Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:145–149
6:145Page 147
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥
Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."
ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ( ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] افْتِراءً عَلى اللَّهِ والتَّعْبِيرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ (p-٢٩٨)بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لَيْسَ مَوْضِعًا لِلشَّكِّ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ولا حُكْمَ لِغَيْرِ المَلِكِ، ومَن حَكَمَ عَنْ غَيْرِ أمْرِهِ عُذِّبَ -حَسُنَ بَعْدَ إبْطالِ دِينِهِمْ [والبَيانِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا بِالتَّشَهِّي مُضِلٌّ وظالِمٌ] قَوْلُهُ مُبَيِّنًا البَيانَ الصَّحِيحَ لِما يَحِلُّ ويَحْرُمُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما الَّذِي حَرَّمَهُ - سُبْحانَهُ - وما الَّذِي أحَلَّهُ: ﴿قُلْ﴾ مُعَلِّمًا بِأنَّ التَّحْرِيمَ لا يَثْبُتُ إلّا بِوَحْيٍ [مِن] اللَّهِ ﴿لا أجِدُ﴾ أيْ: الآنَ ولا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، فَإنَّ (لا) كَلِمَةٌ لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ ﴿فِي ما﴾
ولَمّا كانَ ما آتاهُ ﷺ قَدْ ثَبَتَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ:﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا مِمّا تَقَدَّمَ مِمّا حَرَّمْتُمُوهُ مُطْلَقًا أوْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ وعَلى ناسٍ دُونَ آخَرِينَ طَعامًا ﴿مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ﴾ أيْ: طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴿يَطْعَمُهُ﴾ أيْ: يَتَناوَلُهُ أكْلًا وشُرْبًا أوْ دَواءً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ ﴿مَيْتَةً﴾ أيْ: شَرْعًا، والمَيْتَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي ما لا يَقْبَلُ التَّذْكِيَةَ، [وهُوَ كُلُّ ما زالَتْ حَياتُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ] ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أيْ: مُراقًا مِن شَأْنِهِ السَّيَلانُ لا مِن شَأْنِهِ الجُمُودُ كالكَبِدِ والطِّحالِ.
ولَمّا كانَ النَّصارى قَدْ اتَّخَذُوا أكْلَ الخِنْزِيرِ دِينًا - نَصَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ (مَيْتَةً) عَلى ما قَرَّرْتُهُ في المُرادِ بِها، وقالَ: (p-٢٩٩)﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ لِيُفِيدَ تَحْرِيمَهُ عَلى كُلِّ حالٍ سَواءٌ ذُبِحَ أمْ لا، ولَوْ قِيلَ: أوْ خَنْزِيرًا لاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ تَحْرِيمُ ما أُخِذَ مِنهُ حَيًّا فَقَطْ، وقالَ: ﴿فَإنَّهُ﴾ أيْ: الخِنْزِيرَ ﴿رِجْسٌ﴾ لِيُفِيدَ نَجاسَةَ عَيْنِهِ وهو حَيٌّ، فَلَحْمُهُ وكَذا سائِرُ أجْزائِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، [وكُلُّ ما وافَقَهُ في هَذِهِ العِلَّةِ كانَ نَجِسًا، لا يُعادُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّحْمِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَتْ نَجاسَتُهُ مِن تَحْرِيمِهِ لِعَيْنِهِ، فَلَوْ عادَ عَلَيْهِ كانَ تِكْرارًا] .
ولَمّا ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعَيْنِهِ ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعارِضٍ، فَقالَ مُبالِغًا في النَّفْيِ عَنْهُ بِأنْ جَعَلَهُ نَفْسَ المَعْنى الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ لِأجْلِهِ: ﴿أوْ فِسْقًا﴾ أيْ: أوْ كانَ الطَّعامُ خُرُوجًا مِمّا يَنْبَغِي القَرارُ فِيهِ مِن فَسِيحِ جَنابِ اللَّهِ الَّذِي مَن تَوَطَّنَهُ أمِنَ واهْتَدى وسَلِمَ مِن ضِيقِ الهَوى في ذِكْرِ الغَيْرِ الَّذِي مَن خَرَجَ إلَيْهِ خافَ وضَلَّ، وهَلَكَ وتَوى؛ ثُمَّ قالَ مُفَسِّرًا لَهُ [مُقَدِّمًا لِما هو داخِلٌ في الفِسْقِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ]: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِهِ عَلَيْهِ بِأنْ ذُبِحَ لَهُ تَدَيُّنًا. ثُمَّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ في إباحَتِهِ لَهم في حالِ الضَّرُورَةِ كُلَّ مُحَرِّمٍ رَحْمَةً مِنهُ لَهم وسَتْرًا لِتَقْصِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: حَصَلَ لَهُ جُوعٌ خَشِيَ مِنهُ التَّلَفَ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ حُصُولُ الِاضْطِرارِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، ومِنَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ تُؤْخَذُ حُرْمَةُ ما زادَ (p-٣٠٠)عَلى سَدِّ الرَّمَقِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مُضْطَرًّا ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ بِمَكِيدَةٍ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ بِقُوَّتِهِ ولا مُتَجاوِزَ حَدِّ الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وإلى أُمَّتِكَ الضَّعِيفَةِ بِجَعْلِ دِينِها الحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ إذا أرادَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يُكْرِمُ المُذْنِبَ بَعْدَ الغُفْرانِ بِأنْواعِ الكَراماتِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَمْحُوَ عَنْ هَذا المُضْطَرِّ أثَرَ تِلْكَ الحُرْمَةِ الَّتِي كَدَّرَها ويُكْرِمَهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ - في حِفْظِهِ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ إذا صَحَّتْ فِيهِ نِيَّتُهُ - أجْرًا عَظِيمًا، وقَدْ تَكَلَّفَتْ الآيَةُ عَلى وجازَتِها بِجَمِيعِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَأْكُولاتِ مَعَ الإشارَةِ بِلَفْظِ الرِّجْسِ والفِسْقِ إلى جَمِيعِ أصْنافِ المُحَرَّماتِ وإلى أنَّ ارْتِكابَها مُوجِبٌ لِلْخُبْثِ والِانْسِلاخِ مِنَ الخَيْرِ، وذَلِكَ هو سَبَبُ تَحْرِيمِها؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحرالي في كِتابِ: (العُرْوَةِ): وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ - أيْ: حَرْفِ الحَرامِ - طُهْرَةُ الخَلْقِ مِن مَضارِّ أبْدانِهِمْ ورَجاسَةِ نُفُوسِهِمْ ومَجْهَلَةِ قُلُوبِهِمْ، فَما اجْتَمَعَتْ فِيهِ كانَ أشَدَّ تَحْرِيمًا وما وُجِدَ فِيهِ شَيْءٌ مِنها كانَ تَحْرِيمُهُ بِحَسَبِ تَأكُّدِ الضَّرُورَةِ إلى طُهْرَتِهِ، وكَما اخْتَلَفَ أحْوالُ بَنِي آدَمَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ طِينَتِهِمْ مِن بَيْنِ خَبِيثٍ وطَيِّبٍ وما بَيْنَ ذَلِكَ - اخْتَلَفَ أحْوالُهم فِيما بِهِ تَجَدُّدُ خَلْقِهِمْ مِن رِزْقِهِمْ، فَمَن اغْتَذى بَدَنُهُ مِن شَيْءٍ ظَهَرَتْ أخْلاقُ نَفْسِ ذَلِكَ المُغْتَذى بِهِ وأوْصافُهُ في نَفْسِهِ، ورِينٌ عَلى القَلْبِ أوْ صَفاءٌ، لِتَقَوِّيهِ بِما يُسَمّى عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ أوْ كُفْرٍ بِهِ (p-٣٠١)بِذِكْرِ غَيْرِهِ، وجامِعُ مُنْزِلِهِ عَلى حَدِّهِ مِن اسْتِثْناءِ قَلِيلِهِ مِن مُتَّسَعِ الحَلالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ هَذا لِمَضَرَّتِهِ بِالبَدَنِ ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ وهَذا لِتَخْبِيثِهِ لِلنَّفْسِ وتَرْجِيسِهِ لَها - كَما قالَ تَعالى -: ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وهَذا لِرِينِهِ عَلى القَلْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وأثْبَتَها تَعالى في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ إشْعارًا بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ مُسْتَحَقًّا في أوَّلِ الدِّينِ ولَكِنْ أُخِّرَ إلى حِينِ اجْتِماعِ جُمَّةِ الإسْلامِ بِالمَدِينَةِ؛ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ المُشْرِكِينَ وتَيْسِيرًا عَلى ضُعَفاءِ [الدِّينِ] الَّذِينَ آمَنُوا، واكْتِفاءً لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وعَمّا يُشْبِهُهُ اسْتِبْصارًا مِنهم، حَتّى إنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ [عَلى نَفْسِهِ] في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ لِما رَأى فِيها مِن نَزْفِ العَقْلِ، فَكَيْفَ بِأحْوالِهِمْ بَعْدَ الإسْلامِ! وأُلْحِقَ بِها في سُورَةِ: ”الَّذِينَ آمَنُوا“ ما كانَ قَتْلُهُ سَطْوَةً مِن غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وما أكَلَ السَّبْعُ إلّا ما أُدْرِكَ بِالتَّذْكِيَةِ المُنْهِرَةِ لِلدَّمِ المُوصِلِ في التَّحْرِيمِ لِفَسادِ مَسْفُوحِهِ بِما هو خارِجٌ عَنْ حَدِّ الطَّعامِ في الِابْتِداءِ والأعْضاءِ في الِانْتِهاءِ المُسْتَدْرِكَةِ - بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ - أثَرَ ما أصابَها مِن مُفاجَأةِ السَّطْوَةِ، وأُلْحِقَ بِها أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ (p-٣٠٢)تَحْرِيمُ الخَمْرِ لِرِجْسِها كالخِنْزِيرِ، كَما أُلْحِقَتْ المَقْتُولَةُ بِالمَيْتَةِ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ ما فِيهِ جِماعُ الرِّجْسِ مِنَ الخِنْزِيرِ وجِماعُ الإثْمِ مِنَ الخَمْرِ - حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، فَألْحَقَ بِالخِنْزِيرِ السِّباعَ حِمايَةً مِن سُورَةِ غَضَبِها لِشِدَّةِ المَضَرَّةِ في ظُهُورِ الغَضَبِ مِنَ العَبِيدِ؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا لِسَيِّدِهِمْ، وحَرَّمَ الحُمْرَ الأهْلِيَّةَ حِمايَةً مِن بَلادَتِها وحِرانِها الَّذِي هو عِلْمُ غَرِيزَةِ الخَرْقِ في الخَلْقِ، وألْحَقَ ﷺ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ الَّتِي سُكْرُها مَطْبُوعٌ تَحْرِيمَ المُسْكِرِ الَّذِي سُكْرُهُ مَصْنُوعٌ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ ما يَغُرُّ العَبْدَ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ حَرَّمَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَقْطَعُهُ عَنْهُ مِن أكْلِ الرِّبا، [والرِّبا] بِضْعٌ وسَبْعُونَ بابًا والشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ، وجامِعُ مَنزِلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى انْتِهاءِ ذِكْرِهِ إلى ما يَنْتَظِمُ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] - الآيَةُ ما يَلْحَقُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] - الآيَةُ، هَكَذا قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وهو - مَعَ كَوْنِي لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ - مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآيَةُ.
(p-٣٠٣)ولَمّا كانَ تَحْرِيمُ الرِّبا بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ - كانَ فِيهِ الوَعِيدُ بِالإيذانِ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ؛ ولِذَلِكَ حَمَتْ الأئِمَّةُ ذَرائِعَهُ أشَدَّ الحِمايَةِ، وكانَ أشَدُّهم في ذَلِكَ عالِمُ المَدِينَةِ حَتّى إنَّهُ حَمى مِن صُورَتِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِسَلامَةِ الباطِنِ مِنهُ، وعَمِلَ بِضِدٍّ ذَلِكَ في مُحَرَّماتِ ما بَيْنَ العَبْدِ ونَفْسِهِ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ مِن هَذا الوَجْهِ الأعْلى كَذَلِكَ حَرَّمَ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الطَّرَفِ الأدْنى، وجامِعُ مَنزِلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] - الآيَةُ. إلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] إلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] - الآياتُ في أمْوالِ اليَتامى، فَحَرَّمَهُ تَعالى مِن جِهَةِ الأعْلى والمَثِيلِ والأدْنى، وانْتَظَمَ التَّحْرِيرَ في ثَلاثَةِ أُصُولٍ: مِن جِهَةِ ما بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبْدِهِ ومِن جِهَةِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ومِن جِهَةِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، مِمّا تُسْتَقْرَأُ جُمْلَةُ آيَةٍ في القُرْآنِ وأحادِيثِهِ في السُّنَّةِ ومَسائِلِهِ في فِقْهِ الأئِمَّةِ؛ ولَمّا كانَ لَهُ مُتَّسَعٌ، وقَعَ فِيما بَيْنَ الحَلالِ البَيِّنِ والحَرامِ (p-٣٠٤)البَيِّنِ أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّها تُشْبِهُ الحَلالَ مِن وجْهٍ وتُشْبِهُ الحَرامَ مِن وجْهٍ، فَلِوُقُوعِها بَيْنَهُما يُخْتَلَفُ فِيها ولِعَرْضِهِ في الأُولى، وعَنْ حِمايَةِ اللَّهِ عِبادَهُ عَنْ وبِيلِ الحَرامِ تَحَقَّقَ لَهم اسْمُهُ (الطَّيِّبُ)، فَلَمْ يَتَطَبَّبْ بِطِبِّ اللَّهِ مَن لَمْ يَحْتَمِ عَنْ مُحَرَّماتِهِ ومُتَشابِهاتِها، وهو الوَرَعُ الَّذِي هو مِلاكُ الدِّينِ - ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ -. ثُمَّ قالَ فِيما تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ [حَرْفِ] الحَرامِ تَمامًا في العِلْمِ والحالِ والعَمَلِ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ خَلْقًا جامِعًا كانَتْ فِيهِ بِزْرَتانِ: بِزْرَةٌ لِلْخَيْرِ وبِزْرَةٌ لِلشَّرِّ، وبِحَسَبِ تَطَهُّرِهِ وتَخَلُّصِهِ مِن مُزاحَمَةِ نَباتِ بِزْرَةِ الشَّرِّ تَنْمُو فِيهِ وتَزْكُو بِزْرَةُ الخَيْرِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ البِزْرَتَيْنِ مَنبَتٌ في جِسْمِهِ ونَفْسِهِ وفُؤادِهِ، فَأوَّلُ الحُرُوفِ في التَّرْتِيبِ العَمَلُ، والأساسُ لِما بَعْدَهُ هو قِراءَةُ حَرْفِ الحَرامِ، لِتَحْصُلَ بِهِ طُهْرَةُ البَدَنِ الَّذِي هو السّابِقُ في وُجُودِ الإنْسانِ فَمَن غُذِّيَ بِالحَرامِ في طُفُولَتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى اجْتِنابِ الآثامِ في كُهُولَتِهِ إلّا أنْ يُطَهِّرَ اللَّهُ بِما شاءَ مِن نارِ الوُرُودِ في الدُّنْيا مِنَ الأمْراضِ والضَّرّاءِ، فَهو الأساسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَطَهُّرُ النَّفْسِ مِنَ المَناهِي وتَطَهُّرُ الفُؤادِ مِنَ العَمَهِ والمَجاهِلِ، والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ هو الوَرَعُ الحاجِزُ عَمّا يَضُرُّ بِالجِسْمِ ويُؤْذِي النَّفْسَ وما يَكْرَهُ الخَلْقُ (p-٣٠٥)وما يُغْضِبُ الرَّبَّ، فَمَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يُبادِرْ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ عُذِّبَ بِكُلِّ آيَةٍ قَرَأها وهو مُخالِفٌ لِحُكْمِها «(مَن لَمْ يُبالِ مِن أيِّ بابٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ لَمْ يُبالِ اللَّهُ مِن أيِّ بابٍ أدْخَلَهُ النّارَ)» .
ولَمّا كانَ الوَرَعُ كَفَّ اليَدِ ظاهِرًا عَنِ الشَّيْءِ الضّارِّ، وكانَتْ الجَوارِحُ لا تَنْقادُ إلّا عَنْ تَأثُّرٍ مِنَ النَّفْسِ، لَمْ يَصِحَّ الوَرَعُ ظاهِرًا إلّا أنْ يَقَعَ في النَّفْسِ رَوْعَةُ باطِنِهِ مِن تَناوُلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ ولَمّا كانَتْ النَّفْسُ لا تَتَأثَّرُ إلّا عَنْ تَبَصُّرِ القَلْبِ في الضّارِّ كَما لا يَنْكَفُّ اليَدُ إلّا عِنْدَ تَقَذُّرِ النَّفْسِ لِما تُدْرِكُ العَيْنُ قَذَرَهُ حَتّى إنَّ النَّفْسَ الرَّضِيَّةَ تَأْنَفُ مِنَ المُحَرَّماتِ كَما يَأْنَفُ المُسْتَنْظِفُ مِنَ المُسْتَقْذَراتِ، فَأكَلَةُ الحَرامِ هم دُودُ جِيفَةِ الدُّنْيا يَسْتَقْذِرُهم أهْلُ البَصائِرِ كَما يَسْتَقْذِرُونَ هم دُودَ جِيَفِ المَزابِلِ.
ولَمّا كانَ الحَرامُ ما يَضُرُّ العَبْدَ في نَفْسِهِ كالمَيْتَةِ، تَيَسَّرَ عَلى المُسْتَبْصِرِ كَفُّ يَدِهِ عَنْها لِما يَدْرِي مِن مَضَرَّتِها بِجِسْمِهِ، وكَذَلِكَ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ بِانْفِصالِهِ عَنِ الحَيِّ ومُفارَقَتِهِ لِرُوحِ الحَياةِ الَّتِي تُخالِطُهُ في العُرُوقِ، قُلْتُ: وسَيَأْتِي قَرِيبًا تَعْلِيلُهُ في التَّوْراةِ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ أكْثَرُ فِعْلًا في النَّفْسِ وتَطْبِيعًا لَها بِخَلْقِ ما هو دَمُهُ مِنَ اللَّحْمِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وكَذَلِكَ ما يَضُرُّ بِنَفْسِهِ كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ لِأنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو خَبائِثُ الأخْلاقِ الَّتِي [هِيَ] عِنْدَ العُقَلاءِ أقْبَحُ مِن خَبائِثِ الأبْدانِ، وذَلِكَ لِأنَّ (p-٣٠٦)مَن اغْتَذى جِسْمُهُ بِلَحْمِ حَيَوانٍ اغْتَذَتْ نَفْسُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الحَيَوانِ وبِخُلُقٍ مِن أخْلاقِهِ، وفي نَفْسِ الخِنْزِيرِ مَجامِعُ رَذائِلِ الأخْلاقِ مِنَ الإباءِ والحِرانِ والمَكْرِ والإقْدامِ عَلى ما يُعانِيهِ فِيهِ الهَلاكَ ومُتابَعَةِ الفَسادِ، والِانْكِبابِ عَلى ما تَقَبَّلَ عَلَيْهِ في أدْنى الأشْياءِ عَلى ما ظَهَرَتْ في خِلْقَتِهِ آياتُهُ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِشْرافٌ كَذَواتِ الأعْناقِ، وكَذَلِكَ ما يَضُرُّ بِهِما وبِالعَقْلِ كالخَمْرِ في نَزْفِها لِلْعَقْلِ وتَصْدِيعِها لِلرَّأْسِ وإيقاعِها العَداوَةَ والبَغْضاءَ في خُلُقِ النَّفْسِ؛ ولِذَلِكَ هي جِماعُ الإثْمِ، فالمُتَبَصِّرُ في المُحَرَّماتِ يَأْنَفُ مِنها لِما يَدْرِي مِن مَضَرَّتِها وأذاها في الوَقْتِ الحاضِرِ وفي مَعِيبِها في يَوْمِ الدُّنْيا إلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن سُوءِ عُقْباها في يَوْمِ الدِّينِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ وماتَ ولَمْ يَتُبْ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ، وهي عُصارَةُ أهْلِ النّارِ، ولَوْ هَدَّدَ شارِبَها في الدُّنْيا مَن لَهُ أمْرٌ بِأنْ يَسْقِيَهُ مِن بَوْلِهِ ورَجِيعِهِ - لَوَجَدَ مِنَ الرَّوْعِ ما تَحْمِلُهُ عَلى الوَرَعِ عَنْها، وإذا اسْتَبْصَرَ ذُو دِرايَةٍ فِيما يَضُرُّهُ في ذاتِهِ فَأنِفَ مِنهُ رِعايَةَ نَفْسِهِ لَحَقَّ لَهُ بِذَلِكَ التِزامُ رِعايَتِها عَمّا يَتَطَرَّقُ لَهُ مِنهُ دَرْكٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ فَيَتَوَرَّعُ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ لِما يَدْرِي مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْها في العاجِلِ وما أُخْبِرَ بِهِ مِنَ المُعاقَبَةِ عَلَيْها في الآجِلِ، ولَها في ذاتِهِ مَضَرَّةٌ في الوَقْتِ بِتَعَرُّفِها مِن مَوارِدَ القُرْآنِ بِنُورِ الإيمانِ (p-٣٠٧)﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] وإنْ لَمْ يُحِسَّ بِها، ولَيْسَ تَأْوِيلُهُ الوَعْدَ بِالنّارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنْباءٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وكَذَلِكَ إذا أنِفَ مِمّا يَضُرُّهُ في نَفْسِهِ وخافَ مِمّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ضُرُّهُ مِن غَيْرِهِ - أعْظَمَ أنْ يَقْرَبَ حِمى ما يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ السَّطْوَةُ مِن رَبِّهِ لِأجْلِهِ، وذَلِكَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِ حِمايَةً لِعَظِيمِ مُلْكِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ في أمْرِ رَحْمانِيَّتِهِ في مُحَرَّمِ الرِّبا، ولِما فِيهِ أيْضًا مِن مَضَرَّةِ وقْتِهِ الحاضِرِ الَّتِي يُقَيِّدُها بِالإيمانِ مِن تَعْرِيفِ رَبِّهِ، فَإنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَ أنَّ أكْلَ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ نارٌ في البَطْنِ، عَرَّفَ أنَّ أكْلَ مالِ الرِّبا جُنُونٌ في العَقْلِ وخَبالٌ في النَّفْسِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.لِعَرائِهِ عَنْ اسْمِهِ عِنْدَ إزْهاقِ رُوحِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وما أُخِذَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أكْلُهُ فِسْقًا وكُفْرًا لِأنَّهُ تَناوَلَ الرُّوحَ مِن يَدِ مَن لا يَمْلِكُها؛ ولِذَلِكَ فُرِضَتْ التَّسْمِيَةُ في التَّذْكِيَةِ ونُفِلَتُ فِيما سِوى ذَلِكَ، فَلا تَصِحُّ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ إلّا بِتَبْصِرَةِ القَلْبِ فِيهِ ورَوْعَةِ النَّفْسِ مِنهُ ووَرَعِ اليَدِ عَنْهُ، وإلّا فَهو مِنَ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ حُرُوفَهُ ويُضَيِّعُونَ حُدُودَهُ، الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «(كَثُرَ هَؤُلاءِ مِنَ القُرّاءِ - لا كَثَّرَهم اللَّهُ - !)» ومَن لَمْ تَصِحَّ لَهُ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ لَمْ تَصِحَّ لَهُ قِراءَةُ حَرْفٍ سِواهُ (p-٣٠٨)ولا تَصِحُّ لَهُ عِبادَةٌ وهو الَّذِي لا يَزِيدُهُ صَلاتُهُ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا ولا يُقْبَلُ مِنهُ دُعاؤُهُ «(الرَّجُلُ يَطْلُبُ اللَّهَ مَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، يَقُولُ: يا رَبِّ! يا رَبِّ! فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ! )» فَهَذِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ وشَرْطُهُ - واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
6:146Page 147
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦
And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿طاعِمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، يَعُمُّ كُلَّ طاعِمٍ مِن أهْلِ شَرْعِنا وغَيْرِهِمْ، وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ - اقْتَضَتْ إحاطَةُ العِلْمِ أنْ قالَ مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: لَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ عَلَيْنا شَيْئًا، إنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: اليَهُودِ ﴿حَرَّمْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تُدافَعُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أيْ: عَلى ما هو - كالإصْبَعِ لِلْآدَمِيِّ - مِنَ الإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ الَّتِي تَتَقَوّى بِأظْفارِها ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ أيْ: الَّتِي هي ذَواتُ الأظْلافِ ﴿حَرَّمْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ أيْ: الصِّنْفَيْنِ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مِمّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما ﴿أوِ الحَوايا﴾ وهي الأمْعاءُ الَّتِي هي مُتَعاطِفَةٌ مُتَلَوِّيَةٌ، جَمْعُ حَوِيَّةٍ فَوَزْنُها فَعائِلُ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ، وقِيلَ: جَمْعُ حاوِيَةٍ أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ﴾ أيْ: [مِن] الشُّحُومِ (p-٣٠٩)﴿بِعَظْمٍ﴾ مِثْلَ شَحْمِ الألْيَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ، وهَذا السِّياقُ بِتَقَدُّمِ الجارِّ وبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَدا المَذْكُورَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَلالٌ لَهم.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الطَّيِّباتِ؟ قِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّحْرِيمُ العَظِيمُ والجَزاءُ الكَبِيرُ [وهُوَ تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ] ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ الَّتِي تَجاوَزُوا فِيها الحُدُودَ، [و] في إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ - الَّتِي فِيها ما حُرِّمَ عَلى اليَهُودِ - لِما قَبْلَها مَعَ الوَفاءِ بِالمَقْصُودِ مِن حَصْرِ مُحَرَّماتِ المَطاعِمِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها أمْرانِ جَلِيلانِ: أحَدُهُما بَيانُ اطِّلاعِهِ ﷺ عَلى تَفْصِيلِ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِن تَقَدُّمِهِ ولَمّا يُشامِمْ أحَدًا مِن أتْباعِهِمْ ولا دارَسَ عالِمًا ولا دَرَسَ عِلْمًا قَطُّ، فَلا دَلِيلَ عَلى صِدْقِهِ عَلى اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، والثّانِي تَفْضِيلُهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأنَّهُ أحَلَّ لَها الخَبائِثَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رَحْمَةً لَهم، وأزالَ عَنْها في تِلْكَ الحالَةِ ضُرَّها ولَمْ يَفْعَلْ بِها كَما فَعَلَ بِاليَهُودِ في أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طائِفَةً مِنَ الطَّيِّباتِ ولَمْ يُحِلَّها لَهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ عُقُوبَةً لَهم، وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَحْذِيرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَبْغُوا فَيُعاقَبُوا كَما عُوقِبَ مَن قَبْلَهم عَلى ما نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَبانَ الصِّدْقُ وحَصْحَصَ الحَقُّ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ كَلامٌ، فَحَسَنٌ جِدًّا خَتْمُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ صِدْقُنا أزَلًا وأبَدًا كَما اقْتَضاهُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،
6:147Page 148
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧
So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."
وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ﴾ أيْ: وتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإيحاءِ الجامِعِ الوَجِيزِ (p-٣١٠)الدّالِّ عَلى الصِّدْقِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنّا نَقُولُ ذَلِكَ: ﴿كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ والتَّعْبِيرُ بِأداةِ الشَّكِّ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحالَ يَقْتَضِي أنْ يُسْتَبْعَدَ أنْ يَقَعَ مِنهم تَكْذِيبٌ بَعْدَ هَذا ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِالبَيانِ والإمْهالِ [مَعَ كُلِّ امْتِنانٍ ﴿ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ أيْ: فَهو مَعَ اقْتِدارِهِ قَضى أنَّهُ يَحْلُمُ عَنْكم بِالإمْهالِ] إلى أجَلٍ يَعْلَمُهُ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رَحْمَتِهِ، نَوَّهَ بِعَظِيمِ سَطْوَتِهِ فَقالَ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ: إذا أرادَ الِانْتِقامَ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي وصْلُهُ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِإمْهالِهِ في سُوءِ أعْمالِهِ وتَحْقِيقِ ضَلالِهِ، وفي [هَذِهِ الآيَةِ مِن شَدِيدِ التَّهْدِيدِ مَعَ لَطِيفِ الِاسْتِعْطافِ ما هو مَسْبُوكٌ عَلى الحَدِّ] الأقْصى مِنَ البَلاغَةِ.
6:148Page 148
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨
Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ فَعُلِمَ أنَّ إقْدامَهم عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أصْلًا - اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: [قَدْ] بَطَلَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ جَمِيعُ ما قالُوهُ في التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ أبْطَلَ شِرْكَهم، فَهَلْ بَقِيَ لَهم مَقالٌ؟ فَأخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِشُبْهَةٍ يَقُولُونَها اعْتِذارًا عَنْ جَهْلِهِمْ عَلى وجْهٍ [هُوَ وحْدَهُ] كافٍ في الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما يَقُولُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، فَوَقَعَ طِبْقُ ما قالَ عَنْ أهْلِ الضَّلالِ، فَقالَ مُخْبِرًا بِما سَيَقُولُونَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ دِلالَةً عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ وكَذِبِ المُشْرِكِينَ فِيما يُخالِفُونَهم فِيهِ: ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتًا لَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ (p-٣١١)تَكْذِيبًا مِنهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ عَدَمَ إشْراكِنا وتَحْرِيمِنا ﴿ما أشْرَكْنا﴾ أيْ: بِصَنَمٍ ولا غَيْرِهِ ﴿ولا آباؤُنا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِن إشْراكٍ ﴿ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والزُّرُوعِ وغَيْرِها أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ التَّرْكَ وشاءَ الفِعْلَ فَفَعَلْنا طَوْعَ مَشِيئَتِهِ، وهو لا يَشاءُ إلّا الحَقَّ والحِكْمَةَ لِأنَّهُ قادِرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا يَرْضاهُ لَمَنَعَنا مِنهُ، وهو لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ فَهو حَقٌّ.
ولَمّا كانَ هَذا عِنادًا مِنهم ظاهِرًا بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ بِما أقامَ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ مِنَ البَيِّناتِ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ - تَعَجُّبًا مِنهم -: هَلْ فَعَلَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَ فِعْلِهِمْ هَذا أوْ قالَ مِثْلَ ما قالُوا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ التَّكْذِيبُ عامًّا أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما أوْقَعُوا مِن نَحْوِ هَذِهِ المُجادَلَةِ في قَوْلِهِمْ إذا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً، وهَذا القَوْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنادٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالاتِ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارِ الرُّسُلِ بِأنَّهُ يَشاءُ الشَّيْءَ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ لِأنَّ مُلْكَهُ تامٌّ ومِلْكَهُ عامٌّ، فَهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وتَمادى بِهِمْ غُرُورُ التَّكْذِيبِ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: عَذابَنا لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، فَإنَّ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَلَمْ يَنْفَعْهم عِنادُهم عِنْدَ ذَوْقِ البَأْسِ، بَلْ انْحَلَّتْ عَزائِمُ هَمِّهِمْ فَخَضَعُوا لَنا وآمَنُوا بِرُسُلِنا، (p-٣١٢)فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الإشْراكَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانيًا التَّكْذِيبَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وسَيَأْتِي تَوْجِيهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْلِيلِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَعانِدَتَيْنِ وإنْ كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ مِن إتْيانِ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ.
ولَمّا كانَ ما قالُوهُ شُبْهَةً بَعِيدَةً عَنِ العِلْمِ، أعْلى دَرَجاتِها أنْ يَكُونَ مِن أنْواعِ الخَطابَةِ فَتُفِيدُ الظَّنَّ في أعْظَمِ مَسائِلِ عِلْمِ الأُصُولِ الَّذِي لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ فِيهِ إلّا عَلى القَواطِعِ - أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ما يُنَبِّهُهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ - تَهَكُّمًا بِهِمْ في بُعْدِهِمْ عَنِ العِلْمِ وجِدالِهِمْ بَعْدَ نُهُوضِ الحُجَجِ ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ﴾ أيُّها الجَهَلَةُ، وأغْرَقُ في السُّؤالِ فَقالَ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الضَّنْكِ ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أيْ: لِي ولِأتْباعِي وإنْ كانَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَكْنُونًا مَضْنُونًا بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ مَخْزُونًا، فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ جَوابُهم عَنْ هَذا: السُّكُوتُ؛ لِأنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم - قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم هَذا وغالِبِ أُمُورِكم ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: في أُصُولِ دِينِكم وهي لا يَحِلُّ فِيها قَوْلٌ إلّا بِقاطِعٍ ﴿وإنْ﴾ أيْ: وما ﴿أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ أيْ: تَقُولُونَ تارَةً (p-٣١٣)بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ وتارَةً بِالكَذِبِ المَحْضِ اليَقِينِ.
6:149Page 148
قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩
Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."
ولَمّا انْتَفى أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ الأمْرَ إنَّما هو لِلَّهِ - ثَبَتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ أيْ: الإلَهِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ: الَّتِي بَلَغَتْ أعْلى دَرَجاتِ الحَقِّ قُوَّةً ومَتانَةً وبَيانًا ووُضُوحًا ورَصانَةً بِسَبَبِ أنَّهُ شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ كَما أقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ حِينَ قُلْتُمْ: و﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ والعِنادِ لا لِأجْلِ التَّدَيُّنِ والِاعْتِقادِ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ أيْ: اللَّهُ ﴿لَهَداكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ ومُخالِفِيكم ﴿أجْمَعِينَ﴾ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ هِدايَةَ بَعْضٍ وضَلالَ آخَرِينَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شاءَهُ، فَلَزِمَ عَلى قَوْلِكم أنْ يَكُونَ الفَرِيقانِ مُحِقِّينَ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ الواحِدُ حَقًّا وغَيْرَ حَقٍّ في حالٍ واحِدٍ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، ويَلْزَمُكم عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ تُوالُوا أخْصامُكم ولا تُعادُوهم وإنْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا؛ لِأنَّهُ حَقُّ رِضى اللَّهِ لِأنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ ذَلِكَ، فَبَطَلَ قَوْلُكم فَثَبَتَ أنَّهُ قَدْ يَشاءُ الباطِلَ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ويُرْسِلُ الرُّسُلَ إلَيْكم لِإزالَتِهِ لِيُقِيمَ بِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَن يُرِيدُ عِقابَهُ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهم، ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences