Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:118–123

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:118–123

6:118Page 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - ما مَضى مِنَ السَّوائِبِ وما مَعَها وفي المائِدَةِ مِمّا يَدِينُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في أكْلِ الحَيَوانِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ الشِّرْكُ، وأتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى أهْلِ الإيمانِ مِن دِينِ أهْلِ الضَّلالِ إذا اهْتَدَوْا، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما لاءَمَهُ، وانْتَظَمَ في سِلْكِهِ ولاحَمَهُ، حَتّى ظَهَرَ أيْ: ظُهُورَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَوَجَبَ شُكْرُهُ وحْدَهُ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ قَدْ كَفَرُوا نِعَمَهُ تَعالى فاتَّخَذُوا مَعَهُ شُرَكاءَ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا لَها مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا، (p-٢٤١)فَكانُوا بِذَلِكَ المانِعِينَ الحَقَّ عَنْ أهْلِهِ، ومانِحِينَ ما خَوَّلَهم فِيهِ مِن لَهُ المُلْكُ لِما لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، وتارِكِينَ بَعْضَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ صاحِبُ الحَقِّ رِعايَةً لِمَن لا حَقَّ لَهُ ولا حُرْمَةَ، وكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِأنَّهُ يَذْكُرُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِالوَحْدانِيَّةِ. ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما لَنا مِنَ المَنافِعِ وما أبْدَعَ مِنَ المَرافِقِ والمَصانِعِ، ثُمَّ يَعْجَبُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالأكْلِ مِمّا خَلَقَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيَةً لِكُلِّ ذِي لُبٍّ إلى شُكْرِهِ، كَما قالَ تَعالى في البَقَرَةِ عَقِبَ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ثُمَّ قالَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ثُمَّ قالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] أجْرى هَذِهِ السُّنَّةَ الجَلِيلَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] بَعْدَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ثُمَّ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مِلْكِهِ ولا مُلْكِهِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ لا حَكَمَ سِواهُ يُنازِعُهُ في حُكْمِهِ أوْ يُبارِيهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ مِن [آيِها] الهِدايَةُ الَّتِي جَعَلَها شَرْطًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ مِن دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ فَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: وقْتَ الذَّبْحِ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ (p-٢٤٢)الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: كَأنَّ قائِلًا لِذَلِكَ سَواءٌ ذُكِرَ بِالفِعْلِ أوْ لا، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما جَعَلْتُهُ المُرادَ لِيُفْهَمَ أنَّ الذِّكْرَ بِالفِعْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ولا يَكُونُوا مِمَّنْ بَنى دِينَهُ عَلى اتِّباعِ الأهْوِيَةِ والظُّنُونِ الكاذِبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا مَن يَعْرِفُ الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ مُهْتَدٍ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ ضالٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكُلُوا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَكم حَلالًا شاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، وإنَّما أطالَ هُنا - دُونَ البَقَرَةِ - ما بَيْنَ الجُمَلِ الكَلامَ تَقْرِيرًا لِمَضامِينِها وما يَسْتَتْبِعُهُ واحْتِجاجًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّها سُورَةُ التَّفْصِيلِ، وأتى بِالذِّكْرِ والمُرادُ قَبُولُ المَأْكُولِ لَهُ، أيْ: كُلُوا مِمّا يَقْبَلُ أنْ يُسَمّى عَلَيْهِ عَلى مُقْتَضى ما شَرَعَهُ، وذَلِكَ هو الَّذِي أحَلَّهُ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ مِمّا جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ أوْ لا، دُونَ ما ماتَ مِنَ الحَيَوانِ حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ أوْ كانَ مِمّا حَرُمَ أكْلُهُ وإنْ ذُبِحَ وذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّحْلِيلَ بِالتَّسْمِيَةِ، فالتَّسْمِيَةُ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لِوُرُودِ النُّصُوصِ بِالتَّحْرِيمِ، ولا تَتَّبِعُوا المُشْرِكِينَ في مَنعِهِمْ أنْفُسَهم مِن خَيْرٍ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بِتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهُ لِآلِهَتِهِمْ الَّتِي لا غِناءَ عِنْدِها، ويَكُونُ [ذَلِكَ] حَثًّا عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى جَمِيعِ المَأْكُولِ الحَلالِ، فَتَكُونُ الآيَةُ كَآيَةِ البَقَرَةِ [بِزِيادَةٍ] .

ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ لا يَقْبَلُهُ إلّا مَن زالَ دِينُ الشِّرْكِ وجَمِيعُ تَوابِعِهِ مِن قَلْبِهِ - قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما لَكم مِنَ ا لْجِبِلَّةِ الصّالِحَةِ ﴿بِآياتِهِ﴾ (p-٢٤٣)أيْ: عامَّةً، الَّتِي مِنها آياتُ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ،

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

وقَدْ لاحَ بِذَلِكَ حُسْنُ انْتِظامِ قَوْلِهِ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ: أيِّ شَيْءٍ يَكُونُ لَكم في ﴿ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ فَإنَّ التَّسْمِيَةَ قائِمَةٌ مَقامَ إذْنِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿فَصَّلَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ والخَلْقُ خَلْقُهُ والأمْرُ أمْرُهُ ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ تَفْصِيلًا واضِحَ البَيانِ ظاهِرَ البُرْهانِ ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُزِيلُ التَّفْصِيلَ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ فَيَصِيرُ الكُلُّ حَلالًا لا تَفْصِيلَ فِيهِ، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَأمّا مَن خُوطِبَ بِها وقْتَ الإنْزالِ فالمُرادُ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي آتاهُ الآيَةُ الآتِيَةُ أخِيرَ هَذِهِ فَإنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، وكَذا كُلُّ ما شاكَلَها مِمّا أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذا ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ في وحْيٍ مَتْلُوٍّ إذْ ذاكَ، ولَعَلَّهُ نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، أوْ وحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ مِن جَمِيعِ الأحادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا مَن خُوطِبَ بِها بَعْدَ تَرْتِيبِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ في حَقِّهِ [كَما] في البَقَرَةِ والمائِدَةِ وغَيْرِهِما مِنَ السُّوَرِ الماضِيَةِ - مِنَ الحَلالِ والحَرامِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الأوامِرِ اهْتَدى بِما نالَ مِنَ العِلْمِ وهم قَلِيلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ (p-٢٤٤)أيْ: يَقَعُ مِنهم الضَّلالُ فَيُوقِعُونَ غَيْرَهم فِيهِ بِنُكُوبِهِمْ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ أوامِرُ اللَّهِ وهَدى إلَيْهِ بَيانُهُ، فَيَكُونُونَ بِمَعْرِضِ العَطَبِ ﴿بِأهْوائِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى؛ ولَمّا كانَ الهَوى - وهو مَيْلُ النَّفْسِ - رُبَّما كانَ مُوافِقًا لِما أدّى إلَيْهِ العِلْمُ بِصَحِيحِ الفِكْرِ وصَرِيحِ العَقْلِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: دَعا إلى ذَلِكَ [مِمَّنْ لَهُ العِلْمُ] مِن شَرِيعَةٍ ماضِيَةٍ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ.

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ هَذا، أثْبَتَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وقالَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ شاهِدًا لَكَ بِإعْجازِهِ بِالتَّصْدِيقِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِلْإضْمارِ فَأُظْهِرَ لِلتَّعْمِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ.

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

ولَمّا كانَ مِمّا يَقْبَلُ في نَفْسِهِ - في الجُمْلَةِ - أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مِلْكًا لِلْغَيْرِ أوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، نَهى عَنْهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ( ﴿فَكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وذَرُوا﴾ أيْ: اتْرُكُوا عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَها غَيْرَ صالِحَةٍ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: المَعْلُومَ الحُرْمَةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿وباطِنَهُ﴾ مِن كُلِّ ما فِيهِ شُبْهَةٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والعَقائِدِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ في القَلْبِ عَلامَةً، وهو أنْ يَضْطَرِبَ عِنْدَهُ (p-٢٤٥)ولا يَسْكُنَ كَما قالَ ﷺ: «( والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ)» - أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾ أيْ: ولَوْ بِأخْفى أنْواعِ الكَسْبِ، بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَجْرِيدُ الفِعْلِ، وهو الِاعْتِقادُ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ.

[ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن خافَ مِن مُطْلَقِ الجَزاءِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ]: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ بِفاسِدِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ اكْتِسابًا يُوجِبُ الفَرْقُ وهو أشَدُّ الخَوْفِ ويُزِيلُ الرِّفْقَ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ الشَّرِّ إنَّما تَكُونُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ.

6:121Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

[ولَمّا] أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا يَنْفَعُهم ويُعِينُهم عَلى شُكْرِهِ مُحَذِّرًا مِن أكْلِ ما يَعِيشُ مَرْأى بَصائِرِهِمْ - أتْبَعَهُ نَهْيَهم نَهْيًا جازِمًا خاصًّا عَنِ الأكْلِ مِمّا يَضُرُّهم في أبْدانِهِمْ وأخْلاقِهِمْ، وهو ما ضادَّ الأوَّلَ في خُلُوِّهِ [عَنِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ] فَقالَ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ أيْ: مِمّا لا يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُؤْخَذُ شَيْءٌ إلّا مِنهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ فَلَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، وأشارَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إلى الإخْلاصِ ونَفْيِ الإشْراكِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِكَوْنِ اللَّهِ قَدْ حَرَّمَهُ فَصارَ نَجِسَ العَيْنِ أوْ المَعْنى: فَصارَ مُخْبِثًا لِلْبَدَنِ والنَّفْسِ مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِهِ – سُبْحانَهُ - (p-٢٤٦)بِما دَلَّ عَلَيْهِ [مِن] تَسْمِيَتِهِ فِسْقًا، وتَفْسِيرُ الفِسْقِ في آيَةٍ أُخْرى بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وكَذا ما كانَ في مَعْناهُ مِمّا ماتَ أوْ كانَ حَرامًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، واسْمُهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُذْكَرَ عَلى غَيْرِ الحَلالِ، فَإنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ كانَ مُلاعِبًا فَلَمْ يُطَهِّرْهُ، وأمّا ما كانَ حَلالًا ولَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ [اسْمُ اللَّهِ ولا غَيْرُهُ] فَهو حَلالٌ، كَما في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ هُنا أقْوامًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنا بِلُحْمانٍ لا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ أمْ لا! قالَ: (اذْكُرُوا أنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وكُلُوا)» قالَ البَغَوِيُّ: ولَوْ كانَتْ التَّسْمِيَةُ شَرْطًا لِلْإباحَةِ لَكانَ الشَّكُّ في وُجُودِها مانِعًا مِن أكْلِها كالشَّكِّ في أصْلِ الذَّبْحِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ خَبِيثٌ في نَفْسِهِ مُخْبِثٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: الأكْلَ مِنهُ أوْ هو نَفْسُهُ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ ﴿لَفِسْقٌ﴾ فَجَعَلَهُ نَفْسَ الفِسْقِ - وهو الخُرُوجُ عَمّا يَنْبَغِي إلى ما لا يَنْبَغِي - لِأنَّهُ عَرِيقٌ جِدًّا في كَوْنِهِ سَبَبَهُ لِما تَأصَّلَ عِنْدَهم مِن أمْرِهِ وانْتَشَرَ مِن شَرِّهِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى ما أوَّلْتُ بِهِ لِأنَّ النِّسْيانَ [لَيْسَ] بِسَبَبِ الفِسْقِ، والَّذِي تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ، والنّاسِي لَيْسَ بِفاسِقٍ - كَما قالَهُ البُخارِيُّ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما رَواهُ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ قَوْمًا قالُوا (p-٢٤٧)لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ! فَقالَ:

( سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ)، قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ» . انْتَهى. فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو كَوْنُهُ مِمّا يَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، ولَيْسَ المُرادُ اشْتِراطَ التَّسْمِيَةِ بِالفِعْلِ.

ولَمّا كانَتْ الشُّبَهُ رُبَّما زَلْزَلَتْ ثابِتَ العَقائِدِ، قالَ مُحَذِّرًا مِنها: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ أيْ: أخابِثَ المَرَدَةِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ البَعِيدِينَ مِنَ الخَيْرِ المُهَيَّئِينَ لِلشَّرِّ المُحْتَرِقِينَ بِاللَّعْنَةِ مِن مَرَدَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ وسْوَسَةً بالِغَةً سَرِيعَةً ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: المُقارِبِينَ لَهم في الطِّباعِ المُهَيَّئِينَ لِقَبُولِ كَلامِهِمْ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: لَيَفْتِلُوكم عَمّا أمَرَكم بِهِ بِأنْ يَقُولُوا لَكم: ما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ بِالأكْلِ مِمّا قَتَلْتُمُوهُ أنْتُمْ وجَوارِحُكم - ونَحْوَ ذَلِكَ، وأهْلُ الحَرَمِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقِفُوا في غَيْرِهِ، والغَرِيبُ لا يَنْبَغِي أنَّ يُساوِيَهم في الطَّوافِ في ثِيابِهِ، والنَّذْرُ لِلْأصْنامِ كالنَّذْرِ لِلْكَعْبَةِ، ونَحْوَ هَذا مِن خُرافاتِهِمْ الَّتِي بَنَوْا أمْرَهم فِيها عَلى الهَوى الَّذِي هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مُضِرٌّ، ومُبالِغُونَ في الذَّمِّ بِاتِّباعِهِ والمَيْلِ إلَيْهِ، ويَكْفِي في هَدْمِ جَمِيعِ شُبَهِهِمْ إجْمالًا أنَّ صاحِبَ الدِّينِ ومالِكَ المُلْكِ مَنَعَ مِنها.

(p-٢٤٨)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أطَعْتُمُوهم تَرَكْتُمْ الهُدى وتَبِعْتُمْ الهَوى، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الهَوى يَعُودُ إلى الشِّرْكِ - عَطَفَ عَلى هَذا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: المُشْرِكِينَ تَدَيُّنًا بِما يَقُولُونَهُ في تَرْكِ الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ والأكْلِ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوْ في شَيْءٍ مِمّا جادَلُوكم فِيهِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فَأنْتُمْ وهم في الإشْراكِ سَواءٌ كَما إذا سَمَّيْتُمْ غَيْرَ اللَّهِ عَلى ذَبائِحِكم عَلى وجْهِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن اتَّبَعَ أمْرَ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِاللَّهِ كَما قالَ ﷺ في حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] مِن أنَّ عِبادَتَهم لَهم تَحْلِيلُهم ما أحَلُّوا وتَحْرِيمُهم ما حَرَّمُوا، فَنَبَّهَ ﷺ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الأسْماءَ تَتْبَعُ المَعانِيَ؛ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ الشّافِعِيُّ في بابِ الضَّحايا مِن كِتابِ الرَّوْضَةِ: حُكِيَ في الشّامِلِ وغَيْرِهِ عَنْ نَصِّ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لَوْ كانَ لِأهْلِ الكِتابِ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَها بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كالمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ؛ وفي كِتابِ القاضِي ابْنِ كَجٍّ أنَّ اليَهُودِيَّ لَوْ ذَبَحَ لِمُوسى والنَّصْرانِيَّ لِعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - أوْ لِلصَّلِيبِ حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وأنَّ المُسْلِمَ لَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: تَحْرُمُ؛ لِأنَّهُ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: (p-٢٤٩)وخَرَّجَ أبُو الحَسَنِ وجْهًا آخَرَ [أنَّها] تَحِلُّ لِأنَّ المُسْلِمَ يَذْبَحُ لِلَّهِ ولا يَعْتَقِدُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يَعْتَقِدُهُ النَّصْرانِيُّ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

قالَ: وإذا ذَبَحَ لِلصَّنَمِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ سَواءٌ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا أوْ نَصْرانِيًّا، وفي تَعْلِيقِهِ لِلشَّيْخِ إبْراهِيمَ المَرْوَزِيِّ أنَّ ما يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبالِ السُّلْطانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ أفْتى أهْلُ بُخارى بِتَحْرِيمِهِ لِأنَّهُ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ الذَّبْحَ لِلْمَعْبُودِ بِاسْمِهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ السُّجُودِ لَهُ. وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ المَخْصُوصَةِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَمَن ذَبَحَ لِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ أوْ جَمادٍ كالصَّنَمِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، وكانَ فِعْلُهُ كُفْرًا كَمَن سَجَدَ لِغَيْرِهِ سَجْدَةَ عِبادَةٍ، وكَذا لَوْ ذَبَحَ لَهُ ولِغَيْرِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَأمّا إذا ذَبَحَ لِغَيْرِهِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ - بِأنْ ضَحّى أوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَها لِأنَّها بَيْتُ اللَّهِ تَعالى أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذا لا يَجُوزُ أنَّ يَمْنَعَ حِلَّ الذَّبِيحَةِ، وإلى هَذا المَعْنى يَرْجِعُ قَوْلُ القائِلِ: أهْدَيْتُ لِلْحَرَمِ أوْ لِلْكَعْبَةِ، ومِن هَذا القَبِيلِ الذَّبْحُ عِنْدَ اسْتِقْبالِ السُّلْطانِ، فَإنَّهُ اسْتِبْشارٌ بِقُدُومِهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ذَبْحِ العَقِيقَةِ لِوِلادَةِ المَوْلُودِ، ومِثْلُ هَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، وكَذا السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، فَعَلى هَذا إذا قالَ الذّابِحُ: بِسْمِ اللَّهِ واسْمِ مُحَمَّدٍ، وأرادَ: أذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ وأتَبَرَّكُ باسِمِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَحْرُمَ، وقَوْلُ مَن قالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّ اللَّفْظَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ يَصِحُّ نَفْيُ الجَوازِ والإباحَةِ المُطْلَقَةِ عَنْهُ، وحَكى الرّافِعِيُّ أنَّهُ وقَعَتْ في هَذا مُنازَعَةٌ بَيْنَ أهْلِ قَزْوِينَ أفْضَتْ إلى فِتْنَةٍ في أنَّهُ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وهَلْ يَكْفُرُ (p-٢٥٠)بِذَلِكَ! قالَ: والصَّوابُ ما بَيَّنّا؛ قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ - أيْ: الرّافِعِيُّ - ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ المَرْوَزِيُّ في تَعْلِيقِهِ: قالَ: حَكى صاحِبُ التَّقْرِيبِ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سَمّى غَيْرَ اللَّهِ كالمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، قالَ صاحِبَ التَّقْرِيبِ: مَعْناهُ أنْ يَذْبَحَها لَهُ. فَأمّا إنْ ذَكَرَ المَسِيحَ عَلى مَعْنى الصَّلاةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجائِزٌ، قالَ: وقالَ الحَلِيمِيُّ: تَحِلُّ مُطْلَقًا وإنْ سَمّى المَسِيحَ - واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ في المَسائِلِ المَنثُورَةِ: الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ كَجٍّ: مَن ذَبَحَ شاةً وقالَ: أذْبَحُ لِرِضى فُلانٍ، حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِخِلافِ مَن تَقَرَّبَ بِالذَّبْحِ إلى الصَّنَمِ؛ وقالَ الرُّويانِيُّ: إنَّ مَن ذَبَحَ لِلْجِنِّ وقَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى لِيَصْرِفَ شَرَّهم عَنْهُ فَهو حَلالٌ، وإنْ قَصَدَ الذَّبْحَ لَهم فَحَرامٌ؛ ومِمّا يُوَضِّحُ لَكَ سِرَّ هَذا الِانْتِظامِ ويَزِيدُهُ حُسْنًا أنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها مِن قَوْلِهِ تَعالى

﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] فَلَمّا ذَكَرَ إبْداعَهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] ونَحْوَهُ، وأنْكَرَ اتِّخاذَ مَن دُونَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وما نَحا نَحْوَهُ، قالَ ﴿فَكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٨] إشارَةً إلى ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونَحْوِهِما إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] ونَحْوُهُ مُشِيرٌ إلى: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]

(p-٢٥١)ولَمّا انْقَضى التَّفْصِيلُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ شَرَعَ في تَفْصِيلِها ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخِرِها، والسِّرُّ في الإعادَةِ أنَّ الشَّيْءَ إذا أُثْبِتَ أوْ نُفِيَ، وأُقِيمَتْ الدَّلائِلُ عَلى إثْباتِ ما ثَبَتَ مِنهُ ونَفْيِ ما نُفِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ ذَلِكَ في أُسْلُوبٍ آخَرَ، كانَ أثْبَتَ في النَّفْسِ وألْصَقَ بِالقَلْبِ، لا سِيَّما إنْ كانَ في الأُسْلُوبِ الثّانِي - كَما هي عادَةُ القُرْآنِ - زِيادَةٌ في البَيانِ وتَنْبِيهٌ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ أوَّلًا، ولا سِيَّما إنْ كانَتْ العِبارَةُ فائِقَةً والألْفاظُ عَذْبَةً رائِقَةً وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا كُلَّهُ دَأْبُ القُرْآنِ في أسالِيبِ الِافْتِنانِ؛ قالَ الغَزالِيُّ في أوائِلِ كِتابِ: (الجَواهِرِ) في الفَصْلِ الَّذِي فِيهِ اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْسامٍ: وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] إشارَةً إلى الصِّفَةِ مَرَّةً أُخْرى، ولا تَظُنُّ أنَّهُ مُكَرَّرٌ، فَلا مُكَرَّرَ في القُرْآنِ، إذْ حَدُّ المُكَرَّرِ ما لا يَنْطَوِي عَلى مَزِيدِ فائِدَةٍ، وذِكْرُ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ”العالَمِينَ“، وقَبْلَ ذِكْرِ ”العالَمِينَ“، وقَبْلَ ذِكْرِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَنْطَوِي عَلى فائِدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ في تَفْصِيلِ مَجارِي الرَّحْمَةِ ثُمَّ ذِكْرُ ما حاصِلُهُ أنَّ إحْداهُما مُلْتَفِتٌ إلى خَلْقِ كُلِّ عالَمٍ مِنَ العالَمِينَ عَلى أكْمَلِ أنْواعِهِ وأفْضَلِها وإيتائِهِ كُلَّ ما احْتاجَ إلَيْهِ، والثّانِيَةَ مُلْتَفِتٌ إلى ما بَعْدَهُ بِالإشارَةِ إلى الرَّحْمَةِ في المَعادِ يَوْمَ الجَزاءِ عِنْدَ الإنْعامِ بِالمُلْكِ المُؤَبَّدِ، قالَ: وشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ والمَقْصُودُ (p-٢٥٢)أنَّهُ [لا] مُكَرَّرَ في القُرْآنِ، وإنْ رَأيْتَ شَيْئًا مُكَرَّرًا مِن حَيْثُ الظّاهِرِ فانْظُرْ إلى سَوابِقِهِ ولَواحِقِهِ لِيَنْكَشِفَ لَكَ مَزِيدُ الفائِدَةِ في إعادَتِهِ. انْتَهى. وفي ذَلِكَ نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ الرَّحْمَنَ مُشِيرٌ إلى ما قالَ مِن جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في الإيجادَيْنِ: الأوَّلِ والثّانِي، والرَّحِيمُ مُشِيرٌ بِخُصُوصِهِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ إلى الإيجادِ الثّانِي والإبْقاءِ الثّانِي بِالرَّحْمَةِ الجَزائِيَّةِ وإلى ما يَفْهَمُهُ الخُصُوصُ مِنَ النِّعْمَةِ بِمَن لَمْ يَخُصَّهُ الرَّحْمَةُ - كَما مَضَتْ الإشارَةُ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ.

6:122Page 143

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

ولَمّا كانَ مَعْنى التَّحْذِيرِ مِن طاعَةِ المُشْرِكِينَ أنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ رَدَدْتُمْ أنْفُسَكم إلى ظَلامِ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ مُنِحْتُمْ نُورَ الهِدايَةِ - فَكانَ التَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ هَكَذا كانَ كَمَن نَصَحَ لِنَفْسِهِ بِاتِّباعِ الأدِلَّةِ وتَوَقِّي الشُّبَهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ أيْ: بِالغَرَقِ في أمْواجِ ظَلامِ الكُفْرِ، لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا الجَمادِيَّةُ بَلْ العَدَمِيَّةُ ﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِإشْراقِ أنْوارِ الإيمانِ عَلى قَلْبِهِ الَّذِي إنْ صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا عَلى وجْهِ الخُصُوصِ ﴿لَهُ نُورًا﴾ أيْ: بِالهِدايَةِ إلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿يَمْشِي﴾ مُسْتَضِيئًا ﴿بِهِ في النّاسِ﴾ فَيَعْرِفُونَ أفْعالَهُ وأخْلاقَهُ وأقْوالَهُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ: الَّذِي يُمَثَّلُ بِهِ، وهو ما يَنْكَشِفُ بِوَجْهِ الشَّبَهِ رُوحُ لُبِّهِ وخُلاصَةُ حالِ قَلْبِهِ (p-٢٥٣)حالَ قَلْبِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: صِفَتُهُ أنَّهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ما لَهُ مِن نَفْسِهِ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الهَوى وظُلْمَةِ ما نَشَأ عَنِ الهَوى مِنَ الكُفْرِ، وإذا كانَ المَثَلُ الَّذِي هو الأعْلى مِنَ المَمْثُولِ في شَيْءٍ كانَ المَمْثُولُ عَرِيقًا فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ ﴿مِنها﴾ أيْ: الظُّلُماتِ بِما زُيِّنَ لَهُ مِن سُوءِ أعْمالِهِ حَتّى صارَتْ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ، وإذا لَمْ يَخْرُجُ المَثَلُ مِن شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ المَمْثُولُ مِنهُ وإلّا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُما مُماثَلَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]

ولَمّا كانَ إيحاءُ الشَّياطِينَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِمّا يُوجِبُ لُزُومَ العَمى لَيْسَ إلّا تَزْيِينًا لِلْقَبائِحِ، فَكانَ حالُهم مِمّا يَشْتَدُّ العَجَبُ مِنهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا رُؤْيَتُنا لِحالِهِمْ ما صَدَّقْنا أنَّ عاقِلًا يَرْضى ما فَعَلُوهُ بِأنْفُسِهِمْ، فَهَلْ وقَعَ لِأحَدٍ قَطُّ مِثْلُ حالِهِمْ؟ فَقِيلَ: نَعِمَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ ﴿ما كانُوا﴾ بِما جَبَلْناهم عَلَيْهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فَهَمْ أبَدًا في الظُّلُماتِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا كَوْنَهُ في الظُّلُماتِ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ (p-٢٥٤)ثانِيًا، وثانِيًا التَّزْيِينَ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ أوَّلًا.

6:123Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

ولَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ عَداوَتَهم لَهُ ﷺ المُشارَ إلَيْها بُقُولِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] الآيَةُ، لا يَقُومُ بِها إلّا أكابِرُ النّاسِ، لِما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِن جَلالَةِ المَنصِبِ وشَرَفِ العَشِيرَةِ وكَثْرَةِ الأقارِبِ وأنَّهُ لا يَتَمادى عَلَيْها إلّا جاهِلٌ مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ مُزَيَّنٌ لَهُ قَبِيحُ أعْمالِهِ - عَطَفَ تَعالى عَلى التَّزْيِينِ لِلْكافِرِينَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زَيَّنّا لِلْكافِرِينَ سُوءَ أعْمالِهِمْ، فَكانَ أكابِرُ أهْلِ مَكَّةَ يَمْكُرُونَ فَيَتَّبِعُ غَيْرُهم مَكْرَهم ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في إقامَةِ الأسْبابِ لِما يُعْلِي كَلِمَةَ الإنْسانِ أوْ يَجْعَلُهُ حَقِيرَ الشَّأْنِ ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ أيْ: بَلَدٍ جامِعٍ، [ولَمّا كانَ الكِبَرُ مُخْتَلِفَ الأنْواعِ بِاخْتِلافِ أشْخاصِ المُجْرِمِينَ، طابَقَ بِأفْعالِ التَّفْضِيلِ المَقْصُودِينَ لَها في الجَمْعِ عَلى إحْدى اللُّغَتَيْنِ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجَمْعِ دِلالَةً عَلى تَناهِيهِمْ في الكَثْرَةِ فَقالَ]: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الإنْسانِ اسْتِجْلابُ أسْبابِ الرِّفْعَةِ لِنَفْسِهِ، وكانَ لا يَصِلُ إلى ذَلِكَ في دارِ رَبْطِ المُسَبَّباتِ بِحِكْمَةِ الأسْبابِ إلّا بِالمَكْرِ، وكانَ الأكابِرُ أقْدَرَ عَلى إنْفاذِ المَكْرِ وتَرْوِيجِ الأباطِيلِ بِما لِأغْلَبِ النّاسِ مِنَ السَّعْيِ في رِضاهم طَمَعًا فِيما عِنْدَهم، وكانَ الإنْسانُ كُلَّما تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ أمْعَنَ فِيهِ، وكانَ الكَبِيرُ إنَّما يَصِلُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ (p-٢٥٥)لَهُ؛ كانَ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ خَلَقَهُ لَهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجَعْلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْيِيرِ والتَّسْبِيبِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: يَخْدَعُوا أصاغِرَهم ويُغْرُوهم بِما يُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ حَتّى يَتَّبِعُوهم فَيُعادُوا لَهم حِزْبَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِعًا وغائِظًا مُحْزِنًا، قالَ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ وتَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم [ما] ﴿يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ عَمَلَهم بِالمَكْرِ وبالٌ عَلَيْهِمْ مَوْبِقٌ لَهم، ولِأنَّ مَكْرَهم بِأوْلِياءِ اللَّهِ إنَّما هو مَكْرٌ بِاللَّهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَأتٍّ ولا كائِنٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَيْفَ يَتَأتّى مَكْرُ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ بِمَن يَعْلَمُ جَمِيعَ الغَيْبِ! ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما لَهم نَوْعُ شُعُورٍ بِأنَّ مَكْرَهم عائِدٌ عَلى نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّهم وجَهْرَهم يَجْعَلُ بِما يُزَيِّنُ لَهم تَدْمِيرَهم في تَدْبِيرِهِمْ، وإنَّما أجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِذَلِكَ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ غَلَبَةَ شَخْصٍ واحِدٍ - بِمُفْرَدِهِ أوْ بِاتِّباعِ كَثِيرٍ مِنهم مِمَّنْ لا يُؤْبَهُ لَهم مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ المَدَدِ لِرُؤَساءِ النّاسِ وأقْوِيائِهِمْ مَعَ طُولِ مُكْثِهِ بَيْنَهم مُنابِذًا لَهم مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ دِينَكم يُمْحى ودِينِي يَظْهَرُ وإنْ كَرِهْتُمْ - مِن خَوارِقِ العاداتِ وبِواهِرِ الآياتِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] في أمْثالِ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском