Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:106–117

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:106–117

6:106Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

ولَمّا انْكَشَفَ بِهَذا في أثْناءِ الأدِلَّةِ وتَضاعِيفِ البَراهِينِ أنَّ القُرْآنَ كَنْزٌ لا يُلْقى مِثْلُهُ كَنْزٌ، وعِزٌّ لا يُدانِيهِ عِزٌّ، وأنَّهُ في الذُّرْوَةِ الَّتِي تَضاءَلَتْ دُونَها سَوابِحُ الأفْكارِ، وكَلَّتْ عَنِ التِماعِها نَوافِذُ الأبْصارِ، وخَتَمَ بِأنَّ المُرادَ بِالبَيانِ العُلَماءُ، ناسَبَ لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَفْتُرَ عَنْهُ طَعْنُهم بِقَوْلِهِمْ ( دَرَسْتَ) ونَحْوَهُ، فَقالَ مُخَصِّصًا لَهُ ﷺ بِالخِطابِ إعْلامًا بِأنَّهُ العالِمُ عَلى الحَقِيقَةِ: ﴿اتَّبِعْ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن تَبِعَكَ ﴿ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ أيْ: فالزَمْ العَمَلَ بِهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ مَدْحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذا البَيانِ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُتَّبَعَ لَهُ أمْرٌ، ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ في نَفْعٍ ولا ضُرٍّ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: بِغَيْرِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّهُ ما عَلَيْكَ غَيْرُهُ، ومَزِيدُ حِرْصِكَ عَلى إيمانِهِمْ لا يَزِيدُ مَن أُرِيدَتْ شَقْوَتُهُ إلّا تَمادِيًا في إشْراكِهِ وارْتِباكًا في قُيُودِ أشْراكِهِ.

6:107Page 141

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

ولَمّا كانَ الحَبِيبُ أسَرَّ شَيْءٍ بِما يَزِيدُهُ حَبِيبُهُ، قالَ مُسَلِّيًا لَهُ ﷺ عَنْ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ ورَدِّهِمْ لِقَوْلِهِ، عاطِفًا عَلى (p-٢٢٦)ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما خالَفُوكَ ولا تَكَلَّمُوا فِيكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِنهم إشْراكٌ أصْلًا، فَقَدْ أرادَ لَكَ مِنَ الوُقُوعِ فِيكَ ما أرادَهُ لِنَفْسِهِ، فَلْيَكُنْ لَكَ في ذَلِكَ مَسْلاةٌ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سُبْحانَهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْناكَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، وأشارَ إلى أنَّ العُلُوَّ لَيْسَ بِغَيْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: تَحْفَظُ أعْمالَهم لِئَلّا يَكُونَ مِنها ما لا يُرْضِينا فَتَرُدُّهم عَنْهُ قَسْرًا ﴿وما أنْتَ﴾ وقَدَّمَ ما هو أعَمُّ مِن نَفْيِ التَّحَقُّقِ بِالعُلُوِّ المُحِيطِ القاهِرِ الَّذِي هو خاصٌّ بِالإلَهِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُ الحَقَّ مِنهم قَهْرًا، وتُعامِلُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إنَّما أنْتَ مُبَلِّغٌ عَنّا، ثُمَّ الأمْرُ في هِدايَتِهِمْ وإضْلالِهِمْ إلَيْنا.

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

ولَمّا طالَ التَّنْفِيرُ عَمّا اتَّخَذَ مِن دُونِهِ مِنَ الأنْدادِ والبَناتِ؛ لِأنَّها أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأحْقَرُ - كانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ داعِيَةً إلى سَبِّها، فَنَهى عَنْهُ لِمَفْسَدَةٍ يَجُرُّها السَّبُّ كَبِيرَةٌ جِدًّا، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] غَيْرَ مُواجِهٍ لَهُ وحْدَهُ ﷺ إكْرامًا لَهُ: ﴿ولا تَسُبُّوا﴾ ولَمّا كانَتْ الأصْنامُ لا تَعْقِلُ، وكانَ المُشْرِكُونَ (p-٢٢٧)يَزْعُمُونَ بِها العَقْلَ والعِلْمَ، ويُسْنِدُونَ إلَيْها الأفْعالَ، أجْرى الكَلامَ عَلى زَعْمِهِمْ لِأنَّهُ في الكَفِّ عَنْها، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِهِمْ بِذِكْرِ ما فِيهِمْ مِنَ النَّقْصِ، ثُمَّ بَيَّنَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إكْرامِهِمْ أنَّهم في سُفُولٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ عَدْلًا، بِعِلْمٍ مِنكم بِما لَهم مِنَ المَعايِبِ، بَلْ أعْرَضُوا عَنْ غَيْرِ دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ حَتّى عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ بِما تَسْتَحِقُّهُ، فَإنّا زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَغَرِقُوا مَعَ غَزارَةِ عُقُولِهِمْ فِيما لا يَرْتَضِيهِ عاقِلٌ، وكَذَّبُوا بِجَمِيعِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ، فَرُبَّما جَرَّهم سَبُّكم لَها - لِما عِنْدَهم مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ - إلى ما لا يَلِيقُ ﴿فَيَسُبُّوا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَسُبُّوا ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي تَدْعُونَهُ ولَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وأظْهَرَ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وإعْظامًا لِهَذا وتَهْوِيلًا لَهُ وتَنْفِيرًا مِنهُ.

ولَمّا كانَ الخنو يُوجِبُ الإسْراعَ - أشارَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿عَدْوًا﴾ أيْ: جَرْيًا إلى السَّبِّ؛ ولَمّا كانَ العَدْوُ قَدْ يَكُونُ مَعَ عِلْمٍ، قالَ مُبَيِّنًا لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ مَعَ الإسْراعِ أنَّهُ مُجاوِزٌ لِلْحَدِّ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِأنّا زَيَّنّا لَهم عَمَلَهم، فالطّاعَةُ إذا اسْتَلْزَمَتْ وُجُودَ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ احْتُرِزَ مِنهُ ولَوْ أدّى الحالُ إلى تَرْكِها وقْتًا ما، لِتَحْصُلَ القُوَّةُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، فَحُكْمُ الآيَةِ باقٍ ولَيْسَ بِمَنسُوخٍ.

(p-٢٢٨)ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ ضائِقًا بِهِ الصَّدْرُ، اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: هَلْ هَذا التَّزْيِينُ مُخْتَصٌّ بِهَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ أمْ كانَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلُهُ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: بَلْ كانَ لِغَيْرِهِمْ، فَإنّا مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنّا لِهَؤُلاءِ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مَقْصُودَةٍ ﴿عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: القَبِيحَ الَّذِي أقْدَمُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما خَلَقَهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَحَبَّةِ لَهُ، رَدًّا مِنّا لَهم بَعْدَ العَقْلِ الرَّصِينِ أسْفَلَ سافِلِينَ، حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ لِتَبِينَ قُدْرَتُنا؛ فَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ تَسْلِيَةٍ وتَأْسِيَةٍ وتَعْزِيَةٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وإثْباتُ التَّزْيِينِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - طَوِيلَ الأناةِ عَظِيمَ الحِلْمِ، وكانَ الإمْهالُ رُبَّما كانَ مِن جَهْلٍ بِعَمَلِ العاصِي - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الإمْهالِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالحِلْمِ عَنْهم وهم يَتَقَوَّوْنَ بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: بِالحَشْرِ الأعْظَمِ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا بَلِيغًا ﴿بِما﴾ أيْ: بِجَمِيعِ ما ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ [وإنْ ادَّعَوْا أنَّهم عامِلُونَ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ] .

6:109Page 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.

(p-٢٢٩)ولَمّا نَصَبَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الدِّلالاتِ في هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ حَتّى خَتَمَها بِما عَلِمَ مِنهم مِنَ الإسْراعِ إلى سَبٍّ مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِأنْ أوَجَدَهم وأوْجَدَ لَهم كُلَّ ما في الكَوْنِ، وما مِن نِعْمَةٍ عَلَيْهِمْ إلّا وهي مِنهُ، عَجِبَ مِنهم في الوَعْدِ بِالإيمانِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِما يَأْتِيهِمْ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا زُيِّنَ لَهم مِن عَمَلِهِمْ، وهي أُمْنِيَةٌ كاذِبَةٌ ويَمِينٌ حانِثَةٌ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ﴿وأقْسَمُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: باذِلِينَ فِيها جُهْدَهم حَتّى كَأنَّها هي جاهِدَةٌ، ووَطَّأ لِلْقَسَمِ فَقالَ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، وتَلَقّى القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾

ولَمّا كانُوا بِهَذا ظالِمِينَ مِن أجْلِ أنَّهم طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ما لَيْسَ إلَيْهِ بَعْدَ إتْيانِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ بِما أزالَ مَعاذِيرَهم، وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ الِاتِّباعَ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلْ﴾ أيْ: رَدًّا لِتَعَنُّتِهِمْ ﴿إنَّما الآياتُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ولَيْسَ إلَيَّ ولا إلى غَيْرِي شَيْءٌ مِن هَذا الجِنْسِ لِيُفِيدَ الِاقْتِراحَ شَيْئًا غَيْرَ إغْضابِهِ.

ولَمّا كانَ العَبْدُ لِعَجْزِهِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، فَلا يَصِحُّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى آتٍ أصْلًا لا مِن أفْعالِهِ ولا مِن أفْعالِ غَيْرِهِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُلْتَفِتًا إلى خِطابِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم حَقِيقُونَ بِالمُواجَهَةِ بِالتَّبْكِيتِ: ﴿وما﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ أيْ: أدْنى شُعُورٍ بِما (p-٢٣٠)أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مَجِيئِها حَتّى يَتَوَهَّمُوهُ أدْنى تَوَهُّمٍ فَضْلًا عَنِ الظَّنِّ فَكَيْفَ بِالجَزْمِ ولا سِيَّما عَلى هَذا الوَجْهِ! ثُمَّ عَلَّلَ الِاسْتِفْهامَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإتْيانِ بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ: ﴿أنَّها﴾ بِالفَتْحِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ وحَفْصٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْكَرْتُ عَلَيْكم لِأنَّها ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالخِطابِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ لِلْإعْلامِ بِأنَّهم بَعِيدُونَ مِنَ الإيمانِ فَهم أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم لِما اسْتَحَقُّوا مِنَ الغَضَبِ، والتَّعْلِيلِ عِنْدَ مَن كَسَرَ ( أنَّها ) واضِحٌ.

6:110Page 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنّا نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ونُزَيِّنُ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونُقَلِّبُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أفْئِدَتَهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبَهم حَتّى لا يَهْتَدُوا بِها ﴿وأبْصارَهُمْ﴾ حَتّى لا يَنْفَعَهم الإبْصارُ بِها، فَلا يَعْتَبِرُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: عِنْدَ إتْيانِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَ تِلْكَ ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ: نَتْرُكُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ: تَجاوُزِهِمْ لِلْحُدُودِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يُدِيمُونَ التَّحَيُّرَ عَلى أنَّ الحالَ لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ لا يَقْتَضِي حَيْرَةً بِوَجْهٍ.

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ آيَةٍ مُقْتَرِحَةٍ عَمَّمَ عَلى وجْهٍ مُفَصَّلٍ لِإجْمالِ ما قَبْلَهُ فَقالَ: (p-٢٣١)﴿ولَوْ أنَّنا﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا البالِغَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ النُّوناتِ ﴿نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: كُلَّهم فَرَأوْهم عِيانًا ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: [بِما] لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ جَمْعُ قَبِيلٍ جَمْعُ قَبِيلَةٍ [فِي قِراءَةِ مَن ضَمَّ القافَ والباءَ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ]، أيْ: جاءَهم ذَلِكَ المَحْشُورُ كُلُّهُ قَبِيلَةً [قَبِيلَةً] تَتْرى ومُواجَهَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فَإذَنْ لا عِبْرَةَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فالآيَةُ دامِغَةٌ لِأهْلِ القَدَرِ، ولا مَدْخَلَ لِآيَةٍ ولا غَيْرِها في ذَلِكَ، فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ في إيمانِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَقْرُبُ عِنْدِي - وإنْ بَعُدَ المَدى - أنْ يَكُونَ ﴿وأقْسَمُوا﴾ [الأنعام: ١٠٩] مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] وهَذا مِنَ المُتَعارَفِ في كَلامِ البُلَغاءِ أنْ يَحْكِيَ الإنْسانُ جُمْلَةً مِن كَلامِ خَصْمِهِ، ثُمَّ يَشْرَعُ في تَوْهِينِها، ويَخْرُجُ إلى أُمُورٍ - يَجُرُّها المَقامُ - كَثِيرَةُ الأنْواعِ طَوِيلَةُ الذُّيُولِ جِدًّا، ثُمَّ يَحْكِي جُمْلَةً أُخْرى فَيَقُولُ مُعْجِّبًا مِنهُ: وقالَ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَشْرَعُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ النَّقْدِ والرَّدِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَوْحِيدُ خَتْمِهِما، فَخَتْمُ الأُولى

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وخَتْمُ هَذِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: أهْلُ جَهْلٍ (p-٢٣٢)مَطْبُوعُونَ فِيهِ، يُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ عِنْدَ مَجِيءِ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ ولا يَشْعُرُونَ أنَّ المانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ إنَّما هو المَشِيئَةُ وإلّا لَآمَنُوا بِما جاءَهم مِنَ الآياتِ، فَإنَّهُ كِفايَةٌ في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والآياتُ كُلُّها مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدِّلالَةِ عَلى صِدْقِ الدّاعِي بِخَرْقِ العادَةِ والعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها.

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

ولَمّا كانَ مَضْمُونَ ما تَقَدَّمَ إثْباتُ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ: فَقَدْ جَعَلْناهم أعْداءً لَكَ لِأنَّكَ عالِمٌ، والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِن كُفّارِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ أيْ: مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ، وعَبَّرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ - والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ - إشارَةً إلى أنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ في العَداوَةِ، فَقالَ: ﴿عَدُوًّا﴾ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وأنَّهم أهْلُ الشَّرِّ فَقالَ مُبْدِلًا: ﴿شَياطِينَ﴾ أيْ: أشْرارَ ﴿الإنْسِ والجِنِّ﴾ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم، ورُبَّما اسْتَعانَ شَيْطانُ الجِنِّ شَيْطانَ الإنْسِ لِقُرْبِ قَلْبِهِ مِنهُ، أمْ يَكُونُ نَوْعُهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، وأشارَ إلى هَوانِ أمْرِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾ أيْ: الشَّياطِينِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ﴿إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يُكَلِّمُهُ في خَفاءٍ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيْ: مُزَيَّنِهِ ومُنَمَّقِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ - لَوْلا الزَّخْرَفَةُ ما قِيلَ - زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ يَغُرُّوهم بِذَلِكَ، أيْ: يَخْدَعُوهم فَيَصِيرُوا لِقَبُولِهِمْ كَلامِهِمْ كالغافِلِينَ الَّذِينَ شَأْنُهم عَدَمُ التَّحَفُّظِ، (p-٢٣٣)والغَرُورُ هو الَّذِي يُعْتَقَدُ فِيهِ النَّفْعُ ولَيْسَ بِنافِعٍ.

ولَمّا كانَ أوَّلُ الآيَةِ مُعْلِمًا أنَّ هَذا كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وجَعْلِهِ - أيَّدَ ذَلِكَ ومَكَّنَهُ في آخِرِها بِأنَّهُ لَوْ شاءَ ما كانَ، وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ وتَنْزِيهًا لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ عَنْها فَيَدُلُّ عَلى الوَهَنِ، ويَجُرُّ قَطْعًا إلى اعْتِقادِ العَجْزِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ أعْدائِهِ ﷺ والمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ - أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِإكْرامِهِ وإعْزازِهِ، لا لِهَوانِهِ، فَقالَ ﴿رَبُّكَ﴾ أيْ: بِما لَهُ إلَيْكَ مِن حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وغَزِيرِ الإحْسانِ مَعَ ما لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، أنْ لا يَفْعَلُوهُ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ مِن عَداوَتِهِمْ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّرْبِيَةِ فَعاقِبَتُهُ إلى خَيْرٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: اتْرُكْهم عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ واخْتِلافَهُ، واذْكُرْ ما لِرَبِّكَ عَلَيْكَ مِنَ العاطِفَةِ لِتَعْلَمَ أنَّ الَّذِي سَلَّطَهم عَلى هَذا في غايَةِ الرَّأْفَةِ بِكَ والرَّحْمَةِ لَكَ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ، فَثِقْ بِهِ واعْلَمْ أنَّ لَهُ في هَذا لَطِيفَ سَرِيرَةٍ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، بِخِلافِ الآياتِ الآتِيَةِ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِاسْمِ الجَلالَةِ، فَإنَّها في عَظِيمِ تَجَرُّئِهِمْ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ذَرْهم لِتُعْرِضَ عَنْهم قُلُوبُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ (p-٢٣٤)ولِيُسْخِطُوهُ، ولِيَعْلَمُوا ما هم لَهُ مُبْصِرُونَ [و] بِهِ عارِفُونَ، فَتُرْفَعُ بِذَلِكَ دَرَجاتُهم - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَصْغى﴾ أيْ: تَمِيلُ مَيْلًا قَوِيًّا تُعْرِضُ بِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: كَذِبِهِمْ وما في حَيِّزِهِ ﴿أفْئِدَةُ﴾ أيْ: قُلُوبُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: لَيْسَ في طَبْعِهِمْ الإيمانُ بِها لِأنَّها غَيْبٌ، وهم لِبَلادَتِهِمْ واقِفُونَ مَعَ الوَهْمِ، ولِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيا الَّتِي هي أصْلُ الغُرُورِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: بِما تَمَكَّنَ مِن مَيْلِهِمْ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: يَفْعَلُوا بِجُهْدِهِمْ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ - عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلًا يَكُونُ الخِداعُ فَيَكُونُ المَيْلُ فَيَكُونُ الرِّضى فَيَكُونُ فِعْلُ الِاقْتِرافِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ.

6:114Page 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْ مَغِيبٍ، وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ دُعاءَ الأعْداءِ والمُخالِفِينَ إلى حاكِمٍ يَفْصِلُ بَيْنَهم، وكانُوا إنَّما يَفْزَعُونَ في الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ إلى الكُهّانِ لِما كانُوا يَكْشِفُونَ لَهم بِما يَقْذِفُ إلَيْهِمْ إخْوانُهم مِنَ الجانِّ مِمّا يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ، فَيَزِيدُونَهُ كَذِبًا كَثِيرًا، ثُمَّ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ عِنْدَهم لِذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يَصْدُقُونَ فِيهِ - كَما ابْتُلِينا بِهِ في هَذا الزَّمانِ مِنَ الِافْتِتانِ بِمَن يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ المَجانِينِ والمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ، وكانَتْ الآياتُ الَّتِي فَرَغَ مِنها (p-٢٣٥)قَدْ أثْبَتَتْ أنَّ اتِّخاذَهم غُرُورٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبَ نَفْيِ اتِّخاذِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ لِما اتَّصَفَ بِهِ مِن إيحاءِ ما خالَفَ إيحاءَهم، فَفاتَ القُوى في إخْبارِهِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ مُفَصَّلَةً أحْسَنَ تَفْصِيلٍ في أسالِيبَ قَصُرَتْ دُونَها سَوابِقُ الأفْكارِ، وكَعَّتْ عَنْها نَوافِذُ الأفْهامِ، فَثَبَتَتْ بِهِ نُبُوَّتُهُ ووَضَحَتْ رِسالَتُهُ، فَكانَ اقْتِراحُهم ظاهِرًا في كَوْنِهِ تَعَنُّتًا؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِأعْظَمِ الآياتِ: القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وطَعَنُوا فِيهِ بِما زادَهم فَضائِحَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إجابَتِهِمْ إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ، فَكانَ الجَوابُ - عَمّا اقْتَضاهُ لِسانُ حالِهِمْ مِن طَلَبِ التَّحاكُمِ إلى أوْلِيائِهِمْ بِبَلِيغِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ [بِقَوْلِهِ]: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ - عَلى غايَةٍ مِنَ البَلاغَةِ لا تُدْرَكُ، والفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِ، وإنَّما تَقَدَّمَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ لِاقْتِضائِها الصَّدْرَ ﴿أبْتَغِي﴾ أيْ: أطْلُبُ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿حَكَمًا﴾ أيْ: يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ نِزاعَنا؛ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى هَذا الإنْكارِ بِتَفْصِيلِ الكِتابِ هَذا التَّفْصِيلَ المُعْجِزَ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ﴾ أيْ: خاصَّةٍ نِعْمَةً عَلَيَّ بِالقَصْدِ الأوَّلِ [وعَلَيْكم بِالقَصْدِ الثّانِي] ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الأكْمَلَ المُعْجِزَ، وهو هَذا القُرْآنُ الَّذِي هو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ (p-٢٣٦)﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُمَيَّزًا فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأحْكامِ، مَعَ ما تُفِيدُهُ فَواصِلُ الآياتِ مِنَ اللَّطائِفِ والمَعارِفِ الكاشِفَةِ لِحَقائِقِ البِداياتِ والنِّهاياتِ، ولَقَدْ اشْتَدَّ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّفْصِيلِ لِوُقُوعِ العِلْمِ مِن أرْبابِ البَصائِرِ في الصَّنائِعِ بِأنَّ مَن لا يُحْسِنُ التَّفْصِيلَ لا يُتْقِنُ التَّرْكِيبَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتُمْ وجَمِيعُ أرْبابِ البَلاغَةِ تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ بِتَفْصِيلِهِ والعَجْزِ عَنْ مَثِيلِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً ﴿آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ بِها الحَقَّ مِنَ الباطِلِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: المَعْهُودَ إنْزالُهُ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِما لَهم مِن سَوابِقِ الأُنْسِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ﴿أنَّهُ مُنَـزَّلٌ﴾

ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَلالَةِ الشَّرِيفَةِ في ( حاقَ ) مَوْضِعَهُ في سِياقِ الحُكْمِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَّفَرُّدِ بِالكَمالِ، وكانَ هَذا المَقامُ بِسِياقِ الإنْزالِ يَقْتَضِي الإحْسانَ - لَمْ يُضْمِرْ، بَلْ قالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما خَصَّكَ بِهِ في هَذا الكِتابِ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأكْمَلِ لِما عِنْدَهم بِهِ مِنَ البَشائِرِ في كُتُبِهِمْ ولِما لَهُ مِن مُوافَقَتِها في ذِكْرِ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ والمَواعِظِ الحَسَنَةِ وكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى وُجُوهٍ تُرَقِّقُ القُلُوبَ (p-٢٣٧)وتُفِيضُ الدُّمُوعَ وتُصَدِّعُ الصُّدُورَ، مَعَ ما يَزِيدُ بِهِ عَلى كُتُبِهِمْ مِنَ التَّفْصِيلِ بِما يُفْهِمُ مَعارِفَ الإلَهِيَّةِ والمَقاماتِ الصُّوفِيَّةِ في ضِمْنِ الأحْكامِ السِّياسِيَّةِ والإعْجازِ بِكُلِّ آيَةٍ.

ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ يُخْفُونَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، ويَقُولُونَ لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّهم أهْدى سَبِيلًا، بِما قَدْ يُوهِمُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ بُطْلانَهُ، أوْ أنَّ الأمْرَ مُلْبِسٌ عَلَيْهِمْ، سَبَّبَ عَنْ إخْبارِهِ - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ [أيْ انْفِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا جِدًّا أنْ تَكُونَ في وقْتٍ ما] ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: العامِلِينَ عَمَلَ الشّاكِّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ وإنْ زادَ إخْفاؤُهم لَهُ وإظْهارُهم لِما يُوهِمُ خِلافَهُ؛ وإذا حارَبْتَهم في ذَلِكَ وأنْتَ أفْطَنُ النّاسِ وأعْرَفُهم بِما يُظْهِرُهُ المُجاوَزاتُ مِن خَفايا الأسْرارِ - تَحَقَّقَتْ ما قُلْناهُ وإنْ اجْتَهَدُوا في الكِتْمانِ، كَما كَشَفَتْ عَنْهُ قِصَّةُ المُناشَدَةِ في أمْرِ الزّانِيَيْنِ وغَيْرِها؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ - فَنَزَلَتْ.

6:115Page 142

وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

ولَمّا دَلَّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ صَرِيحًا وأهْلِ اللِّسانِ تَلْوِيحًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ شُهُودِيٍّ، وهو أنَّهُ ما قالَ شَيْئًا إلّا كانَ عَلى وفْقِ ما قالَ، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ - ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ - مَنعَ شَيْءٍ مِمّا أخْبَرَ بِهِ ولا تَعْوِيقَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ (p-٢٣٨)بِقَوْلِهِ تَعالى مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ، لِتَذْكِيرِهِ ﷺ بِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ الإحْسانِ، والتَّنْبِيهِ عَلى ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ والإكْرامِ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: نَفَذَتْ وتَحَقَّقَتْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ حالَ كَوْنِها ﴿صِدْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبْدِيَ في شَيْءٍ مِنها حَدِيثًا بِتَخَلُّفٍ ما عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ.

ولَمّا كانَ الصِّدْقُ غَيْرَ مُنافٍ لِلْجَوْرِ - قالَ: ﴿وعَدْلا﴾ ولَمّا كانَ الصِّدْقُ العَدْلُ قَدْ لا يَتِمُّ مَعَهُ مُرادُ القائِلِ، ولا يَنْفُذُ فِيهِ كَلامُ الآمِرِ لِمَنعِ مَن هو أقْوى مِنهُ، أخْبَرَ أنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَ مَطْلَعُ الآيَةِ مِنَ التَّمامِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَبَرُّكًا وتَلْذِيذًا فَقالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّها كَلِماتُهُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ ما، بَلْ كُلُّ ما أخْبَرَتْ بِهِ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مِن سَخِطَ.

ولَمّا كانَ المُغَيِّرُ لِشَيْءٍ إنَّما يَتِمُّ لَهُ ما يُرِيدُ مِنَ التَّغْيِيرِ بِكَوْنِ المُغَيَّرِ عَلَيْهِ لا يَعْلَمُ الأسْبابَ المُنْجِحَةَ لِما أرادَ لِيَحْكُمَها، والمَوانِعَ العائِقَةَ لِيُبْطِلَها - قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: البالِغُ العِلْمِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَهو إذَنْ الكامِلُ القُدْرَةِ النّافِذُ الأمْرِ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمَوانِعِ، فَلا يَدَعُ أحَدًا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنها وإنْ (p-٢٣٩)دَلَّسَ أوْ شَبَّهَ.

6:116Page 142

وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1

ولَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ، وبَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَرَعَ في الحَثِّ عَلى الإعْراضِ عَنْ جَهْلِ الجُهّالِ، والإقْبالِ عَلى ذِي الجَلالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أطَعْتَهُ فِيما أمَرَكَ بِهِ اهْتَدَيْتَ إلى صِراطِ اللَّهِ الَّذِي يَتِمُّ لَكَ بِسُلُوكِهِ جَمِيعُ ما وعَدَكَ بِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُطِعْ﴾ ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأنْفُسِ مُتَقَيِّدَةً بِالأكْثَرِ، أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا جاهِلٌ مُخْلِدٌ إلى التَّقْلِيدِ فَقالَ: ﴿أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: تُوجَدُ طاعَتُكَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتَ أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يَتَّبِعُ الهَوى، وأنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ لا يَعْلَمُونَ لا يَشْكُرُونَ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: لِأنَّهم ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في أُمُورِهِمْ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ [أيْ] كَما يَظُنُّ هَؤُلاءِ جَهْلًا أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ مَن يَجْزِمُ بِالأُمُورِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ ظَنُّهُ كَذِبًا، وكانَ الخارِصُ يُقالُ عَلى الكاذِبِ والمُخَمِّنِ الحازِرِ - قالَ: ﴿وإنْ هُمْ﴾ أيْ: بِصَمِيمِ ضَمائِرِهِمْ ﴿إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يَجْزِمُونَ بِالأُمُورِ بِحَسَبِ ما يُقَدِّرُونَ، فَيُكْشَفُ الأمْرُ عَنْ أنَّها كَذِبٌ، فَيُعْرَفُ الفَرْقُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في تَمامِ [الكَلامِ] ونُفُوذِهِ نُفُوذَ السِّهامِ، أوْ تَخَلُّفِهِ عَنِ التَّمامِ ونُكُوصِهِ (p-٢٤٠)كالسَّيْفِ الكَهامِ، فَلا يَبْقى شُبْهَةٌ في أمْرِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.

6:117Page 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْعِلْمِ الكاشِفِ لِلْحَقائِقِ المُبَيِّنِ لِما يُتَّبَعُ وما يُجْتَنَبُ - قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا الإخْبارِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ الكاشِفِ لِلِارْتِيابِ الهادِي إلى الصَّوابِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ﴾ ولِكَوْنِ الحالِ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِلْعِلْمِ، قَطَعَهُ عَمّا بَعْدَهُ لِيَسْبِقَ إلى الفَهْمِ أنَّهُ أعْلَمُ مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ العِلْمُ مُطْلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿مَن﴾ أيْ: يَعْلَمُ مَن ﴿يَضِلُّ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنهُ ضَلالٌ يَوْمًا ما ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: الَّذِي بَيَّنَهُ بِعِلْمِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ كَما أنَّهُ أعْلَمُ بِالضّالِّينَ، فَمَن أمَرَكم بِاتِّباعِهِ فاتَّبِعُوهُ، ومَن نَهاكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، فَمَن ضَلَّ أرْداهُ، ومَن اهْتَدى أنْجاهُ، فاسْتَمْسِكُوا بِأسْبابِهِ حَذَرًا [مِن] وبِيلِ عِقابِهِ يَوْمَ حِسابِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском