Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:124–129

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:124–129

6:124Page 143

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

(p-٢٥٦)ولَمّا قَرَّرَ هَذا، أتْبَعَهُ بِمَقالَةٍ لَهم تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ فِيما زُيِّنَ لَهم مِن ضَلالِهِمْ، وتَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ وتَحْقِيقًا لِما في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن مَكْرِهِمْ لِغَيْرِهِمْ وعَوْدِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿وإذا جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: الكافِرِينَ مِن أكابِرِ المُجْرِمِينَ وأتْباعِهِمْ ﴿آيَةٌ قالُوا﴾ حَسَدًا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِمْ أكابِرَ مُؤَكِّدِينَ لِلنَّفْيِ [لِما لِمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - مِنَ العِبَرِ المُوجِبِ لِظَنِّ الإذْعانِ لِأعْتى أهْلِ الكُفْرانِ] ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أيْ: أبَدًا ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ لِما لَنا مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِأنْ لا يَخْتَصُّ أحَدٌ عَنّا بِشَيْءٍ ﴿مِثْلَ ما﴾

ولَمّا كانَ نَظَرُهم مَقْصُورًا عَلى عالَمِ الحِسِّ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى جانِبِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ غَيْبًا بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهم: ﴿أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَتّى يُوحى إلَيْنا لِئَلّا يَكُونُوا أعْظَمَ مِنّا - كَما قالَ تَعالى -: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] وكَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عَنْ أبِي جَهْلٍ أنَّهُ قالَ: تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مَنافٍ الشَّرَفَ حَتّى إذا كُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ، (p-٢٥٧)ويْحَكَ! مَتى نُدْرِكُ هَذا ؟ واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا. وأنْ يَكُونَ المُرادُ إتْيانَهُ ﷺ بِمِثْلِ آياتِ الأوَّلِينَ مِن شَقِّ البَحْرِ واليَدِ والعَصا وإحْياءِ المَوْتى ونَحْوِها، [وسَمَّوْهم تَنَزُّلًا واسْتِهْزاءً، وعَبَّرُوا بِالجَلالَةِ إشارَةً إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ فَلا عُذْرَ] .

ولَمّا ذَكَرَ اسْمَ الجَلالَةِ إيذانًا بِعَظِيمِ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ لِعَماهم - بِما طَمَسَ عَلى أنْوارِ قُلُوبِهِمْ مِن ظُلُماتِ الهَوى - عَمّا لِلرُّسُلِ مِنَ الجَلالِ الَّذِي يَخْضَعُ لَهُ شَوامِخُ الأُنُوفِ - أعادَها أيْضًا تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَنْبِيهًا عَلى ما هُناكَ مِن عَظِيمِ القَدْرِ، فَقالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما تَضَمَّنَ قَوْلُهم مِن دَعْوى التَّعَلُّمِ بِالحِكْمَةِ والِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ عِلْمٌ ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ أيْ: يَصِيرُ بِما يُسَبِّبُ مِنَ الأُمُورِ ﴿رِسالَتَهُ﴾ أيْ: كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الخَلْقِ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا مِنها بِالتَّشَهِّي.

ولَمّا كَشَفَ هَذا النَّظْمَ عَنْ أنَّهم اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى أقْبَحِ المَعاصِي الكُفْرِ، لا لِطَلَبِ الدَّلِيلِ بَلْ لِداءِ الحَسَدِ - تاقَتْ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا: ﴿سَيُصِيبُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، (p-٢٥٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: قَطَعُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ ﴿صَغارٌ﴾ أيْ: رِضًى بِالذُّلِّ لِعَدَمِ النّاصِرِ؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ تَعْظُمُ بِعَظَمَةِ مَحَلِّهِ ومَن كانَ مِنهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿وعَذابٌ﴾ أيْ: مَعَ الصِّغارِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَمْكُرُونَ﴾

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَنْفَكُّ عَنِ الضَّلالِ، ومَن يَقْبَلُ الهِدايَةَ في الحالِ أوْ المَآلَ، وأنَّ مَكْرَ المُجْرِمِينَ إنَّما هو بِإرادَتِهِ ونافِذِ قُدْرَتِهِ - عُلِمَ أنَّ الأمْرَ أمْرُهُ، والقُلُوبَ بِيَدِهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ مِن أكابِرَ المُجْرِمِينَ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُهَيَّئًا قابِلًا بِالنُّورِ ﴿لِلإسْلامِ﴾ قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (يا رَسُولَ اللَّهِ! وهَلْ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ؟ فَقالَ: نَعِمْ، يَدْخُلُ القَلْبَ نُورٌ، فَقالَ: وهَلْ لِذَلِكَ مِن عَلامَةٍ؟ فَقالَ ﷺ: التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والِاسْتِعْدادُ (p-٢٥٩)لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ)،» وفي رِوايَةٍ: الفَوْتِ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: اللَّهُ، ولَمْ يُظْهِرْ هُنا إشارَةً إلى أنَّ الضَّلالَ عَلى مُقْتَضى الطَّبْعِ ﴿أنْ يُضِلَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الضَّلالَ ويُدِيمَهُ في قَلْبِهِ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: الَّذِي هو مَسْكَنُ قَلْبِهِ الَّذِي هو مَعْدِنُ الأنْوارِ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ فَيَكُونُ مُرْتَجِسًا أيْ: مُضْطَرِبًا، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحْضَرَ أعْرابِيًّا مِن كِنانَةَ مِن بَنِي مُدْلِجٍ فَقالَ لَهُ: ما الحَرِجَةُ؟ فَقالَ: شَجَرَةٌ لا تَصِلُ إلَيْها وحْشِيَّةٌ ولا راعِيَةٌ، وساقَ البَغَوِيُّ القِصَّةَ ولَفْظُهُ: وقالَ: الحَرِجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ لا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءٌ - ثُمَّ اتَّفَقا - فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الإيمانِ والخَيْرِ؛ وزادَ البَغَوِيُّ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَرَجُ - بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، ومَعْناهُ: ذا حَرَجٍ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ وهو أشَدُّ الضِّيقِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُنا الحَرَجُ الشَّدِيدُ الضِّيقُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وقالَ في النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: ضِيقًا، وإلى هَذا المَعْنى يَرْجِعُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: إنَّهُ الشَّكُّ، وقَوْلُ الضَّحّاكِ: إنَّهُ الإثْمُ، كَأنَّهُ ضِيقُ شَكٍّ أوْ ضِيقُ إثْمٍ؛ وقالَ (p-٢٦٠)النَّحّاسُ: ﴿حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: شَكًّا وضِيقًا، وأصْلُ الحَرَجِ الضِّيقُ. انْتَهى. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ هُنا فِيها - - بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالإتْيانِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ دُونَ فاعِلٍ- تَأْكِيدٌ آخَرُ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَأفادَ زِيادَةً عَلى أصْلِ الفِعْلِ وهي الشِّدَّةُ فِيهِ، فَمَعْنى الفَتْحِ: ضِيقًا - بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ [الياءِ] ومَعْناهُ - إنْ كَسَرْتَ (حَرَجًا) - ضَيِّقًا، بِإعادَةِ اسْمِ الفاعِلِ، ومادَّةُ (حرج) بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى المَكانِ الضَّيِّقِ الكَثِيرِ الشَّجَرِ، ويَلْزَمُهُ الشُّخُوصُ عَلى وجْهِ الأرْضِ والِارْتِفاعِ والجَمْعِ والمَنعِ والشِّدَّةِ والحَيْرَةِ والحَرِّ والبَرْدِ، وهي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ وهي خَمْسَةٌ: (حرج) (جحر) (رجح) (حجر) (جرح) - تَدُورُ عَلى الحَجَرِ الَّذِي هو الجِسْمُ المَعْرُوفُ، ويُلْزِمُهُ الثِّقَلُ والمَنعُ والحِدَّةُ والشُّخُوصُ والصَّلابَةُ الَّتِي هي القَسْوَةُ ويَلْزَمُها الضِّيقُ، فَيَرْجِعُ إلى الصَّلابَةِ الحَرَجُ بِمَعْنى الضِّيقِ، والحَرَجَةُ لِلْغَيْضَةِ، والحَرَجُ لِلْقِلادَةِ مِنَ الوَدَعِ، والحُرْجُوجُ لِلرِّيحِ الشَّدِيدَةِ البارِدَةِ، والنّاقَةُ الحُرْجُوجُ لِلْوَقّادَةِ القَلْبِ، ويَجُوزُ رُجُوعُها إلى الحِدَّةِ، والجرح لِسَرِيرِ المَوْتى لِضِيقِ الصَّدْرِ مِن ذِكْرِهِ، ولِضِيقِهِ (p-٢٦١)عَنْ أسِرَّةِ الأحْياءِ، ومِنهُ أيْضًا جُحْرُ الضَّبِّ ونَحْوُهُ لِلثُّقْبِ المُحْتَفَرِ في الأرْضِ، ويَرْجِعُ إلى الثِّقَلِ الحَرَجُ بِمَعْنى الإثْمِ، ويَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ البَعْثُ المُفْضِي إلى الحَيْرَةِ، ومِنهُ حَرَجَتْ عَيْنُهُ - أيْ: حارَتْ - فَلا تَطْرِفُ، ويَلْزَمُ الثِّقْلُ أيْضًا الجُرْحُ بِمَعْنى الطَّعْنِ النّافِذِ في البَدَنِ، ومِن ذَلِكَ اجْتَرَحَ - إذا اكْتَسَبَ مالًا؛ لِأنَّهُ مِن آثارِهِ، ومِنهُ الرُّجْحانُ بِمَعْنى الثِّقَلِ، والحُكْمِ الرّاجِحِ الَّذِي يُوجِبُ رَزانَةَ صاحِبِهِ، ومِنهُ الأُرْجُوحَةُ لِأنَّ كُلًّا مِن طَرَفَيْها يَرْجَحُ بِالآخَرِ، ويَرْجِعُ إلى المَنعِ الحَجَرُ بِمَعْنى العَقْلِ وبِمَعْنى الحُضْنِ والحَرامُ والفَرَسُ الأُنْثى لِأنَّها قَدْ تُمْنَعُ مِنَ الرُّكُوبِ لِلْحَمْلِ أوْ الوَلَدِ، والحَجْرُ في المالِ، والحُجْرَةُ لِلنّاحِيَةِ القَرِيبَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَعُدَ عَنْكَ - ولَوْ قَدْرَ باعٍ - امْتَنَعَ مِنكَ، وكانَ التَّأْنِيثُ فِيهِ لِقُرْبِهِ، ويَرْجِعُ إلى الشُّخُوصِ الحَرَجُ لِلنّاقَةِ الطَّوِيلَةِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِهِ (المُحْتَسِبِ في تَوْجِيهِ القِراءاتِ الشَّواذِّ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ (وحَرْثٌ حِرْجٌ) فِيمَن قَرَأ بِتَقْدِيمِ الرّاءِ: إنَّ جَمِيعَ تَراكِيبِ هَذِهِ المادَّةِ الخَمْسَةِ تَلْتَقِي مَعانِيها في الضِّيقِ والشِّدَّةِ والِاجْتِماعِ، وإذا أنْعَمْتَ النَّظَرَ وتَرَكْتَ المَلَلَ والضَّجَرَ وجَدْتَ الأمْرَ كَما قالَ (p-٢٦٢)- واللَّهُ أعْلَمُ - نَحْوَ الحَجَرِ واسْتَحْجَرَ الطِّينُ والحُجْرَةُ وبَقِيَّتُهُ، وكُلُّهُ إلى التَّماسُكِ والضِّيقِ، ومِنهُ الحَرَجُ لِلضِّيقِ والجُرْحُ مِثْلُهُ، والحَرَجَةُ ما التَفَّ مِنَ الشَّجَرِ فَلَمْ يُمْكِنْ دُخُولُهُ، ومِنهُ الحِجْرُ وبابُهُ لِضِيقِهِ، ومِنهُ الجَرْحُ لِمُخالَطَةِ الحَدِيدِ لِلَّحْمِ وتَلاحُمِهِ عَلَيْهِ، ومِنهُ رَجَحَ المِيزانُ - لِأنَّهُ مالَ أحَدُ شِقَّيْهِ نَحْوَ الأرْضِ فَقَرُبَ مِنها وضاقَ ما كانَ واسِعًا بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَإنْ قُلْتَ: فَإنَّهُ إذا مالَ أحَدُهُما إلى الأرْضِ فَقَدْ بَعُدَ الآخَرُ؟ قِيلَ: كَلامُنا عَلى الرّاجِحِ والرّاجِحُ هو الَّذِي إلى الأرْضِ، فَأمّا الآخَرُ فَلا يُقالُ لَهُ: راجِحٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ - وقَدْ ثَبَتَ - فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في مَعْنى (حِجْرٍ)، مَعْناهُ عِنْدَهم أنَّها مَمْنُوعَةٌ مَحْجُورَةٌ لَنْ يَطْعَمُها إلّا مَن يَسْألُونَ أنْ يُطْعِمُوهُ إيّاها بِزَعْمِهِمْ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ صاحِبُ هَذا الصَّدْرِ لا يَكادُ الهِدايَةُ تَصِلُ إلَيْهِ، وإنْ وصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنها عَلى لِسانِ واعِظٍ ومِن طَرِيقِ مُرْشِدٍ ناصِحٍ لَمْ تَجِدْ مَسْلَكًا فَنَكَصَتْ، وهَكَذا لا تَزالُ في اضْطِرابٍ وتَرَدُّدٍ أبَدًا؛ كانَتْ تَرْجَمَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ هَذا الشَّخْصُ - في قَبُولِ الهِدايَةِ - الصُّعُودَ ﴿فِي السَّماءِ﴾ في خَفاءٍ وحَياءٍ مِن مُزاوَلَةِ ما لا يُمْكِنُ، بِما أشارَ إلَيْهِ قِراءَةُ مَن أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، فَكُلَّما أصْعَدَتْهُ حَرَكَتُهُ الِاخْتِيارِيَّةُ أهْبَطَتْهُ (p-٢٦٣)حَرَكَتُهُ الطَّبِيعِيَّةُ القَسْرِيَّةُ، كَما نَرى بَعْضَ الحَشَراتِ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا ويَصْعَدُ بِهِ في جِدارٍ أمْلَسَ، فَيَصِيرُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ فَيَقَعُ، ثُمَّ يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ أيْضًا فَرُبَّما وصَلَ إلى مَكانِهِ الأوَّلِ وسَقَطَ، ورُبَّما سَقَطَ دُونَهُ، فَهو مِمّا يَمْتَنِعُ عادَةً، فَلا يَزالُ مُرْتَجِسًا أيْ: مُضْطَرِبًا ومَجامِعُ الِاضْطِرابِ عَقِبَهُ بِما بَعْدَهُ - كَما يَأْتِي - .

ولَمّا كانَ ما وصَفَ بِهِ صَدْرَ الضّالِّ مِمّا يَنْفِرُ مِنهُ، وكانَ الرِّجْسُ في الأصْلِ لِما يُسْتَقْذَرُ، والمُسْتَقْذَرُ يُنْفَرُ مِنهُ، وكانَ هَذا الكَلامُ رُبَّما أثارَ سُؤالًا، وهو أنْ يُقالَ: هَلْ هَذا - وهو جَعْلُ الضّالِّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ - خاصٌّ بِأهْلِ هَذا الزَّمانِ، أُجِيبَ بِما حاصِلُهُ: لا،

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما جَعَلَ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى مَن أرادَ ضَلالَهُ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿الرِّجْسَ﴾ أيْ: الِاضْطِرابَ والقَذَرَ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِن أهْلِ كُلِّ زَمانٍ لِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - دَوامَ ضَلالِهِمْ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الضَّلالَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ الرِّجْسَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ وضَلالَ الكافِرِ.

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

ولَمّا ذَكَرَ ما ألْزَمَهُ لِأهْلِ الضَّلالِ بِلَفْظِ ما يُسْتَقْذَرُ، كانَ في غايَةِ الحُسْنِ تَعْقِيبُهُ بِالصِّراطِ، فَإنَّهُ مِمّا يُعْشَقُ لِاسْتِقامَتِهِ وإضافَتِهِ إلى الرَّبِّ الَّذِي (p-٢٦٤)لَهُ - مَعَ اسْتِجْماعِ الكِمالاتِ كُلِّها - صِفَةُ العَطْفِ والإحْسانِ واللُّطْفِ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي يَعْشَقُ خَلْقَهُ وخُلُقَهُ كُلُّ مَن يَراهُ أوْ يَسْمَعُ بِهِ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ وأمْتَنُ أنَّ مادَّةَ (رجس ) تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ المَلْزُومِ لِلضَّلالِ المانِعِ مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا مَثَّلَ - سُبْحانَهُ - حالَ الضّالِّ بِحالِ المُضْطَرِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ ألْزَمَ هَذا الِاضْطِرابَ كُلَّ مَن لا يُؤْمِنُ، أتْبَعَهُ وصْفَ سَبِيلِهِ بِالِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَهَذا حالُ أهْلِ الضَّلالِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الشَّرائِعِ الهادِيَةِ في هَذا القُرْآنِ الَّتِي خَتَمْناها بِأنَّ الهادِيَ المُضِلَّ هو اللَّهُ وحْدَهُ، لا الإتْيانُ بِالمُقْتَرَحاتِ ولَوْ جاءَتْ كُلُّ آيَةٍ ﴿صِراطُ﴾ أيْ: طَرِيقُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ حالَ كَوْنِ هَذا الصِّراطِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ أصْلًا، بَلْ هو عَلى مِنهاجِ الفِطْرَةِ الأوْلى الَّتِي هي في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بِالعَقْلِ السَّلِيمِ الَّذِي لَمْ يَشُبْهُ هَوًى ولَمْ يَشُبْهُ خَلَلٌ في أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ لِكَيْلا يَزالَ الإنْسانُ خائِفًا مِنَ اللَّهِ وراجِيًا لَهُ لِأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا غَيْرُهُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ لِأنَّهُ خَلَقَ القُوى والقُدَرَ عِنْدَنا وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَلْتَكُنْ الجُزْئِيّاتُ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ لا يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ مُحِيطُ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ: فالآيَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ المُحْكَماتِ، فَيَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ.

(p-٢٦٥)ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما في هَذا الصِّراطِ عَلى مِنهاجِ العَقْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ خارِجًا عَنْهُ وإنْ كانَ فِيهِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِإدْراكِهِ العَقْلُ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ فِيهِ مِن إرْشادِ الهُداةِ مِنَ الرُّسُلِ الآخِذِينَ عَلى اللَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِمَدْحِهِ مُرْشِدًا إلى انْتِظامِهِ مَعَ العَقْلِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ أيْ: غايَةَ التَّفْصِيلِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ تَمَيَّزَتْ تَمَيُّزًا لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: يُجْهِدُونَ أنْفُسَهم في التَّخَلُّصِ مِن شَوائِبِ العَوائِقِ لِلْعَقْلِ مِنَ الهَوى وغَيْرِهِ - ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الِاجْتِهادِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - لِيَذَّكَّرُوا [أنَّهُ قالَ: ما مِن شَيْءٍ ذَكَرْناهُ إلّا وقَدْ أوْدَعَنا في عُقُولِهِمْ شاهِدًا عَلَيْهِ.

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ] عِنْدَ الآياتِ لا يَكُونُ إلّا مِن أهْلِ العِناياتِ في طُرُقِ الهِداياتِ - قالَ مُرَغِّبًا في التَّذَكُّرِ فَإنَّهُ سَبَبُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى القُلُوبِ المُهَيَّأةِ لَهُ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: المُتَذَكِّرِينَ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ أيْ: الجَنَّةُ، أضافَها - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ؛ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ فِيها، وخَصَّ هَذا الِاسْمَ الشَّرِيفَ لِأنَّهُ لا يُلِمُّ بِها شَيْءٌ مِن عَطَبٍ ولا خَوْفٍ ولا نَصَبٍ؛ ثُمَّ زادَ التَّرْغِيبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: [فِي] ضَمانِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وحَضْرَتِهِ بِما هَيَّأهم لَهُ ويَسَّرَهُ لَهم ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿ولِيُّهُمْ﴾ أيْ: المُتَكَفِّلُ بِتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، لا يَكِلُهم إلى أحَدٍ سِواهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ مِنهم، (p-٢٦٦)والعِنْدِيَّةُ تَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنهُ لِما شَرَحَ مِن صُدُورِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما قُصِرَ عَلى التَّذَكُّرِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّأْدِيَةُ إلى الأعْمالِ فَإنَّها مِعْيارُ الصِّدْقِ ومِيزانُهُ فَقالَ: ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: كَما جَبَلَهم عَلَيْهِ، فَما كانَ ذَلِكَ إلّا بِفَضْلِهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾

6:128Page 144

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

ولَمّا فَصَّلَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ، وحَضَّ عَلى التَّذَكُّرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِمّا يَهْدِي إلَيْهِ العَقْلُ، وذَكَرَ مَآلَ المُتَذَكِّرِينَ فَأفْهَمَ أنَّ غَيْرَهم إلى عَطَبٍ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا ما يَضُرُّهم لِأنَّهم تَبِعُوا شَهَواتِهِمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَعْبُدُونَ غَيْرَ مالِكِهِمْ، وأنَّهُ ما مِن عَبْدٍ يَخْدِمُ غَيْرَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ أمْرِ سَيِّدِهِ إلّا عاتَبَهُ أوْ عاقَبَهُ، هَذا مَرْكُوزٌ في كُلِّ عَقْلٍ - ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ المَآلَ مِنَ الأهْوالِ في الأجَلِ المُسَمّى الَّذِي أخْفاهُ عِنْدَهُ وجَعَلَهُ مِن أعْظَمِ مَبانِي هَذِهِ السُّورَةِ، وأبْهَمَهُ في أوَّلِها، وبَيَّنَ في أثْنائِها بَعْضَ أحْوالِهِ مِرارًا في وُجُوهٍ مِن أفانِينِ البَيانِ، وهو يَوْمُ الحَشْرِ، فَذَكَرَ هُنا – سُبْحانَهُ - بَعْضَ أحْوالِ الغافِلِينَ وبَعْضَ ما يَقُولُ لَهم فِيهِ وما يَفْعَلُهُ مَعَهم مِن عِتابٍ وعِقابٍ، لُطْفًا بِهِمْ واسْتِعْطافًا إلى المَتابِ، فَقالَ جامِعًا الفَرِيقَيْنِ ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ في (p-٢٦٧)تَذَكُّرِكَ يَوْمَ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ وِلايَتِنا وأهْلَ عَداوَتِنا ﴿جَمِيعًا﴾ لا نَذَرُ مِنهم أحَدًا ﴿يا﴾ أيْ: فَنَقُولُ عَلى لِسانِ مَن نَشاءُ مِن جُنُودِنا لِأهْلِ عَداوَتِنا تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا حِينَ لا يَكُونُ لَهم مُدافَعَةٌ أصْلًا: ﴿مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: المُسْتَتِرِينَ المُوحِشِينَ مِن مَرَدَةِ الشَّياطِينِ المُسَلَّطِينَ عَلى الإنْسِ، وهم يَرَوْنَهم مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أيْ: [طَلَبْتُمْ] وأوْجَدْتُمْ الكَثْرَةَ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْواءِ [المُؤْنِسِينَ الظّاهِرِينَ] حَتّى صارَ أكْثَرُهم أتْباعَكم، [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى السَّتْرِ أوَّلًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ - وهو الظُّهُورُ - ثانِيًا، وبِما مَعْناهُ الِاسْتِئْناسُ والسُّكُونُ ثانِيًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ وهو الإيحاشُ والنُّفْرَةُ أوَّلًا] .

﴿وقالَ﴾ هو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الجِنِّ المُسْتَتِرِ [عَنْ] العامِلِ في (يا مَعْشَرَ) الَّذِي تَقْدِيرُهُ كَما يَهْدِي إلَيْهِ الآياتُ [الَّتِي] تَأْتِي في السُّورَةِ الآتِيَةِ في تَفْصِيلِ هَذِهِ المُحاوَرَةِ: فَقالُوا: رَبَّنا هم ضَلُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ بِنا في نُفُوذِهِمْ وسَماعِهِمْ الأخْبارَ الغَرِيبَةَ مِنّا، فاسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمُفْرَدِهِمْ، وسَتَرَ جَوابَ الجِنِّ لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ لا يَخْفى لِدِلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ - مُناسِبٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِتارِ مَعَ شُهْرَتِهِمْ، [وذَكَرَهُ] بِلَفْظِ الماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُحاوَرَةِ ضَرْبٌ مِمّا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] (p-٢٦٨)الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] - الآيَةُ ﴿أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيْ: الجِنُّ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ [أيْ] الَّذِينَ تَوَلَّوْهم بِالِاتِّباعِ والطّاعَةِ فِيما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، مُعْتَرِفِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿رَبَّنا﴾ [أيُّها المُرَبِّي لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا] ﴿اسْتَمْتَعَ﴾ أيْ: طَلَبَ المَتاعَ وأوْجَدَهُ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ نَحْنُ بِهِمْ فِيما قالُوا، وهم بِنا في طاعَتِنا لَهم وعِياذِنا بِهِمْ ﴿وبَلَغْنا﴾ أيْ: نَحْنُ وهم ﴿أجَلَنا﴾ وأحالُوا الأمْرَ عَلى القَدَرِ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو المَوْتُ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَيْنا وسَوَّيْتَ بَيْنَنا في سَوْطِ قَهْرِهِ وتَجَرُّعِ كُؤُوسِ حَرِّهِ وقَرِّهِ، ثُمَّ هَذا اليَوْمَ الَّذِي كُنّا مُشْتَرِكِينَ في التَّكْذِيبِ بِهِ، فاسْتَوْجَبْنا العَذابَ كُلُّنا.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ [قِيلَ: فَما] قالَ اللَّهُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي هي ضَرْبٌ مِن كَلامِ أهْلِ الباطِنِ في الدُّنْيا لَجْلَجٌ مُضْطَرِبٌ لا حاصِلَ لَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: المُخاطِبُ لَهم عَنِ اللَّهِ ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُكم جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ تَنْفَعَكم الإحالَةُ عَلى القَدَرِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: إلى ما لا آخِرَ لَهُ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيَّةِ وقَدْ كُنْتُمْ عَلى عَزْمٍ ثابِتٍ أنَّكم عَلى هَذا الكُفْرِ ما بَقِيتُمْ ولَوْ [إلى] ما لا آخِرَ لَهُ، فالجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.

(p-٢٦٩)ولَمّا كانَ [مِن] المُقَرِّرِ أنَّهُ لا تَمامَ لِمُلْكِ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَلْزَمُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ - بَيَّنَ – سُبْحانَهُ - أنَّ مُلْكَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو عَلى غايَةِ الكَمالِ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ كُلُّ فِعْلِهِ جَمِيلٌ، وجَمِيعُ ما يَبْدُو مِنهُ حَسَنٌ، فَعَلَّقَ دَوامَ عَذابِهِمْ عَلى المَشِيئَةِ، فَقالَ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ ولَمّا كانَ القَصْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ لِلْغَيْرَةِ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ - عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ رِداءُ الكِبَرِ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ ولا أنْ يَهُمَّ بِذَلِكَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ! انْقَطَعَتْ دُونَ ذَلِكَ الآمالُ، فَظَلَّتْ ناكِسَةً أعْناقُ الرِّجالِ، وبِيَدِهِ إزارُ العِزِّ، فَمَن اخْتَلَجَ في سِرِّهِ أنْ يَرْفَعَ ناكِسَ عُنُقِهِ ضَرَبَهُ بِمَقامِعَ الذُّلِّ، وأنْزَلَهُ في مَهاوِي الخِزْيِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَشاءُ انْقِطاعَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، ونَطَقَ الكِتابُ بِذَلِكَ في صَرائِحِ الأقْوالِ، وفي سَوْقِهِ مُعَلَّقًا هَكَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ بِتَعْلِيقِ رَجائِهِمْ مِن انْقِطاعِ بَلائِهِمْ بِما لا مَطْمَعَ فِيهِ.

ولَمّا كانَ في إظْهارِ الجَلالِ في هَذا الحالِ مِن عَظِيمِ الأهْوالِ ما لا يَسَعُهُ المَقالُ - أتْبَعَهُ اللُّطْفَ بِالمُخاطَبِ بِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِرَفْعِ أوْلِيائِكَ وخَفْضِ أعْدائِكَ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ - في مِثْلِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ في مَجْمَعِ الحُكْمِ - لِلْحِكْمَةِ والعِلْمِ، وكانَ النَّظَرُ إلى الحِكْمَةِ في تَنْزِيلِ كُلِّ شَيْءٍ مَنزِلَةً أعْظَمَ - قَدَّمَ (p-٢٧٠)وصْفَها فَقالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يُعَذِّبُ المُخْلِصَ ويَتْرُكُ المُشْرِكَ ولا يُعَذِّبُ بَعْضَ مَن أشْرَكَ ويَتْرُكُ بَعْضًا ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِدَقائِقِ الأُمُورِ وجَلائِلِها مِنَ الفَرِيقَيْنِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلُ أحَدٍ فَيُهْمِلَهُ لِذَلِكَ.

6:129Page 144

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1

ولَمّا اسْتَبانَ بِهَذا أنَّهُ ولّى الكَفَرَةَ مِن ظالِمِي الجِنِّ ظالِمِي الإنْسِ وسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ - أخْبَرَ - تَعالى - أنَّ هَذا عَمَلُهُ مَعَ كُلِّ ظالِمٍ مِن أيِّ قَبِيلٍ كانَ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ تِلْكَ التَّوْلِيَةِ الَّتِي سَلَّطْنا بِها الجِنَّ عَلى الإنْسِ بِما زادَ عَذابَ الفَرِيقَيْنِ ﴿نُوَلِّي﴾ أيْ: نُتْبِعُ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: بِأنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الأشْكالِ، في الأوْصافِ الباطِنَةِ والخِصالِ، ونُسَلِّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الضَّلالِ والإضْلالِ، والأوْجاعِ والأنْكالِ ﴿بِما كانُوا﴾ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اجْتِماعِهِمْ في الطِّباعِ الَّتِي طَبَعْناهم عَلَيْها يَجْتَمِعُونَ ويَنْقادُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِحَسَبِ ما سَبَّبْنا مِنَ الأسْبابِ المُلائِمَةِ لِذَلِكَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسَّرْناهُ لَهم، حَتّى صارَتْ أعْمالُهم كُلُّها في غَيْرِ مَواضِعِها، فَيَظْلِمُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُهْلِكُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا الِالتِئامَ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكُلُّ ما كَتَبْنا لَهم مِن عَذابٍ. رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«(إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ: أنْتَقِمُ مِمَّنْ (p-٢٧١)أبْغَضُ بِمَن أبْغَضُ ثُمَّ أُصَيِّرُ كُلًّا إلى النّار)» وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أُفْنِي أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي. أوْ يُقالُ: فَقَدْ أُخْبِرْنا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ولّى المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، ومِثْلَ ما ولّاهم لِيُعِزَّهم يُوَلِّي بَعْضَ الظَّلَمَةِ بَعْضًا لِيُهِينَهم بِسَبَبِ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن مَساوِئِ الأعْمالِ ورَدِيءِ الخِلالِ وغَثِّ الخِصالِ فَيُؤَدِّيهِمْ إلى مَهْلَكِ الأوْجاعِ والأوْجالِ، أوْ يُقالُ: فَقَدْ بانَ أنَّ كُلًّا مِن ظالِمِي الإنْسِ والجِنِّ كانَ ولِيًّا لِكُلٍّ، وكَما جَعَلْنا بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ في الدُّنْيا نَفْعَلُ إذا حَشَرْناهم في النّارِ فَنَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءً - أيْ: أتْباعَ بَعْضٍ، لِيَسْتَمْتِعَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَنْصُرَ بَعْضُهم بَعْضًا إنْ قَدَرُوا، وهَيْهاتَ مِنهم ذَلِكَ هَيْهاتَ! شَغَلَهُمُ البُكاءُ والعَوِيلُ والنَّدَمُ والنَّحِيبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском