Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:99–105
6:99Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩
And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.
ولَمّا ذَكَرَ وُجُوهَ الإبْداعِ التَّفْرِيعِيِّ مِن هَذَيْنَ الكَوْنَيْنِ وأسْبابَ البَقاءِ لَهُ بِما يَنْشَأُ [عَنْهُ] الفُصُولُ وغَيْرُها، أتْبَعَهُ سَبَبَهُ القَرِيبَ، وهو الماءُ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فَقالَ مُفَصِّلًا ما أجْمَلَهُ في الحَبِّ والنَّوى، سائِقًا لَهُ مَساقَ الإحْسانِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الإحْسانِ ومُذَكِّرًا بِالإنْعامِ كانَ تَأْثِيرُهُ في القَلْبِ عَظِيمًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ أنْ يَسْلُكَ هَذا المَسْلَكَ [لِيَكُونَ لِلْقُلُوبِ أمْلَكَ]: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَعْرِفُونَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العِبارَةِ وما أشْبَهَها مِن ذُكُورِ الحَيَوانِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ ﴿ماءً﴾ أيْ: مُنْهَمِرًا ودافِقًا.
ولَمّا كانَ تَفْرِيعُ الخَلْقِ مِنَ الماءِ بِمَكانٍ مِنَ العَظَمَةِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ - نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالِانْتِقالِ إلى التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ: عَلى (p-٢٠٩)ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِيها أحَدٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ: الماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُخْتَلِفَةٍ طَعُومُهُ وألْوانُهُ ورَوائِحُهُ وطَبائِعُهُ ومَنافِعُهُ وهو بِماءٍ واحِدٍ، فالسَّبَبُ واحِدٌ والمُسَبَّباتُ كَثِيرَةٌ مُنْفَتَّةٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ النَّباتُ حَقِيقِيًّا مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ، أوْ مَجازِيًّا مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الحَقِيقِيِّ لِظُهُورِهِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى العَظَمَةِ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيْ: النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا أخْضَرَ غَضًّا طَرِيًّا، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ؛ ثُمَّ زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِنا مُقَدِّرِينَ أنْ نُخْرِجَ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ: في السُّنْبُلِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا [ويَحْرُسُهُ مِن أنْ يَلْتَقِطَهُ الطَّيْرُ بَعْدَ سَتْرِهِ بِالقِشْرِ بِحَسَكٍ طَوِيلٍ لَطِيفٍ جِدًّا كالإبَرِ خَشِنٍ]، بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ حَبَّةً واحِدَةً عَلى صُورَتِها، أوْ مُنْفَتَّةً في التُّرابِ بَعْدَ أنْ طَوَّرَهُ - سُبْحانَهُ - في عِدَّةِ أطْوارٍ، إنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لَقادِرٌ مُخْتارٌ.
ولَمّا كانَ نِسْبَةُ الإخْراجِ والإبْداعِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ خُصُوصًا وعُمُومًا، فَعُلِمَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، وصارَ الحالُ في حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ جَدِيرٍ بِأنْ يُؤْمَنَ مِن نِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما الَّذِي هم لَهُ مُعالِجُونَ، وبِالعَجْزِ عَنْ إبْداعِهِ عالِمُونَ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ أوَّلًا في آيَةِ الفَلَقِ مِنَ الحَبِّ؛ ثَنّى بِما مِنَ النَّوى، فَقالَ مُعَبِّرًا لِذَلِكَ الأُسْلُوبِ: ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ وتَقْدِيمُ الحَبِّ عَلَيْهِ هُنا وفِيما قَبْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّرْعَ أفْضَلُ مِنهُ، فَإنَّهُ قُوتٌ في أكْثَرِ البِلادِ ولِأغْلَبِ الحَيَواناتِ [والغِذاءُ (p-٢١٠)مُقَدَّمٌ عَلى الفاكِهَةِ]؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن طِينَةِ آدَمَ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِمّا أجْمَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا: ﴿مِن طَلْعِها﴾ أيْ: النَّخْلِ، وهو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنها في أكْمامِهِ ﴿قِنْوانٌ﴾ جَمْعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ بِالكَسْرِ لِلشِّمْراخِ وهو الكِباسَةُ، والعُرْجُونُ عُودُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ البُسْرُ ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ وإنْ طالَ أصْلُها بِما عَلَّمَكم وسَهَّلَ لَكم مِن صَنْعَةِ الوُصُولِ إلَيْها.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم مِن مُعالَجَةِ الأعْنابِ وغَيْرِها ما لَهم مِن مُعالَجَةِ النَّخِيلِ، عَطَفَ عَلى ( نَباتٍ) مُنَبِّهًا لَهم عَلى أنَّها - كالنَّخِيلِ - هو - سُبْحانَهُ - المُتَفَرِّدُ بِإبْداعِها [كَما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ وجَمَعَها لِكَثْرَةِ أنْواعِها]، وبَدَأ بِهاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ لِفَضْلِهِما - كَما تَقَدَّمَ - عَلى غَيْرِهِما؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما فاكِهَةٌ وقُوتٌ، وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهم لَهُ أكْثَرُ مُلابَسَةً، وإنْ كانَ العِنَبُ أشْرَفَ أنْواعِ الفَواكِهِ، فَإنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ مِن أوَّلِ ظُهُورِهِ لِأنَّهُ [أوَّلًا] يَكُونُ لَهُ خُيُوطٌ خُضْرٌ دَقِيقَةٌ حامِضَةٌ لَذِيذَةٌ، ثُمَّ تَكُونُ الحِصْرِمَ، وهو طَعامُ شَرِيفٌ لِلْأصِحّاءِ والمَرْضى، وقَدْ يُتَّخَذُ مِنهُ رَبُّ الحِصْرِمِ وأشْرِبَةٌ لَطِيفَةُ المَذاقِ نافِعَةٌ لِأصْحابِ الصَّفْراءِ، ويُطْبَخُ مِنهُ ألَذُّ الأطْعِمَةِ الحامِضَةِ، وهو - عِنَبًا - ألَذُّ الفَواكِهِ وأشْهاها، ويُدَّخَرُ عِنَبًا قَرِيبًا مِن سَنَةٍ، ويَكُونُ زَبِيبُهُ غِذاءً، ويَكُونُ مِنهُ الدِّبْسُ والخَلُّ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَجَمُهُ، وهو يُتَّخَذُ مِنهُ جَوارِشاتٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ لِلْمَعِدَةِ الضَّعِيفَةِ الرَّطْبَةِ (p-٢١١)[وقَدَّمَ النَّخِيلَ لِأنَّها قُوتٌ لِلْعَرَبِ، وبَيْنَها وبَيْنَ الإنْسانِ مُشابَهَةٌ في خَواصَّ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في النَّباتِ؛ ولِذا جاءَ في الحَدِيثِ: «( أكْرِمُوا عَمَّتَكم النَّخْلَةَ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن طِينَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَيْسَ مِنَ الشَّجَرِ يُلَقِّحُ غَيْرُها)» - رَواهُ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وأتْبَعَهُما ما يَلِيهِما في الفَضِيلَةِ، فَقالَ: ﴿والزَّيْتُونَ﴾ [و] قَدَّمَهُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ، ويَنْفَصِلُ مِنهُ دُهْنٌ عَظِيمُ النَّفْعِ في الأكْلِ والضِّياءِ وسائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمالِ ﴿والرُّمّانَ﴾ خَتَمَ بِهِ لِحُسْنِهِ وعَظِيمِ نَفْعِهِ، وهو مُرَكَّبٌ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ: قِشْرِهِ وشَحْمِهِ وعَجَمِهِ ومائِهِ، فالثَّلاثَةُ الأُوَلُ بارِدَةٌ يابِسَةٌ أرْضِيَّةٌ كَثِيفَةٌ عَفْصِيَّةٌ فائِضَةٌ جِدًّا، والماءُ بِضِدِّها وهو ألَذُّ الأشْرِبَةِ وألْطَفُها وأقْرَبُها إلى الِاعْتِدالِ وأشَدُّها مُناسَبَةً لِلطَّبْعِ المُعْتَدِلِ، وفي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلْمِزاجِ الضَّعِيفِ، وهو غِذاءٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الأقْواتَ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ والأدْهانِ وأشْرَفِ الفَواكِهِ وأعَمِّها، وكانَتْ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالآدَمِيِّ في نَشْـئِهِ وبَعْثِهِ واتِّفاقِهِ واخْتِلافِهِ، وكانَ اشْتِباهُ بَعْضِها واخْتِلافُ بَعْضِها - مَعَ كَوْنِها تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وفي أرْضٍ واحِدَةٍ - دالًّا عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وكانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِإثْباتِ كَمالِ القُدْرَةِ الَّتِي هي مَنفِيَّةٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُشابِهًا (p-٢١٢)لِشَرِيكِهِ كَمالَ المُشابَهَةِ فِيما وقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهِ، ولِلْبَعْثِ فَكانَ المُرادُ التَّفَكُّرَ في ظَواهِرِها وتَقَلُّباتِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وبَعْدَ الوُجُودِ، ولِمُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ المَوْسُومِينَ بِالعِلْمِ المَنسُوبِينَ إلى حِدَّةِ الأذْهانِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفِرَقِ، وكانَ افْتَعَلَ يَأْتِي لِلتَّعْرِيفِ، وهو المُبالَغَةُ في إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ والِاجْتِهادُ في تَحْصِيلِهِ والِاعْتِمالُ، فَكانَ حُصُولُهُ إذا حَصَلَ أكْمَلَ، قالَ بانِيًا حالًا مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ أيْ: في غايَةِ الشَّبَهِ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ حَتّى لا يَكادُ يَتَمَيَّزُ، فَلَوْ قُطِعَ ثَمَرَتا شَجَرَتَيْنِ مِنهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ ثَمَرَةُ هَذِهِ مِن ثَمَرَةِ هَذِهِ، فَلا يُقابِلُهُ حِينَئِذٍ نَفْيُ التَّفاعُلِ، فَإنَّهُ لِمُجَرَّدِ مُشارِكَةِ أمْرَيْنِ أوْ أكْثَرَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وغَيْرُ مُشْتَبَهٍ ومُتَشابِهًا، ثُمَّ لَمّا كانَ رُبَّما تَمَسَّكَ القائِلُ بِالطَّبائِعِ بِهَذِهِ العِبارَةِ - نَفى ما رُبَّما ظُنَّ مِن أنَّ لِهَذِهِ الأشْياءِ عَمَلًا في اشْتِباهِ بَعْضِها بِبَعْضٍ فَقالَ: ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ: غَيْرَ طالِبٍ لِلِاشْتِباهِ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن شَبَهٍ ما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الِاشْتِباهَ دِلالَةً عَلى نَفْيِ ضِدِّهِ، وهو عَدَمُ التَّشابُهِ، ولِأجْلِ أنَّ الِاشْتِباهَ أبْلَغُ مِنَ التَّشابُهِ - عَلَّقَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ الَّذِي هو أثْبَتُ الحَواسِّ، ودِلالَةً عَلى أنَّ (p-٢١٣)المُرادَ إنَّما هو ظاهِرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الدِّلالَةِ عَلى البَعْثِ والتَّوْحِيدِ الَّذِي هَذا سِياقُهُ، فَقالَ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾ وهَذا بِخِلافِ الحَرْفِ الثّانِي، فَإنَّهُ في سِياقِ الرَّدِّ عَلى العَرَبِ فِيما يَجْعَلُونَ مِن خَلْقِهِ لِأصْنامِهِمْ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالإذْنِ لَهم في الأكْلِ مِنهُ لِلِانْتِهاءِ عَمّا كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وبِالأمْرِ بِالتَّصَدُّقِ عَلى مَن أُمِرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، وأمّا الباطِنُ الَّذِي هو الأكْلُ فَسَيَأْتِي. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى تَعْمِيمِ النَّظَرِ في جَمِيعِ حالاتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أيْ: حِينَ يَبْدُو مِن كِمامِهِ ضَعِيفًا قَلِيلَ النَّفْعِ أوْ عَدِيمَهُ ﴿ويَنْعِهِ﴾ أيْ: وانْظُرُوا إلى إدْراكِهِ إذْ أُدْرِكَ وحانَ قِطافُهُ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ النَّظَرِ فِيما بَيْنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن مُراقَبَةِ الأوَّلِ والآخِرِ، فَيُعْلَمُ اسْتِحالَةُ ألْوانِهِ ومَقادِيرِهِ وطَعُومِهِ وأشْكالِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ وأحْوالِهِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا النَّظَرُ إلى أشْجارِهِ لِيُعْلَمَ تَفاوُتُ بَعْضِها واشْتِباهُ البَعْضِ الآخَرِ في الطُّولِ والقِصَرِ والصِّغَرِ والكِبَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأحْوالِ، كَما أنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في التَّمْرِ، فاسْتِنادُ هَذِهِ التَّبَدُّلاتِ والتَّغَيُّراتِ لَيْسَ إلّا إلى الفاعِلِ المُخْتارِ؛ لِأنَّ نِسْبَتَهُ إلى الطَّبائِعِ والفُصُولِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَوْ اسْتَنَدَتْ إلَيْها لَمْ تَتَغَيَّرْ.
ولَمّا كانَ اتِّخاذُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ أوَّلًا والمُخالَفَةُ بَيْنَ أشْكالِها ومَقادِيرِها وألْوانِها ثانِيًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوَحْدانِيَّةِ، دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ (p-٢١٤)أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: عَلاماتٍ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ واخْتِيارِهِ.
ولَمّا كانَتْ الآياتُ لا تُغْنِي عَمَّنْ أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: حُكِمَ بِأنَّهم - بِحَذْقِهِمْ ونَشاطِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ - يُجَدِّدُونَ الإيمانَ كُلَّما تَأمَّلُوا في مَصْنُوعاتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الدّالَّةِ عَلَيْهِ المُشِيرَةِ بِكُلِّ لِسانٍ إلَيْهِ.
6:100Page 140
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠
But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.
ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ عَلى أصْنافٍ: مِنهم عِدَّةُ أصْنامٍ، شُرِكُوا في العُبُودِيَّةِ لا في الخَلْقِ، ومِنهم آزَرُ الَّذِي حاجَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنهم عَبَدَةُ الكَواكِبِ وهم فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: هي واجِبَةُ الوُجُودِ، ومِنهم مَن قالَ: مُمْكِنَةٌ، خَلَقَها اللَّهُ وفَوَّضَ إلَيْها تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، وهم الَّذِينَ حاجَّهم الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأُفُولِ، ومِنهم مَن قالَ: لِهَذا العالَمِ كُلِّهِ إلَهانِ: فاعِلُ خَيْرٍ، وفاعِلُ شَرٍّ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ، وإبْلِيسُ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ، ويُلَقِّبُونَ الزَّنادِقَةَ وهم المَجُوسُ؛ لِأنَّ الكِتابَ الَّذِي زَعَمَ زردشت أنَّهُ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُمِّيَ بِالزِّنْدِ، فالمَنسُوبُ إلَيْهِ زِنْدِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ: زِنْدِيقٌ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في قَوْلِهِ (p-٢١٥)﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] شَرْحًا لِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] دِلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى البَعْثِ - حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ العَوْدُ إلى تَقْبِيحِ حالِ المُشْرِكِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِنهم في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فالِقُ﴾ [الأنعام: ٩٥] أوْ غَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَقالَ تَعالى شارِحًا أمْرَ هَذا الصِّنْفِ؛ لِأنَّ أمْرَ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ فَعَلَ هَذا الَّذِي لا يَدَعُ لَبْسًا في تَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ والحالُ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ قَدْ ( جَعَلُوا ) وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ وقَدَّمَهُ اسْتِعْظامًا لِأنْ يَعْدِلَ بِهِ شَيْئًا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ في غايَةِ الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿شُرَكاءَ﴾ يَعْنِي: وما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ الصِّفَةَ إذا ذُكِرَتْ مُجَرَّدَةً غَيْرَ مُجْراةٍ عَلى شَيْءٍ كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ النَّفْيِ عامًّا في كُلِّ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ الصِّفَةُ، وحُكْمُ الإنْكارِ حُكْمُ النَّفْيِ. ولَمّا اهْتَزَّ السّامِعُ مِن هَذا التَّقْدِيمِ لِزِيادَةِ المَعْنى مِن غَيْرِ زِيادَةِ اللَّفْظِ، تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ النَّوْعِ الَّذِي كانَ مِنهُ الشُّرَكاءُ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الجِنَّ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أجْرَأُ (p-٢١٦)المَوْجُوداتِ عَلَيْهِمْ وأعْداهم لَهم، فَأطاعُوهم كَما يُطاعُ الإلَهُ فَكانَ عِبادَةً لَهم وتَشْرِيكًا، وقَدْ رَأيْتَ ما لِلْبَيانِ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِمّا يَحْسُنُ لِلنّاظِرِينَ ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم أيْ: قَدَّرَهم بِعِلْمٍ وتَدْبِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ خَلْقُهُ لَهم مُحْكَمًا ﴿وخَرَقُوا﴾ أيْ: العابِدُونَ ﴿لَهُ بَنِينَ﴾ أيْ: كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ ﴿وبَناتٍ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، فَجَمَعُوا لِذَلِكَ جَهالاتٍ هي غايَةٌ في الضَّلالاتِ: وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ والِاجْتِراءُ عَلى مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالحاجَةِ، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ بِوَجْهٍ؛ ومادَّةُ ( خَرَقَ ) تَدُورُ عَلى النُّفُوذِ والِاتِّساعِ والإطْلاقِ والتَّقْدِيرِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا مَعْرِفَةٍ لِيَحْدُثَ عَنْهُ الفَسادُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن لا يُحْسِنُ العَمَلَ: خَرِقٌ؛ ولِلْمَرْأةِ: خَرْقاءُ، يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا واخْتَلَفُوا واتَّسَعُوا في هَذا القَوْلِ الكَذِبِ، وأبْعَدُوا بِهِ في هَذِهِ المُجاوَزَةِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، اتِّساعَ مَن سارَ في خَرْقٍ أيْ: بَرِّيَّةٍ واسِعَةٍ بَهْماءَ وسُوفَةٍ جَوْفاءَ مُتَباعِدَةِ الأرْجاءِ إلى حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ بَشَرٌ، فَضَلَّ عَنِ الجادَّةِ ضَلالًا لا تُرْجى مَعَهُ هِدايَتُهُ إلّا عَلى بُعْدٍ شَدِيدٍ، فَصارَ جَدِيرًا بِالهَلاكِ، وإلى ذَلِكَ يَرْجِعُ مَعْنى ما قُرِئَ في الشّاذِّ: وحَرَّفُوا - بِالمُهْمَلَةِ والفاءِ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمْ أصْلًا حَقِيقَةٌ ولا شُبْهَةٌ، [وكانَ الخَرْقُ التَّقْدِيرَ (p-٢١٧)بِغَيْرِ عِلْمٍ]، دَلَّ عَلى ذَلِكَ [مُصَرِّحًا بِما أفْهَمَهُ مُحَقِّقًا لَهُ] تَنْبِيهًا عَلى الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ في اجْتِياحِ قَوْلِهِمْ مِن أصْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَوْلٌ لا حُجَّةَ لَهُ، ومَسائِلُ أُصُولِ الدِّينِ لا يُصارُ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا بِقاطِعٍ، وذَلِكَ بِنَكِرَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ قَوْلُهُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ - سُبْحانًا - يَلِيقُ بِجَلالِهِ أنْ يُضافَ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَعْنى التَّسْبِيحِ الإبْعادُ عَنِ النَّقْصِ، وكانَ المَقامُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ في العُلُوِّ - صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وتَعالى﴾ أيْ: تَباعَدَ أمْرُ عُلُوِّهِ إلى حَدٍّ لا حَدَّ لَهُ ولا انْتِهاءَ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾
6:101Page 140
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١
[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.
ولَمّا خَتَمَ بِالتَّنْزِيهِ عَمّا قالُوا مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ، اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّنْزِيهِ بِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ، مُحِيطٌ بِهِمْ عِلْمُهُ، ولَنْ يَكُونَ المَصْنُوعُ كالصّانِعِ، فَقالَ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْدِعُهُما، ولَهُ صِفَةُ الإبْداعِ، أيْ: القُدْرَةِ عَلى الِاخْتِراعِ ثابِتَةٌ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَنِيٌّ عَنِ التَّوْلِيدِ؛ فَلِذا حَسُنَ التَّعَجُّبُ في قَوْلِهِ: ﴿أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وزادَ في التَّعْجِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ﴾ أيْ: الحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ والحالُ أنَّهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مَقْدُورٍ مُمْكِنٍ مِن كُلِّ صاحِبَةٍ تُفْرَضُ، وكُلِّ ولَدٍ يُتَوَهَّمُ، وكُلِّ شَرِيكٍ يُدَّعى، فَكَيْفَ يَكُونُ المُبْدِعُ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْلِيدِ أوْ غَيْرِهِ.
(p-٢١٨)ولَمّا كانَتْ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِشُمُولِ العِلْمِ قالَ: ﴿وهُوَ﴾ ولَمْ يُضْمِرْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عُمُومَ العِلْمِ لا تَخْصِيصَ فِيهِ كالخَلْقِ فَقالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لِأنَّ شُمُولَ العِلْمِ يَلْزَمُهُ تَمامُ القُدْرَةِ - كَما يَأْتِي بُرْهانُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في ( طَهَ )، ومَن كانَ لَهُ ولَدٌ لَمْ يَكُنْ مُحِيطَ العِلْمِ ولا القُدْرَةِ، بَلْ يَكُونُ مُحْتاجًا إلى التَّوْلِيدِ.
6:102Page 141
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢
That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ بِما ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وبَيَّنَ فَسادَ أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وفَصَّلَ مَذاهِبَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ فَسادَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِأمْتَنِ الحُجَجِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ ما افْتَتَحَ السُّورَةَ بِهِ مِن إحاطَتِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ - قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِمُبْتَدَإ خَبَرٍ بَعْدَهُ أخْبارٌ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيْ: العالِي الأوْصافِ جِدًّا الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ إلى شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُوجِدُ لَكم والمُحْسِنُ بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ، فَهي فَذْلَكَةُ ما قَبْلَها وثَمَرَتُهُ؛ لِأنَّ مَن اتَّصَفَ بِذَلِكَ كانَ هو رَبَّ الكُلِّ وحْدَهُ [والخالِقَ لِلْجَمِيعِ واسْتَحَقَّ العِبادَةَ وحْدَهُ] فَلِذا أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّوْحِيدِ اللّازِمِ لِلْإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ الَّتِي هي مَعْنى الحَمْدِ المُفْتَتَحِ بِهِ السُّورَةُ، وساقَ قَوْلَهُ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي هو مَطْلَعُ ما بَعْدَهُ مَساقَ التَّعْلِيلِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، (p-٢١٩)فَلَمّا أقامَ الدَّلِيلَ سَبَّبَ عَنْهُ الأمْرَ بِالعِبادَةِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ؛ لِأنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ لَمْ يَعْبُدْهُ؛ لِأنَّهُ الغِنى المُطْلَقُ، ومَن كانَ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لا يَحْسُنُ أنْ يَقْبَلَ مُشْرِكًا، وخَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِنَفْيِ احْتِياجِهِ إلى شَيْءٍ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الوَلَدَ أوْ الشَّرِيكَ إنَّما يَحْتاجُهُ العاجِزُ المُفْتَقِرُ، وأمّا هو فَهو القادِرُ، ومَن سِواهُ عاجِزٌ، وهو الغَنِيُّ ومَن سِواهُ فَقِيرٌ، فَكَيْفَ يَحْتاجُ القَدِيرُ [الغَنِيُّ] إلى العاجِزِ الفَقِيرِ، هَذا ما لا يَكُونُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ الظُّنُونُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ يَتَفَرَّغَ لِعِبادَتِهِ ويَقْطَعَ أُمُورَهُ عَنْ غَيْرِ وِكالَتِهِ، فَإنَّهُ يَكْفِيهِ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِواهُ.
6:103Page 141
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣
Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3
ولَمّا كانَ كُلُّ والِدٍ وكُلُّ شَرِيكٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُجانِسًا لِوَلَدِهِ وشَرِيكِهِ بِوَجْهٍ، وصَلَ بِذَلِكَ مَن وصْفُهُ ما اقْتَضاهُ المَقامُ مِن تَنْزِيهِهِ، فَقالَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ أيْ: حَقَّ الإدْراكِ بِالإحاطَةِ ﴿الأبْصارُ﴾ أيْ: أنَّ مَن جَعَلْتُمُوهُ ولَدَهُ أوْ شَرِيكَهُ هو مُدْرَكٌ بِأبْصارِكم كَعِيسى وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - والأوْثانُ والنُّجُومُ والظُّلْمَةُ والنُّورُ، وأمّا المَلائِكَةُ والجِنُّ فَإنْ كانَ حُكْمُكم عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ فَهم كَمَن تَقَدَّمَهم، وإنْ كانَ (p-٢٢٠)عَنْ إخْبارٍ فَهو عَنِ الأنْبِياءِ لَيْسَ غَيْرُ، وكُلٌّ مِنهم مُخْبِرٌ بِأنَّهم عِبادُ اللَّهِ كَغَيْرِهِمْ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، وهَذِهِ كُتُبُهم وصِحاحُ أخْبارِهِمْ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ، [و] وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهم بِحَيْثُ يُدْرَكُونَ بِالأبْصارِ في الجُمْلَةِ، لَيْسَ إدْراكُهم مُسْتَحِيلًا، وأمّا هَذا الإلَهُ العُزَيْزُ فَهو غَيْرُ مُدْرَكٍ لَكم بِالبَصَرِ كَما يُدْرَكُ غَيْرُهُ إدْراكًا تامًّا، فَيَتَأمَّلُهُ ناظِرُهُ فَيَزِنُهُ ويَنْقُدُهُ بِالخِبْرَةِ بِما فِيهِ مِن رِضًى وغَضَبٍ وغَيْرِهِما، بِما أبْدَتْهُ الفِراسَةُ وأوْضَحَهُ التَّوَسُّمُ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُحاطَ بِهِ، هَذا عَلى أنَّهُ مِن عُمُومِ السَّلْبِ، وإنْ كانَ مِن سَلْبِ العُمُومِ فالمَعْنى أنَّهُ عَزِيزٌ لا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، بَلْ يَراهُ الخَواصُّ إذا أرادَ فَكَشَفَ لَهم الحِجابَ وأوْجَدَ لَهم الأسْبابَ ﴿وهُوَ﴾ مَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُكم، بَلْ و﴿يُدْرِكُ﴾ ما لا تُدْرِكُونَهُ مِن أنْفُسِكم ﴿الأبْصارُ﴾ وهي القُوى المُودَعَةُ في عَصَبَةِ العَيْنِ لِتُدْرِكَ بِها المُبْصَراتِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الأبْصارُ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ الأسْبابَ عَنْ أنْ يَنْشَأ عَنْها مُسَبَّباتِها، ويُوجِدَ أدَقَّ الأسْبابِ وأغْرَبَها، فَلا يُسْتَغْرَبُ عَلَيْهِ إدْراكُ المَعانِي لِأنَّهُ الَّذِي أوْجَدَها ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وأصْلُ اللُّطْفِ دِقَّةُ النَّظَرِ في الأشْياءِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: المُحِيطُ بِالأبْصارِ فَإحاطَتُهُ بِأصْحابِها أجْدَرُ، ويَتَحَقَّقُ مَعْنى الِاسْمَيْنِ لِتَحَقُّقِ المَعْنى؛ قالَ الحرالي في شَرْحِ الأسْماءِ: اللُّطْفُ إخْفاءُ التَّوَسُّلِ إلى الشَّيْءِ بِإظْهارِ ما يُضادُّهُ، ولا يَتِمُّ إلّا بِخِبْرَةٍ؛ ولِذَلِكَ نُظِمَ بِاسْمِهِ ﴿الخَبِيرُ﴾ (p-٢٢١)لِأنَّهُ أخْفى حِكْمَتَهُ في ظاهِرٍ يُضادُّها، فاللُّطْفُ مَخْبَرَةٌ في حِكْمَةٍ، وبِاسْمِهِ تَعالى ( اللَّطِيفِ ) أقامَ أمْرَ حِكْمَتِهِ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِذَلِكَ أقامَ أمْرَ أهْلِ وِلايَتِهِ في الدُّنْيا لِما جَمَعَ لَهم مِن أمْرِهِ فِيها، فَيَبْدُو عِزُّهم مِن وراءِ ذُلٍّ، ويَتَراءى ذُلُّهم ومِن دُونِهِ [عِزٌّ]، فَيَسْبِقُ عِزُّهم إلى القُلُوبِ مَعَ تَذَلُّلِهِمْ في الحَواسِّ، ويَؤُولُ مَحْسُوسُهم إلى عِزٍّ في عُقْبى الدُّنْيا، ومُبادَرَةِ الآخِرَةِ مَعَ تَأنُّسِ القُلُوبِ بِهِمْ،
﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] لَمّا أرادَ أنْ يُمَلِّكَهُ مِصْرَ وجَعَلَ وسِيلَةَ ذَلِكَ اسْتِبْعادَهُ بِها، وبِحُصُولِ مَعْناهُ بِتَمامِ الخِبْرَةِ والحِكْمَةِ - وتِلْكَ إبْداءُ الشَّيْءِ في ضِدِّهِ - يَتَّضِحُ اخْتِصاصُهُ بِالحَقِّ، فَهو الَّذِي أطْعَمَ مِن جُوعٍ وآمَنَ مِن خَوْفٍ، الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا، فَهو - تَعالى - اللَّطِيفُ الَّذِي لا لَطِيفَ إلّا هو، ثُمَّ قالَ: الخِبْرَةُ إدْراكُ خَبايا الأشْياءِ وخَفاياها بِحَيْثُ لا يَبْدُو مِنهُ خَبِيثَةُ أمْرٍ إلّا كانَ إدْراكُ الخَبِيرِ سابِقًا لِبُدُوِّها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا لِمُبْدَيْها الَّذِي هو يُخْرِجُ خَبَأها، وهو الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَخْبَرَةُ الخَلْقِ لا بُدَّ فِيها مِن إظْهارٍ بادٍ يُنْبِئُ عَنِ الخَبْءِ بِمُقْتَضى التَّجْرِيَةِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ لَهم الخِبْرَةُ، كَما قِيلَ: مَخْبَرَةُ المَرْءِ فِيما يَبْدُو (p-٢٢٢)مِن نُطْقِهِ وما يُظْهِرُهُ اليَوْمَ واللَّيْلَةَ مِن عَمَلِهِ، والخَبِيرُ الحَقُّ خَبِيرٌ بِالشَّيْءِ دُونَ بادٍ يَرى الظّاهِرُ خَبِيثَةَ أمْرِهِ، [فَهُوَ] بِالحَقِيقَةِ الَّذِي لا خَبِيرَ إلّا هو. [انْتَهى] .
6:104Page 141
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤
There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1
ولَمّا أكْثَرَ لَهم مِن إقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وخَتَمَها بِهَذا الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ الَّذِي مَعْناهُ أنَّ [كُلَّ شَرِيكٍ وكُلَّ ابْنٍ يُدْرِكُ شَرِيكَهُ وأباهُ، وهو مُتَناهٍ عَنْ أنْ يُدْرِكَهُ، أيْ: يُحِيطَ بِهِ] أحَدٌ، ناسَبَ أنْ يَعِظَهم ويَمْدَحَ الأدِلَّةَ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِها، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ إشارَةً إلى أنَّهُ - لِنُورِ قَلْبِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ وصَفاءِ لُبِّهِ وغَزارَةِ عِلْمِهِ وشَرِيفِ أخْلاقِهِ واسْتِقامَةِ غَرائِزِهِ وبُعْدِ مَدى هِمَّتِهِ عَنْ أنْ يُنْسَبَ إلى جَوْرٍ أوْ يُرْمى بِعِنادٍ - حَقِيقٌ بِأنْ يَقُولَ بَعْدَ إقامَتِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ تَقْرِيرًا لِأمْرِ دَعْوَتِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِ المَطالِبِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ: ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ .
ولَمّا كانَتْ الآياتُ - لِقُوَّتِها وجَلالَتِها الَّتِي أشارَ إلَيْها تَذْكِيرُ الفِعْلِ - تُوجِبُ المَعْرِفَةَ فَتَكُونُ سَبَبًا لِانْكِشافِ الحَقائِقِ الَّذِي هو كالنُّورِ في جَلاءِ المَحْسُوساتِ، قالَ: ﴿بَصائِرُ﴾ أيْ: أنْوارٌ هي لِقُلُوبِكم بِمَنزِلَةِ الضِّياءِ المَحْسُوسِ لِعُيُونِكم ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِكُلِّ إحْسانٍ، فَلا إحْسانَ أصْلًا لِغَيْرِهِ عِنْدَكم، فاصْعَدُوا عَنِ النَّظَرِ بِالأبْصارِ إلى الِاعْتِبارِ (p-٢٢٣)بِالبَصائِرِ، ولا تَهْبِطُوا في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ إلى أنْ تَصِلُوا إلى حَدٍّ لا تَفْهَمُونَ مَعَهُ إلّا ما يُحَسُّ بِالأبْصارِ بَلْ تَرَقَّوْا في أوْجِ المَعْرِفَةِ إلى سَماواتِ الِاجْتِهادِ وجَرِّدُوا لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ صَوارِمَ البَصائِرِ، فَإنَّكم إنْ رَضِيتُمْ بِالدُّونِ لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكم، وإنْ نافَسْتُمْ في المَعالِي فَإيّاها نَفَعْتُمْ. ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هَذا النُّورِ الباهِرِ والسِّرِّ الظّاهِرِ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيْ: عَمِلَ بِالأدِلَّةِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: خاصَّةِ إبْصارِهِ لِأنَّهُ خَلَّصَها مِنَ الضَّلالِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ: لَمْ يَهْتَدِ بِالأدِلَّةِ ﴿فَعَلَيْها﴾ أيْ: خاصَّةِ عَماهُ لِأنَّهُ يَضِلُّ فَيَعْطَبُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لِي ولا لِغَيْرِي مِن إبْصارِهِ شَيْءٌ يُنْقِصُهُ شَيْئًا، ولا عَلَيَّ ولا غَيْرِي شَيْءٌ مِن عَماهُ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وما أنا﴾ وأشارَ إلى أنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ التَّواضُعُ وإسْلامُ الجَبَرُوتِ والقَهْرِ لِلَّهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: أقُودُكم قَسْرًا إلى ما يُنْجِيكم، وأمْنَعُكم قَهْرًا مِمّا يُرْدِيكم.
6:105Page 141
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥
And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ التِفاتًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ إعْلامًا بِأنَّ القَضاءَ كُلَّهُ بِيَدِهِ لِئَلّا يُظَنَّ نَقْصٌ في نُفُوذِ الكَلِمَةِ: فانْظُرُوا ما صَرَّفْنا لَكم في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الآياتِ وأوْضَحْنا بِها مِن شَرِيفِ الدِّلالاتِ، لَقَدْ أتَيْنا فِيها بِعَجائِبِ التَّصارِيفِ وكَشَفْنا عَنْ غَرائِبِ التَّعارِيفِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٢٢٤)﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ هَذا التَّصْرِيفِ العَظِيمِ ﴿نُصَرِّفُ﴾ أيْ: نَنْقُلُ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾ مِن حالٍ إلى حالٍ في المَعانِي المُتَنَوِّعَةِ سالِكِينَ مِن وُجُوهِ البَراهِينِ ما يَفُوتُ القُوى ويُعْجِزُ القُدَّرَ لِتَحِيرَ ألْبابُ المارِقِينَ وتَنْطَلِسَ أفْكارُ المانِعِينَ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم عَجَزَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يُدانِيها [فَتَلْزَمُهم الحُجَّةُ] ﴿ولِيَقُولُوا﴾ اعْتِداءً لا عَنْ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ ﴿دَرَسْتَ﴾ أيْ: غَيْرَكَ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ غَيْرَهم في هَذا حَتّى انْتَظَمَ لَكَ هَذا الِانْتِظامُ وتَمَّ لَكَ هَذا التَّمامُ، فَيَأْتُوا بِبُهْتانٍ بَيِّنٍ عَوارُهُ ظاهِرَةٍ أسْرارُهُ، مَهْتُوكَةٍ أسْتارُهُ، فَيَكُونُوا كَأنَّهم قالُوا: إنَّكَ أتَيْتَ بِهِ عَنْ عِلْمٍ ونَحْنُ جاهِلُونَ لا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَيَعْلَمُ كُلُّ مُوَفَّقٍ أنَّهم ما رَضُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ ادِّعاءِ الصِّدْقِ والمُنافَسَةِ في البُعْدِ عَنْ أوْصافِ الكَذِبِ إلّا لِفَرْطِ الحَيْرَةِ وتَناهِي الدَّهْشَةِ وإعْوازِ القادِحِ، والحاصِلُ أنَّهُ أتى بِهِ عَلى هَذا المِنهاجِ الغَرِيبِ والأُسْلُوبِ العَجِيبِ لِيَعْمى ناسٌ عَنْ بَيِّنَةٍ ويُبْصِرَ آخَرُونَ، وهم المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِنُبَيِّنَهُ﴾ أيْ: القُرْآنَ لِأنَّهُ المُرادُ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإبْلاغِ في البَيانِ أنْ يَزْدادَ الجَهَلَةُ بِهِ جَهْلًا، ويَهْتَدِيَ مَن كانَ لِلْعِلْمِ أهْلًا، فَلا يَقُولُونَ: ( دَرَسْتَ) بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ادِّعاءِ المُدارَسَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِها (p-٢٢٥)ثانِيًا، وإثْباتُ العِلْمِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ أوَّلًا، وهي مِن مَعْنى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences