Al-Biqa'iAl‑An'am · 6:130–139

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:130–139

6:130Page 144

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠

"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ وما أنْتَجَتْهُ مِن بَغِيضِ المُوالاةِ والمُجاوَرَةِ وكانَ حاصِلُها أنَّها مُوالاةُ مَن ضَرَّتْ مُوالاتُهُ، أتْبَعَها - سُبْحانَهُ - بِمُحاوَرَةٍ أُخْرى حاصِلُها مُعاداةُ مَن ضَرَّتْ مُعاداتُهُ - فَقالَ مُبْدِلًا مِنَ الأُولى إتْمامًا لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ قَدَّمَهم لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ غَلَبَتِهِمْ ﴿والإنْسِ﴾ وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لِلسّامِعِينَ الآنَ ومُسْتَعْطِفًا لَهم (p-٢٧٢)إلى التَّوْبَةِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ﴾ ولَمّا صارَ القَبِيلانِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ نَحْوَهم دُفْعَةً كالشَّيْءِ الواحِدِ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى العِلْمِ غالِبًا لِإثْباتِ تَمامِ القُدْرَةِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِهِ بِدَلِيلِ ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وغَيْرِها، ولِذَلِكَ أكْثَرَ فِيها مِن ذِكْرِ التَّفْصِيلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْعالِمِ، كانَ القَصُّ - الَّذِي هو تَتَبُّعُ الأثَرِ - أنْسَبَ لِذَلِكَ فَقالَ ﴿يَقُصُّونَ﴾ بِالتِّلاوَةِ والبَيانِ لِمَواضِعَ الدَّلائِلِ ﴿عَلَيْكم آياتِي﴾ أيْ: يَتَّبِعُونَ بِالعَلاماتِ الَّتِي يَحِقُّ لَها بِما لَها مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ أنْ تُنْسَبَ إلى مَواضِعِ شُبَهِكم، فَيُحِلُّونَها حَلًّا مَقْطُوعًا بِهِ ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ: يُخَوِّفُونَكم ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: بِما قالُوا لَكم إنَّهُ يَطْلُبُكم طَلَبًا حَثِيثًا وأنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ في سُفُنِ الأيّامِ ومَراكِبِ الآثامِ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ سَيْرًا سَرِيعًا ﴿قالُوا﴾ مُعْذِرِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ ﴿شَهِدْنا﴾ بِما فَعَلْتَ بِنا أنْتَ – سُبْحانَكَ - مِنَ المَحاسِنِ وما فَعَلْنا نَحْنُ مِنَ القَبائِحِ ﴿عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا ونَصِيحَتِهِمْ لَنا بِدَلِيلِ الآيَةِ الأُخْرى

﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وبَيَّنَ أنَّ ضَلالَهم كانَ بِأرْدَإ الوُجُوهِ وأسْخَفِها الدُّنْيا، بِحَيْثُ إنَّهم اغْتَرُّوا بِها مَعَ دَناءَتِها لِحُصُورِها عَنِ الآخِرَةِ مَعَ شَرَفِها لِغِيابِها، فَقالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ (p-٢٧٣)أيْ: شَهِدُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ والحالُ أنَّهم قَدْ غَرَّتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: الحاضِرَةُ عِنْدَهم إذْ ذاكَ الدَّنِيَّةُ في نَفْسِها لِفَنائِها، عَنْ اتِّباعِ الرُّسُلِ دَأْبَ الجاهِلِ في الرِّضى بِالدُّونِ والدّابَّةِ في القَناعَةِ بِالحاضِرِ، فَشَهادَتُهم ضارَّةٌ بِهِمْ، ولَكِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمانَها، بَلْ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ: في هَذا المَوْطِنِ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ الطِّوالِ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْضًا بِما هو أصْرَحُ في الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِن هَذا، وهو ﴿أنَّهم كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿كافِرِينَ﴾ أيْ: غَرِيقِينَ في الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ بِأنَّهم ظَنُّوا أحْوالَ الآخِرَةِ تَمْشِي عَلى ما كانُوا يَأْلَفُونَهُ في الدُّنْيا مِن أنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والتَّكَلُّمَ بِالصِّدْقِ قَدْ يَنْفَعُ المُذْنِبَ ويَكُفُّ مِن سورة المُغْضَبِ حَتّى يَتْرُكَ العِقابَ ويَصْفَحَ عَنِ الجَرِيمَةِ، فَلِذَلِكَ شَهِدُوا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا وبالًا وحُزْنًا ونَكالًا.

6:131Page 144

ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى الكافِرِ في المَعادِ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - عَلَّلَ إرْسالَهم تَرْغِيبًا وحَثًّا في اتِّباعِهِمْ في أيّامِ المُهْلَةِ بَعْدَ تَرْهِيبٍ، وتَنْبِيهًا وإرْشادًا في صادِعِ تَخْوِيفٍ وتَأْدِيبٍ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الجَدْوى هو أنْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ ﴿أنْ﴾ أيْ: لِأجْلِ أنَّهُ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِتَشْرِيفِ قَوْمِكَ ﴿مُهْلِكَ﴾ أيْ: ثابِتًا إهْلاكُهُ ﴿القُرى بِظُلْمٍ﴾ (p-٢٧٤)أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ ارْتَكَبُوهُ ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: غَرِيقُونَ في الغَفْلَةِ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِمّا لا تَسْتَقِلُّ بِهِ عُقُولُهم، أيْ: بِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّذّاتِ، فَأوْقَفَ عُقُولَهم عَنْ نافِذِ المَعْرِفَةِ بِما يُرادُ بِهِمْ، فَأرْسَلَنا إلَيْهِمْ الرُّسُلَ حَتّى أيْقَظُوهم مِن رَقْدَتِهِمْ وأنْبَهُوهم مِن غَفْلَتِهِمْ، فَصارَ تَعْذِيبُهم بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ هو الحَقَّ الواجِبَ والعَدْلَ الصّائِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُهْلِكُهم ظالِمًا، فَيَكُونُ المَنفِيُّ مِنَ الظُّلْمِ كالمَنفِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وعَلى الأوَّلِ المَنفِيُّ ظُلْمُهم.

6:132Page 145

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢

And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ دارَ السَّلامِ، والآخَرِ دارَ المَلامِ - قالَ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: [عامِلٍ مِنَ] الفَرِيقَيْنِ صالِحٍ أوْ طالِحٍ [فِي قَبِيلَيِ الجِنِّ والإنْسِ] في الدّارَيْنِ ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: يُعْلِيهِمْ اللَّهُ بِها ﴿مِمّا﴾ أيْ: مِن أجْلِ ما ﴿عَمِلُوا﴾ ودَرَكاتٌ يُهْوِيهِمْ فِيها كَذَلِكَ.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ المُجْرِمِينَ إلّا بَعْدَ الإعْذارِ إلَيْهِمْ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إمْهالَهم، وخَتَمَ أحْوالَهم بِأنَّهم مَوْضِعٌ لِثُبُوتِ الغَفْلَةِ ودَوامِها - نَفى أنْ يَسْلَمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِجَنابِ عَظَمَتِهِ عَلى وجْهٍ أثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ إحاطَةَ العِلْمِ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وما رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإعْلاءِ أوْلِيائِكَ وإسْفالِ أعْدائِكَ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ لِإثْباتِ مَزِيدِ العِلْمِ فَقالَ: (p-٢٧٥)﴿بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عَنْ شَيْءٍ يَعْمَلُهُ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، بَلْ هو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبِما يَسْتَحِقُّهُ العامِلُ قادِرٌ عَلى جَزائِهِ، فَلا يَقَعُ في وهْمِ أنَّ الإمْهالَ لِخَفاءِ الِاسْتِحْقاقِ بِخَفاءِ المُوجِبِ لَهُ، [فالآيَةُ مِنَ النُّصُوصِ في كِتابَةِ الصّالِحِينَ مِنَ الجِنِّ] .

6:133Page 145

وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

ولَمّا كانَ طَلَبُ العِبادَةِ لِلِائْتِمارِ والِانْتِهاءِ رُبَّما أوْهَمَ الحاجَةَ إلَيْها لِنَفْعٍ في الطّاعَةِ أوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ المَعْصِيَةِ، وكانَ الإمْهالُ مَعَ المُبارَزَةِ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ عَنْ عَجْزٍ - قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ، وحَصَرَ الخَبَرَ في المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ: ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ: وحْدَهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ عَنْ كُلِّ عابِدٍ وعِبادَتِهِ، فَلْيَعْمَلْ العامِلُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضُرِّها ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: وحْدُهُ بِالإمْهالِ والإرْسالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهُ بِالغِنى والرَّحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ ولا غِنًى إلّا عَنْهُ، وأنَّهُ ما رَتَّبَ الثَّوابَ والعِقابَ إلّا رَحْمَةً مِنهُ وجُودًا - اسْتَأْنَفَ بَيانَ ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنْ هَذا المُبْتَدَإ بِوَصْفَيْهِ عِنْدَ مَن جَعَلَها وصْفَيْنِ بِقَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما أفادَهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا بِالإهْلاكِ، فَلا يَقَعُ في ظَنِّ أحَدٍ مِنكم أنَّ الإهْلاكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى شَيْءٍ (p-٢٧٦)غَيْرِ مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّهُ قَضى بِإمْهالِكم إلى آجالِكم رَحْمَةً لَكم وإكْرامًا لِنَبِيِّكم ﷺ ثُمَّ قالَ تَحْقِيقًا لِغِناهُ أيْضًا: ﴿ويَسْتَخْلِفْ﴾

ولَمّا كانَ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ الخُلْدَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِكم ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُبْدِعُ غَيْرَكم مِنَ الخَلْقِ مِن جِنْسِكم [أوْ غَيْرِ جِنْسِكُمْ] كَما أبْدَعَ أباكم آدَمَ مِنَ التُّرابِ والتُّرابُ مِنَ العَدَمِ وفَرَّعَكم مِنهُ ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ﴾ أيْ: نَسْلِ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ أهْلَكَهم أجْمَعِينَ، وهم أهْلُ السَّفِينَةِ وقَدْ كُنْتُمْ نُطَفًا في أصْلابِهِمْ، لَمْ يَكُنْ في واحِدَةٍ مِنها [حَياةٌ] .

6:134Page 145

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ لَهُ الوَصْفَيْنِ المَلْزُومَيْنِ لِلْقُدْرَةِ - أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ جَوابًا لِاسْتِعْجالِهِمْ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ ﴿لآتٍ﴾ أيْ: لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ ولا كُفُؤَ لَهُ يُعارِضُهُ فِيهِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِثابِتٍ لَكم الإتْيانُ بِشَيْءٍ يَعْجِزُ عَنْهُ الخَصْمُ، فَتَمَهَّدَ الأمْرُ مِن جِهَتِهِ ومِن جِهَتِكم لِوُجُودِ المُقْتَضِي وانْتِفاءِ المانِعِ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِأمْرِ رَحْمَتِهِ لِأنَّ القادِرَ إذا أرادَ النِّقْمَةَ أخَذَ عَلى غِرَّةٍ ولَمْ يُهَدِّدْ، وإذا أرادَ الرَّحْمَةَ تَقَدَّمَ بِالوَعِيدِ لِيَحْذَرَ الفائِزُونَ ويَسْتَسْلِمَ الخاسِرُونَ.

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ وتَحَرَّرَ، فَأنْتَجَ (p-٢٧٧)الِاجْتِهادَ لِلْعاقِلِ - ولا بُدَّ - في العَمَلِ، وكانَ أكْثَرَ الخَلْقِ - أحَقَّ أمْرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّصِيحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيَّ وأعَزَّهم عَلَيَّ ومَن لَهم قِيامٌ في الأُمُورِ وكِفايَةٌ عِنْدَ المُهِمّاتِ ﴿اعْمَلُوا﴾ وأشارَ إلى مَزِيدِ القُوَّةِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِالقَوْمِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى ما لَكم مِنَ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ والمُكْنَةِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَ الدَّواهِي وتَسْبِقَكم القَواصِمُ بِخُفُوقِ الأجَلِ، وفِيهِ مَعَ النَّصِيحَةِ تَخْوِيفٌ أشَدُّ مِمّا قَبْلَهُ؛ لِأنَّ تَهْدِيدَ الحاضِرِ عَلى لِسانِ الغَيْرِ مَعَ الإعْراضِ أشَدُّ مِن مُواجَهَتِهِ بِالتَّهْدِيدِ، أيْ: أنَّكم إنْ لَمْ تَقْبَلُوا بِذَلِكَ التَّهْدِيدِ الأوَّلِ كُنْتُمْ أهْلًا لِلْإعْراضِ والبُعْدِ.

ولَمّا كانَ أدَلُّ شَيْءٍ عَلى النَّصِيحَةِ مُبادَرَةَ النّاصِحِ إلى مُباشَرَةِ ما نَصَحَ بِهِ ودَعا إلَيْهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي وبِقَدْرِ اسْتِطاعَتِي قَبْلَ الفَوْتِ بِحادِثِ المَوْتِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَمَحِّضًا لِلتَّهْدِيدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اعْمَلُوا بِما أنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ الآنَ مِن مُخالَفَتِي بِغايَةِ ما لَكم مِنَ القُوَّةِ، إنِّي كَذَلِكَ أعْمَلُ فِيما جِئْتُ بِهِ.

ولَمّا كانَ وُقُوعُ المُتَوَعَّدِ بِهِ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالعاقِبَةِ، [وكانَ السِّياقُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وغُرُورِهِمْ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ]، حَسَّنَ إثْباتَ الفاءِ في قَوْلِهِ: [دُونَ إسْقاطِها لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ يَتَعَطَّفُ لِلسُّؤالِ فَقالَ]: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَقَعُ لَكم بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ العِلْمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ عِلْمٍ ؟ فَقِيلَ: (p-٢٧٨)﴿مَن تَكُونُ لَهُ﴾ كَوْنًا كَأنَّهُ جُبِلَ عَلَيْهِ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: بَيْنِي وبَيْنَكم، وهَذا في إثْباتِ الفاءِ بِخِلافِ ما في قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - [فِي حَذْفِها]؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ جَوابًا لِما تَقَرَّرَ مِن سُؤالِهِمْ: عاقِبَةَ الدّارِ لِلْعامِلِ العَدْلِ - اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الغَرِيقُونَ في الظُّلْمِ كائِنِينَ مَن كانُوا، فَلا يَكُونُ لَهم عاقِبَةُ الدّارِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ العاقِبَةِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذِكْرُ الظُّلْمِ ثانِيًا [دَلِيلٌ] عَلى حَذْفِ العَدْلِ أوَّلًا.

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قُبْحِ طَرِيقَتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وحُسْنِ طَرِيقَةِ الإسْلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والمِثالِ البَعِيدِ المَنالِ الرَّفِيعِ وخَتَمَتْ بِحالِ الظّالِمِ - شَرَعَ في تَفْصِيلِ قَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ ابْتَدَأهُ بِبَيانِ ظُلْمِهِمْ وجَهالاتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ تَنْفِيرًا عَنْهم بِوَضْعِهِمْ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها وإخْراجِها عَمَّنْ هي لَهُ ونِسْبَتِها إلى مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا، وقَتْلِ الأوْلادِ وتَسْيِيبِ الأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ (p-٢٧٩)الأوْثانَ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ: خَلَقَ وأنْشَأ وبَثَّ ولَمْ يُشْرِكْهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ أيْ: وجَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا؛ ولَمّا كانَ الجَعْلُ لا يُعْرَفُ إلّا بِالقَوْلِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ بَعْدَ أنْ قالُوا بِأفْئِدَتِهِمْ ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: ادِّعائِهِمْ الباطِلَ وتَصَرُّفِهِمْ بِكَذِبِ ادِّعائِهِمْ التَّخْصِيصَ بِاللَّهِ؛ ولِذا أسْقَطَ الزَّعْمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم سَنَدٌ في هَذِهِ القِسْمَةِ إلّا أهْواؤُهم.

ولَمّا كانَ هَذا سَفَهًا بِتَسْوِيَتِهِمْ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا بِمَن يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ - بَيَّنَ مِن فِعْلِهِمْ ما هو أشَدُّ سَفَهًا مِنهُ بِشَرْحِ ما لَوَّحَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالزَّعْمِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ ومُفَرِّعًا: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: بِزَعْمِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو المالِكُ مَعَ اتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ الكِبْرِ والعَظَمَةِ والجَلالِ والعِزَّةِ ﴿فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ فَإذا هَلَكَ ما سَمَّوْا لِشُرَكائِهِمْ أوْ أجْدَبَ وكَثُرَ ما لِلَّهِ قالُوا: لَيْسَ لِآلِهَتِنا بُدٌّ مِن نَفَقَةٍ، فَأخَذُوا ما لِلَّهِ فَأنْفَقُوهُ عَلى آلِهَتِهِمْ، وإذا أجْدَبَ الَّذِي لِلَّهِ وكَثُرَ ما لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأزْكى الذُّلَّ لَهُ، فَلا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لِلْآلِهَةِ.

ولَمّا بَلَغَ هَذا غايَةَ السَّفَهِ قالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: حُكْمُهم هَذا أسْوَأُ حُكْمٍ. ذَكَرَ الإمامُ أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ في سِيرَتِهِ «فِي (p-٢٨٠)وفْدِ خَوْلانَ أنَّهُ كانَ لَهم صَنَمٌ يُسَمّى: (عَمَّ أنَسٍ )، وأنَّهم لَمّا وفَدُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرُوا لَهُ أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ مِن أنْعامِهِمْ وحُرُوثِهِمْ جُزْءًا لَهُ وجُزْءًا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، قالُوا: كُنّا نَزْرَعُ الزَّرْعَ فَنَجْعَلُ لَهُ وسَطَهُ فَنُسَمِّيهِ لَهُ ونُسَمِّي زَرْعًا آخَرَ حُجْرَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا مالَتْ الرِّيحُ بِالَّذِي سَمَّيْناهُ لِلَّهِ جَعَلْناهُ لِعَمِّ أنَسٍ، وإذا مالَتْ الرِّيحُ بِالَّذِي جَعَلْناهُ لِعَمِّ أنَسٍ لَمْ نَجْعَلْهُ لِلَّهِ، فَذَكَرَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْزَلَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، قالُوا: وكُنّا نَتَحاكَمُ إلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

(تِلْكَ الشَّياطِينُ تُكَلِّمُكُمْ)، قالُوا: فَأصْبَحْنا بِرَسُولِ اللَّهِ وقُلُوبُنا تَعْرِفُ أنَّهُ كانَ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَذْرِي مِن عَبْدِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهُ». وقالَ ابْنُ هِشامٍ في مُقَدِّمَةِ السِّيرَةِ إنَّهم كانُوا يَقْسِمُونَ لَهُ، فَما دَخَلَ في حَقٍّ عَمَّ أنَسٍ مِن حَقِّ اللَّهِ الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ، وما دَخَلَ في حَقِّ اللَّهِ مِن حَقَّ عَمِّ أنَسٍ رَدُّوهُ عَلَيْهِ، قالَ: وهم بَطْنٌ مِن خَوْلانَ يُقالُ لَهم الأدِيمُ. وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانُوا يَعْزِلُونَ مِن أمْوالِهِمْ شَيْئًا فَيَقُولُونَ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِأصْنامِهِمْ، فَإنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ (p-٢٨١)يُخالِطُ شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ رَدُّوهُ، وإنَّ ذَهَبَ شَيْءٌ مِمّا [جَعَلُوهُ لِلَّهِ يُخالِطُ شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ، وإنْ أصابَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا مِمّا جَعَلُوا لِلَّهِ وتَرَكُوا ما] جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقالَ البَغَوِيُّ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ وأنْعامِهِمْ وثِمارِهِمْ وسائِرِ أمْوالِهِمْ نَصِيبًا [ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا]، فَما جَعَلُوهُ لِلَّهِ صَرَفُوهُ لَلضِّيفانِ والمَساكِينِ، وما جَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ أنْفَقُوهُ عَلى الأصْنامِ وخَدَمِها، فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأوْثانِ تَرَكُوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذا، وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إلى الأوْثانِ وقالُوا: إنَّها مُحْتاجَةٌ، وكانَ إذا هَلَكَ أوْ انْتُقِصَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يُبالُوا بِهِ، وإذا هَلَكَ أوْ انْتُقِصَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ جَبَرُوهُ بِما جَعَلُوهُ [لِلَّهِ] .

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

ولَمّا كانَ هَذا مُتَضَمَّنًا لِأنَّهم نَقَصُوا أمْوالَهم بِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ طائِلٍ فَجَعَلُوها لِمَن لا يَسْتَحِقُّها - نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ ذَلِكَ تَزْيِينُ مَن أضَلَّهم مِنَ الشَّياطِينِ مِن سَدَنَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ المُتَكَلِّمِينَ مِن أجْوافِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم زَيَّنُوا لَهم ما هو أبْيَنُ مِنهُ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما زَيَّنَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ تَضْيِيعَ أمْوالِهِمْ والكَفْرَ بِرَبِّهِمْ شُرَكاؤُهم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

(p-٢٨٢)ولَمّا كانَ المُزَيِّنُ لِخِسَّتِهِ أهْلٌ لِأنْ لا يُقْبَلَ تَزْيِينُهُ ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ - فَكانَ امْتِثالُ قَوْلِهِ غَرِيبًا، وكانَ الإقْدامُ عَلى فِعْلِ الأمْرِ المُزَيَّنِ أشَدَّ غَرابَةً - قَدَّمَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ أيْ: بِالوَأْدِ خَشْيَةَ الإمْلاقِ والنَّحْرِ لِآلِهَتِهِمْ، وشَتّانَ بَيْنَ مَن يُوجِدُ لَهم الوَلَدَ ويَرْزُقُهُ والرِّزْقَ ويَخْلُقُهُ وبَيْنَ مَن لا يَكُونُ إلّا سَبَبًا في إعْدامِهِ؛ ولَمّا كانَ في هَذا غايَةُ الغَرابَةِ تَشَوَّفَتْ النَّفْسُ إلى فاعِلِ التَّزْيِينِ، فَقالَ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ أيْ: وهم أقَلُّ مِنهم بِما يُخاطَبُونَ بِهِ مِن أجْوافِ الأصْنامِ وبِما يُحَسِّنُ لَهم السَّدَنَةُ والأهْوِيَةُ بِسَبَبِ الأصْنامِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُعْجِبًا، كانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ المَوْلُودِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ المَشْمُولِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ العَصْرِ، الآخِذِ عَنْ جُلَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، المَوْصُوفِ بِغَزارَةِ العِلْمِ ومَتانَةِ الدِّينِ وقُوَّةِ الحِفْظِ والضَّبْطِ وحُجَّةِ النَّقْلِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ - أعْجَبَ، وفُصِلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ - وهو الأوْلادُ - لِأنَّ وُقُوعَ القَتْلِ فِيهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - أعْجَبُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ لِفائِدَةٍ اسْتُهِينَ لَها هَذا الفِعْلُ العَظِيمُ - ذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فائِدَةٌ إلّا الهَلاكُ في الدُّنْيا والدِّينِ الَّذِي هو هَلاكٌ في الآخِرَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْجَبَ فَقالَ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: لِيُهْلِكُوهم هَلاكًا لا فائِدَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿ولِيَلْبِسُوا﴾ أيْ: يَخْلِطُوا ويُشْبِهُوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (p-٢٨٣)أيْ: وهو دِينُ إبْراهِيمَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِذَبْحِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَما أقْدَمَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ ثُمَّ إنَّهُ فَداهُ ولَمْ يُمْضِ ذَبْحَهُ، فَخالَفَ هَؤُلاءِ عَنْ أمْرِ الشُّرَكاءِ الأمْرَيْنِ مَعًا فَجَمَعُوا لَهم بِذَلِكَ بَيْنَ إهْلاكَيْنِ: في النَّفْسِ والدِّينِ، فَإنَّ القَتْلَ في نَفْسِهِ عَظِيمٌ جِدًّا، ووُقُوعُهُ تَدَيُّنًا بِغَيْرِ أصْلٍ ولا شُبْهَةٍ أعْظَمُ، فَلا أضَلُّ مِمَّنْ تَبِعَ مَن كانَ سَبَبًا لِإهْلاكِ نَفْسِهِ ودِينِهِ.

ولَمّا كانَ العَرَبُ يَدَّعُونَ الأذْهانَ الثّاقِبَةَ والأفْكارَ الصّافِيَةَ والآراءَ الصّائِبَةَ والعُقُولَ الوافِرَةَ النّافِذَةَ - ذَكَرَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ؛ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلَمْ يَفْطَنُوا بِهِمْ ولَمْ يُدْرِكُوا ما أرادُوا بِكم مَعَ أنَّهم حِجارَةٌ، فَأنْتُمْ أسْفَلُ مِنهُمْ؛ ولَمّا أثْبَتَ لِلشُّرَكاءِ فِعْلًا هو التَّزْيِينُ، وكانَ قَدْ نَفى سابِقًا عَنْهم وعَنْ سائِرِ أعْداءِ الأنْبِياءِ الِاسْتِقْلالَ بِهِ، وأناطَ الأمْرَ هُناكَ - لِأنَّ السِّياقَ لِلْأعْداءِ - بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْحِياطَةِ والعِنايَةِ، وكانَ الكَلامُ هُنا في خُصُوصِ الشُّرَكاءِ - عَلَّقَ الأمْرَ بِاسْمِ الذّاتِ الدّالِّ عَلى الكَمالِ المُقْتَضِي لِلْعَظَمَةِ والجَبَرُوتِ والكِبْرِ وسائِرِ الأسْماءِ الحُسْنى عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والجَلالِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعُلُوِّ عَنِ الأنْدادِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ أنْ لا يَفْعَلَهُ المُشْرِكُونَ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي زُيِّنَ لَهم، بَلْ ذَلِكَ إنَّما هو بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ احْتِراسًا مِن ظَنِّ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ اسْتِقْلالًا، وتَسْلِيَةً (p-٢٨٤)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَخْفِيفًا، وأكَّدَ التَّسْلِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَقَوَّلُونَ مِنَ الكَذِبِ ويَتَعَمَّدُونَهُ.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

ولَمّا ذَكَرَ إقْدامَهم عَلى ما قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، ولامَهُ عَلى تَقْبِيحِهِ العَقْلُ مِن قَتْلِ الأوْلادِ، أتْبَعَهُ إحْجامَهم عَمّا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مِن ذَبْحِ بَعْضِ الأنْعامِ لِنَفْعِهِمْ، وضَمَّ إلَيْهِ جُمْلَةً مِمّا مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنهُ ودانُوا بِهِ لِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ سَفَهًا وجَهْلًا ﴿هَذِهِ﴾ إشارَةً إلى قِطْعَةٍ مِن أمْوالِهِمْ عَيَّنُوها لِآلِهَتِهِمْ ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ: حَرامٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَلا يَصِلُ أحَدٌ إلَيْهِ، وهو وصْفٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ ﴿لا يَطْعَمُها﴾ أيْ: يَأْكُلُ مِنها ﴿إلا مَن نَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ السَّدَنَةِ ونَحْوِهِمْ ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الهَوى مِن غَيْرِ سَنَدٍ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم كاذِبُونَ في هَذا الزَّعْمِ في أصْلِ التَّحْرِيمِ وفي نُفُوذِ المَنعِ، فَلَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ تُؤْكَلَ لَأُكِلَتْ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مَنعٍ ﴿وأنْعامٌ﴾

ولَمّا كانَ ذَمُّهم عَلى مُجَرَّدِ التَّجْرِيمِ لا عَلى كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنِي: البَحائِرَ وما مَعَها فَلا تُرْكَبُ ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُتَقَوِّلُونَ عَلى اللَّهِ ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ: في الذَّبْحِ أوْ غَيْرِهِ ﴿افْتِراءً﴾ أيْ: تَعَمُّدًا لِلْكَذِبِ ﴿عَلَيْهِ﴾

(p-٢٨٥)ولَمّا كانَ هَذا لِعِظَمِهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ [مَوْضِعَ] تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى ما يَكُونُ عَنْهُ - اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ مِنَ الكَذِبِ، أمّا بَعْدَ إظْهارِ الحَقِّ فَواضِحٌ، وأمّا قَبْلَهُ فَلِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن ظُهُورِ الفَسادِ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

ولَمّا ذَكَرَ مِن سَفَهِهِمْ ما فِيهِ إقْدامٌ مَحْضٌ وما فِيهِ إحْجامٌ خالِصٌ محت - أتْبَعَهُ ما هو مُخْتَلِطٌ مِنهُما فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ أوْ بَعْضُهم وأقَرَّهُ الباقُونَ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ﴾ [إشارَةً إلى ما اقْتَطَعُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، وبَيَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ]: ﴿الأنْعامِ﴾ أيْ: مِنَ الأجِنَّةِ ﴿خالِصَةٌ﴾ أيْ: خُلُوصًا لا شَوْبَ فِيهِ، أنَّثَ لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى الأجِنَّةِ، أوْ تَكُونُ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ أوْ تَكُونُ مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، أيْ: ذُو خالِصَةٍ ﴿لِذُكُورِنا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ العَراقَةَ في كُلِّ صِفَةٍ، أتى بِالواوِ فَقالَ: ﴿ومُحَرَّمٌ﴾ وحَذَفَ الهاءَ إمّا حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ أوْ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُرادَ بِـ (خالِصَةٌ) المُبالَغَةُ ﴿عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ: إناثِنا، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالأزْواجِ بَيانًا لِمَوْضِعِ السَّفَهِ بِكَوْنِهِنَّ شَقائِقَ الرِّجالِ، هَذا إنْ وُلِدَ حَيًّا ﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ: ما في بُطُونِها ﴿مَيْتَةً﴾ وكَأنَّهُ أثْبَتَ هاءَ التَّأْنِيثِ مُبالَغَةً، وأنَّثَ الفِعْلَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ حَمْلًا عَلى مَعْنى: (ما) ورَفَعَ الِاسْمَ عَلى التَّمامِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ (p-٢٨٦)التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ونَصَبَ الباقُونَ عَلى جَعْلِها ناقِصَةً مَعَ التَّذْكِيرِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ (: ما) ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: ذُكُورُهم وإناثُهم ﴿فِيهِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكائِنِ الَّذِي في البُطُونِ ﴿شُرَكاءُ﴾ أيْ: عَلى حَدٍّ سَواءٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ وصْفًا مِنهم لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها الَّتِي يُحِبُّها اللَّهُ قالَ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ يَضَعَ العَذابَ الألِيمَ في كُلِّ مَوْضِعٍ يَكْرَهُونَ وصْفَهُ فِيهِ، حَتّى يَكُونَ مِثْلَ وصْفِهِمْ الَّذِي لَمْ يَزالُوا يُتابِعُونَ الهَوى فِيهِ حَتّى صارَ خُلُقًا لَهم ثابِتًا فَهو يُرِيهِمْ وخِيمَ أثَرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ أيْ: لا يُجازِي عَلى الشَّيْءِ إلّا بِمِثْلِهِ ويَضَعُهُ في أحَقِّ مَواضِعِهِ وأعْدَلِها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِالمُماثَلَةِ ومَن يَسْتَحِقُّها وعَلى أيِّ وجْهٍ يُفْعَلُ، وعَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ يَكُونُ أتَمَّ وأكْمَلَ، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحِكْمَةِ، فَهو مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَكُونَ شَرَعَها وهي سَفَهٌ مَحْضٌ لا يَفْعَلُها إلّا ظالِمٌ جاهِلٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском