَدًا﴾ أيْ ما دُمْنا نَعِيشُ، وبِمِثْلِ هَذا العَزْمِ اسْتَحَقَّ الكافِرُ الخُلُودَ الأبَدِيَّ في العَذابِ.
ولَمّا قَدَّمُوا في مَعُونَتِهِمْ ما كانَ فَأْلًا قاضِيًا عَلَيْهِمْ، أتْبَعُوهُ قَوْلَهُمْ: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ﴾ أيْ مِن أيِّ مُقاتِلٍ كانَ فَقاتَلْتُمْ ولَمْ تَخْرُجُوا ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإخْراجَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والقِتالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّضِيرِ: اخْرُجُوا مِن بَلَدِي ولا تُساكِنُونِي، قَدْ هَمَمْتُمْ بِالغَدْرِ بِي وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنَ أُبَيٍّ بِما تَقَدَّمَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا كَلامًا يَقْضِي عَلَيْهِ سامِعُهُ بِالصِّدْقِ مِن حَيْثُ (p-٤٤٨)كَوْنُهُ مُؤَكَّدًا مَعَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ سُؤالٍ فِيهِ، بَيَّنَ حالَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَشْهَدُ﴾ بِما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ في عالَمِ الغَيْبِ. ولَمّا كانَ بَعْضُ مَن يَسْمَعُ قَوْلَهم هَذا يُنْكِرُ أنْ لا يُطابِقَهُ الواقِعُ، وكانَ إخْلافُهم فِيهِ مُتَحَقِّقًا في عِلْمِ اللَّهِ، أطْلَقَ عَلَيْهِ ما لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما كَشَفَ الواقِعُ عَنْ أنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، فَقالَ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ مُؤَكِّدًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿لَكاذِبُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ بَعِيدٍ عَنِ العادَةِ بِشَهادَةِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا فَحَقَّقَهُ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ.
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
ولَمّا كانَ الكَذِبُ في قَوْلِهِمْ هَذا كَوْنَهُ إخْبارًا بِما [لا] يَكُونُ، شَرَحَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا بِأعْظَمَ مِن تَأْكِيدِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ أيْ بَنُو النَّضِيرِ مِن أيِّ مُخْرِجٍ كانَ ﴿لا يَخْرُجُونَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ﴿مَعَهُمْ﴾ أيْ حَمِيَّةً [لَهُمْ] لِأسْبابٍ يَعْلَمُها اللَّهُ ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا﴾ أيِ اليَهُودُ مِن أيِّ مُقاتِلٍ كانَ فَكَيْفَ بِأشْجَعِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ ﷺ ﴿لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبُوا في الأمْرَيْنِ مَعًا: القِتالِ والإخْراجِ، لا نَصَرُوهم ولا خَرَجُوا مَعَهُمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وعَلِمَ بِهِ مَن كانَ شاكًّا فَضْلًا عَنِ المُوقِنِينَ، صِدْقَ (p-٤٤٩)الكَلامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ ولا لِيَكُونَ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ بِصِدْقِ الكَلامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ ويَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ إذا كانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أيِ المُنافِقُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ أيِ المُنافِقُونَ ومَن يَنْصُرُونَهُ، وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الأدْبارَ﴾ ولَمّا كانَ مِن عادَةِ العَرَبِ الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ، بَيَّنَ أنَّهم لا كَرَّةَ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الفَرَّةِ وإنْ طالَ المَدى فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لِفَرِيقَيْهِمْ ولا لِواحِدٍ مِنهُما نُصْرَةٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ: لَمْ يَزَلِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ في الذُّلِّ ولا يَزالُونَ.
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ تَرْكَهم لِنَصْرِهِمْ إنَّما هو لِخَوْفِ اللَّهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحْسُنُ وقْعُهُ، عَلَّلَ بِما يَنْفِي ذَلِكَ ويُظْهِرُ أنَّ مَحَطَّ نَظَرِهِمُ المَحْسُوساتُ كالبَهائِمِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لَهُ لِأجْلِ أنَّ أهْلَ النِّفاقِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وكَذا مَن قَرُبَ حالُهُ مِنهُمْ: ﴿لأنْتُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ مِن جِهَةِ الرَّهْبَةِ وهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ أيْ لَرَهْبَتُكُمُ الكائِنَةُ فِيهِمْ أشَدُّ وأعْظَمُ ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ أيِ اليَهُودِ ومَن يَنْصُرُهم مِمّا أفاضَ إلَيْها مِن قُلُوبِهِمْ (p-٤٥٠)﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن رَهْبَتِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها لَكم مِنهُ وإنْ ذَكَرُوهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَرَهْبَتُهم مِنكم سَبَبٌ لِإظْهارِهِمْ أنَّهم يَرْهَبُونَ اللَّهَ رِياءً لَكم.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَتَعَجَّبُ مِنهُ المُؤْمِنُ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الغَرِيبُ وهو خَوْفُهُمُ الثّابِتُ اللّازِمُ مِن مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ ضَعِيفٍ يُزَيِّنُهم لَهُ وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنَ الخالِقِ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في ذاتِهِ ولِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ [أيْ] عَلى ما لَهم مِنَ القُوَّةِ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَهْمٌ يَشْرَحُ صُدُورَهم لِيُدْرِكُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُخْشى لا غَيْرُهُ، بَلْ هم كالحَيَواناتِ لا نَظَرَ لَهم إلى الغَيْبِ إنَّما هم مَعَ المَحْسُوساتِ، والفِقْهُ هو العِلْمُ بِمَفْهُومِ الكَلامِ ظاهِرِهِ الجَلِيِّ وغامِضِهِ الخَفِيِّ بِسُرْعَةِ فِطْنَةٍ وجَوْدَةِ قَرِيحَةٍ.
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
ولَمّا أخْبَرَ بِرَهْبَتِهِمْ دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْ أحَدُهُما. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بَعْضُهُ، حَقَّقَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ قِتالًا يَقْصِدُونَهُ مُجاهَرَةً و[هُمْ] مُجْتَمِعُونَ كُلُّهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ومَكانٍ مِنَ الأماكِنِ ﴿إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أيْ مُمَنَّعَةٍ بِحِفْظِ الدُّرُوبِ وهي السِّكَكُ الواسِعَةُ بِالأبْوابِ والخَنادِقِ ونَحْوِها ﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ سَواءٌ كانَ بِقَرْيَةٍ أوْ غَيْرِها لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ بِهَذا ما حَصَلَ مِن بَعْضِهِمْ (p-٤٥١)عَنْ ضَرُورَةٍ كاليَسِيرِ، ومَن كانَ يَنْزِلُ مِن أهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الحِصْنِ يُبارِزُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ اجْتِماعٍ، أوْ يَكُونُ هَذا خاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ في هَذِهِ الكَرَّةِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ هَذا عَنْ عَجْزٍ مِنهم لازِمٍ لَهم دَفَعَهُ بِقُوَّةٍ إعْلامًا بِأنَّهُ إنَّما هو مِن مُعْجِزاتِ هَذا الدِّينِ: ﴿بَأْسُهُمْ﴾ أيْ قُوَّتُهم وما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَتَأثَّرُ عَنْها العَذابُ ﴿بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ أيْ إذا أدارُوا رَأْيًا أوْ حارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا فَجَرَّأ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَنْظُرُونَهُ مِن شِدَّتِهِمْ وشَجاعَتِهِمْ إذا حارَبُوا المُشْرِكِينَ لا يُنْكَرُ عِنْدَ مُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ تَتَضَمَّنُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ تَقْوِيَةً لِإيمانِهِمْ وإعْلاءً لِشَأْنِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ عِلَّةُ الشِّدَّةِ الِاجْتِماعَ، شَرَحَ حالَتَيِ الشِّدَّةِ والرَّهْبَةِ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إشارَةً إلى شِدَّةِ ما يُظْهِرُونَ مِن إلْفِ (p-٤٥٢)بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أيِ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ يا أعْلى الخَلْقِ ويا أيُّها النّاظِرُ مَن كانَ لِذَلِكَ التَّعاطُفِ الظّاهِرِ ﴿جَمِيعًا﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ اجْتِماعِ [الدِّفاعِ] وعَنْ ذَلِكَ نَشَأتِ الشِّدَّةُ ﴿وقُلُوبُهم شَتّى﴾ أيْ مُفْتَرِقَةٌ أشَدَّ افْتِراقٍ، وعَنْ ذَلِكَ نَشَأتِ الرَّهْبَةُ، ومُوجِبُ هَذا الشَّتاتِ اخْتِلافُ الأهْواءِ الَّتِي لا جامِعَ لَها مِن نِظامِ العَقْلِ كالبَهائِمِ وإنِ اجْتَمَعُوا في عَداوَةِ أهْلِ الحَقِّ كاجْتِماعِ البَهائِمِ في الهَرَبِ مِنَ الذِّئْبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: اجْتِماعُ النُّفُوسِ مَعَ تَنافُرِ القُلُوبِ واخْتِلافِها أصْلُ كُلِّ فَسادٍ [و]مُوجِبُ كُلِّ تَخاذُلٍ، ومُقْتَضٍ لِتَجاسُرِ العَدُوِّ، واتِّفاقُ القُلُوبِ والِاشْتِراكُ في الهِمَّةِ والتَّساوِي في القَصْدِ يُوجِبُ كُلَّ ظَفَرٍ وكُلَّ سَعادَةٍ.
ولَمّا كانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الِافْتِراقِ ضَعْفَ العَقْلِ، قالَ مُعَلِّلًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الغَرِيبُ مِنَ الِافْتِراقِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ الَّذِي يُخَيِّلُ الِاجْتِماعَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ﴾ أيْ مَعَ شِدَّتِهِمْ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ فَلا دِينَ لَهم (p-٤٥٣)يَجْمَعُهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهم عَلى الباطِلِ فَهم أسْرى الأهْوِيَةِ، والأهْوِيَةُ في غايَةِ الِاخْتِلافِ، فالعَقْلُ مَدارُ الِاجْتِماعِ كَما كانَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما أنَّ الهَوى مَدارُ الِاخْتِلافِ.
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِعَدَمِ عَقْلِهِمْ دَعْوى دَلَّ عَلَيْها بِأمْرٍ مُشاهَدٍ فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ قِصَّتُهم في عَدَمِ فِقْهِهِمْ بَلْ عَقْلُهُمُ الَّذِي نَشَأ عَنْهُ إخْراجُهم هَذا وما سَبَّبَهُ مِن مَكْرِهِمْ وغَدْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى ابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ كَمَثَلِ قِصَّةِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ إدْخالُ الجارِّ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ زَمانِ القَبْلِ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ الزَّمَنِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿قَرِيبًا﴾ وهم كَما «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بَنُو قَيْنُقاعَ مِن أهْلِ دِينِهِمُ اليَهُودِ أظْهَرُوا بَأْسًا شَدِيدًا عِنْدَما قَصَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ فَوَعَظَهم وحَذَّرَهم بَأْسَ اللَّهِ فَقالُوا: لا يَغُرَّنَّكَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهُمْ، وأمّا واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، ثُمَّ مَكَرُوا بِامْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأرادُوها (p-٤٥٤)عَلى كَشْفِ وجْهِها فَأبَتْ فَعَقَدُوا طَرَفَ ثَوْبِها مِن تَحْتِ خِمارِها، فَلَمّا قامَتِ انْكَشَفَتْ سَوْأتُها فَصاحَتْ فَغارَ لَها شَخْصٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَتَلَ اليَهُودِيَّ الَّذِي عَقَدَ ثَوْبَها فَقَتَلُوهُ، فانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، فَأنْزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِساحَتِهِمْ جُنُودَ اللَّهِ فَأذَلَّهُمُ اللَّهُ ونَزَلُوا مِن حِصْنِهِمْ عَلى حُكْمِهِ ﷺ وقَدْ كانُوا حُلَفاءَ ابْنِ أُبَيٍّ، ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ [فِي] أنْ لا يَقْتُلَهم وألَحَّ عَلَيْهِ حَتّى كَفَّ عَنْ قَتْلِهِمْ فَذَهَبُوا عَنِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حَشْرٍ لَهم بِالإلْزامِ بِالجَلاءِ».
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما [كانَ] خَبَرُهُمْ؟ قالَ: ﴿ذاقُوا وبالَ﴾ أيْ وخامَةَ وسُوءَ عاقِبَةِ ﴿أمْرِهِمْ﴾ [فِي الدُّنْيا] وهو كُفْرُهم وعَداوَتُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحِزْبِهِ الَّذِينَ [هم حِزْبُ] اللَّهِ، وسَمّاهُ أمْرًا لِأنَّهُ مِمّا ائْتَمَرُوا فِيهِ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الإيلامِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences