Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:6–8
59:6Page 546
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
ولَمّا كانَتِ الغَنائِمُ الَّتِي تُقَسَّمُ بَيْنَ الجَيْشِ إنَّما هي ما قاتَلُوا عَلَيْهِ، وأمّا ما أتى مِنها بِغَيْرِ قِتالٍ فَهو فَيْءٌ يَأْخُذُهُ الإمامُ فَيُقَسِّمُهُ خَمْسَةَ أخْماسٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُ خُمْسًا مِنها خَمْسَةَ أقْسامٍ، أحَدُها وهو كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ بَعْدَهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ، والأقْسامُ الأرْبَعَةُ [الأُخْرى] مِن هَذا الخُمْسِ لِمَن ذُكِرَ في الآيَةِ بَعْدَها، والأرْبَعَةُ الأخْماسِ الكائِنَةُ مِن أصْلِ القِسْمَةِ وهي الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّها حَصَلَتْ بِكِفايَتِهِ وإرْعابِهِ لِلْعَدُوِّ، تُفَرَّقُ بَيْنَ المُرْتَزِقَةِ مِن جَمِيعِ النَّواحِي، فَكانَتِ الأمْوالُ كُلُّها لِلَّهِ إنْعامًا عَلى مَن يَعْبُدُهُ بِما شَرَعَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَتْ أمْوالُ الكُفّارِ في أيْدِيهِمْ غَصْبًا غَصَبُوهُ (p-٤٢٠)مِن أوْلِيائِهِ، فَخَصَّ سُبْحانَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ لِأنَّها فَيْءٌ فَقالَ: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ﴾ أيْ رَدَّ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ رَدًّا سَهْلًا بَعْدَ أنْ كانَ فِيما يَظْهَرُ في غايَةِ العُسْرِ والصُّعُوبَةِ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ فَصَيَّرَهُ في يَدِهِ بَعْدَ أنْ كانَ خُرُوجُهُ عَنْها بِوَضْعِ أيْدِي الكُفّارِ عَلَيْهِ ظُلْمًا وعُدْوانًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالفَيْءِ الَّذِي هو عَوْدُ الظِّلِّ إلى النّاحِيَةِ الَّتِي كانَ ابْتَدَأ مِنها ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ رَدًّا مُبْتَدِئًا مِنَ الفاسِقِينَ، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا فَيْءٌ لا غَنِيمَةٌ، ويَدْخُلُ في الفَيْءِ أمْوالُ مَن ماتَ مِنهم عَنْ غَيْرِ وارِثٍ وكَذا الجِزْيَةُ، وأمّا الغَنِيمَةُ فَهي ما كانَ بِقِتالٍ وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ.
ولَمّا كانَ الحَرْبُ إنَّما هو كَرٌّ وفَرٌّ في إسْراعٍ وخِفَّةٍ ورَشاقَةٍ بِمُخاتَلَةِ الفُرْسانِ ومُراوَغَةِ الشُّجْعانِ ومُغاوَرَةِ أهْلِ الضَّرْبِ والطِّعانِ، قالَ مُعَلِّلًا لِكَوْنِهِ فَيْئًا: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ﴾ أيْ أسْرَعْتُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَرَّكْتُمْ واتَّبَعْتُمْ في السَّيْرِ - انْتَهى، وذَلِكَ الإيجافُ لِلْغَلَبَةِ ﴿عَلَيْهِ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن خَيْلٍ﴾ وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِظَنِّ مَن ظَنَّ أنَّهُ غَنِيمَةٌ لِإحاطَتِهِمْ بِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا رِكابٍ﴾ أيْ إبِلٍ، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْها مِن بَيْنِ المَرْكُوباتِ، ولا قَطَعْتُمْ مِن أجْلِهِ مَسافَةً، فَلَمْ تَحْصُلْ لَكم كَبِيرُ مَشَقَّةٍ في حَوْزِ أمْوالِهِمْ لِأنَّ قَرْيَتَهم كانَتْ في حُكْمِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ بَيْنَها (p-٤٢١)وبَيْنَ ما يَلِي مِنها مَسافَةٌ بَلْ هي مُلاصِقَةٌ لِإحْدى قُرى الأنْصارِ الَّتِي المَدِينَةُ اسْمٌ لَها كُلِّها، وهي قَرْيَةُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في قُباءَ بَيْنَهُما وبَيْنَ القَرْيَةِ [الَّتِي] كانَ رَسُولُ اللَّهِ نازِلًا بِها نَحْوُ مِيلَيْنِ، فَمَشى الكُلُّ مَشْيًا ولَمْ يَرْكَبْ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُقاتِلُوا بِها قِتالًا بَعْدُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها اللَّهُ فَيْئًا ولَمْ يَجْعَلْها غَنِيمَةً، فَهي تُقَسَّمُ قِسْمَةَ الفَيْءِ، لا قِسْمَةَ الغَنِيمَةِ، فَخُمْسُها لِأهْلِ خُمْسِ الغَنِيمَةِ وهُمُ الأصْنافُ الخَمْسَةُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، وما فَضَلَ فَهو الأرْبَعَةُ الأخْماسِ لَهُ ﷺ مَضْمُومَةٌ إلى ما حازَهُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا: فَما كانَ التَّسْلِيطُ بِكُمُ، اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العِزُّ كُلُّهُ فَلا كُفْؤَ لَهُ ﴿يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ أيْ لَهُ هَذِهِ السُّنَّةُ في كُلِّ زَمَنٍ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ بِجَعْلِ ما آتاهم سُبْحانَهُ مِنَ الهَيْبَةِ رُعْبًا في قُلُوبِ أعْدائِهِ، فَهو الَّذِي سَلَّطَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى هَؤُلاءِ بِأنْ ألْقى في رَوْعِهِ الشَّرِيفِ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَيَسْألَهُمُ الإعانَةَ في دِيَةِ العامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَأً، فَلَمّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جانِبِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِهِمْ، وكانُوا مُوادِعِينَ لَهُ ﷺ نَقَضُوا عَهْدَهم خُفْيَةً مَكْرًا مِنهم بَعْدَ أنْ رَحَّبُوا بِهِ ووَعَدُوهُ الإعانَةَ وأمَرُوا أحَدَهم أنْ يَرْمِيَ عَلَيْهِ مِن (p-٤٢٢)فَوْقِ السَّطْحِ صَخْرَةً لِتَقْتُلَهُ، فَأعْلَمَهُ [اللَّهُ] بِهَذا فَذَهَبَ وتَرَكَ أصْحابَهُ هُناكَ حَتّى لَحِقُوا بِهِ، وهَذا بَعْدَ ما كانَ حُيَيٌّ فَعَلَ مِن قُدُومِهِ مَكَّةَ ونَدْمِهِ لِقُرَيْشٍ إلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ ومُعاقَدَتِهِ لَهم عَلى أنْ يَكُونَ مَعَهم عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإعْلامِ اللَّهِ بِذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ما أصْبَحَ أنَّكم [قَدْ] خُنْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَأرَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا كَذا، وأنَّ الأرْضَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فاخْرُجُوا مِنها وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَكَثُوا عَلى ذَلِكَ أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ ودَسَّ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم مَعَهم في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ لا يُسْلِمُونَهُمْ، وقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: مَعِي ألْفانِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ يَدْخُلُونَ حِصْنَكم فَيَمُوتُونَ مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ فَطَمِعَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ في ذَلِكَ فَأرْسَلَ: إنّا لا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُؤْمِنِينَ يَحْمِلُ رايَتَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلّى العَصْرَ بِفِنائِهِمْ بَعْدَ أنِ اسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ [أُمِّ] مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأقامَ عَلَيْهِمْ سِتَّ لَيالٍ وهم مُتَحَصِّنُونَ، فَقَطَعَ مِن نَخْلِهِمْ [وحَرَقَ] فَنادَوْهُ أنْ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ وتَعِيبُهُ عَلى مَن صَنَعَهُ فَما بالُكَ تَقْطَعُ النَّخْلَ، وتَرَبَّصُوا نَصْرَ ابْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ عَلى (p-٤٢٣)ما قالُوا فَلَمْ يَفُوا لَهُمْ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَأرْسَلُوا بِالإجابَةِ، فَقالَ: لا إلّا أنْ يَكُونَ [لِي] سِلاحُكم وما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى حَمْلِهِ عَلى إبِلِكم مِن أمْوالِكُمْ، فَتَوَقَّفُوا ثُمَّ أجابُوا فَحَمَلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإبِلُ إلّا الحَلْقَةَ، وذَهَبُوا عَلى سِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ، وأظْهَرُوا الحُلِيَّ والحُلَلَ وأبْدى نِساؤُهم زِينَتَهُنَّ فَلَحِقَ بَعْضُهم بِخَيْبَرَ وبَعْضُهم بِالشّامِ وخَلَّوُا الأمْوالَ والحَلْقَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يامِينُ بْنُ عَمْرٍو وأبُو سَعْدِ بْنُ وهْبٍ، أسْلَما عَلى أمْوالِهِما فَأحْرَزاها فَجَعَلَ اللَّهُ أمْوالَ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم فَيْئًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً بِهِ يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ مُخاصَمَةِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وفِيهِ أنَّهُ مِن خَصائِصِهِ ﷺ فَإنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ في هَذا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ واللَّهِ ما احْتازَها دُونَكم ولا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكم قَدْ أعْطاكُمُوها وبَثَّها فِيكم حَتّى بَقِيَ مِنها هَذا المالُ» - يَعْنِي الَّذِي وقَعَ خِصامُهُما فِيهِ، فَكانَ يُنْفِقُ رَسُولُ اللَّهِ (p-٤٢٤)ﷺ عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِن هَذا المالِ ثُمَّ يَأْخُذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ ما لِلَّهِ، وفي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ ما لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً يُنْفِقُ [عَلى أهْلِهِ] مِنها نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ» - انْتَهى، وقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْوالَهم بَعْدَ ما تَرَكَهُ لِنَفْسِهِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، لَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ: أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ والحارِثَ بْنَ الصِّمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، [وكانَ لِسَيْفِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَنَفَّلَهُ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ[ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: إنَّ الفَيْءَ كانَ يُقَسَّمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ سَهْمًا أرْبَعَةُ أخْماسِها وهي عِشْرُونَ سَهْمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيها ما أرادَ، والخُمْسُ الباقِي عَلى ما يُقَسَّمُ عَلَيْهِ خُمْسُ الغَنِيمَةِ - يَعْنِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَوِي القُرْبى ومَن بَعْدَهُمْ، هَكَذا كانَ عَمَلُهُ ﷺ [فِي صَفاياهُ، (p-٤٢٥)فَلَمّا تُوُفِّيَ كانَتْ إلى إمامِ المُسْلِمِينَ وكَذا جَمِيعُ ما تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] لِأنَّهُ قالَ: «لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» . فَوَلِيَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكانا يَفْعَلانِ [فِيها] ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وقالَ الأصْبَهانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثُمَّ قالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ ثُمَّ قَرَأ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]
ثُمَّ قالَ هَذِهِ لِهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ثُمَّ قالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ المُسْلِمِينَ عامَّةً فَلَيْسَ أحَدٌ إلّا لَهُ فِيها حَقٌّ، ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِيَ نَصِيبُهُ مِنهُ لَمْ يَعْرَقْ جَبِينُهُ فِيهِ - انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي النَّضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجَفُ عَلَيْها ويُقاتَلُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الأمْوالَ الَّتِي هي فَيْءٌ كَبَقِيَّةِ الفَيْءِ يُقَسَّمُ عَلى [خَمْسَةِ] أسْهُمٍ: خُمْسٌ مِنها لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ أوَّلُها النَّبِيُّ ﷺ وأرْبَعَةُ أخْماسِها لَهُ ﷺ وحْدَهُ، وأجابَ الشّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (p-٤٢٦)فَكانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً بِأنَّهُ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، ومَعْناهُ، فَكانَ ما بَقِيَ مِنها في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إعْطاءِ الخُمْسِ لِأرْبابِهِ خاصًّا بِهِ ﷺ، لا يَشُكُّ أحَدٌ في خُصُوصِيَّتِهِ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما احْتازَهُ دُونَهم بَلْ كانَ يَفْعَلُ ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ مِنَ الإيثارِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأنّا لا نَشُكُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى الأصْنافَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ مِنها حَقَّهم وقَدْ عَهِدْنا أنَّ حَقَّ هَؤُلاءِ الأصْنافِ مِن مالِ المُشْرِكِينَ الخُمْسُ كَما هو صَرِيحٌ في سُورَةِ الأنْفالِ، واسْتُفِيدَ مِن قَوْلِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إنَّها كانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ“ أنَّهُ كانَ لَهُ ما كانَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُونَ [مِنَ الخُمْسِ مِنَ الغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِما حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الرُّعْبِ مِنهُمْ، والَّذِي كانَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُونَ] بَعْدَ الخُمْسِ هو أرْبَعَةُ الأخْماسِ والنَّبِيُّ ﷺ قامَ مَقامَ المُسْلِمِينَ فِيهِ إذْ هم لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ. وإنَّما حَصَلَ ذَلِكَ بِالرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. فَكانَتِ الأرْبَعَةُ الأخْماسِ تَخْتَصُّ مِمَّنْ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ الجَمِيعِ [كَما في الغَنِيمَةِ، فَعَلى هَذا الفَيْءُ الغَنِيمَةُ لا يَخْتَلِفانِ في أنَّ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ تَخْتَصُّ لِمَن كانَ السَّبَبَ (p-٤٢٧)فِي حُصُولِ الجَمِيعِ] وأنَّ خُمْسَ المالَيْنِ يَكُونُ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ، والَّذِي كانَ لَهُ ﷺ مِنَ الفَيْءِ مِنَ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لِلْمُقاتِلَةِ لِأنَّهُ حَصَلَ بِالرُّعْبِ الحاصِلِ لِلْكُفّارِ مِنهم كَأرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِقِتالِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عامَّةً بِالتَّسْلِيطِ وغَيْرِهِ، أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ [أيِّ شَيْءٍ] يَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ المَشِيئَةُ بِهِ وهو كُلُّ مُمْكِنٍ مِنَ التَّسْلِيطِ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إيجافَ الخَيْلِ والرِّكابِ وقَصْدَ العَدُوِّ إلى الأماكِنِ الشّاسِعَةِ لَهُ وقْعٌ كَبِيرٌ في النُّفُوسِ ورُعْبٌ عَظِيمٌ.
59:7Page 546
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧
And what Allāh restored to His Messenger from the people of the towns - it is for Allāh and for the Messenger and for [his] near relatives1 and orphans and the needy and the [stranded] traveler2 - so that it will not be a perpetual distribution among the rich from among you. And whatever the Messenger has given you - take; and what he has forbidden you - refrain from. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
ولَمّا نَزَعَ سُبْحانَهُ أمْوالَهم مِن أيْدِي الجَيْشِ، بَيَّنَ مَصْرِفَ غَيْرِها مِمّا كانَ مِثْلَها بِأنْ فُتِحَ لَهُ ﷺ بِغَيْرِ قِتالٍ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ يَعُمُّ هَذا الحُكْمُ كُلَّ فَيْءٍ يَكُونُ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ والقُدْرَةِ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مُحِيطَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُسَلِّطُ عَلى أهْلِ وادِي القُرى وغَيْرِهِمْ (p-٤٢٨)أعْظَمَ مِن هَذا التَّسْلِيطِ، قالَ لِيَكُونَ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ: ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ قَرْيَةِ بَنِي النَّضِيرِ وغَيْرِها مِن وادِي القُرى والصَّفْراءِ ويَنْبُعَ وما هُنالِكَ مِن قُرى العَرَبِ الَّتِي تُسَمّى قُرًى عَرَبِيَّةً ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي الأمْرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ خَلْقِهِ، فَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَتَهُ، وهَذانِ يَتَراءى أنَّهُما قِسْمانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، هُما قِسْمٌ واحِدٌ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ تَبَرُّكًا، فَإنَّ كُلَّ أمْرٍ لا يَبْدَأُ بِهِ فَهو أجْذَمُ، وتَعْظِيمًا لِرَسُولِهِ ﷺ إعْلامًا بِأنَّهُ لا هَوى لَهُ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا. وإنَّما رِضاهُ رِضا مَوْلاهُ، خُلُقُهُ القُرْآنُ الَّذِي هو صِفَةُ اللَّهِ [فَهُوَ] مَظْهَرُهُ ومَجْلاهُ، وسَهْمُهُ ﷺ يُصْرَفُ بَعْدَهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ كالسِّلاحِ والثُّغُورِ والعُلَماءِ والقُضاةِ والأئِمَّةِ.
ولَمّا أبانَ هَذا الكَلامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الفَضْلِ والعَظَمَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، أتْبَعَهُ تَعْظِيمًا آخَرَ بِتَعْظِيمِ أقارِبِهِ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ أعادَ العامِلَ فَقالَ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ أيْ مِنهُ لِأنَّ رُتْبَتَهم مِن بَعْدِ رُتْبَتِهِ وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ رَهْطُ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَواءٌ فِيهِ غَنِيُّهم وفَقِيرُهُمْ، لِأنَّ أخْذَهم لِذَلِكَ بِالقَرابَةِ لا بِالحاجَةِ كَما هو مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الشَّرَفِ، أتْبَعَهُ أهْلَ الضَّعْفِ جَبْرًا لِوَهْنِهِمْ فَقالَ مُقَدِّمًا أضْعَفَهُمْ: ﴿واليَتامى﴾ (p-٤٢٩)[أيِ] الَّذِينَ هم أحَقُّ النّاسِ بِالعَطْفِ لِأنَّ مَبْنى الدِّينِ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ الَّتِي مِن أجَلِّها تَقْوِيَةُ الضَّعِيفِ وجَبْرُ الكَسِيرِ ﴿والمَساكِينِ﴾ [فَإنَّهُمْ] في الضَّعْفِ [عَلى إثْرِهِمْ] ودَخَلَ فِيهِمُ الفُقَراءُ فَإنَّهُ إذا انْفَرَدَ لَفْظُ الفَقِيرِ أوِ المَساكِينِ دَخَلَ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ، وإنَّما يُفَرَّقُ إذا جُمِعَ بَيْنَهُما، وكَذا الفَيْءُ والغَنِيمَةُ إذا أُفْرِدا جازَ أنْ يُدْخَلَ كُلٌّ في الآخَرِ، وإذا جُمِعا فالفَيْءُ ما حَصَلَ بِغَيْرِ قِتالٍ وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ، والغَنِيمَةُ ما حَصَلَ بِذَلِكَ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهُمُ الغُرَباءُ لِانْقِطاعِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وقِسْمَةُ الفَيْءِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كَما مَضى أنْ يُقَسَّمَ خَمْسَةَ أقْسامٍ: خُمْسٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ [و]مَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ وذُكِرَ اللَّهُ فِيهِمْ لِلتَّبَرُّكِ، لِأنَّ الأصْنافَ المَذْكُورَةَ هي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ، والأرْبَعَةُ الأخْماسِ خاصَّةٌ لَهُ ﷺ يُنْفِقُ مِنها نَفَقَةَ سَنَةٍ وما فَضَلَ عَنْهُ أنْفَقَهُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ السِّلاحِ و[الكُراعِ و]نَحْوِهِ، وما كانَ لَهُ ﷺ في حَياتِهِ فَهو لِلْمَصالِحِ بَعْدَ وفاتِهِ، كَما كانَ يَفْعَلُ بَعْدَ ما يَفْضُلُ عَنْ حاجَتِهِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [فِي الأُمِّ]: وما أُخِذَ مِن مُشْرِكٍ (p-٤٣٠)بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ غَيْرِ ضِيافَةِ مَن مَرَّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهو عَلى وجْهَيْنِ لا يَخْرُجُ مِنهُما، كِلاهُما مُبَيَّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى و[عَلى] سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وفي فِعْلِهِ فَأحَدُهُما الغَنِيمَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] والوَجْهُ الثّانِي الفَيْءُ، وهو مَقْسُومٌ في كِتابِ اللَّهِ في سُورَةِ الحَشْرِ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ [الحشر: ٦] - إلى قَوْلِهِ - ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] فَهَذانِ المالانِ اللَّذانِ خَوَّلَهُما اللَّهُ مَن جَعَلَهُما لَهُ مِن أهْلِ دِينِهِ، وهَذِهِ أمْوالٌ يَقُومُ بِها الوُلاةُ لا يَسَعُهم تَرْكُها. فالغَنِيمَةُ والفَيْءُ تَجْتَمِعانِ في أنَّ فِيهِما مَعًا الخُمْسَ مِن جَمِيعِهِما لِمَن سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَتَيْنِ [مَعًا] سَواءٌ مُجْتَمِعِينَ غَيْرُ مُفْتَرِقِينَ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الحُكْمُ في الأرْبَعَةِ الأخْماسِ بِما بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وفي فِعْلِهِ فَإنَّهُ قَسَّمَ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ هي المُوجَفُ عَلَيْها بِالخَيْلِ والرِّكابِ لِمَن حَضَرَ مِن غَنِيٍّ وفَقِيرٍ، والفَيْءُ وهو ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ في قُرى عُرَيْنَةَ الَّتِي أفاءَها اللَّهُ عَلَيْهِ أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-٤٣١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أراهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن رِوايَةِ [مالِكِ بْنِ] أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في خِصامِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ الشّافِعِيُّ: فَأمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيها ما بَقِيَ مِنها في يَدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الخُمْسِ وبَعْدَ أشْياءَ فَرَّقَها النَّبِيُّ ﷺ مِنها بَيْنَ رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ لَمْ يُعْطِ مِنها أنْصارِيًّا [إلّا رَجُلَيْنِ] ذَكَرا فَقْرًا وهَذا مُبَيَّنٌ في مَوْضِعِهِ، وفي هَذا الحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّما حَكى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو أمْضَيا ما بَقِيَ مِن هَذِهِ الأمْوالِ الَّتِي كانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ ما رَأيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ فِيها، وأنَّهُما لَمْ يَكُنْ لَهُما مِمّا [لَمْ] يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَيْءِ ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُما إنَّما كانا فِيهِ أُسْوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ سِيرَتُهُما وسِيرَةُ مَن بَعْدَهُما، والأمْرُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا عَلِمْتُهُ ولَمْ يَزَلْ يُحْفَظُ مِن (p-٤٣٢)قَوْلِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن صَفِيِّ الغَنِيمَةِ ولا مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنها، وقَدْ مَضى مَن كانَ [يُنْفِقُ] عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أزْواجِهِ وغَيْرِهِنَّ إنْ كانَ مَعَهُنَّ، فَلَمْ أعْلَمْ أحَدًا مِن أهْلِ [العِلْمِ] قالَ: لِوَرَثَتِهِمْ تِلْكَ [النَّفَقَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ولا خِلافَ أنْ تُجْعَلَ تِلْكَ النَّفَقاتُ حَيْثُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ فُضُولَ غَلّاتِ تِلْكَ] الأمْوالِ فِيما فِيهِ صَلاحُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، قالَ الشّافِعِيُّ: والجِزْيَةُ مِنَ الفَيْءِ وسَبِيلُها سَبِيلُ جَمِيعِ ما أُخِذَ مِمّا أُوجِفَ مِن مالٍ مُشْرِكٍ أنْ يُخَمَّسَ فَيَكُونَ لِمَن سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الخُمْسُ وأرْبَعَةُ أخْماسِهِ عَلى ما سَأُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أُخِذَ مِن مُشْرِكٍ مِن [مالِ] غَيْرِ إيجافٍ، وذَلِكَ مِثْلُ ما أُخِذَ مِنهُ إذا اخْتَلَفَ في بِلادِ المُسْلِمِينَ ومِثْلُ ما أُخِذَ مِنهُ إذا ماتَ ولا وارِثَ لَهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ما أُخِذَ مِن مالِهِ، وقَدْ كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيْءٌ مِن غَيْرِ قُرى عُرَيْنَةَ، وذَلِكَ مِثْلُ جِزْيَةِ أهْلِ البَحْرَيْنِ وهَجَرَ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكانَ لَهُ أرْبَعَةُ أخْماسِها يُمْضِيها حَيْثُ أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأوْفى خُمْسَهُ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ - انْتَهى.
ولَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ هَذا الحُكْمَ في الفَيْءِ المُخالِفَ لِما كانُوا عَلَيْهِ في (p-٤٣٣)الجاهِلِيَّةِ مِنَ [اخْتِصاصِ] الأغْنِياءِ بِهِ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ المُظْهِرَةَ لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ ورَحْمَتِهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِما عَلَّقَ بِهِ الجارَّ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ الفَيْءُ الَّذِي سَيَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقُوَّتِهِ وما خَصَّ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِن قَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أعْدائِهِ ومَن حَقُّهُ أنْ يُعْطاهُ الفُقَراءُ ﴿دُولَةً﴾ أيْ شَيْئًا يَتَناوَلُهُ أهْلُ الغِنى والشَّرَفِ عَلى وجْهِ القَهْرِ والغَلَبَةِ أثَرَةً جاهِلِيَّةً - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّأْنِيثِ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ و﴿دُولَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها فاعِلٌ ﴿بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ يَتَداوَلُونَهُ بَيْنَهم فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مِن عَزِيزٍ، ومِنهُ قالَ الحَسَنُ: اتَّخَذُوا عِبادَ اللَّهِ خَوَلًا ومالَ اللَّهِ دُوَلًا - يُرِيدُ مَن غَلَبَ مِنهم أخَذَهُ واسْتَأْثَرَ بِهِ، وقِيلَ: الضَّمُّ اسْمٌ لِلْمُتَداوَلِ كالغُرْفَةِ اسْمٌ لِما يُغْتَرَفُ، والفَتْحُ التَّداوُلُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم مِن قِسْمَتِهِ لِمَن أمَرْتُ بِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما﴾ أيْ وكُلُّ شَيْءٍ ﴿آتاكُمُ﴾ أيْ أحْضَرَ إلَيْكم وأمْكَنَكم مِنهُ ﴿الرَّسُولُ﴾ أيِ الكامِلُ في الرُّسْلِيَّةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أيْ فَتَقَبَّلُوهُ تَقَبُّلَ مَن حازَهُ ﴿وما نَهاكم عَنْهُ﴾ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ﴿فانْتَهُوا﴾ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ولا يَقُولُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ بِهِ اللَّهُ رَبُّهُ، فَمَن قَبِلَ ذَلِكَ هانَتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ كَما ورَدَ (القُرْآنُ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلى مَن تَرَكَهُ مُيَسَّرٌ عَلى مَن طَلَبَهُ وتَبِعَهُ) رُوِيَ أنَّ الآيَةَ (p-٤٣٤)نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الأنْصارِ قالُوا: لَنا مِن هَذِهِ القُرى سَهْمُنا.
ولَمّا كانَ الكَفُّ عَمّا ألِفَتْهُ النُّفُوسُ صَعْبًا، ولا سِيَّما ما كانَ مَعَ كَوْنِهِ تَمَتُّعًا بِمالٍ عَلى وجْهِ الرِّئاسَةِ، رَهَّبَ مِنَ المُخالَفَةِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَكم بِطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِقايَةً مِن عَذابِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، مُعَظِّمًا لَهُ بِإعادَةِ الجَلالَةِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ فِعْلَ المُخالِفِ فِعْلُ المُنْكِرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ عَلى الإطْلاقِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيِ العَذابِ الواقِعِ بَعْدَ الذَّنْبِ، ومَن زَعَمَ أنَّ شَيْئًا مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ نُسِخَ بِشَيْءٍ مِمّا في سُورَةِ الأنْفالِ فَقَدْ أخْطَأ، لِأنَّ الأنْفالَ نَزَلَتْ في بَدْرٍ و[هِيَ] قَبْلَ هَذِهِ بِمُدَّةٍ.
59:8Page 546
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨
For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.
ولَمّا نَزَعَ سُبْحانَهُ أمْوالَ الفَيْءِ وما كانَتْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وبَيَّنَ مَصْرِفَ الفَيْءِ مِنَ القُرى، وتَهَدَّدَ في المُخالَفَةِ في ذَلِكَ لِصُعُوبَتِهِ عَلى النُّفُوسِ، فَكانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِالتَّقَبُّلِ بَعْدَ أنْ أفْهَمَ أنَّ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لِمَن سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُهُ ﷺ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن حالِهِ ﷺ الإيثارُ عَلى نَفْسِهِ والقَناعَةُ بِما دُونَ الكَفافِ، بَيَّنَ المَصْرِفَ فِيها بَعْدَ كِفايَتِهِ ﷺ لِأنَّ بَيانَ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ لِكَوْنِهِ حاصِلًا حاضِرًا، المُوَطَّأُ لَهُ بِأمْوالِ أهْلِ القُرى، فَقالَ مُبْدِلًا [مِن] ﴿لِلَّهِ (p-٤٣٥)ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وما عَطَفَ عَلَيْهِما لِأنَّ مَن أعْطى المُهاجِرِينَ لِهِجْرَتِهِمْ وتَجَرُّدِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ ودِيارِهِمْ فَإنَّما أعْطاهم لِوَجْهِ اللَّهِ ووَجْهِ رَسُولِهِ ﷺ، ولا يَكُونُ بَدَلًا مِن ”ذِي القُرْبى“ لِئَلّا يُخْتَصَّ بِفَقِيرِهِمْ، أوْ يَكُونُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: قَدْ سَمِعْنا وأطَعْنا فَلِمَن يَكُونُ ما سَلَّطَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ مِن أمْوالِهِمْ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مِنهم يَعْصِبُ الحَجَرَ عَلى بَطْنِهِ مِنَ الجُوعِ ويَتَّخِذُ الحُفْرَةَ في الشِّتاءِ لِتَقِيَهُ البَرْدَ، ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها بَعْدَ أنْ كانَ لَهُ مِنَ الأمْوالِ ما يَسَعُهُ ويَفْضُلُ مِنهُ ما يَصِلُ بِهِ غَيْرَهُ، وإنَّما وصَفَهم بِالفَقْرِ لِأنَّهم كانُوا عِنْدَ نُزُولِها كَذَلِكَ، ثُمَّ خَصَّصَ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿المُهاجِرِينَ﴾ ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مَن هَجَرَ أهْلَ الكُفْرِ مِن غَيْرِ مُفارَقَةِ الوَطَنِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ الإخْراجُ، لا كَوْنُهُ مِن مُخْرِجٍ مُعَيَّنٍ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ الإخْراجُ هُنا مُضَمَّنًا مَعْنى المَنعِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ [إشارَةً] إلى أنَّ المالَ السُّتْرَةُ لِلْإنْسانِ لِأنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ، قالَ: ﴿وأمْوالِهِمْ﴾ (p-٤٣٦)ولَمّا كانَ طَلَبُ الدُّنْيا مِنَ النَّقائِصِ، بَيَّنَ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَكُونُ قادِحًا في الإخْلاصِ، وأنَّ أمْرَ بَنِي النَّضِيرِ إنَّما يُسِرَّ تَحْقِيقًا لِرَجائِهِمْ فَقالَ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ [أُخْرِجُوا] حالَ كَوْنِهِمْ يَطْلُبُونَ عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ. وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأحَدٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الدُّنْيا والدِّينِ والآخِرَةِ فَيُغْنِيهِمْ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِواهُ ﴿ورِضْوانًا﴾ يُوَفِّقُهم لِما يُرْضِيهِ عَنْهم ولا يَجْعَلُ رَغْبَتَهم في العِوَضِ مِنهُ قادِحًا في الإخْلاصِ فَيُوصِلُهم إلى دارِ كَرامَتِهِ.
ولَمّا وصَفَهم بِتَعْلِيقِ بَواطِنِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ وقَطْعِها بِالرِّضا بِالإخْراجِ عَمَّنْ [وعَمّا] سِواهُ، وصَفَهم بِبَذْلِ ظَواهِرِهِمْ لَهُ فَقالَ: ﴿ويَنْصُرُونَ﴾ [أيْ] عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ في كُلِّ وقْتٍ والِاسْتِمْرارِ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ المَجِيدَ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيَضْمَحِلَّ حِزْبُ الشَّيْطانِ. ولَمّا بانَ ما لَهُ بِهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ العِنايَةِ تَرَقَّبَ السّامِعُ مِن مَدْحِهِمْ ما يَلِيقُ بِهَذا الإخْبارِ.
فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ما هو كالعِلَّةِ لِتَخْصِيصِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ ﴿هُمُ﴾ (p-٤٣٧)أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الصّادِقُونَ﴾ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ لِأنَّ مُهاجَرَتَهم لِما ذَكَرَ وتَرْكَهم لِما وصَفَ دَلَّ عَلى كَمالِ صِدْقِهِمْ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ نابَذُوا مَن عاداهُما وهو القَرِيبُ الصّافِي نَسَبًا ودارًا وأوْلَوْا أوْلِياءَهُما مَن كانُوا وإنْ بَعُدَتْ دارُهم وشَطَّ مَزارُهُمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَبْنى الدِّينِ عَلى إقامَةِ البَيِّناتِ بِالثَّباتِ عَنِ الِابْتِلاءاتِ عَلى أنَّ العَوْنَ قَدْ يَأْتِي عَلى قَدْرِ البَلاءِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَصَّ المُهاجِرِينَ مِمّا أذِنَ فِيهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences