Al-Biqa'iAl‑Hashr · 59:1–5

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الحشر

Al-Hashr

The Exile · Medinan · 24 ayahs

59:1Page 545

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

(p-٤٠٢)سُورَةُ الحَشْرِ

مَقْصُودُها بَيانُ ما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ المُجادِلَةِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ بِإثْباتِ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ عَلى أنَّهُ يَغْلِبُ هو ورُسُلُهُ، ومَن حادَّهُ في الأذَلِّينَ، لِأنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، المُسْتَلْزِمَةِ لِلْعِلْمِ التّامِّ المُسْتَلْزِمِ [لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَلْزِمَةِ] لِلْحَشْرِ المُظْهِرِ لِفَلاحِ المُفْلِحِ وخَسارِ الخاسِرِ عَلى وجْهِ الثَّباتِ الكاشِفِ أتَمَّ كَشْفٍ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ تَأمُّلُ قِصَّةِ [بَنِي] النَّضِيرِ المُعْلِمُ بِأوَّلِ الحَشْرِ المُؤْذِنُ بِالحَشْرِ الحَقِيقِيِّ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ إطْباقِ الوَلِيِّ والعَدُوِّ عَلى ظَنِّ أنَّهُ لا يَكُونُ، فَلِذا سُمِّيَتْ بِالحَشْرِ وبِبَنِي النَّضِيرِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ إلى خَيْبَرَ والشّامِ والحِيرَةِ ثُمَّ حَشَرَهم [وغَيْرَهُمْ] مِنَ اليَهُودِ الحَشْرَ الثّانِيَ مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ الَّذِي هو آيَةُ الحَشْرِ الأعْظَمِ إلى أرْضِ الحَشْرِ لِقَهْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ أهْلَ الكِتابِ المُدَّعِينَ لِأنَّهم أفْضَلُ النّاسِ (p-٤٠٣)وأنَّهم مُؤَيَّدُونَ بِما لَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أصْلُهُ قَوِيمٌ بِما لَوَّحَتْ إلَيْهِ الحَدِيدُ كَما قَهَرَ أهْلَ الأوْثانِ الَّذِينَ هم عالِمُونَ بِأنَّهم بَدَّلُوا الدِّينَ الصَّحِيحَ فَثَبَتَ- بِظُهُورِ دِينِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ كَما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ صِدْقَهُ في كُلِّ ما جاءَ بِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ - الإيمانُ بِالبَعْثِ الآخِرِ لِأنَّهُ مَحَطُّ الحِكْمَةِ ومَوْضِعُ إظْهارِ النِّقْمَةِ والرَّحْمَةِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ فَلا خُلْفَ لِعِبادِهِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ فَلا مَحِيصَ عَنْ مَعادِهِ( الرَّحِيمِ )الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدادِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يُرْضِيهِ عَنْهم فَيُوجِبُ لَهُمُ الفَوْزَ بِإسْعادِهِ.

* *

لَمّا خُتِمَتِ المُجادِلَةُ بِأنَّهُ مُعِزُّ أهْلِ طاعَتِهِ، ومُذِلُّ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ ومُحادَّتِهِ، عَلَّلَهُ بِتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقائِصِ تَأْيِيدًا لِلْوَعْدِ بِنَصْرِهِمْ فَقالَ: ﴿سَبَّحَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ [صِفاتِ] الكَمالِ.

ولَمّا كانَ الكُفّارُ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ قَدْ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّمْسَ (p-٤٠٤)وبَعْضُهُمُ القَمَرَ وبَعْضُهم [غَيْرَهُما مِنَ] الكَواكِبِ، وكانَتِ الكَواكِبُ مَبْثُوثَةً في السَّماواتِ كُلِّها لا تَخُصُّ سَماءً بِعَيْنِها وكَذا المَلائِكَةُ، جَمَعَ دَلالَةً عَلى أنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ فَقالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ كُلِّها. ولَمّا كانَ الكَلامُ في النَّهْيِ عَنْ مُوادَّةِ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ، وكانَ ذَلِكَ لِمَن دُونَ الخُلَّصِ، أكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِاحْتِياجِهِمْ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما﴾ ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما عَبَدُوهُ مِمّا أشْرَكُوا بِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ مِن شَجَرٍ وصَنَمٍ وبَقَرٍ وغَيْرِها لا يَعْدُو الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها، أفْرَدَ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾

ولَمّا شَمِلَ هَذا جَمِيعَ العالَمِ، أشارَ إلى أنَّ عَظَمَتَهُ لا تَنْتَهِي فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي نَفَذَ عِلْمُهُ في الظَّواهِرِ والبَواطِنِ وأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأتْقَنَ ما أرادَ، فَكُلُّ ما خَلَقَهُ جَعَلَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ دَلِيلًا، وإلى بَيانِ ما لَهُ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ سَبِيلًا.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لا خَفاءَ بِاتِّصالِ أيُّها بِما تَأخَّرَ مِن آيِ سُورَةِ المُجادِلَةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] إنَّما يُرادُ بِهِ يَهُودُ فَذَكَرَ سُبْحانَهُ سُوءَ سَرِيرَتِهِمْ وعَظِيمَ جُرْأتِهِمْ ثُمَّ قالَ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَحَصَلَ مِن هَذا كُلِّهِ (p-٤٠٥)تَنْفِيرُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم وإعْلامُهم بِأنَّ بُغْضَهم مِنَ الإيمانِ ووُدَّهم مِنَ النِّفاقِ لِقَبِيحِ ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ وشَنِيعِ ما ارْتَكَبُوهُ، فَلَمّا أشارَتْ هَذِهِ الآيُ إلى ما ذَكَرَ أُتْبِعَتْ بِالإعْلامِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَشْرِ بِما عَجَّلَ لَهم مِن هَوانِهِمْ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وتَمْكِينِ المُسْلِمِينَ مِنهُمْ، جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ مِن سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، والتَحَمَتِ الآيُ بِاتِّحادِ المَعْنى وتَناسُبِهِ، وتَناسُجِ الكَلامِ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ لِبِنائِها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ غَضَبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ لا يَكُونُ إلّا عَلى أعْظَمِ جَرِيمَةٍ وأسْوَأِ مُرْتَكَبٍ وهو اعْتِداؤُهم وعِصْيانُهُمُ المُفَصَّلُ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ لَعْنَتَهُ إيّاهم إنَّما تَرَتَّبَتْ عَلى عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، وقَدْ فَصَّلَ اعْتِداءَهم أيْضًا في مَواضِعَ، فَلَمّا كانَ الغَضَبُ مُشِيرًا إلى ما ذَكَرَ مِن عَظِيمِ الشِّرْكِ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَنْزِيهَ نَفْسِهِ جَلَّ وتَعالى فَقالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وإنَّما يَرِدُ مَثَلُهُ مِنَ التَّنْزِيهِ إثْرَ جَرِيمَةٍ تَقَعُ مِنَ العِبادِ وعَظِيمَةٍ يَرْتَكِبُونَها وتَأمَّلْ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى الإخْبارِ بِما فَعَلَ تَعالى بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ - انْتَهى.

59:2Page 545

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢

It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.

(p-٤٠٦)ولَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّنَزُّهِ [و]عَلى العِزَّةِ والحِكْمَةِ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ مِن أنَّهُ أنْفَذَ ما كَتَبَ مِن أنَّهُ يَغْلِبُ [هُوَ] ورُسُلُهُ ومِن أنَّهُ كَبَتَ الَّذِينَ حادُّوهُ وخَيَّبَ ظَنَّ الَّذِينَ نافَقُوا، فَتَوَلَّوُا اليَهُودَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ، فَأذَلَّ اليَهُودَ وطَرَدَهم مِن مَهْبِطِ الوَحْيِ وأخْزى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَعَلُوهم مَحَطَّ اعْتِمادِهِمْ ومَوْضِعَ وِلايَتِهِمْ ووِدادِهِمْ، فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن غَيْرِ إيجافِ خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴿الَّذِي أخْرَجَ﴾ عَلى وجْهِ القَهْرِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي تَشْهَدُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهُ النَّبِيُّ الخاتَمُ وما في فِطَرِهِمُ الأُولى مِن أنَّ اتِّباعَ الحَقِّ أحَقُّ، وقَبَّحَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”مِن بَنِي النَّضِير“ أوِ ”اليَهُود“ مَثَلًا: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُوسى صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ ”كَفَرُوا“ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ أزالُوا بِالتَّبْدِيلِ أوِ الإخْفاءِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِمّا بَقِيَ مِنَ التَّوْراةِ دالًّا عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

ولَمّا كانَ الوَطَنُ عَدِيلَ الرُّوحِ لِأنَّهُ لِلْبَدَنِ كالبَدَنِ لِلرُّوحِ، فَكانَ الخُرُوجُ مِنهُ في غايَةِ العُسْرِ، دَلَّ عَلى مَزِيدِ قَهْرِهِمْ بِهِ بِأنْ قالَ: ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنهم مَن جَلا مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ إلى خَيْبَرَ، وهم آلُ أبِي الحَقِيقِ وآلُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ولَحِقَ سائِرُهم بِأرِيحا مِن (p-٤٠٧)أرْضِ الشّامِ أرْضِ المَحْشَرِ، ولَحِقَ بَعْضُهم بِالحِيرَةِ، لَوَّحَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وحَشْرِهِمْ مِنها حَشْرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا أوْ مُوَقِّتًا: ﴿لأوَّلِ﴾ أيْ لِأجَلِ أوَّلِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ ﴿الحَشْرِ﴾ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ بَلَدٍ حُشِرُوا إلَيْهِ سَيُفْتَحُ، ويُزَلْزَلُونَ [مِنهُ] زَلْزَلَةً أُخْرى، لا تَزالُ مَصائِبُهم بِأهْلِ الإسْلامِ قائِمَةً حَتّى يَكُونَ الحَشْرُ الأعْظَمُ بِالقِيامَةِ، والحَشْرُ: الجَمْعُ مِن مَكانٍ والسَّوْقُ إلى غَيْرِهِ بِكُرْهٍ، وسُمِّيَ أوَّلًا لِأنَّهم أوَّلُ مَن أُجْلِيَ مِنَ اليَهُودِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، والحَشْرُ الثّانِي لَهم مِن خَيْبَرَ عَلى زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ إجْلاءَهم في مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أُحُدٍ وفَتْحَ قُرَيْظَةَ في مَرْجِعِهِ مِنَ الأحْزابِ وبَيْنَهُما سَنَتانِ، «قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْرُجُوا قالُوا: إلى أيْنَ، قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ بِأرْضِ الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى، وهَذا الحَشْرُ يَدُلُّ عَلى المَحْشَرِ الأعْظَمِ وبَيْنَهُ [عَلى قَوْلِهِ] ﷺ:

«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .

(p-٤٠٨)ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ حَشْرَهم لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَحْضِ قُدْرَتِهِ، اسْتَأْنَفَ شَرْحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ أيْ يُوقِعُوا الخُرُوجَ مِن شَيْءٍ أُورِثْتُمُوهُ مِنهم لِما كانَ لَكم مِنَ الضَّعْفِ ولَهم مِنَ القُوَّةِ لِكَثْرَتِهِمْ وشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وشَكِيمَتِهِمْ وقُرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ [مِنهُمْ] فَكانُوا بِصَدَدِ مُظاهَرَتِهِمْ، وأهْلُ خَيْبَرَ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدِينَ عَنْهم وكُلُّهم أهْلُ مِلَّتِهِمْ، والمُنافِقُونَ مِن أنْصارِهِمْ وأُسْرَتِهِمْ، فَخابَتْ ظُنُونُهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وفالَتْ آراؤُهم وسُلِّطَ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ، وإذا أرادَ اللَّهُ نَصْرَ عَبْدٍ اسْتَأْسَدَ أرْنَبُهُ وإذا أرادَ قَهْرَ عَدُوٍّ اسْتَنْوَقَ أسَدُهُ.

ولَمّا كانَتِ الحُصُونُ تَمْنَعُ إلى إتْيانِ الأمْدادِ قالَ: ﴿وظَنُّوا أنَّهُمْ﴾ ودَلَّ عَلى قُوَّةِ ظَنِّهِمْ وثَباتِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقالَ: ﴿مانِعَتُهم حُصُونُهُمْ﴾ أيْ ثابِتٌ لَها المَنعُ ولَهُمُ الِامْتِناعُ، قالُوا: وفي تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها ومَنعِها إيّاهُمْ، وفي جَعْلِ ضَمِيرِهِمُ اسْمَ (إنَّ) [و]إسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزٍّ (p-٤٠٩)ومَنَعَةٍ لا مَطْمَعَ مَعَها في مُعازَّتِهِمْ، ودَلَّ عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ بِأنْ عَبَّرَ عَنْ جُنْدِهِ بِاسْمِهِ وبِاسْمِهِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا عِزَّ إلّا لَهُ وأنْتُمْ جُنْدُهُ، لا تُقاتِلُونَ إلّا فِيهِ وبِهِ، بَأْسُكم مِن بَأْسِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ الظَّنّانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ إسْنادُ ما لِلْمُضافِ إلى المُضافِ إلَيْهِ شائِعًا في لِسانِ العَرَبِ وكَثِيرًا جِدًّا لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِكَلامِهِمْ، وبَلِيغًا جِدًّا لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أيْ جاءَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُونَ مَجِيئَهُ بِما صَوَّرَ لَهم مِن حَقارَةِ أنْفُسِهِمُ الَّتِي اضْطَرَّتْهم إلى الجَلاءِ ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لَمْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى حَسَبِها وهي خِذْلانُ المُنافِقِينَ لَهم رُعْبًا كَرُعْبِهِمْ واسْتِضْعافًا كاسْتِضْعافِ أنْفُسِهِمْ عَنْ مُقاوَمَةِ جُنْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ كانَ الشَّيْطانُ زَيَّنَ لَهم غَيْرَ ذَلِكَ، ومَلَأ قُلُوبَهم مِنَ الأطْماعِ الفارِغَةِ حَتّى قَطَعُوا بِما مَنّاهم وقَرَّبَهُ لَهم وأغْواهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأوْهَنَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقَذَفَ﴾ أيْ أنْزَلَ إنْزالًا كَأنَّهُ قَذَفَهُ بِحِجارَةٍ، فَثَبَتَ وارْتَكَزَ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (p-٤١٠)أيِ الخَوْفَ الَّذِي سَكَنَها فَرَضَّها ومَلَأها وعَبَرَ مِنها إلى جَمِيعِ قُواهم فاجْتَثَّها مِن أصْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم عِنْدَ ذَلِكَ أوْ فَسَّرَ قَذْفَ الرُّعْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ أيْ يُبالِغُونَ - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ - في إخْرابِها، أيْ إفْسادِها، فَإنَّ الخُرْبَةَ الفَسادُ، وقِراءَةُ غَيْرِهِ يُفْهِمُ الفِعْلَ المُطْلَقَ الَّذِي لا يُنافِي المُقَيَّدَ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ ضَعْفًا مِنهم - بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ، ويَأْسًا مِن قُوَّتِهِمْ لِيَأْخُذُوا ما اسْتَحْسَنُوا مِن آلاتِها، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم [لَمّا] تَحَمَّلُوا لِلرَّحِيلِ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجافِ بابِهِ وما اسْتَحْسَنَ مِن خَشَبِهِ فَيَضَعُهُ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَأْخُذُهُ ويَنْقُبُ الجِدارَ ويَهْدِمُ السَّقْفَ حَسَدًا لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوها بَعْدَهم لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهم أنْ يُخَلُّوا لَهُ عَنِ البَلَدِ ولَهم ما حَمَلَتْ إبِلُهم.

ولَمّا كانَ السَّبَبُ في تَخْرِيبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِبُيُوتِهِمْ ما أحْرَقُوهم بِهِ مِنَ المَكْرِ والغَدْرِ كانُوا كَأنَّهم أمَرُوهم بِذَلِكَ، فَنابُوا عَنْهم فِيهِ، فَقالَ أيْضًا بِجَمْعِ القِلَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ: ﴿وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ اسْتِيلاءً وغَلَبَةً عَلَيْهِمْ وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يُخَرِّبُونَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمُ المَجالَ مِنها لِأجْلِ القِتالِ، وقَدَّمَ (p-٤١١)تَخْرِيبَهم لِأنَّهُ أعْجَبُ.

ولَمّا كانَ في غايَةِ الغَرابَةِ أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَما يَفْعَلُ فِيهِ عَدُوُّهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا﴾ أيِ احْمِلُوا أنْفُسَكم بِالإمْعانِ في التَّأمُّلِ في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْ تَعْبُرُوا مِن ظَواهِرِ العِلْمِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ بِما دَبَّرَ اللَّهُ في إخْراجِهِمْ إلى بَواطِنِ الحِكْمَةِ بِأنْ لا تَعُدُّوا لَكم ناصِرًا مِنَ الخَلْقِ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ - كَما قالَ القُشَيْرِيُّ - أحَدُ قَوانِينِ الشَّرْعِ، ومَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِغَيْرِهِ اعْتَبَرَ بِهِ غَيْرُهُ - انْتَهى. وقَدِ احْتَجَّ بِالآيَةِ مُثْبِتُو القِياسِ فَإنَّهُ مُجاوَزَةٌ مِنَ الأصْلِ إلى الفَرْعِ، والمُجاوَزَةُ اعْتِبارٌ، وهو مَأْمُورٌ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو واجِبٌ.

ولَمّا كانَ الِاعْتِبارُ عَظِيمُ النَّفْعِ، لا يَحْصُلُ إلّا لِلْكُمَّلِ، زادَهُ تَعْظِيمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أُولِي الأبْصارِ﴾ بِالنَّظَرِ بِأبْصارِكم وبَصائِرِكم في غَرِيبِ هَذا الصُّنْعِ لِتُحَقِّقُوا بِهِ ما وعَدَكم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ مِن إظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ نَبِيِّهِ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ كَما اعْتَمَدَ هَؤُلاءِ عَلى المُنافِقِينَ، فَإنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى مَخْلُوقٍ أسْلَمَهُ ذَلِكَ إلى صَغارِهِ ومَذَلَّتِهِ، ولا تُلِمُّوا بِغَدْرٍ كَما أرادُوا أنْ يَغْدِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوا عَلَيْهِ وهو قاعِدٌ بِفَناءِ دارٍ مِن دُورِهِمْ رَحًى مِنَ السَّطْحِ لِيَقْتُلُوهُ [بِها] - زَعَمُوا، ولا تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن قَبِيحِ أفْعالِهِمْ لِئَلّا يَحْصُلَ لَكم مِثْلُ (p-٤١٢)نَكالِهِمْ كَما أحْكَمَهُ قَوْلُهُ ﷺ «"لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمُ» الحَدِيثُ، وذَلِكَ الغَدْرُ مِنهم بَعْدَ أنْ حَرَّضُوا قُرَيْشًا عَلى غَزْوَةِ أُحُدٍ ودَلُّوهم عَلى بَعْضِ العَوْراتِ، وقالَ البَغْوِيُّ: إنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ أتى قُرَيْشًا بَعْدَ أُحُدٍ في أرْبَعِينَ راكِبًا فَحالَفَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ لَمّا قَصَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ أرْسَلُوا إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ في ثَلاثِينَ ويَخْرُجَ مِنهم ثَلاثُونَ لِيَسْمَعُوا مِنهُ، فَإنْ آمَنُوا بِهِ آمَنَ الكُلُّ. فَأجابَهم فَأرْسَلُوا أنَّ الجَمْعَ كَثِيرٌ فاخْرُجْ في ثَلاثَةٍ لِيَخْرُجَ ثَلاثَةٌ مِنّا، فَأرْسَلَتِ امْرَأةٌ مِنهم إلى أخِيها وكانَ مُسْلِمًا أنَّهُمُ اشْتَمَلُوا عَلى الخَناجِرِ يُرِيدُونَ الفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ قِصَّتِهِمْ [كَما تَرى] دائِرٌ عَلى المَكْرِ بَلْ هو عَيْنُ المَكْرِ.

59:3Page 545

وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.

ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى غايَةِ الوَهْنِ مِنهم فَكانَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ مِنَ الكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أمْرُهُ الباهِرُ وعِزُّهُ القاهِرُ حَثًّا عَلى ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ مِنَ الِاعْتِبارِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِبْصارِ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ أيْ فَرَضَ فَرْضًا حَتْمًا المَلِكُ الَّذِي لَهُ (p-٤١٣)الأمْرُ كُلُّهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ كَتَبَ إذْلالًا وإخْزاءً بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أيْ بِخُصُوصِهِمْ فِيما كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في الأزَلِ كَما كَتَبَ عَلى بَنِي قَيْنُقاعَ ﴿الجَلاءَ﴾ أيِ الخُرُوجَ مِن دِيارِهِمْ والجَوَلانَ في الأرْضِ، فَأمّا مُعْظَمُهم فَأجْلاهم بُخْتُ نَصَّرْ مِن بِلادِ الشّامِ إلى العِراقِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَحَماهُمُ اللَّهُ بِمُهاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذَلِكَ الجَلاءِ وجَعَلَهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأجْلاهم فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى خَيْبَرَ وبَعْضُهم إلى الشّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ أيْ بِالسَّيْفِ كَما سَيَفْعَلُ بِأخْوالِهِمْ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِينَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ العَذابَ دُونَ الجَلاءِ مِن قَتْلِ المُقاتِلَةِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ قَضى قَضاءً حَتْمًا أنَّهُ يُطَهِّرُ المَدِينَةَ بَلَدَ الوَحْيِ مِنهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهو عَذابُهُمُ الآنَ في الدُّنْيا لا مَحالَةَ وإنِ اجْتَمَعَ أهْلُ الأرْضِ عَلى نَصْرِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ النَّفْعِ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ أُجْلُوا أوْ تُرِكُوا ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي دارُ البَقاءِ ﴿عَذابُ النّارِ﴾ وهو العَذابُ الأكْبَرُ.

59:4Page 546

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.

ولَمّا أخْبَرَ بِما نالَهم في الدُّنْيا ويَنالُهم في الآخِرَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ [العَظِيمُ] الَّذِي فَعَلَهُ بِهِمْ مِنَ الجَلاءِ ومُقَدِّماتِهِ (p-٤١٤)[فِي الدُّنْيا] ويَفْعَلُهُ بِهِمْ في الآخِرَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ ولَمّا كانُوا قَدْ ضَمُّوا فى هَذِهِ القَضِيَّةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ كُفْرًا باطِنًا بِما أرادُوا مِن إلْقاءِ الرَّحى وغَيْرِهِ مِنَ الأذى مَكْرًا مِنهُمْ، أدْغَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ، فَكانُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ بِأنْ صارُوا في شِقِّ الأعْداءِ المُحارِبِينَ بَعْدَ ما كانُوا في شِقِّ المُوادَعِينَ.

ولَمّا جارى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إخْفاءَهم لِما أرادُوا [أنْ] يَفْعَلُوا بِهِ بِالإخْفاءِ لِخَلاصِهِ مِنهم بِأنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وتَرَكَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَهم قالَ: ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي إجْلالُهُ مِن إجْلالِهِ. ولَمّا أخْبَرَ بِفِعْلِهِ وبِسَبَبِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وإفادَةً لِأنَّهُ يَفْعَلُ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كانَ عَلى أمْرِهِمْ أعْظَمَ مِن فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ أيْ يُوقِعْ في الباطِنِ مُشاقَقَةَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ في الحالِ أوِ الماضِي أوِ الِاسْتِقْبالِ سَواءٌ أبْطَنَ مَعَها مُشاقَقَةً أُخْرى أوْ لا، وتَرَكَ الإدْغامَ عَلى حالِهِ لِأنَّهم ما أظْهَرُوا مُعاداةً وإنَّما كانَ ما فَعَلُوا مَكْرًا ومُساتَرَةً، وذَلِكَ أخَفُّ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأظْهَرَ في الأنْفالِ (p-٤١٥)لِقُوَّةِ [أمْرِ] المُجاهِرِينَ كَما مَضى، ولَمْ يُعِدْ ذِكْرَ الرَّسُولِ تَفْخِيمًا لَهُ بِإفْهامِ أنَّ مُشاقَقَتَهُ مُشاقَقَةٌ لِلَّهِ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ أصْلًا، وإشارَةً إلى أنَّهم بالَغُوا في إخْفاءِ مُشاقَقَتِهِمْ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ لَمْ يَمْكُرْ بِهِمْ، وإنَّما جاهَرَهم حِينَ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَكْرِهِمْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْفالِ، فَإنَّ المَقامَ اقْتَضى هُناكَ الذِّكْرَ لِأنَّهم مَكَرُوا بِهِ كَما قالَ تَعالى

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةَ وهو ﷺ أخْفى أمْرَ هِجْرَتِهِ وأعْمَلَ الحِيلَةَ في الخَلاصِ مِن مَكْرِهِمْ عَلى حَسَبِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَحَصَلَتِ المُفاعَلَةُ في تَحَيُّزِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ خُفْيَةً ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ يُشَدِّدُ عِقابَهُ لَهُ لِأنَّهُ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وذَلِكَ كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ هَذا حَيْثُ نَقَضُوا عَهْدَهم وأظْهَرُوا المُشاقَقَةَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ وكَما فَعَلَ أهْلُ خَيْبَرَ، وكانُوا يُماكِرُونَ ويُساتِرُونَ في الأُولى عِنْدَ فَتْحِها وفي الثّانِيَةِ عِنْدَ إجْلائِهِمْ مِنها، فَقَدْ سَوّى بَيْنَ المُساتِرِينَ والمُجاهِرِينَ في العَذابِ وهو لِلْمُجاهِرِينَ أشَدُّ عَذابًا كَما هو واضِحٌ.

59:5Page 546

مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ بِما فَعَلَ بِبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ يَقُولُونَ (p-٤١٦)إنَّهم أشْجَعُ النّاسِ وأشَدُّهم شَكِيمَةً بِما لَهم مِنَ الأصالَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ، مَعَ التَّأْيِيدِ بِالكِتابِ والحِكْمَةِ، وخَتَمَ بِأنَّ مَن شاقَّ رَسُولَهُ فَقَدْ شاقَّهُ، ومَن شاقَّهُ فَقَدْ شَدَّدَ عِقابَهُ، أتْبَعَهُ بَيانَ ما عاقَبَهم بِهِ مِن قَطْعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِنَخْلِهِمُ الَّذِي هو أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أبْكارِهِمْ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لا يُغْنُونَ شَيْئًا ولا مَنَعَةَ لَدَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ما﴾ وهي شَرْطِيَّةٌ وأتْبَعَها بِشَرْطِها النّاصِبِ لَها فَقالَ: ﴿قَطَعْتُمْ﴾ أيْ كُلُّ ما قَطَعْتُمُوهُ، وبَيَّنَ ما [فِي ”ما“] مِنَ الإبْهامِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا عَنِ النَّخْلِ، بِما يُفِيدُ نَوْعَهُ وأنَّهُ هانَ عَلَيْهِمُ القَطْعُ ولانَ: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ وهي ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو ما خالَفَ العَجْوَةَ مِنَ النَّخْلِ، [و]قالَ ابْنُ هِشامٍ: اللِّينَةُ مِنَ الألْوانِ، وهي ما لَمْ يَكُنْ بَرْنِيَّةً ولا عَجْوَةً مِنَ النَّخْلِ فِيما حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةَ - انْتَهى. وقالَ صاحِبُ القامُوسِ اللَّوْنُ: الدَّقْلُ مِنَ النَّخْلِ، وهي جَماعَةٌ واحِدَتُها لَوْنَةٌ ولِينَةٌ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ومُجاهِدٍ [وغَيْرِهِما] أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، وقالَ البَغْوِيُّ: ورِوايَةُ زاذانَ عَنِ (p-٤١٧)ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ [يَقْطَعُ] نَخْلَهم إلّا العَجْوَةَ». وأهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ ما خَلا العَجْوَةَ مِنَ التَّمْرِ الألْوانَ واحِدُها لَوْنٌ ولِينَةٌ، وقالَ عَطِيَّةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: اللِّينَةُ ما تَمْرُها لَوْنٌ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ يَشِفُّ عَنْ نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، قالَ البَغْوِيُّ: يَغِيبُ فِيها الضِّرْسُ، وكانَ مِن أجْوَدِ تَمْرِهِمْ وأعْجَبِها إلَيْهِمْ، وكانَتِ [النَّخْلَةُ] الواحِدَةُ ثَمَنُها ثَمَنُ وصِيفٍ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن وصِيفٍ، فَلَمّا رَأوْهم يَقْطَعُونَها شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنَّكم تَكْرَهُونَ الفَسادَ وأنْتُمْ تُفْسِدُونَ، دَعُوا هَذِهِ النَّخْلَةَ، فَإنَّما هي لِمَن غَلَبَ عَلَيْها، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: واخْتِلافُ الألْوانِ فِيها ظاهِرٌ لِأنَّها أوَّلَ حالِها [بَيْضاءُ] كَصَدَفٍ مُلِئَ دُرًّا مُنَضَّدًا، ثُمَّ غَبْراءُ ثُمَّ خَضْراءُ كَأنَّها قِطَعُ زَبَرْجَدٍ خُلِقَ فِيها الماءُ [ثُمَّ] حَمْراءُ كَأنَّها ياقُوتٌ رُصَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ثُمَّ صَفْراءُ كَأنَّها شَذْوُ عِقْيانٍ، ولِذَلِكَ إذا بَلَغَ الإرْطابَ نِصْفُها [سُمِّيَتْ] مُجَزَّعَةً لِاخْتِلافِ ألْوانِها كَأنَّها الجَزْعُ الظَّفارِيُّ.

ولَمّا كانَ ما فُسِّرَ بِمُؤَنَّثٍ هو اللِّينَةُ، أعادَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا فَقالَ: (p-٤١٨)﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ ولَمّا كانَ التَّرْكُ يَصْدُقُ بِبَقائِها مَغْرُوسَةً أوْ مَقْطُوعَةً قالَ: ﴿قائِمَةً﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ نَخِيلًا كَثِيرَةً لِإرادَةِ الجِنْسِ قالَ: ﴿عَلى أُصُولِها﴾ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ فَقَطْعُها بِتَمْكِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ ورِضاهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى [أنَّ] الشَّرِيعَةَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وإذا جاءَ الأمْرُ الشَّرْعِيُّ بَطَلَ طَلَبُ التَّعْلِيلِ وسَكَتَتِ الألْسِنَةُ عَنِ التَّقاضِي بِـ ”لِمَ“ وحُضُورُ الِاعْتِراضِ والِاسْتِقْباحُ بِالبالِ خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ العِرْفانِ.

ولَمّا فَطَمَ عَنْ طَلَبِ العِلَلِ خِطابًا لِلْكُمَّلِ، طَيَّبَ قُلُوبَ مَن دُونَهم بِعِلَّةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسادٍ ولَكِنَّهُ صَلاحٌ أُذِنَ لَكم فِيهِ لِيَشْفِيَ بِهِ صُدُورَ المُؤْمِنِينَ ويُذْهِبَ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ واضِعًا مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ظاهِرًا يَدُلُّ عَلى ما أوْجَبَ خِزْيَهُمْ: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم أُصَلاءُ في المُرُوقِ مِن دائِرَةِ الحَقِّ بِأنْ يُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بِبَيانِ كَذِبِهِمْ في دَعْواهُمُ العِزَّ والشَّجاعَةَ والتَّأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ وأنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ نَسْخٌ، ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «رَخَّصَ لَهم في قَطْعِ النَّخْلِ ثُمَّ شَدَّدَ [عَلَيْهِمْ] فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَيْنا إثْمٌ فِيما قَطَعْنا أوْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» - انْتَهى وكانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مالُوا إلى (p-٤١٩)الكَفِّ عَنِ القَطْعِ لِما سَمَّوْهُ اليَهُودُ فَسادًا وطائِفَةٌ أشارُوا بِالِاسْتِمْرارِ عَلى القَطْعِ لِأنَّهُ يَغِيظُهُمْ، فَصَوَّبَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ مَن أمَرَ بِالكَفِّ وحَلَّلَ [مَن أشارُوا بِالِاسْتِمْرارِ بِالقَطْعِ] مِنَ الإثْمِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إفْسادِ [أمْوالِ] أهْلِ الحَرْبِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ مُثْمِرًا كانَ أوْ لا بِالتَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ والهَدْمِ وغَيْرِهِ لِإخْزائِهِمْ بِذَلِكَ

.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском