Al-Biqa'iAl‑Hashr · 59:23–24

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:23–24

59:23Page 548

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

ولَمّا كانَ المِلْكُ كَمالَ اسْتِيلاءٍ عَلى الخَلْقِ يَقْصُرُهم بِهِ مَلِكُهم عَلى بَعْضِ مُسْتَطاعِهِمْ ويَدِينُهم - أيْ يَجْزِيهِمْ - عَلى حَسَبِ دِينِهِمْ أيْ ما وضَعَ لَهم مِن عادَةِ قَصْرِهِ لَهم وحُكْمِهِ عَلَيْهِمْ وبِحَسَبِ إحْصائِهِ عَلَيْهِمْ دَقِيقَ أعْمالِهِمْ وإحاطَتِهِ بِخَفِيِّ أحْوالِهِمْ والِاطِّلاعِ عَلى سَرائِرِهِمْ بِتَحْقِيقِ اسْتِيفاءِ الجَزاءِ فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ كَمالُ المِلْكِ، فَكانَ لِذَلِكَ لا تَتَحَقَّقُ حَقِيقَةُ المِلْكِ فِيمَن هو دُونَ العِلْمِ (p-٤٦٨)بِالسِّرِّ وأخْفى، والمُحْصِي الحَسِيبِ لِمَثاقِيلِ الذَّرِّ، الخَبِيرِ بِخَبْأِ الكَوْنِ، فَكانَ لا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قَدْ أوْلى الخَلْقَ مِن رِفْعَةِ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ ما أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ المَلِكِ فِتْنَةً لَهم فَضَلَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَوْمٌ ادَّعَوُا المِلْكَ الحَقِيقِيَّ، فَغَلِطَ مَن أرادَ اللَّهَ مِنَ الخَلْقِ فِيهِمْ فَضَلُّوا بِهِمْ، أعادَ التَّهْلِيلَ مَعَ اسْمِهِ المَلِكِ كَما ابْتَدَأهُ مَعَ اسْمِهِ الإلَهِ أوَّلِ أسْماءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أيْضًا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي رَواهُ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِ الَّذِي يُسَمّى مَلِكَ المُلُوكِ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ: «لا مَلِكَ إلّا اللَّهَ»، فَقالَ مُصَرِّحًا بِما في باطِنِ اسْمَيِ الرَّحْمَةِ مِنَ القَهْرِ والجَبْرِ عَلى النَّسَقِ الأوَّلِ في البِناءِ عَلى الضَّمِيرِ تَأْكِيدًا لِتَعَيُّنِ المُحَدَّثِ عَنْهُ [وتَوْحِيدِهِ]: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى تَعْمِيمِ الرَّحْمَةِ لِمَن أرادَ وتَخْصِيصِها بِمَن شاءَ ﴿الَّذِي لا إلَهَ﴾ أيْ مَعْبُودَ بِحَقٍّ ﴿إلا هو المَلِكُ﴾ فَلا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلّا هو لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، فَإنَّهُ مَهْما أرادَ كانَ.

ولَمّا كانَ المَلِكُ أصْلَ ما لَحِقَ الخَلْقَ مِنَ الآفاتِ لِأنَّهُ رَأْسُ الشَّرَفِ الَّذِي هو بابُ التَّرَفِ المُلازِمِ لِمُخالَفَةِ كِتابِ اللَّهِ أمّا في الأعْمالِ فَيَكُونُ فِتْنَةً، وأمّا في الرَّأْيِ فَيَكُونُ عُلُوًّا وكِبْرًا وكُفْرًا، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ في آدَمَ عَلى ما هو نُبُوَّةٌ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَصِيرُ خِلافَةً ثُمَّ يَنْتَهِي نُزُولُهُ فَيَكُونُ (p-٤٦٩)مُلْكًا ثُمَّ تَتَداعى الأحْداثُ، فَلِمَكانِ تَداعِي المَلِكِ لِمُوجِباتِ الذَّمِّ قالَ عَقِبَ صِفاتِ المَلِكِ: ﴿القُدُّوسُ﴾ مُصَرِّحًا بِما لَزِمَ عَنْ تَمامِ مِلْكِهِ مِن أنَّهُ بَلِيغٌ في النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ وصْمٍ يُدْرِكُهُ حِسٌّ أوْ يَتَصَوَّرُهُ خَيالٌ أوْ يَسْبِقُ إلَيْهِ وهْمٌ أوْ يَخْتَلِجُ بِهِ ضَمِيرٌ، فَإنَّ القُدْسَ طُهْرٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ ولا يَلْحَقُهُ رِجْسٌ فَلا يَزالُ عَلى وصْفِ الحَمْدِ بِثَباتِ القُدْسِ، ولِمَكانِ ما حَوَّلَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ مِن حالِ طُهْرٍ لا يَظْهَرُ فِيهِ تَغَيُّرٌ [بِما] دُونَهُ أجْرى عَلَيْهِمُ اسْمَ القُدْسِ كَرُوحِ القُدُسِ المُؤَيِّدِ لِلشّارِعِ يَنْفُثُ في رَوْعَةِ المُؤَيِّدِ لِشاعِرِهِ في مُكافَحَتِهِ عَنْهُ، ولِأجْلِ قَصْرِ تَخَلِّي الخالِقِ بِالمِلْكِ في قَلِيلِ مَتاعِ الدُّنْيا رَغِبَ النَّبِيُّ العَبْدُ ﷺ عَنْهُ، واخْتارَ العُبُودِيَّةَ الدّائِمَةَ بِدَوامِ العِزَّةِ لِسَيِّدِهِ، فَوَضَحَ بِذَلِكَ عِلْمُ أنْ لا قُدُّوسَ إلّا اللَّهَ حَقِيقَةَ مَعْنًى وتَصْحِيحَ إحاطَةٍ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لِتَمامِ مِلْكِهِ وعُلُوِّ مُلْكِهِ وكَمالِ قُدْسِهِ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَلْحَقَهُ نَقْصٌ في ذاتٍ ولا صِفَةٍ ولا فِعْلٍ، فَلا يَقْبُحُ مِنهُ إهْلاكٌ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولا مَسٌّ بِضُرٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ، لِعِلْمِهِ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، يَصْنَعُ الأُمُورَ في (p-٤٧٠)أحْكَمِ مَواضِعِها بِما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ أصْلًا أوْ لا يُدْرِكُهُ حَقَّ إدْراكِهِ فاحْتِيجَ إلى ما يُؤَمِّنُ مِن ذَلِكَ، وكانَ السَّلامُ حَدَّ ما بَيْنَ الأُلْفَةِ والفُرْقَةِ وحَدَّ ما بَيْنَ الرَّحْمَةِ والسَّطْوَةِ وهو أدْنى مَنالِ الجاهِلِ مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، ومَنالِ المُعْتَدِي مِنَ المُقْتَدِرِ، وكانَ سَلامُ المُسْلِمِ لِلْجاهِلِ مُداراةً لِئَلّا يَزِيدَ في جَهْلِهِ عَلَيْهِ، أوِ ارْتِقابًا لِاسْتِقْبالِ مَكِنَةٍ، وكانَ اللَّهُ لا يَعْبَأُ بِالخَلْقِ ولا يَحْتاجُ لِارْتِقابِ مَكِنَةٍ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ السَّلامُ بِكُلِّ مَعْنًى مِن وُجُودِ السَّلامَةِ لَهُ وإفاضَتِها عَلى غَيْرِهِ تَمامًا إلّا مِنهُ [إعْفاءً مِن مُعاجَلَةِ اسْتِحْقاقِ السَّطْوَةِ وحَفِيظَةً لِحُرْمَةِ اخْتِصاصِ الرَّحْمَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ مُؤَمِّنًا] لِلْعاصِي مِنَ المُعاجَلَةِ ولِلْمُطِيعِ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ قَوْلَهُ: ﴿السَّلامُ﴾ لِأنَّهُ حَدُّ ما بَيْنَهُما ظاهِرًا، ولِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ لِتَحْصُلَ إحاطَةُ السَّلامَةِ ظاهِرًا وباطِنًا فَقالَ: ﴿المُؤْمِنُ﴾ لِأنَّ الأمْنَ حَدُّ ما بَيْنَ المَحَبَّةِ والكُرْهِ فِيمَن لا وسِيلَةَ لَهُ لِلْحُبِّ [وهُوَ أدْنى ما يَقْبَلُهُ ذُو الحَقِّ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنهُ الحُبَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ بَذْلَ الحَقِّ مِمَّنْ كانَ ظاهِرَ الوَسِيلَةِ لِلْحُبِّ -] إلّا بِالحُبِّ فَلَمْ يَثْبُتْ إيمانُ المُؤْمِنِ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ (p-٤٧١)حُبًّا لَهُ بَلْ إيثارًا لِمَحَبَّتِهِ عَلى كُلِّ حُبٍّ ومُساواةً لِأخِيهِ المُؤْمِنِ فِيما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وأدْناهُ الأمَنَةُ [فِي] الغَيْبِ مِنَ الغِيبَةِ والعَيْبِ إلى غايَةِ الأمانِ مِن بَوائِقِ الغَشْمِ والظُّلْمِ مِنَ الجارِ المُسْتَحِقِّ حِفْظَ جارِهِ في غَيْبِهِ، فالإخْلالُ بِالإيمانِ لِكَوْنِهِ الأمَنَةَ في الغَيْبِ نِفاقٌ، والإخْلالُ بِالإسْلامِ لِكَوْنِهِ السِّلْمَ في المُواجَهَةِ إحْرامٌ، فَبِأدْنى إخْلالٍ في جانِبِ الحَقِّ أوِ الخَلْقِ يَنْثَلِمُ الإسْلامُ والإيمانُ، وذَلِكَ [كُلُّهُ] إنَّما هو في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو الَّذِي يُعْزى إلَيْهِ الأمْنُ والأمانُ بِإفادَتِهِ أسْبابَهُ ومَنعِ أسْبابِ المَخاوِفِ فَلا أمْنَ في الوُجُودِ ولا أمانَ إلّا وهو مُسْتَفادٌ مِن جِهَتِهِ.

ولَمّا كانَ الِاطِّلاعُ عَلى بَيِّنِ ما ذُكِرَ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنى السِّلْمِ والأمْنِ، وعَلى كُلٍّ مِن تِلْكَ الحُدُودِ خَفِيًّا جِدًّا يَفْتَقِرُ إلى مَزِيدِ عِلْمٍ، قالَ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ فَإنَّ الهَيْمَنَةَ شَهادَةُ خِبْرَةٍ وإحاطَةٍ وإبْصارٍ لِكُلِّيَّةِ ظاهِرِ الأمْرِ وباطِنِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى مِنهُ خافِيَةُ هُوِيَّةٍ ولا بادِيَةُ ظاهِرٍ، ولِإحاطَةِ مَعْناهُ لا يَكادُ يَقَعُ لَهُ في الخَلْقِ مُسَوِّغُ إطْلاقٍ إلّا مُسامَحَةً لِأنَّ الخَلْقَ لا يَشْهَدُونَ إلّا الظَّواهِرَ ولا يَشْهَدُونَ مِنَ الباطِنِ، ولِذَلِكَ انْعَجَمَ مَعْناهُ عَلى كَثِيرٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، فَمَفْهُومُ مَعْناهُ مُوجِبٌ تَوْحِيدَهُ فَواضِحٌ إذْ لا مُهَيْمِنَ بِمَعْنى أنَّهُ شَهِيدٌ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوحِ مَعَ الأمانَةِ المَأْمُونَةِ والحِفْظِ والرِّعايَةِ فَيَكُونُ قائِمًا عَلى [كُلِّ] شَيْءٍ بِكُلِّ ما لَهُ مِن رِزْقٍ وعَمَلٍ وأجَلٍ (p-٤٧٢)إلّا هُوَ، ولِذَلِكَ كانَ القُرْآنُ الَّذِي هو صِفَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُهَيْمِنًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ مُصَدِّقًا لِما يَسْتَحِقُّ التَّصْدِيقَ مِنها مُكَذِّبًا لِما يَسْتَحِقُّ التَّكْذِيبَ، فَمَن كانَ بِهِ أمْهَرَ كانَ بِذَلِكَ أعْلَمَ.

ولَمّا كانَ تَمامُ الخِبْرَةِ مَلْزُومًا لِتَمامِ القُدْرَةِ، صَرَّحَ بِهَذا اللّازِمِ فَقالَ؛ ﴿العَزِيزُ﴾ والعِزَّةُ غَلَبَةٌ لا يَجِدُ مَعَها المَغْلُوبُ وجْهَ مُدافَعَةٍ ولا انْفِلاتٍ ولا إعْجازٍ، فالعَزِيزُ الَّذِي صَعُبَ عَلى طالِبِهِ إدْراكُهُ مَعَ افْتِقارِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ في [كُلِّ] لَحْظَةٍ، الشَّدِيدُ في انْتِقامِهِ الَّذِي لا مُعْجِزَ لَهُ في إنْفاذِ حُكْمِهِ، ولِذَلِكَ يَنْظِمُ كَثِيرًا بِآياتِ إمْضاءِ الأحْكامِ مُتَّصِلًا بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ إنْباءً عَنِ العَدْلِ، قالَ الغَزالِيُّ: وهو الَّذِي يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ وتَشْتَدُّ الحاجَةُ إلَيْهِ ويَصْعُبُ الوُصُولُ [إلَيْهِ]. ولَمّا كانَ المَغْلُوبُ عَلى الشَّيْءِ فَيُؤْخَذُ مِن يَدِهِ قَدْ لا يَنْقادُ باطِنًا فَلا يُباشِرُ ما غُلِبَ عَلَيْهِ لِلْغالِبِ وقَدْ [لا] يَكُونُ العِزُّ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الجَبّارُ﴾ وهو العَظِيمُ الَّذِي يَفُوتُ المُقاوِمَ مَنالُهُ، فَهو عَلى هَذا مِن أسْماءِ الذّاتِ ويُصْلِحُ أُمُورَ مَن يُرِيدُ مِنَ الخَلْقِ ويَقْهَرُهم عَلى ما يُرِيدُ، فَهم أحْقَرُ مِن أنْ يَعْصَوْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، والجَبْرُ: طَوْلٌ يُلْجِئُ الأدْنى لِما يُرِيدُ مِنهُ الأعْلى ويَغِيبُ مِنَ (p-٤٧٣)الأعْلى ما يُحاوِلُ مَنالَهُ [مِنهُ] الأدْنى مَعَ الظُّهُورِ التّامِّ الَّذِي تَدُورُ مادَّتُهُ عَلَيْهِ، فالجَبّارُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن قَبْضَتِهِ، وتَقْصُرُ الأيْدِي عَنْ حِمى عِزِّ حَضْرَتِهِ، ولا يُنالُ مِنهُ إلّا ما نَوَّلَ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ أوْصافِ الخَلْقِ لِمَنالِ الذُّبابِ مِنهم ما شاءَ وعَجْزِهِمْ عَنْهُ، [و]لِما فِيهِ مِنَ الإلْجاءِ كانَ هو الِاسْمَ الَّذِي يُلْجِئُ النّارَ لِقَصْرِها عَلى مُرادِهِ مِنها مِنَ الحَسَبِ الَّذِي جَبَلَها عَلى ضِدِّهِ مِنَ الِاسْتِزادَةِ فَلا تَزالُ تَقُولُ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ: هَلْ مِن مَزِيدٍ، حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ أيْ يُهِينُها فَإنَّ القَدَمَ مَوْضِعُ الإهانَةِ، [وهَذِهِ الإهانَةُ - ] هي مِن مَبْدَأِ ظُهُورِ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ لِلْغَضَبِ، فَلَهُ المُلْكُ ظُهُورًا بِالأيْدِي الظّاهِرَةِ مِنَ الإنْسانِ وما دُونَهُ، ولَهُ المَلَكُوتُ بُطُونًا بِالأيْدِي الباطِنَةِ مِنَ المُلْكِ وما دُونَهُ، ولَهُ الجَبَرُوتُ اخْتِصاصًا مِن وراءِ كُلِّ مُلْكٍ ومَلَكُوتٍ.

ولَمّا كانَ الإلْجاءُ قَدْ يَكُونُ بِنَوْعِ مُلاطَفَةٍ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ لِيَعُمَّ الإلْجاءُ الظّاهِرَ والباطِنَ فالكِبْرِياءُ جُمْلَةُ تَأدِّي أمْرِ اللَّهِ وظاهِرِ خَلْقِهِ الَّذِي يَجِدُ الخَلْقُ صِغَرَهم مِن دُونِهِ وكِبَرَهُ عَلَيْهِمْ وامْتِناعَهُ عَمّا لا يُرِيدُ مِن مُرادِهِمْ، لِأنَّ الكُلَّ حَقِيرُونَ بِالإضافَةِ إلى جَلالِهِ وعِزِّ جَبَرُوتِهِ وعَظَمَتِهِ (p-٤٧٤)وكَمالِهِ، ولِسَواءِ الخَلْقِ في عامِّ حَضْرَةِ القُدْرَةِ شَمِلَهُمُ الصِّغَرُ فَلَمْ يَصِحَّ مِنهم كِبَرٌ، ولا شُرِعَ لَهم تَكَبُّرٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنهم حَقِيقَةُ حَظٍّ ولا لَبْسُ حَقٍّ، فاخْتَصَّ بِهَذا الِاسْمِ لِاسْتِيلائِهِ عَلى الظَّواهِرِ بِإظْهارِ ما لَهُ مِنَ الكِبْرِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ وبِإلْجاءِ غَيْرِهِ إلى الِاحْتِياجِ إلَيْهِ والإيقاعِ بِجَبابِرَتِهِمْ وإذْلالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ المُرْهِبَةِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِشَيْءٍ كَما اخْتَصَّ بِالجَبّارِ لِاسْتِيلائِهِ عَلى البَواطِنِ.

ولَمّا تَقَرَّرَ بِما ذَكَرَ مِن مَظاهِرِ عَظَمَتِهِ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ بِاللُّطْفِ والعُنْفِ، أنْتَجَ ذَلِكَ تَعالِيَهُ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ لا سِيَّما بِالشِّرْكِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ تَنَزَّهَ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي اخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ تَنَزُّهًا لا تُدْرِكُ العُقُولُ مِنهُ أكْثَرَ مِن أنَّهُ عَلا عَنْ أوْصافِ الخَلْقِ فَلا يُدانِيهِ شَيْءٌ مِن نَقْصٍ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ [مِنَ] الأصْنامِ وغَيْرِها مِمّا في الأرْضِ أوْ في السَّماءِ مِن كَبِيرٍ وصَغِيرٍ. وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ.

59:24Page 548

هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤

He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5

ولَمّا تَمَّ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ بِما حَصَلَ مِنَ التَّفْهِيمِ بِالتَّدَنِّي إلى المِلْكِ ثُمَّ بِالتَّعَلِّي إلى التَّكَبُّرِ فَأنْتَجَ هَذِهِ الخاتِمَةَ، ابْتَدَأ سُبْحانَهُ دَلِيلًا آخَرَ هو في غايَةِ التَّنَزُّلِ والوُضُوحِ، فَقالَ مُفْتَتِحًا بِما افْتَتَحَ بِهِ الأوَّلَ مِنَ التَّرْتِيبِ في المَراتِبِ الثَّلاثِ، غَيْبِ الغَيْبِ ثُمَّ الغَيْبِ ثُمَّ الظُّهُورِ عَلى مَراتِبِهِ، (p-٤٧٥)إعْلامًا بِأنَّهُ لا بَراحَ عَنِ الإيمانِ بِالغَيْبِ، ومَن بَرِحَ عَنْهُ هَلَكَ ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ [هَذا الضَّمِيرُ] غَيْرُهُ لِأنَّ وُجُودَهُ مِن ذاتِهِ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ إلّا وهو مُمْكِنٌ فَهو أهْلٌ لِأنْ لا يَكُونَ فَلا يَكُونُ لَهُ ظُهُورٌ لِيَكُونَ لَهُ بُطُونٌ.

ولَمّا ابْتَدَأ بِهَذا الغَيْبِ المَحْضِ الَّذِي هو أظْهَرُ الأشْياءِ، أخْبَرَ عَنْهُ بِأشْهَرِ الأسْماءِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ شِرْكَةٌ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سَمِيٌّ فَلا كُفْؤَ لَهُ فَهو المَعْهُودُ بِالحَقِّ فَلا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ. ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ بِهَذا الدَّلِيلِ الجامِعِ بَيْنَ الغَيْبِ والظُّهُورِ، ثَنّى بِتَنْزِيلٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ فَهو في غايَةِ الظُّهُورِ فَقالَ: ﴿الخالِقُ﴾ أيِ الَّذِي لا خالِقَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا هو لِأنَّ الخَلْقَ فَرْضُ حَدٍّ وقَدْرٍ في مُطْلَقٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَعْدُ حَدٌّ ولا قَدْرٌ كالحاذِي يَخْلُقُ أيْ يُقَدِّرُ في الجِلْدِ حَدًّا وقَدْرًا لِنَعْلٍ ونَحْوِهِ وهو سابِقٌ لِلْفَرْيِ والبَرْيِ ونَحْوِهِ ”سَبَقَ العِلْمُ العَمَلَ“ فالخالِقُ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، الَّذِي يَقُولُ ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] ومِن ناشِئَةِ القَدَرِ الفَرْقُ والتَّرْتِيبُ، ومِن ناشِئَةِ (p-٤٧٦)الفَرْقِ والتَّرْتِيبِ الإحْياءُ والإماتَةُ، ومِن مَعادِ الفَرْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ الجَمْعُ والرَّبُّ، فَلا يَمْلِكُ الخَلْقَ والفَرْقَ إلّا مَن يَمْلِكُ الجَمْعَ والرَّبَّ، وقَدْ أُوتِيَ الخَلْقُ مَلَكَةَ ما في الفَرْقِ والشَّتاتِ، ولَمْ يَمْلِكُوا جَمْعَ ما فَرَّقُوا ولا إلْفَ ما شَتَّتُوا كالقاطِعِ عُضْوًا لا يَقْدِرُ عَلى لَأْمِهِ، والهادِمِ بِناءً لا يَقْدِرُ عَلى رَمِّهِ عَلى حَدِّهِ، والكاسِرِ شَيْئًا لا يَقْدِرُ عَلى وصْلِهِ، فَلِأنَّ الخَلْقَ لا يُحِيطُونَ بِتَقْدِيرِ ما يُسْرِعُونَ في قَدْرِهِ ولا يَقْدِرُونَ بَعْدَ الفَرْقِ والفَرْيِ عَلى رَمِّهِ ووَصْلِهِ كانَ المُحِيطَ التَّقْدِيرِ في الشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ وجُمْلَةِ حُدُودِهِ، القادِرَ عَلى جَمْعِ ما فَرَّقَ الَّذِي كَما بَدَأ أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، وتَلايَحَ تَحْتَ هَذا اللَّبْسِ في إطْلاقِ اسْمِ الخالِقِ [عَلى الخالِقِ] الحَقِّ ذِي الحَوْلِ والقُوَّةِ والقُدْرَةِ والإحاطَةِ والإبْداءِ والإعادَةِ، وعَلى الخالِقِ مِنَ الخَلْقِ المُقَدَّرِ بِغَيْرِ إحاطَةِ عِلْمٍ ولا تَأْصِيلِ حَوْلٍ ولا قُدْرَةٍ، ولا إتْمامِ إبْداءٍ لاحِظٌ مِن إعادَةِ أنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهَ كَما أنَّهُ لا مُعِيدَ لِما بَدَأ إلّا اللَّهَ، وأنْ لَيْسَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى الخَلْقِ مَبْدَأ فِتْنَتِهِ الَّتِي يُضِلُّ بِها مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، وتَحْقِيقُ أفْرادِ الخَلْقِ لِلَّهِ فِيما ظَهَرَ عَلى أيْدِي أهْلِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ وإحاطَةُ جَبَرُوتِهِ بِما ظَهَرَ وما بَطَنَ مِن أعْمالِهِمْ وصَنائِعِهِمْ، هو أوَّلُ مَجْمَعٍ مِن (p-٤٧٧)مَجامِعِ التَّوْحِيدِ، وهو أساسٌ لِإيمانِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ في الفاتِحَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ حَيْثُ أخْلَصُوا الدِّينَ لِلَّهِ، ولِمَوْقِعِ الشِّرْكِ فِيهِ كانَ القَدَرِيَّةُ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ولَمّا كانَ الخالِقُ الحَقُّ هو مَن أتْقَنَ التَّقْدِيرَ والبَرْءَ وإنْ كانَ أغْلَبُ الخَلْقِ لِقُصُورِهِمْ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ إلّا مُطْلَقَ التَّقْدِيرِ كَما قالَ شاعِرُهُمْ:

؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ∗∗∗ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

أرْدَفَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ وتَصْرِيحًا وتَأْكِيدًا قَوْلَهُ: ﴿البارِئُ﴾ [أيِ] الَّذِي يُدَقِّقُ بِما وقَعَ بِهِ التَّقْدِيرُ ويَقْطَعُهُ ويُصْلِحُهُ لِقَبُولِ الصُّورَةِ عَلى أتَمِّ حالٍ، فَإنْ كانَ مِنَ المُحِيطِ العِلْمِ كانَ تَمامُ التَّهَيُّؤِ لِلصُّورَةِ عَلى كَمالِ المَشِيئَةِ فِيها، وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يُحِيطُ عِلْمًا طَرَأ لَهُ في البَرْءِ مِنَ النَّقْصِ عَنِ التَّمامِ ما لا يُمْكِنُ مَعَهُ حُصُولُ المَقْصُودِ في الصُّورَةِ، ولا يَكادُ يَقَعُ الإحْسانُ لِلْخَلْقِ في مُصَوَّراتِهِمْ إلّا وِفاقًا لا يَعْلَمُونَ كُنْهَهُ ولا يَثِقُونَ بِحُصُولِهِ.

ولَمّا كانَ مَن يُهَيِّئُ الأُمُورَ لِلتَّصْوِيرِ قَدْ لا يُتْقِنُهُ قالَ: ﴿المُصَوِّرُ﴾ (p-٤٧٨)فَإنَّ التَّصْوِيرَ إتْمامُ تَفْصِيلِ الخَلْقِ الظّاهِرِ وإكْمالُ تَخْطِيطِهِ وإحْكامُ أعْضائِهِ وهو حَدُّ ما انْتَهى إلَيْهِ الخَلْقُ في الظُّهُورِ، ولَيْسَ وراءَ ظُهُورِ الصُّوَرِ كَوْنٌ إلّا لَطائِفَ تَطْوِيرِها في إسْنانِ كَمالِها بَعْدَ بَعْثِها بِإحْيائِها بِما لَها مِنَ الرُّوحِ المُقَوِّمِ لَها سَواءٌ كانَ حَيَوانِيًّا أوْ غَيْرَهُ إلى غايَةِ كَمالِها الَّذِي يُعْطِيهِ المُصَوِّرُ لَها إفْضالًا ومَزِيدًا ويُظْهِرُهُ إبْداعًا، ويَتَّضِحُ الفَرْقُ جِدًّا بَيْنَ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ بِالبِناءِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ أوَّلًا إلى مُقَدِّرٍ يُقَدِّرُ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الحَجَرِ واللَّبِنِ والخَشَبِ والحَدِيدِ ومِساحَةِ الأرْضِ وعَدَدِ الأبْنِيَةِ وطُولِها وعَرْضِها، وهَذا يَتَوَلّاهُ المُهَنْدِسُ فَيَرْسُمُهُ وهو الخَلْقُ ثُمَّ يَحْتاجُ إلى حَجّارٍ يَنْحِتُ الحِجارَةَ ويُهَيِّئُها لِتَصْلُحَ لِمَواضِعِها الَّتِي تَكُونُ فِيها مِنَ الأبْوابِ وأوْساطِ الجُدُرِ وأطْرافِها وزَواياها وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذا الخَشّابُ والحَدّادُ في الخَشَبِ والحَدِيدِ وهو البَرْءُ ثُمَّ يَأْخُذُ الكُلَّ البَنّاءُ فَيَضَعُها مَواضِعَها إلى أنْ تَقُومَ صُورَتُها الَّتِي رَسَمَها المُهَنْدِسُ أوَّلًا وقَدَّرَها، ولا تَقُومُ الصُّورَةُ بِالحَقِّ إلّا إذا كانَتْ مُحْكَمَةً بِحَسَبِ الطّاقَةِ كَما أنَّ البَنّاءَ يَضَعُ الحِجارَةَ أوَّلًا ثُمَّ يَجْعَلُ الخَشَبَ فَوْقَها لا بِالِاتِّفاقِ بَلْ بِالحِكْمَةِ، ولَوْ قَلَبَ ذَلِكَ لَمْ تَثْبُتِ الصُّورَةُ ولَمْ يَكُنْ لَها الِاسْمُ إلّا عَلى أقَلِّ وُجُوهِ الضَّعْفِ فَكُلُّ مَن كانَ أحْكَمَ كانَ تَصْوِيرُهُ أعْظَمَ، ولِذَلِكَ (p-٤٧٩)لا مُصَوِّرَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ الخالِقَ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبْحانَهُ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والتَّصْوِيرُ مَوْجُودٌ في كُلِّ أجْزاءِ العالَمِ وإنْ صَغُرَ حَتّى في الذَّرَّةِ والنَّمْلَةِ بَلْ في كُلِّ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ النَّمْلَةِ، بَلِ الكَلامُ يَطُولُ في طَبَقاتِ العَيْنِ وعَدَدِها وهَيْئاتِها وشَكْلِها ومَقادِيرِها وألْوانِها، ووَجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، فَمَن لَمْ يَعْرِفْ صُورَتَها لَمْ يَعْرِفْ مُصَوِّرَها إلّا بِالِاسْمِ المُجْمَلِ، وهَكَذا القَوْلُ في كُلِّ صُورَةٍ لِكُلِّ حَيَوانٍ ونَباتٍ بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ.

ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُصَوِّرُ بالِغَ الحِكْمَةِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ مِنَ الحَكِيمِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ لا يَتِمُّ التَّصْوِيرُ إلّا بِهِ ولا تُدْرِكُونَهُ [أنْتُمْ] حَقَّ إدْراكِهِ.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّ الكائِناتِ أوْجَدَتْ تَسْبِيحَهُ خُضُوعًا لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ إلى أنْ أسْمَعَهُ الآذانَ الواعِيَةَ بِالأسْماءِ الحُسْنى، دَلَّ عَلى دَوامِ اتِّصافِهِ [بِذَلِكَ] مَن يَحْتاجُ لِما لَهُ مِنَ النَّقْصِ مِنَ الخَلْقِ إلى التَّذْكِيرِ فَعَبَّرَ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُكَرِّرُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ مِن كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿لَهُ﴾ أيْ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ بِما أفْهَمَهُ قَصْرُ المُتَعَدِّي وتَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ هَذا المُنَزَّهُ الَّذِي اسْتَجْلى التَّنْزِيهَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى قَدْ أشْرَقَتْ أنْفاسُهُ ولَطُفَتْ أقْطارُهُ (p-٤٨٠)وأغْراسُهُ حَتّى صارَ عُلْوِيًّا فَرَأى الأرْضَ عالِيَةً كالسَّماءِ لِما شارَكَتْها بِهِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ كَمالِهِ فَجَعَلَها مَعَها لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدٍ كالشَّيْءِ الواحِدِ بِإسْقاطِ ”ما“ وألْصَقَها بِها إلاحَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ فَمَن تَأمَّلَ الوُجُودَ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا، عَلِمَ تَسْبِيحَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِنُعُوتِ الكَمالِ وأوْصافِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ولا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، ويَعِزُّ الوُصُولُ إلَيْهِ ويَشْتَدُّ الحاجَةُ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ مَن يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَتِمُّ أمْرُهُ ويَثْبُتُ كُلُّ ما يُرِيدُهُ إلّا إنْ كانَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿الحَكِيمُ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ وهي إتْقانُ الحُكْمِ وإنْهاؤُها إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، والحُكْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: المَنعُ عَمّا يَتَرامى إلَيْهِ المَحْكُومُ إيالَةً عَلَيْهِ وحَمْلُهُ عَلى ما يَمْتَنِعُ مِنهُ نَظَرًا لَهُ، فَفي ظاهِرِهِ الجُهْدُ وفي باطِنِهِ الرِّفْقُ، وفي عاجِلِهِ الكُرْهُ، وفي آجِلِهِ الرِّضى والرَّوْحُ، فَمَوْقِعُهُ في الأبْدانِ المُداواةُ «تَداوَوْا عِبادَ اللَّهِ فَإنَّ الَّذِي أنْزَلَ الدّاءَ أنْزَلَ الدَّواءَ»، ومَوْقِعُهُ في الأدْيانِ التِزامُ الأحْكامِ والصَّبْرُ والمُصابَرَةُ عَلى مُجاهَدَةِ الأعْمالِ وجِهادِ الأعْداءِ ظاهِرًا مِن عَدُوِّ الدِّينِ والبَغْيِ وباطِنًا مِن عَدُوِّ النَّفْسِ «(أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ)» (p-٤٨١)ومِن بَعْضِ الأهْلِ والوَلَدِ عَدُوٌّ، والشَّيْطانُ عَدُوٌّ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فالحَمْلُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الصَّبْرِ والمُصابَرَةِ ظاهِرًا بِالإيالَةِ العالِيَةِ هو الحُكْمُ والعِلْمُ بِالأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن قِوامِ أمْرِ عاجِلَتِهِ وحُسْنِ العُقْبى في آجِلَتِهِ مِنَ الحِكْمَةِ، فالحُكْمُ مُباحُ التَّعْلِيمِ لِلنّاسِ عامَّةً بَلْ واجِبٌ أنْ يَتَعَلَّمَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَ الأحْكامِ ما يَخُصُّهُ، وأنْ يُنْتَدَبَ طائِفَةٌ لِعِلْمِ ما يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] والحِكْمَةُ الَّتِي هي العِلْمُ بِما لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن مَشْرُوطِهِ التَّعْلِيمُ بِالتَّزْكِيَةِ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] [فَما يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ] إلّا بَعْدَ التَّزْكِيَةِ فَمَن تَزَكّى فَهو مِن أهْلِها ومَن لَمْ يَتَزَكَّ فَلَيْسَ مِن أهْلِها، فالحِكْمَةُ تُحَلِّي مَرارَةَ جُهْدِ العَمَلِ بِالأحْكامِ فَيَيْسُرُ بِها ما يَعْسُرُ دُونَها، والحُكْمُ ضِيقُ الأمْرِ لِلنَّفْسِ كَما أنَّ السَّجْنَ ضِيقُ الخَلْقِ لِلْبَدَنِ، والحِكْمَةُ تُوَطِّدُ مَحْمَلَ ضِيقِ الحُكْمِ لِأنَّها تَخْرُجُ وتَؤُولُ إلى سَعَةِ الواسِعِ، ولا يَتِمُّ الحُكْمُ وتَسْتَوِي الحِكْمَةُ إلّا بِحَسَبِ سَعَةِ العِلْمِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنَ العِلْمِ إلّا بِقَدْرِ ما يَهَبُهُمُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ الحِكْمَةِ إلّا مِقْدارَ ما يُورِثُهم ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ (p-٤٨٢)الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] ولَمّا كانَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ كانَ إنَّما الحِكْمَةُ حِكْمَةُ اللَّهِ وإنَّما الحُكْمُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهو الحَكِيمُ الَّذِي لا حَكِيمَ إلّا هو - انْتَهى. وقَدْ عُلِمَ سِرُّ اتِّباعِ الأسْماءِ الشَّرِيفَةِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، وذاكَ أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ بِـ ”هُوَ“ وأخْبَرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ العَلَمِ الأعْظَمِ المُفْرَدِ المَصُونِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى، أتْبَعَهُ تِلْكَ الأوْصافَ العُلى مِن غَيْرِ عَطْفٍ إعْلامًا بِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنها يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْناهُ بِالمَفْهُومِ المُتَعارَفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَعْدَها الأسْماءَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَجْمَعُ مَعْناهُ إلّا جَمِيعُ الأوْصافِ المُنَزَّلَةِ في كُتُبِهِ والمَأْخُوذَةِ عَنْ أوْلِيائِهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِها في غَيْبِهِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ هَهُنا مُضادًّا في [المَعْنى] الظّاهِرِيِّ لِلْآخَرِ كالأوَّلِ والآخِرِ حَتّى يُظَنَّ لِأجْلِهِ نَقْصٌ في المَعْنى بِسَبَبِ تَرْكِ العَطْفِ، وأمّا تَرْتِيبُها هَكَذا فَلِأنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنها كَما مَضى شارِحٌ لِما خَفِيَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِلازِمِهِ، ومُوَضِّحٌ لِما ألاحَ أنَّهُ مِن مَضْمُونِهِ، وقَدِ انْعَطَفَ عَلى افْتِتاحِها خِتامُها وعانَقَ ابْتِداؤُها تَمامَها، ووَفّى مَطْلَعُها مَقْطَعَها، وزادَ وبَلَغَ الغايَةَ مِنَ الإرْشادِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ بِرَحْمَتِهِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وهادِيًا إلى الصَّوابِ والسَّدادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском