Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:16–22
59:16Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
ولَمّا شَبَّهَ سُبْحانَهُ أمْرَهم في طاعَتِهِمْ لِابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ وهُمُ البُعَداءُ المُحْتَرِقُونَ بِسَبَبِ إبْعادِ المُؤْمِنِينَ لَهم بِإبْعادِ اللَّهِ واحْتِراقِ أكْبادِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِأمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ، شَبَّهَ قِصَّةَ الكُلِّ بِقِصَّةِ (p-٤٥٥)الشَّيْطانِ [و]مَن أطاعَهُ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِمَعْنى ما حَطَّ عَلَيْهِ آخِرُ الكَلامِ: ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مَثَلُ الكُلِّ الواعِدِينَ بِالنَّصْرِ والمُغْتَرِّينَ بِوَعْدِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ في الذِّكْرِ ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] في إخْلافِهِمُ الوَعْدَ وإسْلامِهِمْ إيّاهم عِنْدَ ما حَقَّ الأمْرُ يُشْبِهُ مَثَلَ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيِ البَعِيدِ مِن كُلِّ خَيْرٍ لِبُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ المُحْتَرِقِ بِعَذابِهِ، والشَّيْطانُ هُنا مِثْلُ المُنافِقِينَ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ﴾ أيْ كُلِّ مَن فِيهِ نَوْسٌ واضْطِرابٌ وهو هُنا مِثْلُ اليَهُودِ: ﴿اكْفُرْ﴾ أيْ بِاللَّهِ بِما [زَيَّنَ] لَهُ ووَسْوَسَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الشَّهَواتِ القائِمِ مَقامَ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ بِما يُساعِدُ تَزْيِينَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ مِن شَهَواتِهِ وحُظُوظِهِ وأخْلاقِهِ يُطِيعُ أمْرَهُ غالِبًا قالَ: ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ أوْجَدَ الكُفْرَ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، ودَلَّتِ الفاءُ عَلى إسْراعِهِ في مُتابَعَةِ تَزْيِينِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ الشَّيْطانُ الَّذِي هو هُنا عِبارَةٌ عَنِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا لِما لِمَن تَعَلَّقَ بِمَن أكَّدَ لَهُ الوَعْدَ بِشَيْءٍ مِن صادِقِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ بِأنَّهُ يَخْذُلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ عَلاقَةٌ في شَيْءٍ أصْلًا ظَنًّا مِنهُ أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تَنْفَعُهُ شَيْئًا مِمّا اسْتَوْجَبَهُ المَأْمُورُ بِقَبُولِهِ لِأمْرِهِ، وذَلِكَ (p-٤٥٦)كِنايَةٌ [عَنْ] أنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ والتَّمادِي في كُلِّ ما يَدُلُّ عَلى إهْمالِهِ فِعْلَ مَن أكَّدَ البَراءَةَ مِنهُ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ المُنافِقُونَ بِاليَهُودِ: جَرَّأُوهم عَلى أمْرٍ يُنْهى وهو الإقامَةُ في بَلَدِهِمْ، فَلَمّا نَصَبُوا الحَرْبَ طَمَعًا في نَصْرِهِمْ فَعَلَ المُنافِقُونَ بِتَباطُؤِهِمْ عَنْهم فِعْلَ المُتَبَرِّئِ مِنهم فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِمّا لَمْ يُطْمِعُوهم في نَصْرِهِمْ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ انْهِزامِهِمْ عَنْهم مِنَ الصَّفِّ المُوجِبِ لِانْهِزامِهِمْ لا مَحالَةَ، ثُمَّ عَلَّلَ البَراءَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَلا تُطاقُ صَوْلَتُهُ، ثُمَّ شَرَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ ورَبّاهم بِما يَدُلُّ [عَلى] جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى، فَلا يُغْنِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ و[هُوَ] لا يَغْفِرُ أصْلًا لِمَن يَقْدَحُ في رُبُوبِيَّتِهِ ولا سِيَّما إنْ نَسَبَها إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَذا كَمَثَلِ ما يَجِدُ الإنْسانُ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ مِنَ النَّدَمِ والحَيْرَةِ، فَإذا وجَدَ ذَلِكَ وهَمَّ بِالتَّوْبَةِ زَيَّنَ لَهُ المَعْصِيَةَ وصَعَّبَ عَلَيْهِ أمْرَ التَّوْبَةِ وعَسَّرَهُ وجَرَّأهُ عَلى المَعْصِيَةِ بِعَيْنِها أوْ عَلى ما هو أكْبَرُ مِنها، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فَيَتَحَقَّقُ هَلاكُهُ وهَلاكُ مَن أوْقَعَهُ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:
59:17Page 548
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
﴿فَكانَ﴾ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ الشَّيْءِ عَلى مَحَلِّهِ مُوجِبًا لِرَوْعَةِ تَنَبُّهِ الإنْسانِ لِلتَّفْتِيشِ عَنِ السَّبَبِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ قالَ: ﴿عاقِبَتَهُما﴾ مُقَدِّمًا (p-٤٥٧)لِخَبَرِ ”كانَ“ ﴿أنَّهُما﴾ أيِ الغارَّ والمَغْرُورَ ﴿فِي النّارِ﴾ حالَ كَوْنِهِما ﴿خالِدَيْنِ فِيها﴾ لِأنَّهُما ظَلَما [ظُلْمًا] لا فَلاحَ مَعَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ [فِي] الإنْسانِ بِعَيْنِهِ، قالَ مُعَلِّقًا بِالوَصْفِ، تَعْمِيمًا وزَجْرًا عَنْهُ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ العَذابُ الأكْبَرُ ﴿جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ كُلِّ [مَن] وضَعَ العِبادَةَ في غَيْرِ مَحَلِّها.
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في المَواعِظِ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، وكانَتِ الإيقاعاتُ المَذْكُورَةُ فِيها مُسَبَّبَةً عَنِ الخِياناتِ مِمَّنْ كانَ لَهُ عَهْدٌ فَنَقَضَهُ، أوْ مِمَّنْ كانَ أظْهَرَ الإيمانَ فَأبانَ فِعْلُهُ كَذِبَهُ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتِنْتاجًا عَنْ ذَلِكَ وعْظًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ الوَعْظَ بَعْدَ المَصائِبِ أوْقَعُ في النَّفْسِ وأعْظَمُ في تَرْقِيقِ القَلْبِ وتَحْذِيرِهِ مِمّا يُوجِبُ العُقُوبَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُنادِيًا لَهم نِداءَ البُعْدِ مُعَبِّرًا بِأدْنى أسْنانِ الإيمانِ لِأنَّهُ عَقِبَ ذِكْرِ مَن أقَرَّ بِلِسانِهِ فَقَطْ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَكم وِقايَةً تَقِيكم سُخْطَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا بُدَّ أنْ يَسْتَعْرِضَ عَبِيدَهُ، فاحْذَرُوا عُقُوبَتَهُ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ فِيما حَدَّهُ لَكم مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ تَنْظُرُ إلى نَفاسَتِها وتُرِيدُ العُلُوَّ عَلى أقْرانِها، ولَعَلَّهُ وحَّدَها لِلْإشارَةِ مَعَ إفادَةِ التَّعْمِيمِ إلى قِلَّةِ المُمْتَثِلِ لِهَذا الأمْرِ جِدًّا ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ (p-٤٥٨)أيْ مِنَ الزّادِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَلاحُ المَنزِلِ الَّذِي مَن لَمْ يَسْعَ في إصْلاحِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ راحَةٌ، هَلْ يُرْضِي المَلِكَ ما قَدَّمَتْهُ فَيُنْجِيها أوْ يُغْضِبُهُ فَيُرْدِيها.
ولَمّا كانَ الأجَلُ مُبْهَمَ الوَقْتِ، فَكانَ لِقاءُ اللَّهِ في كُلِّ يَوْمٍ بَلْ كُلِّ لَحْظَةٍ لِلْعاقِلِ مُتَرَقَّبًا لِكَوْنِهِ مُمْكِنًا [مَعَ كَوْنِهِ] عَلى الإطْلاقِ [مُحَقَّقًا] لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، قالَ مُشِيرًا بِتَنْكِيرِهِ وإبْهامِهِ إلى تَهْوِيلِهِ وإعْظامِهِ: ﴿لِغَدٍ﴾ أيْ لِأجْلِ العَرْضِ بَعْدَ المَوْتِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو في غايَةِ القُرْبِ لِأنَّ هَذِهِ الدُّنْيا كُلَّها يَوْمٌ واحِدٌ يَجِيءُ فِيهِ ناسٌ ويَذْهَبُ آخَرُونَ، والمَوْتُ أوِ الآخِرَةُ غَدُهُ، لا بُدَّ [مِن] كُلٍّ مِنهُما، وكُلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ فَهو في غايَةِ القُرْبِ لا سِيَّما إنْ كانَ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَضٍ، وكُلُّ مَن نَظَرَ لِغَدِهِ أحْسَنَ مُراعاةَ يَوْمِهِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ مِن جِهاتٍ [لا تُحْصى].
ولَمّا أمَرَ بِتَقْواهُ سُبْحانَهُ خَوْفًا مِن سَطَواتِهِ أمَرَ بِتَقْواهُ لِأجْلِ مُراقَبَتِهِ حَياءً مِن جَلالَتِهِ وهَيْبَتِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ لِأنَّ مَدارَ النَّجاةِ عَلى التَّقْوى لِأنَّ مَكايِدَ الشَّيْطانِ دَقِيقَةٌ، فَمَن لَمْ يُبالِغْ في مُحاسَبَةِ نَفْسِهِ وتَفَقُّدِ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخَلَلِ في أعْمالِهِ أوْشَكَ أنْ يُحْبِطَ [الشَّيْطانُ] أعْمالَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أيِ اتَّقُوهُ حَياءً مِنهُ، فالتَّقْوى الأُولى لِإيجادِ صُوَرِ الأعْمالِ، وهَذِهِ لِتَصْفِيَتِها وتَزْكِيَةِ أرْواحِها، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ (p-٤٥٩)مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عَظِيمُ الِاطِّلاعِ عَلى ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم والإحاطَةِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلا تَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا كانَ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ فاسْتَحْيُوا مِنهُ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ كَراهِيَةَ أنْ يُظَنَّ تَقْيِيدُ التَّقْوى بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ تَعْظِيمًا لِهَذا المَقامِ إعْلامًا بِأنَّ شُؤُونَهُ لا تَنْحَصِرُ وأنَّ إحاطَتَهُ لا تَخُصُّ مَقامًا دُونَ مَقامٍ ولا شَأْنًا سِوى شَأْنٍ.
59:19Page 548
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
ولَمّا هَزَّ إلى تَقْواهُ تارَةً بِالخَوْفِ وأُخْرى بِالحَياءِ تَأْكِيدًا لَها، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما لَهُ شُعْبَةٌ [مِنَ التَّحْذِيرِ]، وكانَ الإنْسانُ لِما لَهُ مِنَ النِّسْيانِ أحْوَجَ إلى التَّحْذِيرِ، قالَ مُؤَكِّدًا لِشُعْبَتِهِ وإيضاحًا لِأنَّ التَّقْوى الثّانِيَةَ لِمُحاسَبَةِ النَّفْسِ في تَصْفِيَةِ العَمَلِ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ أيُّها المُحْتاجُونَ إلى التَّحْذِيرِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [أيْ] أعْرَضُوا عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وتَرَكُوها تَرْكَ النّاسِينَ لِمَن بَرَزَتْ عَنْهُ مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ لِما اسْتَغْواهم بِهِ مِن أمْرِهِ الشَّيْطانُ حَتّى أبْعَدَهم جِدًّا عَنِ العُمْرانِ ﴿فَأنْساهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ أنْساهم بِما لَهُ مِنَ (p-٤٦٠)الإحاطَةِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ فَلَمْ يُقَدِّمُوا لَها ما يَنْفَعُها وإنْ قَدَّمُوا شَيْئًا كانَ مَشُوبًا بِالمُفْسِداتِ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ، فَكانُوا مِمّا قالَ فِيهِ. سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] لِأنَّهم لَمْ يَدَعُوا بابًا مِن أبْوابِ الفِسْقِ فَإنَّ رَأْسَ الفِسْقِ الجَهْلُ بِاللَّهِ، ورَأْسَ العِلْمِ ومِفْتاحَ الحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ، فَأعْرَفُ النّاسِ بِنَفْسِهِ أعْرَفُهم بِرَبِّهِ ”مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ“ .
ولَمّا كانَتْ ثَمَرَةُ ذَلِكَ أنَّهم أضاعُوها - أيِ التَّقْوى - فَهَلَكُوا قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البَعِيدُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في المُرُوقِ مِن دائِرَةِ الدِّينِ.
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ لِما أيَّدَهم بِهِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ والشِّدَّةِ عَلى الأعْداءِ واللِّينِ والمُعاضَدَةِ لِلْأوْلِياءِ وسائِرِ الأفْعالِ المُوصِلَةِ إلى جَنَّةِ المَأْوى، وصَرَّحَ في آخِرِ الدَّلِيلِ بِخُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ فَعُلِمَ أنَّ لَهم مَعَ هَذا الهَوانِ عَذابَ النِّيرانِ، وكانَ المَغْرُورُ بَعْدَ هَذا بِالدُّنْيا الغافِلُ عَنِ الآخِرَةِ لِأجْلِ شَهَواتٍ فانِيَةٍ وحُظُوظٍ زائِلَةٍ عامِلًا عَمَلَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فَرْقَ [بَيْنَ] الشَّقِيِّ بِالنّارِ (p-٤٦١)والسَّعِيدِ بِالجَنَّةِ لِتَجَشُّمِهِ التَّجَرُّعَ لِمَراراتِ الأعْمالِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنْزِلًا لَهم مَنزِلَةَ الجازِمِ بِذَلِكَ أوِ الغافِلِ عَنْهُ تَنْبِيهًا لَهم عَلى غَلَطِهِمْ وإيقاظًا مِن غَفْلَتِهِمْ: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الشَّقاءِ الأعْظَمِ ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ الَّتِي هي دارُ النَّعِيمِ الأكْبَرِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وهي مِن أدِلَّةِ أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ.
ولَمّا كانَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ غَيْرَ مُعْلِمٍ في حَدِّ ذاتِهِ بِالأعْلى مِنَ الأمْرَيْنِ، كانَ هَذا السِّياقُ مُعْلِمًا بِما حَفَّهُ مِنَ القَرائِنِ بِعُلُوِّ أهْلِ الجَنَّةِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الفائِزُونَ﴾ المُدْرِكُونَ لِكُلِّ مَحْبُوبٍ النّاجُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، وأصْحابُ النّارِ هُمُ الهالِكُونَ في الدّارَيْنِ كَما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ لِفَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وبَنِي النَّضِيرِ ومَن والاهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما.
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
ولَمّا كانَ قَدْ مَرَّ في هَذِهِ السُّورَةِ فَضْلًا عَمّا تَقَدَّمَها مِن حِكْمَةِ هَذا القُرْآنِ وإعْجازِهِ تارَةً بِمُطابَقَتِهِ لِما نَزَلَ بِسَبَبِهِ مُطابَقَةً تَجْلُو عَنْهُ كُلَّ إشْكالٍ، وتارَةً بِما يُشاهَدُ مِن صِدْقِهِ فِيما أخْبَرَ بِإتْيانِهِ مِنَ الأفْعالِ، وأُخْرى بِما يَتَحَدّى بِهِ مِنَ الأقْوالِ، ومَرَّةً بِنَظْمِ كُلِّ جُمْلَةٍ مَعَ ما تَقَدَّمَها عَلى ما لَمْ يُمْكِنْ لِبَشَرٍ مِثْلُهُ في الأحْوالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يَحْصُرُها المَقالُ، تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ مُبَيِّنًا أنَّ سَبَبَ افْتِراقِ الفَرِيقَيْنِ في العُقْبى افْتِراقُهم في (p-٤٦٢)هَذا القُرْآنِ [فِي الأُولى] تَمْثِيلًا لِلْقُلُوبِ في قَسْوَتِها أوْ لِينِها عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وتَخْيِيلًا، تَوْبِيخًا لِلْقاسِي ومَدْحًا لِلْعاطِفِ اللَّيِّنِ لافِتًا القَوْلَ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَها: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا الَّتِي أبانَها هَذا الإنْزالُ ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ العُلُومِ، الفارِقَ بَيْنَ كُلِّ مُلْتَبِسٍ - المُبَيِّنَ لِجَمِيعِ الحِكَمِ ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ أيْ أيِّ جَبَلٍ كانَ ﴿لَرَأيْتَهُ﴾ مَعَ صَلابَتِهِ وقُوَّتِهِ يا أشْرَفَ الخَلْقِ [إنْ لَمْ يَتَأهَّلْ غَيْرُكَ لِمِثْلِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ] ﴿خاشِعًا﴾ أيْ مُطْمَئِنًّا مُخْبِتًا عَلى صَلابَتِهِ مُتَذَلِّلًا باكِيًا ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ أيْ مُتَشَقِّقًا غايَةَ التَّشَقُّقِ كَما تَصَدَّعَ الطُّورُ لِتَجَلِّينا لَهُ بِما دُونَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي جَلَوْنا كَلامَنا الشَّرِيفَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَلابِسِها ﴿مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ مِنَ الخَوْفِ العَظِيمِ مِمَّنْ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ حَذَرًا مِن أنْ لا يَكُونَ مُؤَدِّيًا ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ القُرْآنِ عِنْدَ سَماعِهِ فَما لِابْنِ آدَمَ وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العَقْلِ ما لَمْ يُؤْتِ الجَبَلَ يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِ، ويُعْرِضُ عَمّا فِيهِ مِنَ العِبَرِ، وفي الآيَةِ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في ثَباتِهِ لِما لا تَثْبُتُ لَهُ الجِبالُ، وذَمٌّ لِلْمُعْرِضِينَ بِكَوْنِهِمْ أقْسى مِنَ الجِبالِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا لِمَن لَمْ يَرِقَّ لِلْقُرْآنِ ﴿ألَمْ يَأْنِ (p-٤٦٣)لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] فَإنّا قَدْ فَصَّلْنا لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ والأمْرَ والنَّهْيَ وأوْضَحْنا الحُكْمَ ودَلَّلْنا عَلى المُتَشابِهِ وقَصَصْنا الأقاصِيصَ بَعْدَ جَعْلِهِمْ عُقَلاءَ ناطِقِينَ، فَتِلْكَ أقاصِيصُ الماضِينَ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيِ الَّتِي لا يُضادُّ فِيها شَيْءٌ ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَها وهم مَن فِيهِمْ تَذَبْذُبٌ واضْطِرابٌ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن يَنْظُرُهم حالَ مَن يُرْجى تَفَكُّرُهُ في تِلْكَ الأمْثالِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ إذا أدّاهُ التَّفَكُّرَ إلى التَّذَكُّرِ فَرَأى تَنْبِيهَ الرَّسُولِ ﷺ [لَهُ] أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن شَيْءٍ فَفِيهِ [مَشاهِدُ] مِنهُ فَتَطابَقَ لَهُ كِتابُ الخَلْقِ وكِتابُ الأمْرِ فَتَخَلّى عَنِ الشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ فَنَجا مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ فَتَحَلّى بِالمَلابِسِ الرُّوحانِيَّةِ فَصارَ بِالمُجاهَداتِ والمُنازَلاتِ إلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ فَكانَ أهْلًا لِلْمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ في الجِنانِ العَلِيَّةِ.
59:22Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
ولَمّا أعْلى سُبْحانَهُ أوْلِياءَهُ بِأنْ فَتَحَ السُّورَةَ [بِالإيمانِ] بِالغَيْبِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ بَعْدَ التَّنْزِيهِ عَنْ نَقائِصِ التَّعْطِيلِ وكُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ويَنْزِلُ لِعِبادِهِ في أسْبابِ الصِّفاتِ والأفْعالِ إلى أنْ أوْصَلَهم إلى مَحْسُوسِ الأمْثالِ فَتَأهَّلُوا لِلْفَناءِ في ذاتِهِ وما عَلى صِفاتِهِ المُوجِبَةِ لِخَشْيَتِهِ، رَقّاهم إلى التَّفَكُّرِ في تَفْصِيلِ ما افْتَتَحَ بِهِ، فَقالَ عادِلًا عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى (p-٤٦٤)أعْظَمَ مِنها بِإسْبالِ حُجُبِ العِزَّةِ عَلى مِنهاجِ الحِكْمَةِ: ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي وُجُودُهُ مِن ذاتِهِ فَلا عَدَمَ لَهُ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَلا يَسْتَحِقُّ الوَصْفَ بِـ ”هُوَ“ غَيْرُهُ لِأنَّهُ المَوْجُودُ دائِمًا أزَلًا وأبَدًا، فَهو حاضِرٌ في كُلِّ ضَمِيرٍ غائِبٌ بِعَظَمَتِهِ عَنْ كُلِّ حِسٍّ، فَلِذَلِكَ يَتَصَدَّعُ الجَبَلُ مِن خَشْيَتِهِ.
ولَمّا عَبَّرَ بِأخَصِّ أسْمائِهِ، أخْبَرَ عَنْهُ لُطْفًا بِنا وتَنَزُّلًا لَنا بِأشْهَرِها الَّذِي هو مُسَمّى الأسْماءِ كُلِّها فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَعْبُودُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العِبادَةُ إلّا لَهُ، الَّذِي بَطَنَ بِما لَمْ تُحِطْ ولا تُحِيطُ [بِهِ] العُقُولُ مِن نُعُوتِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ والإكْرامِ، فَظَهَرَ بِأفْعالِهِ الَّتِي لا تُضاهى بِوَجْهٍ غايَةَ الظُّهُورِ، فَتَمَيَّزَ غايَةَ التَّمَيُّزِ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ شِرْكٌ أصْلًا في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ولا نَسَمَةٍ مِنَ النَّسَمِ، قالَ الحَرالِّيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ: وهو لَوْهُ القُلُوبِ والعُقُولِ أيْ مَحارُها الَّذِي لا تُدْرِكُهُ، فَلَزِمَ الخَلْقَ مِن تَوْحِيدِ اسْمِ الإلَهِ ما حَصَلَ لَهم مِن تَوْحِيدِ اسْمِ اللَّهِ [مِنَ الأحَدِيَّةِ الإحاطِيَّةِ - انْتَهى -] فَلِذَلِكَ [كانَ وصْفُهُ ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ ولا يَلِيقُ ولا يُصْبِحُ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُكافِئَهُ أوْ يُدانِيَهُ شَيْءٌ والإلَهُ أوَّلُ اسْمِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ -] (p-٤٦٥)لا يَكُونُ أحَدٌ مُسْلِمًا إلّا بِتَوْحِيدِهِ فَتَوْحِيدُهُ فَرْضٌ وهو أساسُ كُلِّ فَرِيضَةٍ، وتَوْحِيدُ سائِرِ الأسْماءِ نَقْلٌ وهو أساسُ كُلِّ نافِلَةٍ، فَمَن وحَّدَ [فِي] الكُلِّ فَقَدْ كَمُلَ دِينُهُ وتَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ وإلّا كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ قَوْلًا عُصِمَ مِن نارِ الأحْكامِ عَلى الأبْدانِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ عِلْمًا تَخَلَّصَ مِن نارِ الهَلَعِ عَلى النُّفُوسِ في الدُّنْيا، وهو الجَزَعُ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ، والمَنعُ والبُخْلُ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، ولَنْ يَشْهَدَ التَّوْحِيدُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الَّتِي مَضْمُونُها تَوْحِيدُ اسْمِ الإلَهِ إحْسانًا إلّا بَعْدَ إحْصاءِ جَمِيعِ الأسْماءِ [عِلْمًا]، قالَ الحَرالِّيُّ: والإلَهُ: التَّعَبُّدُ وهو التَّذَلُّلُ، فَمَن تَوَهَّمَ حاجَتَهُ بِشَيْءٍ وتَوَهَّمَ أنَّ عِنْدَهُ قِوامَ حاجَتِهِ تَذَلَّلَ فَكانَ تَذَلُّلُهُ [لَهُ] تَألُّهًا، وكُلُّ مَن عَبَدَ ما أحاطَ عَيْنُهُ فَقَدْ خَذَلَ عَقْلَهُ عَنْ تَصْحِيحِ مَعْنى الإلَهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْبًا، فَكانَ تَصْحِيحُ مَعْنى الإلَهِ أنَّهُ غَيْبٌ قائِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ والتَّذَلُّلِ لِأجْلِ قِيامِهِ والِاسْتِغْناءِ بِهِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِتَفَرُّدِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِآيَةِ اسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ، فَقالَ مُقَدِّمًا لِما هو مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيِ الَّذِي غابَ عَنْ عِلْمِ جَمِيعِ (p-٤٦٦)خَلْقِهِ. ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ وصْفَهُ بِالغَيْبِ أمْرٌ نِسْبِيٌّ سُمِّيَ غَيْبًا بِالنِّسْبَةِ لِناسٍ دُونَ ناسٍ، دَلَّ بِذِكْرِ الضِّدِّ عَلى أنَّ المُرادَ كُلُّ ما غابَ وكُلُّ ما شُهِدَ فَقالَ تَعالى: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيِ الَّذِي وُجِدَ فَكانَ بِحَيْثُ يُحِسُّهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ خَلْقِهِ.
ولَمّا تَعالى في صِفاتِ العَظَمَةِ ونُعُوتِ الجَلالِ والكِبْرِ فَبَطَنَ غايَةَ البُطُونِ، أخَذَ في رَحْمَةِ العِبادِ بِالتَّنَزُّلِ لَهم بِالتَّعَرُّفِ إلَيْهِمْ بِعَواطِفِ الرَّحْمَةِ فَقالَ بانِيًا الكَلامَ عَلى الضَّمِيرِ إعْلامًا بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ أوَّلًا هو بِعَيْنِهِ المُحَدَّثُ عَنْهُ ثانِيًا: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والرَّحْمَةُ إجْراءُ الخَلْقِ عَلى ما يُوافِقُ حَسْبَهم ويُلائِمُ خَلْقَهم وخُلُقَهم ومَقْصِدَ أفْئِدَتِهِمْ، فَإذا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالبَعْضِ كانَ رَحِيمِيَّةً، وإذا اسْتَغْرَقَ كانَ رَحْمانِيَّةً، ولِاسْتِغْراقِ مَعْنى اسْمِ الرَّحْمَنِ [لَمْ يَكُنْ لِإتْمامِ مَعْناهُ وُجُودٌ في الخَلْقِ، فَلَمْ يَجْرِ بِحَقٍّ عَلى أحَدٍ مِنهم فَلِذَلِكَ لَحِقَ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ -] في مَعْنى اسْتِغْراقِهِ - يَعْنِي بِاسْمِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَتِ الرَّحِيمِيَّةُ خاصَّةً بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ قالَ تَعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ ذُو الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُسْعِدَةِ في الظّاهِرِ والرَّحْمَةِ الخاصَّةِ المُسْعِدَةِ في (p-٤٦٧)الباطِنِ، قالَ [الحَرالِّيُّ]: الرَّحْمَةُ مِنَ الرَّحِيمِ اخْتِصاصُ مَن شَمِلَتْهُ الرَّحْمانِيَّةُ بِمَزِيَّةِ ما أُوثِرَ بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ في مُقابَلَةِ مَن آلَ أمْرُهُ إلى نِعَمِهِ لِيَجْمَعَ مُقْتَضى الِاسْمَيْنِ بَيْنَ عُمُومِ الرَّحْمانِيَّةِ واخْتِصاصِ الرَّحِيمِيَّةِ. ولَمّا أظْهَرَ عَلى الخَلْقِ خُصُوصَ الإيثارِ، أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ الرَّحِيمِ كَرَحْمَةِ الخَلْقِ أبْناءَهم.
ولَمّا كانَ حَقُّ اسْمِ الرَّحِيمِ إثْباتَ رَحْمَةٍ غَيْرِ مَجْذُوذَةٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْخَلْقِ لَمْ يَكُنْ بِالحَقِيقَةِ الرَّحِيمُ إلّا اللَّهَ الَّذِي إذا اخْتَصَّ بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَحُدَّها ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] «إنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ العِلْمَ انْتِزاعًا بَعْدَ أنْ أعْطاكُمُوهُ» ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فَلِذَلِكَ لا رَحِيمَ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ تَحْقِيقَ عِلْمٍ كَما أنَّهُ لا رَحْمَنَ إلّا اللَّهَ بادِيَ مَعْنًى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences