Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:19–24, continued
) «وإنَّ الصَّفَّ الأوَّلَ عَلى مِثْلِ صَفِّ المَلائِكَةِ» ) وأدَلُّ مِن جَمِيعِ ما مَضى ما رَوى مالِكٌ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمْعَةِ غُسْلَ الجَنابَةِ ثُمَّ راحَ في السّاعَةِ الأُولى فَكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الثّانِيَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الثّالِثَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن راحَ في السّاعَةِ الرّابِعَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجاجَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الخامِسَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتْ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)؛» وفي رِوايَةٍ: ) «فَإذا قَعَدَ الإمامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ )». [وفِي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: «( فَإذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وجَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ طُوِيَتْ الصُّحُفُ] ودَخَلُوا المَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ )» . فَإنَّ تَرْكَهم لِكِتابَةِ النّاسِ وإقْبالَهم عَلى الِاسْتِماعِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى الِائْتِمامِ، بِما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «( إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ (p-٦٩)يَوْمَ الجُمْعَةِ: أنْصِتْ، والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ)» قالَ الحَلِيمِيُّ في الرّابِعِ مِن شُعَبِ الإيمانِ، في الجَوابِ عَمّا أُورِدَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] مِن أنَّ التَّخْصِيصَ بِالإنْسِ والجِنِّ لا يَمْنَعُ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى المُعارَضَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا المَلائِكَةُ فَلَمْ يَتَّحِدُوا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ إذا لَمْ تَكُنْ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَسَواءٌ كانُوا قادِرِينَ عَلى مِثْلِهِ أوْ عاجِزِينَ - وهم عِنْدَنا عاجِزُونَ - وقالَ في الخامِسَ عَشَرَ في أنَّ مِن أنْواعِ تَعْظِيمِهِ الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَأمَرَ اللَّهُ عِبادَهُ أنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ ويُسَلِّمُوا، وقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ إخْبارَهم بِأنَّ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ اللَّهُ عِبادَهُ لِنَبِيِّهِمْ بِذَلِكَ عَلى ما في الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِنَ الفَضْلِ إذا كانَتْ المَلائِكَةُ مَعَ انْفِكاكِهِمْ عَنْ شَرِيعَتِهِ تَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ - لِيَعْلَمُوا أنَّهم بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ أوْلى وأحَقُّ، هَذا نَصَّهُ في المَوْضِعَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ دَلِيلًا، ونَسَبَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِهِ لِجَمْعِ الجَوامِعِ مِثْلَ ذَلِكَ إلى البَيْهَقِيِّ في الشُّعَبِ فَإنَّهُ قالَ: وصَرَّحَ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البابِ الرّابِعِ مِن شُعَبِ الإيمانِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يُرْسِلْ إلى المَلائِكَةِ، وفي البابِ الخامِسَ عَشَرَ بِانْفِكاكِهِمْ مِن شَرْعِهِ، قالَ: وفي تَفْسِيرِ الإمامِ الرّازِيِّ والبُرْهانِ النَّسَفِيِّ (p-٧٠)حِكايَةُ الإجْماعِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الثّانِيَةِ - أيْ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو شَهادَةُ نَفْيٍ - كَما تَرى - لا يَنْهَضُ بِما ذَكَرْتُهُ مِنَ النُّصُوصِ عَلى أنَّ الحَلِيمِيَّ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ إلّا لِقَوْلِهِ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في كِتابِ (الأرْبَعِينَ) والشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ في (شَرْحِ المَقاصِدِ) وغَيْرِهِما، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلّا القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، فَكَما لَمْ يُوافِقْ عَلى الأصْلِ لا يُوافِقُ عَلى الفَرْعِ، وأمّا البَيْهَقِيُّ فَإنَّما نَقَلَهُ عَنِ الحَلِيمِيِّ وسُكُوتُهُ عَلَيْهِ لا يُوجِبُ القَطْعَ بِرِضاهُ، قالَ الزَّرْكَشِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: وهي مَسْألَةٌ وقَعَ النِّزاعُ فِيها بَيْنَ فُقَهاءِ مِصْرَ مَعَ فاضِلِ دَرْسٍ عِنْدَهم، وقالَ لَهم: المَلائِكَةُ ما دَخَلَتْ في دَعْوَتِهِ، فَقامُوا عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفُرْقانِ الدُّخُولَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] والمَلائِكَةُ داخِلُونَ في هَذا العُمُومِ. انْتَهى. وهَذا يَقْدَحُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن نَقْلِ الإجْماعِ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَفِيهِ أُمُورٌ: أمّا أوَّلًا: فالإجْماعُ لا يَرْجِعُ إلّا إلى أهْلِ الِاطِّلاعِ عَلى المَنقُولاتِ مِن حُفّاظِ الآثارِ وأقاوِيلِ السَّلَفِ فِيهِ. وأمّا ثانِيًا: فَإنَّهُ نَقْلٌ يَحْتَمِلُ التَّصْحِيحَ والتَّضْعِيفَ؛ لِأنَّهُ بِطُرُقِهِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ نُقِلَ عَمَّنْ لا يُعْتَدُّ بِهِ، أوْ يَكُونُ (p-٧١)أخَذَهُ عَنْ أحَدٍ مُذاكَرَةً وأحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ، أوْ حَصَلَ لَهُ سَهْوٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَلا وُثُوقَ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَنقُولِ عَنْهُ وسَنَدِ النَّقْلِ والِاعْتِضادِ بِما يُوجِبُ الثِّقَةَ لِيُقاوِمَ هَذِهِ الظَّواهِرَ الكَثِيرَةَ. وأمّا ثالِثًا: فَإنَّهُ سَيَأْتِي عَنِ الإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ بِالإرْسالِ إلى المَلائِكَةِ، وقالَ الإمامُ ولِيُّ الدِّينِ أبُو زُرْعَةَ أحْمَدُ بْنُ الحافِظِ زَيْنُ الدِّينِ العِراقِيُّ في شَرْحِهِ (لِجَمْعِ الجَوامِعِ): وأمّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ فالمُرادُ المُكَلَّفُ مِنهم، وهَذا يَتَناوَلُ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ، فَأمّا الأوَّلانِ فَبِالإجْماعِ، وأمّا المَلائِكَةُ فَمَحَلُّ خِلافٍ فَأيْنَ الإجْماعُ ! هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذا النَّقْلِ وأنّى لِمُدَّعِي ذَلِكَ بِهِ فَإنِّي راجَعْتُ تَفْسِيرَ الإمامِ لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ نَقْلَ الإجْماعِ، وإنَّما قالَ: ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: الأوَّلُ: أنَّ العالَمَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ، فَيَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ، لَكِنّا نُبِّئْنا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُنْفى كَوْنُهُ رَسُولًا إلى الجِنِّ والإنْسِ جَمِيعًا، وبَطَلَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”العالَمِينَ“ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ إلى المُكَلَّفِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - هَذا لَفْظُهُ في أكْثَرِ النُّسَخِ، وفي بَعْضِها: لَكِنّا أجْمَعْنا - بَدَلَ: نُبِّئْنا - وهي غَيْرُ صَرِيحَةٍ في إجْماعِ الأُمَّةِ - كَما تَرى - ولَمْ يُعَيِّنْ المَوْضِعَ الَّذِي أحالَ عَلَيْهِ في النُّسَخِ (p-٧٢)الأُخْرى - فَلْيُطْلَبْ مِن مَظانِّهِ ويُتَأمَّلْ، وأمّا النَّسَفِيُّ فَمُخْتَصِرٌ لَهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ -. ثُمَّ رَأيْتُ في خُطْبَةِ كِتابِ: ( الإصابَةِ في أسْماءِ الصَّحابَةِ ) لِشَيْخِنا حافِظِ عَصْرِهِ أبِي الفَضْلِ ابْنِ حَجَرٍ في تَعْرِيفِ الصَّحابِيِّ: وقَدْ نَقَلَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في: ( أسْرارِ التَّنْزِيلِ) الإجْماعَ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلى المَلائِكَةِ، ونُوزِعَ في هَذا النَّقْلِ، بَلْ رَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ أنَّهُ كانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ واحْتَجَّ بِأشْياءَ يَطُولُ شَرْحُها. انْتَهى. والعَجَبُ مِنَ الرّازِيِّ في نَقْلِ هَذا الَّذِي لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ قالَ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ في أواخِرِ الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الثّالِثِ في الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الآدَمِيِّ عَلى وُجُودِ الخالِقِ: الوَجْهُ الرّابِعُ - أيْ: في تَكْرِيمِ بَنِي آدَمَ - أنَّهُ جَعَلَ أباهم رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ كَرامَةٍ كانَتْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ فَلِنَبِيِّنا ﷺ [مِثْلُها أوْ أعْظَمُ] مِنها، [وقالَ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ في ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى مَن يُوَجِّهُ التَّحْذِيرَ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ كانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الإرْسالُ إلى الرَّسُولِ لِبَعْثَةِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . انْتَهى. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ]، والحاصِلُ أنَّ رِسالَتَهُ ﷺ إلَيْهِمْ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - رُتْبَةٌ فاضِلَةٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ (p-٧٣)كامِلَةٌ جائِزَةٌ لَهُ، لائِقَةٌ بِمَنصِبِهِ، مُطابِقَةٌ لِما ورَدَ مِنَ القَواطِعِ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ دَعْوَتِهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى حِيازَتِهِ لَها ظَواهِرُ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِها لَهُ إشْكالٌ في الدِّينِ ولا مَحْذُورٌ في الِاعْتِقادِ، فَلَيْسَ لَنا التَّجْرِيءُ عَلى نَفْيِها إلّا بِقاطِعٍ كَما قالَ إمامُنا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ ( الرِّسالَةِ ) في آيَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قالَ: فاحْتَمَلَتْ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يَحْرُمَ عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ أبَدًا إلّا ما اسْتَثْنى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا المَعْنى الَّذِي إذا وُوجِهَ رَجُلٌ مُخاطَبًا بِهِ كانَ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ [عَلَيْهِ] غَيْرُ ما سَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُحَرَّمًا، وما كانَ هَكَذا فَهو الَّذِي يُقالُ لَهُ أظْهَرُ المَعانِي وأعَمُّها وأغْلَبُها [والَّذِي] لَوْ احْتَمَلَتْ الآيَةُ مَعانِيَ سِواهُ - كانَ هو المَعْنى الَّذِي يَلْزَمُ أهْلَ العِلْمِ القَوْلُ بِهِ إلّا أنْ تَأْتِيَ سُنَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأبِي هو وأُمِّي - تَدُلُّ عَلى مَعْنًى غَيْرَهُ مِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ، فَنَقُولُ: هَذا مَعْنًى ما أرادَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يُقالُ بِخاصٍّ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةٍ إلّا بِدِلالَةٍ فِيهِما أوْ في واحِدٍ [مِنهُما]، ولا يُقالُ (p-٧٤)بِخاصٍّ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أُرِيدُ بِها ذَلِكَ الخاصُّ، فَأمّا ما لَمْ تَكُنْ مُحْتَمِلَةً لَهُ فَلا يُقالُ فِيها بِما لا تَحْتَمِلُ الآيَةُ. انْتَهى. وشَرَحَهُ الإمامُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في المُحَلّى فَقالَ: ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ في آيَةٍ أوْ [فِي] خَبَرٍ: هَذا مَنسُوخٌ أوْ مَخْصُوصٌ في بَعْضِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ لَفْظِهِ، ولا أنَّ لِهَذا النَّصِّ تَأْوِيلًا غَيْرَ مُقْتَضى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ولا أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْنا مِن حِينِ وُرُودِهِ إلّا بِنَصٍّ آخَرَ وارِدٍ بِأنَّ هَذا النَّصَّ كَما ذُكِرَ، أوْ بِإجْماعٍ مُتَيَقَّنٍ بِأنَّهُ كَما ذُكِرَ، أوْ بِضَرُورَةِ حِسٍّ مُوجِبَةٍ أنَّهُ كَما ذُكِرَ، بُرْهانُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] ومَن ادَّعى أنَّ المُرادَ بِالنَّصِّ بَعْضُ ما يَقْتَضِيهِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لا كُلُّ ما يَقْتَضِيهِ فَقَدْ أسْقَطَ بَيانَ النَّصِّ، وأسْقَطَ وُجُوبَ الطّاعَةِ لَهُ بِدَعْواهُ الكاذِبَةِ، ولَيْسَ بَعْضُ ما يَقْتَضِيهِ النَّصُّ بِأوْلى بِالِاقْتِصارِ عَلَيْهِ (p-٧٥)مِن سائِرِ ما يَقْتَضِيهِ. انْتَهى. وقالَ أهْلُ الأُصُولِ: إنَّ الظّاهِرَ [ما] دَلَّ عَلى المَعْنى دِلالَةً ظَنِّيَّةً، أيْ: راجِحَةً، والتَّأْوِيلُ حَمْلُ الظّاهِرِ عَلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، فَإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ لِدَلِيلٍ فَصِيحٍ - أوْ لِما نَظُنُّ دَلِيلًا ولَيْسَ في الواقِعِ بِدَلِيلٍ - فَفاسِدٌ، أوْ لا لِشَيْءٍ فَلَعِبٌ لا تَأْوِيلٌ، [قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ في الكَلامِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ هَلْ هي بِالعَيْنِ أوْ بِالقَلْبِ: والحَقُّ ما ظَهَرَ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن شَواهِدِ الشَّرْعِ أنَّ ذَلِكَ يُخْلَقُ في العَيْنِ، لِيَكُونَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ والنَّظَرِ وسائِرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في الشَّرْعِ مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ إزالَةُ الظَّواهِرِ إلّا لِضَرُورَةٍ. انْتَهى]، وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ عَنِ الرِّسالَةِ إلى الجِنِّ الَّذِي تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنِّي رَأيْتُهُ بِخَطِّهِ: الآيَةُ العاشِرَةُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] قالَ المُفَسِّرُونَ كُلُّهم في تَفْسِيرِها: لِلْجِنِّ والإنْسِ، وقالَ بَعْضُهم: والمَلائِكَةِ. الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناها: إلّا إرْسالًا عامًّا شامِلًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أيْ: لَيْسَ بِخاصٍّ بِبَعْضِ النّاسِ، فَمَقْصُودُ الآيَةِ نَفْيُ الخُصُوصِ وإثْباتُ العُمُومِ، ولا مَفْهُومَ لَها فِيما وراءَ النّاسِ، بَلْ قُوَّتُها في العُمُومِ يَقْتَضِي عَدَمَ الخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَشْمَلُ (p-٧٦)الجِنَّ، ولَوْ كانَ مَقْصُودُ الآيَةِ حَصْرَ رِسالَتِهِ في النّاسِ لَقالَ: وما أرْسَلْناكَ إلّا إلى النّاسِ، فَإنَّ كَلِمَةَ ( إلّا ) تَدْخُلُ عَلى ما يُقْصَدُ الحَصْرُ فِيهِ، فَلَمّا أدْخَلَها عَلى ”كافَّة“ دَلَّ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالحَصْرِ، ويَبْقى قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“ لا مَفْهُومَ لَهُ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ مَفْهُومُ قَلْبٍ وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لا يُقْصَدُ بِالكَلامِ، أمّا ثالِثًا فَلِأنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ ”النّاس“ يَشْمَلُ الإنْسَ والجِنَّ، أيْ: عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْسِ، وهو التَّحَرُّكُ، وهو عَلى هَذا شامِلٌ لِلْمَلائِكَةِ أيْضًا، ومِمَّنْ صَرَّحَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ ”النّاس“ يَكُونُ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ الإمامُ أبُو إبْراهِيمَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارابِيُّ في كِتابِهِ: ( دِيوانُ الأدَبِ )، قالَ السُّبْكِيُّ: السّابِعَةَ عَشْرَةَ
﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] الثّامِنَةَ عَشْرَةَ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] ونَحْوُهُما كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وأمّا السُّنَّةُ فَأحادِيثُ: الأوَّلُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «( وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً )،» ( إلى الخَلْقِ ... ) عامٌّ يَشْمَلُ الجِنَّ بِلا شَكٍّ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّهُ ورَدَ في رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ أُخْرى في صَحِيحِالبُخارِيِّ وغَيْرِهِ ( النّاسِ) مَوْضِعَ ( الخَلْقِ ) لِأنّا نَقُولُ: ذَلِكَ مِن رِوايَةِ جابِرٍ، وهَذا مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ فَلَعَلَّهُما حَدِيثانِ، وفي رِوايَةِ الخَلْقِ زِيادَةُ مَعْنًى عَلى النّاسِ، فَيَجِبُ (p-٧٧)الأخْذُ بِهِ إذْ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، ثُمَّ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَن رَوى ( النّاسَ) رَوى بِالمَعْنى فَلَمْ يُوفِّ بِهِ، قالَ: وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المَلائِكَةِ ولا يُسْتَنْكَرُ هَذا، فَقَدْ يَكُونُ لَيْلَةَ الإسْراءِ يَسْمَعُ مِنَ اللَّهِ كَلامًا فَبَلَّغَهُ لَهم في السَّماءِ أوْ لِبَعْضِهِمْ، وبِذَلِكَ يَصِحُّ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ أنْ يَلْزَمَهم جَمِيعُ الفُرُوعِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها شَرِيعَتُهُ، فَقَدْ يَكُونُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأحْكامِ أوْ في بَعْضِ الأشْياءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأحْكامٍ، أوْ يَكُونُ يَحْصُلُ لَهم بِسَماعِ القُرْآنِ زِيادَةُ إيمانٍ، ولِهَذا جاءَ فِيمَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ: فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ، ثُمَّ قالَ في أثْناءِ كَلامٍ: بِخِلافِ المَلائِكَةِ، لا يُلْتَزَمُ أنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ كُلَّها ثابِتَةٌ في حَقِّهِمْ إذا قِيلَ بِعُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم، بَلْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ في شَيْءٍ خاصٍّ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ - . انْتَهى. قُلْتُ: ولا يُنْكَرُ اخْتِصاصُ الأحْكامِ بِبَعْضِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ دُونَ بَعْضٍ في شَرْعٍ واحِدٍ في الأحْرارِ والعَبِيدِ والنِّساءِ والرِّجالِ والحَطّابِينَ والرِّعاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ أعْمالِ الحَجِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ تَعْدادُهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ومَن تَجَرَّأ عَلى نَفْيِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ زَمانِنا بِغَيْرِ نَصٍّ صَرِيحٍ يَضْطَرُّهُ إلَيْهِ، كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ مُضْطَرِبَ الإيمانِ مُزَلْزَلَ اليَقِينِ سَقِيمَ الدِّينِ، ولَوْ كانَ حاكِيًا لِما قِيلَ (p-٧٨)عَلى وجْهِ الرِّضا بِهِ، فَما كُلُّ ما يُعْلَمُ يُقالُ، وكَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ، ولَعَمْرِي! إنَّ الأمْرَ لَعَلى ما قالَ صاحِبُ البُرْدَةِ وتَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، وطُرِبَ عَلَيْهِ في المَحافِلِ والجُمُوعِ:
؎دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارى في نَبِيِّهِمُ واحْكم بِما شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ واحْتَكِمِ
6:20Page 130
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.
ولَمّا أثْبَتَ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ ادَّعى كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهم سَألُوا أهْلَ الكِتابَيْنِ فادَّعَوْا أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعِ لِخَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: الحَقَّ الَّذِي كَذَّبْتُمْ بِهِ لَمّا جاءَكم وحَصَلَ النِّزاعُ بَيْنِي وبَيْنَكم فِيهِ لِما عِنْدَهم في كِتابِهِمْ مِن وصْفِي الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ، ولِما هم بِمِثْلِهِ آنِسُونَ مِمّا أُثْبِتَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، ولِما في هَذا القُرْآنِ مِنَ التَّصْدِيقِ لِكِتابِهِمْ والكَشْفِ لِما أخْفَوْا مِن أخْبارِهِمْ، ولِأسالِيبِهِ الَّتِي لا يَرْتابُونَ في أنَّها خارِجَةٌ مِن مِشْكاةِ كِتابِهِمْ مَعَ زِيادَتِها بِالإعْجازِ، فَهم يَعْرِفُونَ هَذا الحَقَّ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ الصِّبْيانِ بِحُلاهم ونُعُوتِهِمْ مَعْرِفَةً لا يَشُكُّونَ فِيها، وقَدْ وضَعْتُمُوهم مَوْضِعَ (p-٧٩)الوُثُوقِ، وأنْزَلْتُمُوهم مَنزِلَةَ الحَكَمِ بِسُؤالِكم لَهم عَنِّي غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ آمَنَ بِي جَماعَةٌ مِنهم وشَهِدُوا لِي، فَما لَكَمَ لا تُتابِعُونَهُمْ! لَقَدْ بانَ الهَوى وانْكَشَفَ عَنْ ضَلالِكم الغِطاءُ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُهم يُخْفُونَ ذَلِكَ ولا يَشْهَدُونَ بِهِ، قالَ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْهم: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ أيْ: مِنهم، ولَكِنَّهُ حَذَفَها لِلتَّعْمِيمِ ﴿أنْفُسَهم فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِما سَبَقَ لَهم مِنَ القَضاءِ بِالشَّقاءِ الَّذِي خَسِرُوا بِهِ أنْفُسَهم بِالعُدُولِ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والفِكْرَةُ المُسْتَقِيمَةُ، ومَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ فَكَيْفَ يَشْهَدُ! فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ مَن لا يَشْهَدُ مِنهم فَهو في الحَقِيقَةِ مَيِّتٌ أوْ مَواتٌ؛ لِأنَّ مَن ماتَتْ نَفْسُهُ كَذَلِكَ، بَلْ هم أشْقى مِنهُ، فَلَقَدْ أدّاهُمُ ذَلِكَ الشَّقاءُ إلى أنْ حَرَّفُوا كِتابَهم وأخْفَوْا كَثِيرًا مِمّا يَشْهَدُ لِي بِالنُّبُوَّةِ، فَكانُوا أظْلَمَ الخَلْقِ بِالكَذِبِ في كِتابِ اللَّهِ لِلتَّكْذِيبِ لِرُسُلِ اللَّهِ.
6:21Page 130
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا فَفاتَهم الإيمانُ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوا بِكِتْمانِ الشَّهادَةِ، فَكانَ الظُّلْمُ سَبَبَ خُسْرانِهِمْ، فَمَن أظْلَمُ مِنهم ! عُطِفَ عَلَيْهِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّهم بَدَّلُوا كِتابَهم، أوْ نَسَبُوا إلَيْهِ ما لَيْسَ فِيهِ، فَقالَ واضِعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَلِكَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ (p-٨٠)﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتابَهم ونَسَبُوا إلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، زِيادَةً كَتَبُوها بِأيْدِيهِمْ لا أصْلَ لَها، إضْلالًا مِنهم لِعِبادِهِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ: الآتِي بِها الرُّسُلُ كالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كالمُشْرِكِينَ، لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهم فَهم لا يُفْلِحُونَ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكَيْفَ بِالأظْلَمِينَ ! .
6:22Page 130
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم أكْذَبُ النّاسِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِكَذِبِهِمْ يَوْمَ الحَشْرِ بَعْدَ انْكِشافِ الغِطاءِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وتَكْذِيبَهم في هَذِهِ الدّارِ، واذْكُرْ أعْجَبَ مِن ذَلِكَ، وهو كَذِبُهم في عالَمِ الشَّهادَةِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وارْتِفاعِ الحُجُبِ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: نَجْمَعُهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وهم كارِهُونَ صاغِرُونَ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وغَيْرَهم ومَعْبُوداتِهِمْ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وطُولِهِ ومَشَقَّتِهِ وهَوْلِهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظْمَةِ الَّتِي انْكَشَفَتْ لَهم أسْتارُها وتَبَدَّتْ لَهم بُحُورُها وأغْوارُها تَوْبِيخًا وتَنْدِيمًا ﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: سَمَّوْا شَيْئًا مِن دُونِنا إلَهًا وعَبَدُوهُ بِالفِعْلِ، مِنَ الأصْنامِ أوْ عُزَيْرٍ أوْ المَسِيحِ أوْ الظُّلْمَةِ أوْ النُّورِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ بِالرِّضى بِالشِّرْكِ، فَإنَّ الرِّضى بِالشَّيْءِ فِعْلٌ لَهُ لا سِيَّما إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ تَكْذِيبُ المُحِقِّ والشَّهادَةُ لِلْمُبْطِلِ بِأنَّ دِينَهُ خَيْرٌ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أضافَهم إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهم بِذَلِكَ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: (p-٨١)أنَّهم شُرَكاؤُنا بِالعِبادَةِ أوْ الشَّهادَةِ بِما يُؤَدِّي إلَيْها، ادْعُوهم اليَوْمَ لِيَنْقُصُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن ضُرِّكم، أوْ يَرْفَعُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن وضْعِكم، وسُؤالُهم هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ عَنْهم وأنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْضارِهِمْ لَهم، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَمّا كانُوا يَظُنُّونَ مِن نَفْعِهِمْ، فَكَأنَّ غَيْبَتَهُ غَيْبَتُهم.
6:23Page 130
ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣
Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."
ولَمّا كانَ إخْبارُهم بِغَيْرِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَبْعَدًا بَعْدَ رَفْعِ الحِجابِ عَنِ الأهْوالِ وإظْهارِ الزَّلازِلِ والأوْجالِ - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ: عاقِبَةُ مُخالَطَتِنا لَهم بِهَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ مِنَ البَلايا الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَمِيلَ ما خالَطَتْهُ فَتُحِيلُهُ [و] لَوْ أنَّهُ جُبِلَ - عَنْ حالِهِ بِما نالَهُ مِن قَوارِعِهِ وزِلْزالِهِ إلّا كَذِبُهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ثَباتًا مِنهم فِيما هم عَرِيقُونَ فِيهِ مِن وصْفِ الكَذِبِ: ﴿واللَّهِ﴾ فَذَكَرُوا الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي تَنْدَكُّ لِعَظَمَتِهِ الجِبالُ الشُّمِّ، وتَنْطِقُ بِأمْرِهِ الأحْجارُ الصُّمُّ، الجامِعُ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي ظَهَرَ لَهم كَثِيرٌ مِنها في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِذِكْرِ الوَصْفِ المُذَكِّرِ بِتَرْبِيَتِهِمْ ودَوامِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبِّنا﴾ فَلَمْ يَقْنَعُوا بِمُجَرَّدِ الكَذِبِ حَتّى أقْسَمُوا، ولا بِمُجَرَّدِ القَسَمِ حَتّى ذَكَرُوا الِاسْمَ الجامِعَ والوَصْفَ المُحَسِّنَ ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ: إنَّ تَكْذِيبَهم لَكَ أوْصَلَهم إلى حَدٍّ يَكْذِبُونَ فِيهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ تَطَمُّعًا بِما لا يَنْفَعُهم، (p-٨٢)كَما تَرى الحائِرَ المَدْهُوشَ في الدُّنْيا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَهو إيئاسٌ مِن فَلاحِ الجَمِيعِ: المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى تَنْدِيمًا لَهم وتَأْسِيفًا: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمْ الَّذِي افْتَتَنُوا بِهِ في لُزُومِهِ والِافْتِخارِ بِهِ والقِتالِ عَلَيْهِ - لِكَوْنِهِ دِينَ الآباءِ - إلّا جُحُودَهُ والبَراءَةَ مِنهُ والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ، والمَعْنى عَلى قِراءَتَيِ النَّصْبِ والرَّفْعِ في (فِتْنَةٍ) عَلى جَعْلِها خَبَرًا أوْ اسْمًا واحِدًا، فَمَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلّا قَوْلَهم - أيْ: غَيْرَ قَوْلِهِمْ الكَذِبَ - فِتْنَتَهم، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِتْنَتَهم إلّا هَذا القَوْلُ، فَهَذا القَوْلُ وحْدَهُ فِتْنَتُهم، فَنَفى عَنْ فِتْنَتِهِمْ وسَلَبَ عَنْها كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ قَوْلِهِمْ هَذا، فالفِتْنَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى قَوْلِهِمْ الكَذِبَ، والكَذِبُ قَدْ يَكُونُ ثابِتًا لِغَيْرِها، أيْ: إنَّهم يَكْذِبُونَ مِن غَيْرِ فِتْنَةٍ، بَلْ في حالِ الرَّخاءِ، وهَذا بِعَيْنِهِ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِرَفْعِ فِتْنَةٍ، أيْ: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم شَيْئًا غَيْرَ كَذِبِهِمْ، فَقَدْ نُفِيَتْ فِتْنَتُهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الكَذِبِ، فانْحَصَرَتْ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثابِتًا في حالِ غَيْرِها - عَلى ما مَرَّ، وهَذا التَّقْدِيرُ نَفِيسٌ عَزِيزُ الوُجُودِ دَقِيقُ المَسْلَكِ - يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - عِنْدَ ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] في الأنْفالِ ما يَنْفَعُ هُنا فَراجِعْهُ.
6:24Page 130
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
ولَمّا كانَ هَذا مِن أعْجَبِ العَجَبِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وبِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا﴾ وبِالإشارَةِ إلى أنَّهم فَعَلُوهُ (p-٨٣)مَعَ عِلْمِهِمْ بِما انْكَشَفَ لَهم مِنَ الغِطاءِ أنَّهُ لا يُجْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] الآيَةُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مُرْشِدًا إلى أنَّ شُرَكاءَهم غابُوا عَنْهم، فَلَمْ يَنْفَعُوهم بِنافِعَةٍ، وكانَ الإعْلامُ بِفَواتِ ما أنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَرِحٌ بِهِ - سارًّا لِخَصْمِهِ، جالِبًا لِغَمِّهِ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ ﴿عَنْهُمْ﴾ إمّا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، أوْ هُما بِالنَّظَرِ إلى وقْتَيْنِ، لِيَكُونَ إنْكارًا ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ في ادِّعاءِ شَرِكَتِهِ عِنادًا لِما عَلى ضِدِّهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences