Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:15–18
6:15Page 129
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
ولَمّا كانَ فِعْلُ المَنهِيِّ قَدْ لا يُعَذَّبُ عَلَيْهِ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّ المُخالَفَةَ في هَذا مِن أبْلَغِ المُخالَفاتِ، فَصاحِبُها مُسْتَحِقٌّ لِأعْظَمِ الِانْتِقامِ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا لَهم عَنِ الطَّمَعِ فِيهِ، وأكَّدَهُ لِذَلِكَ ولِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْخَوْفِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿أخافُ إنْ عَصَيْتُ﴾ أيَّ شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ مِنِّي أنْ أُوافِقَكم فِيهِ بِما أُمِرْتُ بِهِ أوْ نُهِيتُ عَنْهُ ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿عَذابَ يَوْمٍ﴾ ولَمّا كانَ عِظَمُ الظَّرْفِ بِعِظَمِ مَظْرُوفِهِ قالَ: ﴿عَظِيمٍ﴾
6:16Page 129
مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.
ولَمّا كانَ قَدْ قَدَّمَ مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ ما أطْمَعَ الفاجِرَ ثُمَّ أيْأسَهُ مِن ذَلِكَ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الخَسارَةِ - صَرَّحَ هُنا بِما اقْتَضاهُ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ، فَقالَ واصِفًا لِذَلِكَ العَذابِ مُبَيِّنًا أنَّ الرَّحْمَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى غَيْرِ المَعْهُودِ الآنَ، فَإنَّها خاصَّةٌ لا عامَّةٌ دائِمَةُ السُّبُوغِ عَلى مَن نالَتْهُ، لا زائِلَةٌ وكَذا النِّعْمَةُ، هَكَذا شَأْنُ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابِ. ولَمّا كانَ المُرادُ دَوامَ الصَّرْفِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِ فِعْلَ المَرْحُومِ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ﴾ أيْ:: (p-٣٩)الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ ﴿المُبِينُ﴾ أيْ: الظّاهِرُ جِدًّا، ومَن لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ فَقَدْ أهانَهُ، وذَلِكَ هو العَذابُ العَظِيمُ.
6:17Page 129
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ يُصْرَفْ عَنْكَ ذَلِكَ العَذابُ فَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ دَلِيلًا آخَرَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَهُ ولِيًّا، فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ في ذَلِكَ العَذابِ وغَيْرِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لِمَن أُوقِعَ بِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِضُرٍّ﴾ أيْ: هُنا أوْ هُناكَ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا هُوَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إيقاعِهِ، ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دِفاعِهِ؛ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرادَ.
ولَمّا كانَ القِياسُ عَلى الأوَّلِ مُوجِبًا لِأنْ يَكُونَ الجَزاءُ: فَلا مانِعَ لَهُ، كانَ وصْفُهُ مِن صِفَةِ قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى مَنعِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
6:18Page 129
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨
And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2
ولَمّا كانَتْ الجُمْلَتانِ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَأفادَتا بِما ذُكِرَ وما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِمّا حُذِفَ أنَّهُ تَعالى غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ أيْ: الَّذِي يُعْمِلُ مُرادَهُ كُلَّهُ ويَمْنَعُ غَيْرَهُ مُرادَهُ إنْ شاءَ، وصَوَّرَ قَهْرَهُ وحَقَّقَهُ لِتَمَكُّنِ الغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ عَبْدٌ ولَمّا كانَ في القَهْرِ ما يَكُونُ مَذْمُومًا - نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يُوصَلُ أثَرُ القَهْرِ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ (p-٤٠)إلّا لِمُسْتَحِقٍّ، وأتَمَّ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَمَّتْ الأدِلَّةُ عَلى عَظِيمِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ لا فاعِلَ غَيْرُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences